دخولتسجيل الدخول

الحلقة 1

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد؛ فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا البرنامج الذي سنتحدث فيه بإذن الله عن شيء من الفقه.

لكن قبل الكلام عن مسائل الفقه، لا بد من تقديم مقدمة عامة عن فضل العلم وفضل الفقه وشيء من تاريخه. فضل العلم كما هو معلوم فضل عظيم، رب العالمين ذكره في كتابه في آيات كثيرة، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

من ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل أول آية في فضل العلم، أول آية نزلت في كتاب الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في العلم، وهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4].

وبهذه القراءة وبهذه الآيات ابتدأت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وابتدأت البعثة، فكان الله يقول لهذه الأمة: إن رفعتكم وكرامتكم وفضلكم إنما هو بالعلم، بالقراءة، بالتعلم، بالقلم.

والعلم يعني الله سبحانه وتعالى فضل الإنسان على سائر المخلوقات بالعلم، ولذلك سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: 70]. وأمر الله آدم عليه الصلاة والسلام أن يسجد، فأسجد له الملائكة كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 31-32].

إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: 33-34]. إذن بهذا العلم أسجد الله الملائكة العظام لهذا الآدمي وهو آدم عليه الصلاة والسلام، فهذا يدلنا على أن فضل آدم أو فضل الإنسان إنما هو بالعلم.

ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. هناك آيات كثيرة، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4].

البيان العجيب أن هذا الإنسان بهذا العلم ملك الدنيا، بهذا العلم أصبح أفضل من جميع الكائنات ويتحكم في جميع الكائنات، بل لأجل هذا الإنسان الله سبحانه وتعالى خلق له هذا الكون، ففضل هذا الإنسان إنما هو بهذا العلم الذي أعطاه الله إياه. والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث كذلك كثيرة.

النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة». والأحاديث كثيرة، منها فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، ومنها أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع.

والحقيقة أن الإنسان مكون من شيئين: من جسد ومن روح، ولا شك أن الروح أفضل من الجسد، ولذلك الله سبحانه وتعالى حث الإنسان على تعلم العلم؛ لأن بالعلم غذاء الروح كما أن للجسد غذاءه من الطعام والشراب، فكذلك غذاء الروح هو العلم، والروح أفضل من الجسد؛ لأن الجسد بلا روح لا قيمة له.

لذلك أذكر قصة حصلت مرة لرجل رأيته في أمريكا في الولايات المتحدة، وكان رجلا عالما من أهل شرق آسيا. هذا الرجل جاءه رجل وهم يصلون في مسجد أو في الشارع، فجاءهم ووجدهم يصلون فكلمهم، وكان هذا الرجل الذي كلمهم غير مسلم، فقال: ماذا تفعلون؟ قالوا: نصلي لله سبحانه وتعالى، فقال: وما هذه الصلاة؟ كم تصلون في اليوم؟ فقالوا: نحن نصلي في اليوم خمس مرات.

فتعجب الرجل من كثرة عبادتهم ومن إتعابهم لأنفسهم، فقال: لماذا تصنعون هذا؟ وهل الله كلفكم بهذه الكلفة الكبيرة؟ فالرجل جاءه بأسلوب حكيم وقال له: يا أخي، أنت أسألك سؤالا، أيهما أفضل الجسم أم الروح؟ فقال الرجل: الجسم أفضل، فقال: الروح أفضل. قال: طيب، كم تغذي هذا الجسم؟ كم مرة تأكل في اليوم؟ فقال: ثلاث مرات؛ مرة في الصباح، ومرة في الظهر (الغداء)، ومرة في العشاء. فقال: فإننا نغذي هذه الروح في اليوم خمس مرات؛ لأن الروح أفضل من الجسد. فهذا الرجل بهذه الكلمات البسيطة دخل في الإسلام.

ولذلك يقول الشاعر: يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح في ما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

بل أهل العلم كانوا يحظون على طلب العلم منذ الصغر، ولذلك يقول الشاعر: تعلم يا فتى والعود رطب ... وذهنك طيب والفهم قابل فإن الجهل واضع كل عال ... وإن العلم رافع كل خامل أما يكفيك من شرف وعز ... سكوت الناس أو سكوت السامعين وأنت قائل

ولذلك كان كثير من السلف يطلبون العلم وهم صغار، وهناك قصص كثيرة جدا من ذلك. مثلا ابن عيينة رحمه الله عليه، وهو إمام الحجاز، هو ومالك بن أنس كان يقول عنهم الشافعي رضي الله تعالى عنه: «لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز».

هذا ابن عيينة طلب العلم وهو صغير، وتوفي سنة 198هـ. هذا الرجل أول ما طلب العلم من بدايات طلبه للعلم حضر عند الزهري رحمه الله عليه، فكان الزهري يحدث أصحابه، وكان من ضمن أحاديثه أنه كان يقول: حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة، حدثنا سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفي مرات يقول: حدثنا أبو سلمة وسعيد عن أبي هريرة؛ مرة يجمعهما ومرة يفرقهما بحسب الأحاديث التي سمعها منهما أو من أحدهما.

فلما انتهى المجلس، أرسل الناس الجالسين وهم أصحاب ابن عيينة وأصحاب الزهري، يتحدثون في الأحاديث ويتذكرونها، فاختلفوا في بعض الأحاديث: هل رواها عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أو عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة؟ فجاء الزهري وسمعهم ثم قال: «ما تقول يا غلام؟» يقصد ابن عيينة وكان صغيرا جدا، فقال: «عَن كلاهما» فضم الكاف ورفع بالألف، فضحك الزهري وصار يتعجب من حفظه وذكائه ويضحك على لحنه، لأنه المفروض أن يقول «عن كليهما».

وأيضا هناك قصة لابن عيينة نفسه من بدايات طلبه للعلم، مرة كان ذاهبا للحرم المكي، وكان شيخ مكة في ذلك الوقت عمرو بن دينار، وعمرو بن دينار من تلاميذ ابن عباس، ومن تلاميذ تلاميذ ابن عباس وهو الذي حوى علمهم. عمرو بن دينار هذا جاء للمسجد وهو على حمار، فرأى الغلام هذا فقال: «يا غلام، أمسك الحمار حتى أصلي»، فقال الغلام: «حدثني لا أمسك إلا أن تحدثني»، فقالوا: ما تصنع بالأحاديث؟

استصغره فقال: «لا أمسكه إلا أن تحدثني». فحدثه بثمانية أحاديث، ثم دخل ابن عيينة، عمرو بن دينار، وصلى في المسجد وخرج، ثم قال: «يا غلام، لقد أخرتني عن الصلاة بطلبك هذه الأحاديث، فما صنعت فيها؟».

وكان ابن عيينة رحمه الله، لما سمع هذه الأحاديث، وأخذ يمسك الحمار، والرجل ذهب إلى المسجد الذي هو عمرو بن دينار، أخذ في نفسه يتحفظ هذه الأحاديث ويكررها في نفسه. فلما خرج عمرو بن دينار وجده قد حفظ الأحاديث، فقال لما قال له: «ما صنعت بالأحاديث؟»، ردها عليه كلها، فتعجب من حفظه، وقال: «تأتينا في المجلس غداً»، يقول ابن عيينة، فإذا هو عمرو بن دينار؛ يعني هو لا يعرفه ولكن يسمع بعمرو بن دينار، لكن لما جاء إلى المجلس عرف أنه عمرو بن دينار شيخ أهل مكة.

طبعاً الكلام في هذا واسع، وهناك فائدة وهي أنه كان يتحفظ الأحاديث. ابن عيينة لما ذكر له عمرو بن دينار هذه الأحاديث الثلاثة أو الثمانية، أخذ يكررها في نفسه، والتكرار هو وسيلة الحفظ؛ ولذلك حُضَّ العلماء على التكرار في الحفظ، لأن التكرار يقوي الذاكرة. حفظ الإنسان للعلم هذا يقوي ذاكرة الإنسان، وقد كان السلف كما هو معلوم يحضون على التكرار؛ لأن التكرار يعين على الحفظ، والحفظ هو المطلوب؛ لأن حفظ العلم هو الذي يمكن الإنسان من الاستفادة منه.

ولذلك كانوا يحضون على حفظ العلم ويقولون: إن العلم ما دخل مع العالم الحمام، بمعنى أنه ما كان في جوفه، أو ما عبر معه النهر. ولذلك كان الشافعي رحمه الله، كما يقال أظنه عن الشافعي أو عن غيره، كان يقول: «علمي معي أينما يممت يتبعني، جوفي وعاء له لا جوف صندوق». إن كنت في البيت كان العلم فيه معي، أو كنت في السوق كان العلم في السوق.

ويذكر أيضاً عن ابن حزم رحمه الله، ابن حزم الظاهري، أنه لما أحرق الناس كتبه -لأنه كان شديداً في لسانه على بعض أهل العلم فاحرق بعض العامة أو بعض من ينتسب إلى العلم كتبه- فقال بيتين عجيبين يقول فيهما:

إن يحرق القرطاس لا يحرق الذي ... تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائب ... ويمكث إن أمكثت ويدفن في قبري

ولذلك كان يقول: آلا لو أعي كل ما أسمع وأحفظ ... من ذاك ما أجمع ولم أستفد غير ما قد جمعت لقيل هو العالم المقنع ولكن نفسي إلى كل شيء من العلم تسمعه تنزع فلا أنا أحفظ ما قد سمعت، ولا أنا من جمعه أشبع ومن يكون في علمه هكذا، كن دهره القهقرى يرجع

إذا لم تكن حافظاً واعياً، فحفظ أو جمع للكتب لا ينفع. وقد كان بعض أهل الملك يقول: «يا بني، تعلموا العلم؛ فإن كنتم سادة فقتوا، وإن كنتم وسطاً سستم، وإن كنتم سوقة عشتم». إن كنتم سادة فقتوا الأسياد، وإن كنتم وسطاً من الناس -ليسوا بسادة ولا سوقة ولا عامة- سستم، وإن كنتم سوقة عشتم بهذا العلم.

وأيضاً يروى معنى هذا الكلام عن لقمان الحكيم رضي الله تعالى عنه، أنه كان يوصي ابنه فيقول: «يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بأوبال السماء». وفي هذا المعنى يقول سابق البربري رحمه الله:

العلم فيه حياة للقلوب ... كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه ... كما يجلي سواد الظلمة القمر

وفي هذين البيتين قصة جميلة، ولكن نكملها بعد الفاصل إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنا ذكرنا قبل الفاصل البيتين اللذين ذكرهما سابق البربري، وهي قوله: العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر. وذكرنا أن هذين البيتين لهما قصة، وهي هذه القصة؛ طبعاً ذكرها غير واحد من أهل العلم، منهم ابن عبد البر رحمه الله في «جامع بيان العلم وفضله». ذكر عن ابن أبي الخناجر، أحمد بن أبي الخناجر، وهو من أهل الحديث، قال: كنا على باب محمد بن مصعب القرقيساني، محمد بن مصعب القرقيساني من الحفاظ من حفاظ الحديث، وإن كان بعض الناس يتكلم في حفظه.

وكانوا مزدحمين على بابه ينتظرون خروجه وهو لا يخرج عليهم، قالوا: كانوا يتمنون أن يحدثهم بحديث واحد أو حديثين، وهكذا كان دأب أهل الحديث. يعني أهل الحديث كانت طلبة يزدحمون عليهم، وكان الطلبة يزدحمون عليهم ازدحاماً شديداً فيمنعون من التكسب. فكان بعض أهل الحديث يتمنع عن التحديث، حتى كان الفضيل بن عياض رحمه الله يقول: «والله إنه ليطرق الباب، فأخشى أن يكون الذي عند الباب أهل الحديث؛ لأنهم يمسكون الواحد ويسألون عن الأحاديث ويسترسلون معه حتى يذهب عليه النهار».

وهكذا كان بعض السلف، أبو بكر بن عياش رحمه الله، من شدة كثرة طلبة الحديث عنده، يقولون: جعل عند بابه كلباً، وهذا الكلب كلما رأى شخصاً نبح عليه، فكان يمنع أهل الحديث من المجيء إليه. فمرة من المرات احتالوا على الكلب فوضعوا له سماً فمات الكلب، فما انتبه إلا والناس يطرقون عليه الباب، فلما فتح الباب فإذا أهل الحديث على الباب، فأخرج رأسه ونظر في الكلب فإذا والكلب ميت، فقال: «مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر».

من كثرة ما كان هؤلاء الطلبة في محبتهم للطلب يزدحمون على بيوت هؤلاء المشايخ، بل كانت الأعداد غفيرة. يعني هناك أخبار كثيرة جداً، بعضهم يبلغ مجلسه أربعين ألفاً، وبعضهم تجاوز مجلسه ذلك كأبي مسلم الكشلي، أو يزيد بن هارون، قيل إنه كان يحضر مجلسه سبعة آلاف شخص. وعاصم بن علي، كان يحزر من كان في مجلسه فبلغوا أكثر من مائة ألف.

هؤلاء الجالسين الذين معهم المحابر في الرحبة، كما ذكر ذلك غير النظارة؛ أي الواقفين، وكان يملي لهم. والمملي هو الذي يملي من الشيخ، يقول: "ماذا قلت رحمك الله؟" ثم يبلغ بصوته الناس، لأنه لم يكن في ذلك العصر مكبرات صوت. فكان بعض المجالس يكون فيه مستملٍ واحد، وبعض المجالس يكون فيه أكثر من مستملٍ، حتى بعض المجالس بلغ المستملون. وكان هناك رجل يقال له الديك؛ لأن صوته عالي جداً فشبّهوه بالديك، وكان مستملياً عظيماً، كان يقف على جذع نخلة فيصرخ بصوته فيسمع الناس، لا يحتاج الناس معه إلى مستملٍ آخر.

الشاهد من الكلام أن أهل الحديث كانوا يزدحمون على الشيوخ، يزدحمون على أبوابهم، يزدحمون في مجالسهم، بل كان بعضهم يحضر مجلس الفجر من...

العصر، وبعضهم يحضر مجلس العصر من الفجر، يأخذ مكانا حتى يجد مكانا ويكون قريبا من الشيخ يكتب منه الشاهد من الكلام. إن هؤلاء الطلبة كانوا واقفين على باب محمد بن مصعب القرقساني، وكانوا مزدحمين عليه ويرجون منه أن يحدثهم بحديث واحد أو حديثين، فخرج عليهم وقال: «عندي بيت من الشعر، فمن علم من له هذا البيت حدثته، أو حدثتكم إذا علمتم من قائل هذا البيت سأحدثكم ستة أحاديث أو نحو هذا الكلام».

قال: فكان معنا رجل من أهل العراق ممن يعرف الشعر، فلما خرج محمد بن مصعب وقال هذا البيت الذي هو بيت سابق البربري: «العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر»، فقال لمن هذا البيت؟ فقال هذا العراقي: هو لسابق البربري. فقال الشيخ: صدقت، فما بعده؟ ما الذي بعد هذا البيت؟ قال: «والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر». فقال: صدقت، وأخذ يحدثهم بأحاديث ربما ستة أحاديث أو أكثر من هذا، على حسب ما ورد في الرواية.

فضل العلم في الحقيقة فضل كثير جدا، وفضل الفقه بشكل خاص كذلك، ورد فيه آيات وورد فيه أحاديث. من ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].

وكذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. قال العلماء في معنى هذه الآية معنيين: الأول أنه لا ينبغي للمؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد في سبيل الله ويتركوا النبي ﷺ ليس عنده أحد، لأنه لابد أن يكون هناك من يتعلم من النبي ﷺ ما ينزل من الوحي.

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾؛ ينفر طائفة لماذا؟ ليتفقه آخرون في الدين. طبعاً هناك شيء من الحذف في الآيات وهذا من بلاغة القرآن. ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾؛ يعني هؤلاء الذين يجلسون مع الرسول يتفقهون، وهؤلاء الذين خرجوا للغزو يقوون دولة الإسلام، فهناك فرقتان: فرقة في حماية دولة الإسلام، وفرقة في تعليم أو تعلم الفقه، بحيث إذا جاء هؤلاء الغزاة، هؤلاء الذين جلسوا مع النبي ﷺ يعلمونهم الدين ويفقهون في الدين.

والقول الآخر للعلماء يقولون: إن المقصود بهذه الآية -ممن قال ذلك- ليس الذهاب إلى الجهاد، وإنما المقصود أن الناس الذين يهاجرون بعدما فتحت مكة وكثر الناس يهاجرون إلى النبي ﷺ، أو قبل ذلك نزلت الآيات، أنه لا ينبغي لهؤلاء القبائل أن يأتوا كلهم إلى رسول الله ﷺ، بل ينبغي أن يخرج منهم طائفة فيتفقهوا عند النبي ﷺ ثم يرجعون ويخبرون أقوامهم ويفقهون أقوامهم. والشاهد من هذا أنه قال سبحانه وتعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.

وهناك أحاديث كثيرة، منها حديث الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه أنه قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». ومنها حديث الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، أو قيل يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم»، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فابن نبي الله يوسف، نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، يوسف بن يعقوب ابن إسحاق ابن خليل الله ابن إبراهيم»، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقه».

وابن عباس أيضاً يروي عن النبي ﷺ -وهذا في الصحيحين أيضاً- أنه وضع للنبي ﷺ وضوءاً حينما دخل إلى الخلاء، فلما خرج النبي ﷺ ووجد الوضوء قال: «من وضع هذا؟»، فأخبر أنه ابن عباس، فقال: «اللهم فقهه في الدين»، فدعا له بالفقه في الدين. والفقه في الدين شيء عظيم؛ الفقه أصلاً في اللغة معناه الفهم، فالذي يفهم في الدين معناه أن الله سبحانه وتعالى أراد له الخير: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

ولذلك كان العلماء يتكلمون عن فضل الفقه بأشياء كثيرة، مثلاً حماد بن الأثيم رحمه الله في منظومته في الآداب ذكر آداباً كثيرة، وكان يذكر الأدب ثم يشير إلى آية من الآيات أو يشير إلى أحد الأحاديث. فمثلاً يقول في الخال: «والخال فيه لك من كفاية.. أوى إليه أبويه» الآية، قالوا عليك أن تهتم به، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَأَوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام. ﴿فَأَوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾، أبويه المقصود به أبوه يعقوب وخالته؛ لأن زوجة أبيه ليست هي أمه وإنما خالته، وأمه لم تكن عنده أو ماتت، فالذي كان عند يعقوب -أو زوجة يعقوب عليه الصلاة والسلام- كانت خالة يوسف عليه الصلاة والسلام، والله سبحانه وتعالى سماهم أبوين: ﴿فَأَوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾. ولذلك يقول حماد بن الأثيم: «والخال فيه لك من كفاية.. أوى إليه أبويه» الآية.

وهكذا يشير في كثير من المعاني، سواء من معاني الأخلاق أو حتى من أدب العلم، فمثلاً يقول في الحلم: «ثم إلى الحلم يدلف لترشد.. فالحلم خير ما ارتداه السيد لن يدرك المجد لذاك يشهد.. فالحلم خير ما ارتداه»

يعني ما لبسه السيد، لن يدرك المجد لذاك يشهد، هنا يشير إلى بيت من الشعر أو إلى بيتين: «لن يدرك المجد أقوام وإن شرفوا.. ما لم يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا، فترى الألوان مشرقة لا صفح ذل ولكن صفح أحلام». ثم بعد الحلم ذكر العلم وذكر الفقه بالذات، فقال: «فالحلم خير ما ارتداه السيد.. لن يدرك المجد لذاك يشهد فزدا به فالحلم زين الظرفا.. والعلم نعم المقتنى والمقتطلب فريضة وأفرض علم مهمك به.. أبداً تقبضه فقوته الفقه بدا بالفقه وملحه الذي يصلحه.. النحو جهول لهم بذي واسعة ادامه تحقيقه سيرة خير واجب.. تصديق ضيقة له تغرب وتواضع واتبع وجع وهن واعص هواك.. واتبع حتى يرى حالك حال المنشد لو أن سلماء أبصرت التخدر»

فلا بد على طالب العلم أن يتعلم ويطلب العلم ويسافر لأجل ذلك، ولأجل طلب الفقه، ولذلك.

كان بعض السلف يقول: سأضرب في طول البلاد وعرضها، أنال مرادي أو أموت غريبًا، فإن تلفت نفسي فلله درّها، وإن سلمت كان الرجوع قريبًا.

وكان بعض من نعرفه من طلبة العلم يكتب هذين البيتين في ورقة ويعلقها على النافذة في سفره؛ فكلما ملَّ أو أصابه تعب أو أراد الرجوع إلى أهله، نظر إلى البيتين فقويت عزيمته. والبيتان كما ذكرت: سأضرب في طول البلاد وعرضها، أنال مرادي أو أموت غريبًا، فإن تلفت نفسي فلله درّها، وإن سلمت كان الرجوع قريبًا.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.