الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها أو نكمل فيها الحديث عن فضل الفقه. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن فضل العلم بشكل عام، وعن شيء من فضل الفقه.
ووقفنا عند كلام لحماد بن الأمين أو أبيات له يقول فيها: طلبه فريضة، وأفرض علم همك به أبدا تقبضه، فقوته الفقه؛ العلم هو الفقه، وقوت -أهم يعني الطعام- فقوته الفقه، وملحه الذي يصلحه النحو، جلهم بذي وأسه إدامة تحقيقه سيرة خير واجب تصديقه. ثم يقول بعد ذلك: له تغرب وتواضع واتبع وجع وهن، واعص هواك وترع، حتى يرى حالك حال المنشد: لو أن سلمى أبصرت التخدد. وذكرنا أنه يشير في هذه الأبيات إلى رجل ذهب ليأتي بمهر ابنة عمه التي يريد الزواج منها، وأصابه في رحلته ما أصابه. فهو يقول في أبياته: لو أن سلمى أبصرت التخدد ورقة في عظم ساقي ويدي، وبعد أهلي وجفاء عودي، عضت من الوجد بأطراف اليد -يعني عضت من الحزن بأطراف اليد من التحسر على حاله وما آل إليه جسده من الضعف والتعب-.
فهو يقول: لتكن في العلم حالك حال هذا الرجل. لتكن حالك حال هذا الرجل الذي ذهب لطلب الدنيا، فأنت اطلب العلم، واتعب، وتغرب، ولذلك العلماء كانوا يمدحون التغرب في طلب العلم والرحلة. وألف فيها السلف الرحلة في طلب العلم، ورحل كثير من الصحابة، بل رحل الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في كلامنا، أن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] أن من الناس من فسرها على رحلة الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطلب العلم. فألف العلماء في الرحلة في طلب العلم، ممن ألف في ذلك الخطيب البغدادي رحمه الله عليه. ورحل السلف في طلب العلم، بعضهم رحل في طلب حديث واحد، وبعضهم رحل في طلب مسألة، يعني رجل رحل إلى مالك بن أنس رحمه الله عليه وسأله عن 48 مسألة، فأجابه مالك في 16 مسألة، والبقية 32 مسألة يقول فيها مالك: لا أدري، فقال: يا أبا عبد الله، ماذا أقول للناس خلفي؟ قال: قل لهم مالك لا يدري، يعني هذا ليس بعيب. الشاهد أن العلماء يحضون على طلب الرحلة، ورحل كثير من السلف كما ذكرت، منهم من رحل في طلب حديث، ومنهم من رحل في طلب مسألة، ومنهم من رحل في طلب حديثين، ومنهم من رحل لطلب العلو لكي يسمع من الشيخ الذي سمع من تلميذه، يعني هو سمع من تلميذ، ثم هذا التلميذ يحدث عن شيخ ما زال حيا، فهو رحل ليسمع من المصدر الرئيسي، وهذا كثير.
وقد هناك طرفة أو قصة بسيطة جدا وهي حصلت معي، وهي أنه كان لي صديقان من الشباب، وكانوا في بداية حفظ القرآن، وذهبنا مرة إلى العمرة، وكان ذلك في رمضان، وكنت أسوق السيارة، وكانوا نائمين في آخر الليل، فخفت من النعاس، خفت أن أنام وأنا أسوق، فأخذت أقول أبياتا أو أنشد أبياتا أو أحاول أن أرتجل شعرا ثم أحفظه، أقول بيتا وأحفظه، ثم أقول البيت الثاني وأحفظه، ثم أقول إلى أن اكتملت عندي مجموعة أبيات، ثم أصبحت أنشدها بصوتي حتى استيقظوا، وكان ذلك وقت السحر. وهذه الأبيات كنت الشاهد منها هو الكلام عن الرحلة في طلب العلم. هذه الأبيات كان فيها: على الشيب رأسي والطريق أمامي، ولا راجع ما قد تركت ورائي، على الشيب رأسي والطريق أمامي، ولا راجع ما قد تركت ورائيا، يراودني هم إذا كنت خاليا، وقد كنت في دهر من الهم خاليا، أود المعالي والمعالي عزيزة، وكم كاسب في الاغتراب المعاليا، فليت اغترابا في ديار بعيدة، يكون لمن لا زال للعلم راجيا، على كبر يرجو ويأمل جمعه، ومن جمعه أخلى السنين الخواليا، فيا صاحبنا صالحا ومباركا، أريتك ما كان في القلب خافيا، ففي جمع ما لم أجمع الأمر أجمعا، ولا تنيا فيه وإن كان نائيا. الشاهد أن طلب العلم يحتاج إلى الرحلة، يحتاج إلى الحفظ، وقد ذكرنا هذا كله أو أشرنا إليه.
وطلب العلم وطلب الفقه يرفع قدر الإنسان في الدنيا، كما ذكرنا عن بعض السلف، وعن لقمان الحكيم، وعن عبد الملك بن مروان أنه قال لبنيه: إنكم إذا تعلمتم وكنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطا سدتم، وإن كنتم سوقة عشتم. ولذلك كان بعض الناس الذين يعتبرون من السوقة أو من عامة الناس بل من الموالي كما يقال، رفعهم الله بهذا العلم. ومن هؤلاء الناس أناس كثيرون، منهم عكرمة مولى ابن عباس، فإنه كان مولى لابن عباس وتعلم من ابن عباس علما عظيما، فلما أراد ولده أن يبيعه قال له الناس عاتبوها، تبيعوا علم والدك موجود مع هذا الرجل الذي هو عكرمة، فالله رفع عكرمة بهذا العلم. وهكذا غيره من العلماء، مثلا نافع مولى بن عمر، هذا مولى لابن عمر وكان شيخا لمالك بن أنس، ومن أعظم الشيوخ مالك بن أنس، وكان السلسلة الذهبية كما يقولون: مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر. وبعضهم يزيد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وبعضهم يزيد أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذه السلسلة الذهبية كما يقال لا يوجد منها إلا حديث واحد، يعني التي هي برواية الإمام أحمد، وإلا مالك عن نافع عن ابن عمر هناك أحاديث كثيرة. الشاهد من الكلام أن العلم يرفع، والفقه يرفع الناس إلى مكانة لم يكونوا عليها، فمثلا ممن رفعهم العلم أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، هذا من تلاميذ ابن عباس، كان يأتي لابن عباس فيجلس ابن عباس معه على السرير فيتغزل قرشيين، يعني كيف يرفع هذا الرجل؟ فابن عباس فطن لهم فقال: كذاك هذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس المملوك على الأسرة. يعني أجابهم قال: أنتم هذا لماذا أنا رفعته لأجل العلم الذي معه.
وهكذا عطاء بن أبي رباح، كان مولى، وكان يقال إنه أفطس، أعرج، عبد مملوك، وهو من أهل مكة، وهو من كبار علماء مكة، بل ما كان يفتي في مكة إلا هو في عهد بني أمية، كانوا يقولون في عهد بني أمية في الحج كان يصيح مناد: لا يفتي الناس بمكة أو في الحج إلا عطاء بن أبي رباح، وكان أبوه نوبيا. فهذا الرجل الذي هو عطاء بن أبي رباح حصلت له أخبار، يعني سليمان بن عبد الملك وهو أمير المؤمنين مرة جاء إلى عطاء بن أبي رباح، وعطاء كان يصلي، فجلس هو وولداه، كان معه ولداه، فبعدما انفتل من الصلاة أخذوا يسألونه أسئلة، وهذا الرجل جالس في مصلاه، ويلتفت إليهم بعنقه، فلما انتهى سليمان بن عبد الملك من سؤاله وأبناه معه قال: يا بني، لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود. يعني هذا العبد الأسود الله رفعه، وأذل بسؤاله أمير المؤمنين له بسبب هذا العلم الذي كان عنده. الشاهد من الكلام أن العلم والفقه بالذات له منزلة عظيمة في الإسلام، الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الأمور التي ينبغي الكلام عنها تاريخ العلم أو تاريخ علم الفقه، يعني كيف جاءنا هذا الفقه؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هو المصدر، النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يعلم الناس الأحكام، أما عن طريق الوحي المنزل وهو القرآن العظيم، وأما عن طريق السنة، فكان الصحابة يتلقون عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحكام بالتسليم، ولم يكونوا يخالفون النبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو المصدر، أما عن طريق الكتاب وأما عن طريق السنة، ولو إذا اختلفوا رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اختلفوا في شيء يحتمل فيه الاختلاف أو اتضح أنهم مجتهدون فيه لا يعنفهم، فمرة من المرات النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، وهذا كان بعد غزوة الأحزاب، لأن بنو قريظة خانوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وساعدوا قريش وهم كان بينهم صلح، وكان بينهم معاهدة أنهم يحمون أهل المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يحميهم، فهم غدروا في عهدهم، فأدخلوا الأحزاب وصار ما صار، وهو خبر معروف.
فلما انتهت المعركة ورجعت قريش ورجع الأحزاب إلى أماكنهم، جاء جبريل وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تركت لامة الحرب فإنا ما زلنا علينا لامة الحرب، وإلى بني قريظة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة»، فعند ذلك ذهب الصحابة إلى بني قريظة، في الطريق جاءتهم صلاة العصر، فمنهم من قال: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم السرعة، أراد منا أن نسرع حتى نأتي إلى بني قريظة ونحاصرهم، ولم يرد منا أن نترك صلاة العصر ولو جاء وقتها، فصلوا العصر في وقتها. والآخرون قالوا: بل نحن لا نصلي العصر إلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة. اختلف الصحابة في معنى هذا الحديث، فلما فعلوا ذلك وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه لم يعنف أيا من الفريقين، وهذا يدل على أن الاختلاف قد يكون منه رحمة وقد يكون سائغا.
وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتلقون كما ذكرت الأخبار من النبي صلى الله عليه وسلم بالتسليم، فإذا سمعوا حديثا طبقوه مباشرة. في المسند وفي أبي داود، النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن الحنظلية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الرجل خريم الأسدي، لولا طول جمته وإسبال إزاره»، فخريم بلغته هذه الكلمة، وبلغه هذا الحديث، فذهب واستعجل وأخذ الشفرة، وقص جمته، وقطع إزاره إلى نصف انصاف الساقين، يعني مباشرة امتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا كان الصحابة. مرة من المرات كان النبي يخطب كما في سنن أبي داود، فقال للصحابة: «اجلسوا»، وكان عبد الله بن مسعود عند الباب فجلس عند الباب، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عبد الله، ادخل»، يعني هذا مسارعة الصحابة لامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم. فقبل وفاة النبي في حياة النبي كانت الأحكام تؤخذ من رسول الله أما عن طريق الكتاب وأما عن طريق السنة، ولم يكن هناك شيء يسمى الإجماع، لأن الإجماع إنما جاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هناك اجتهاد أو قياس، إنما كانت الأحكام تؤخذ من رسول الله، فإذا اختلف الصحابة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففصل بينهم، إما أن يقول أنت أخطأت وأنت أصبت، وإما أن يعنف الفريقين كما مر معنا. نقف قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل في بداية تاريخ الفقه، وهو أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الأحكام تؤخذ من النبي صلى الله عليه وسلم. ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انتشر الصحابة في البلدان وبدأ زمن الاجتهاد، فصار الصحابة يفتون الناس في البلدان المنتشرة في العالم، وصار التابعون يأخذون من الصحابة الذين ذهبوا. كانوا في المدينة كان تابعوا المدينة يأخذون منهم، وهكذا. فمثلا لأهل المدينة كان من المفتين في عهد الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من المتأخرين من الصحابة زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وكان لهم أصحاب من أصحابهم الفقهاء السبعة مثلا. هناك في المدينة كان أناس من الفقهاء يسمون الفقهاء السبعة، منهم سعيد بن المسيب، ومنهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وغير واحد، ثم انتهى علم هؤلاء إلى مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه، ومالك بن أنس هو مفتي المدينة.
وأما أهل مكة مثلا، كان لهم ابن عباس، وكان لابن عباس تلاميذ مثل سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح وغيرهما، وأخذ عن هؤلاء تلاميذهم مثل عمرو بن دينار وهو أشهر تلاميذ تلاميذ ابن عباس، وقد رأى ابن عباس أيضا. وأخذ عن عمرو بن دينار ابن جريج وابن عيينة، وهما شيخا مكة، وعن هذين الرجلين وغيرهما أخذ الشافعي، فكان علم الشافعي لأهل مكة، مالك لأهل المدينة والشافعي لأهل مكة. أما أهل العراق، فكان علمهم في الصحابة في علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما، وعن علي وبن مسعود أخذ تلاميذهم كعبيدة السلماني ومسروق بن الأجدع وعلقمة بن النخعي، وثم أخذ عن هؤلاء إبراهيم النخعي رحمه الله عليه، ثم عنه تلاميذه والمعاصرين له، ثم عنهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عن الجميع. وأما أحمد بن حنبل فكان قد أخذ من كل المدارس، يعني هناك مدرسة مكة ومدرسة المدينة ومدرسة العراق، والإمام أحمد أخذ.
تلاميذ هؤلاء ثم صار هناك الاختلاف بين هؤلاء الفقهاء بناءً على اختلاف الصحابة الذين قبلهم، ولكن هذا الاختلاف لم يكن أحد يقصد منه أن يخالف غيره إلا اتباعًا للسنة. ولذلك ألف العلماء في اختلاف الناس أو ألف العلماء في اختلاف الفقهاء الكبار وعذر المختلفين، ولذلك كان شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية قد ألف «رفع الملام عن الأئمة الأعلام».
هذا الكتاب كان كتابًا عظيمًا يبين فيه أسباب خلاف العلماء، وكيف أن بعضهم أخذ الحد كما أن الصحابة قبل ذكرنا أنهم اختلفوا هل يصلون العصر في بني قريظة أو يصلون العصر في وقتها بناءً على ما فهموه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فخلاف العلماء كان بناءً على فهمهم للأحاديث وفهمهم للآيات، بل أحيانا يكون الخلاف يريده الله سبحانه وتعالى لاجتهاد الأمة. يدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم». لماذا يكون خيرا لنا؟ لأن الناس يجتهدون في رمضان ويجتهدون في كل العشر، ويكون لهم كثير من العبادات.
أحيانا يقع الخلاف، ولذلك اختلف الناس في ليلة القدر متى كانت، وذكر بعض الصحابة كذا وذكر بعض الصحابة الآخرين كذا، ولكن هذا الخلاف كان بناءً على أن حكم المسألة قد عمي على الناس ليجتهدوا ويكون هذا خيرا لهم. ومما يدل على أن الخلاف فيه خير ليس كل الخلاف الذي في الفروع، وأما الخلاف في الأصول أو الخلاف الذي يؤدي إلى الشر فهذا خلاف ممقوت وليس برحمة.
ولذلك لما صنف رجل من العلماء كتابا وسماه كتاب الاختلاف جاء للإمام أحمد وأخبره أني صنفت كتابا وسميته كتاب الاختلاف لأن العلماء يحضون على معرفة الخلاف بين العلماء، فقال الإمام أحمد: بل سمه كتاب السعة، لأن في اختلاف العلماء من الصحابة فمن بعدهم هذا سعة للأمة. وطبعا هناك من يروي حديثا عن النبي أو ينسبه للنبي صلى الله عليه وسلم: «اختلاف أمتي رحمة»، وهذا الحديث ليس بثابت، وإن كان معناه فيه شيء من الحق إذا كان الخلاف بين العلماء في الفروع وخلافاً سائغاً وله أدلته، فهذا الخلاف مقبول وهو سعة للأمة. ولذلك كان يقول عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد: ما يسرني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة؛ اختلافهم هذا فيه رخصة لنا.
وقد كان أيضا ابن قدامة رحمه الله ذكر في لمعة الاعتقاد كلاما حول الانتساب إلى المذاهب المشهورة، وقال إنه ليس بمذموم، إن اختلافهم إنما هو في الفروع، ثم ذكر في آخر كلامه أن اختلافهم رحمة واسعة واتفاقهم حجة قاطعة، اتفاق الأئمة أو اتفاق العلماء هذا حجة قاطعة، ومن هنا جاء الإجماع بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فالإجماع صار حجة عند الناس، وهكذا القياس أيضا حجة عند العلماء.
ومن الأخبار في هذا قصة صغيرة جدا وقصيرة جدا، أن يونس الصدفي اختلف مع الشافعي اختلافا شديدا في كلام بينهما ثم افترق، ثم التقيا من يوم آخر، فأخذ الشافعي بيد يونس هذا الرجل العالم وقال له: ما رأيك أن نكون إخوة وإن لم نتفق؟ فقال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي. نحن ممكن نختلف ولكن لا يفسد اختلافنا للود قضية. هذا الكلام أنا أقوله لكي يعرف الناس أن هذا الخلاف الذي بين العلماء ليس أمرا شنيعا في الدين، بل هذا ما أوصله اجتهادهم إليه، ولا ينبغي أن نخطئ عالما ونحن لسنا بعلماء، بل علينا أن نتبع من نراه حجة بيننا وبين الله وأنه قدوة بيننا إذا لم نكن من أهل الاجتهاد، ونعذر الآخرين في اتباع الآخرين.
لأنه حصل في هذا العصر بالذات أن الناس إذا اختلفوا في شيء تنازعوا، وأحيانا يكون الخلاف في مسائل بسيطة جدا، أحيانا تكون في تحريك الإصبع مثلا، ورأينا من هذا العجب العجاب، وأحيانا الشباب من الحماس للدين واتباع السنة قد يخالفون العلماء الكبار ويردون عليهم ردودا قوية أو قد تكون شنيعة أحيانا، يجهلون بعض الأكابر وهم لم يصلوا في العلم إلى نقطة من بحورهم.
أذكر مرة من المرات في الجامعة كان هناك مسألة الإمام أحمد رحمه الله كان يقول بكراهة الاستظلال، فقد روي عن ابن عمر أنه رأى رجلا يستظل بمظلة أو شيء، فقال: اضح لمن أحرمت له، أي اجعل رأسك مكشوفا ويصيبه ضحى الشمس أو حرارة الشمس لمن أحرمت له، هي مسألة بسيطة جدا، فكان الإمام أحمد يكره الاستظلال. فبعض الطلبة قالوا إن الإمام أحمد أخطأ في هذه المسألة والاستظلال لا بأس به، الإمام أحمد إنما قال هو مكروه أو إنما كرهه لأجل أثر ابن عمر. ثم وقفوا على حديث في صحيح مسلم وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي جمرة العقبة وكان بلال يظله بردائه، فثاروا وكنا في صف الدراسة وقالوا: انظروا هذا الحديث، الإمام أحمد يخالفه. والعجيب أن الإمام أحمد يروي هذا الحديث في المسند!
فقلت يا إخوتي تأنوا قليلا، ربما نكون نحن المخطئين. الذي يظل النبي صلى الله عليه وسلم في رميه لجمرة العقبة بلال، ونحن نعلم أن الذي كان رديفا للنبي صلى الله عليه وسلم على راحلته لما قدم من عرفة إنما كان أسامة بن زيد والفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهما، مرة هذا ومرة هذا. فمعناه استظلال النبي صلى الله عليه وسلم مع كون بلال يظله بردائه هذا قد يكون في يوم آخر ليس في يوم إحرام، وبالفعل كان استظلال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما حل من إحرامه، يعني بعد أن حل من الإحرام ولبس ثيابه صلى الله عليه وسلم، فكان بلال يظله لأنه رمى جمرة العقبة في اليوم الأول وكان محرما عند شروق الشمس، فليس من المعقول أن عند شروق الشمس النبي كان يستظل، إنما الاستظلال يكون من حرارة الشمس، فدل ذلك على أن استظلال النبي صلى الله عليه وسلم كان في يوم لم يكن فيه محرما.
ومن هنا تبين لهؤلاء الشباب أنهم كانوا مخطئين في فهمهم لهذا الحديث، والأمثلة لهذا كثيرة جدا، ولذلك لا ينبغي لطلبة العلم ولا للعامة أن يتشددوا في الخلاف. أحيانا العامي يكون الواحد منهم يعرف مسألة أو سمعها من شيخ في الراديو أو في التلفاز أو سمعها في موعظة، فيظن أن هذا هو الدين وأن ما سواه غلط، فإذا رأى الناس يخالفونه أقام الدنيا ولم يقعدها، ولذلك ينبغي على طالب العلم المبتدئ أن يتأنى، وكذلك العامي ألا ينكر إلا ما علم من كلام الناس أو من كلام العلماء أن ذلك أمر خطأ لا شك فيه.
مما ينبغي أن نتحدث فيه في بداية المقدمة عن الفقه، نحن قلنا أننا سنقدم مقدمة عن الفقه قبل الدخول في مسائل الفقه، ومن ذلك أن نعرف أن المذاهب الأربعة هي التي صار عليها المدار هذه الأيام منذ زمن بعيد، أصبح الناس يتبعون هذه المذاهب الأربعة، وهذه المذاهب الأربعة الخلافات التي فيها خلافات سائغة وفي غالبها وهي مذاهب هدى كما قال أئمتنا. بل كون الناس يتبعون هؤلاء الأربعة في سائر الأزمان بعدهم إلى يومنا هذا يدل على أن هؤلاء الأئمة كانوا من أجل الأئمة الذين بذلوا الوسع في البحث وفي التدقيق في الفقه.
لو أردنا أن نتكلم عن سيرهم لوجدنا العجب العجاب، مثلا أول هؤلاء الأئمة أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي مولاهم، فهو مولى بني تيم، وهو من أهل الكوفة، هذا الرجل ولد في قرابة الثمانين وراى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فهو ولد في عصر صغار الصحابة وقد رأى أنس لكنه لم يسمع منه، وكان شيخه أجل شيخ عنده من الشيوخ الذين تفقه عليهم حماد بن أبي سليمان وهو من العلماء الكبار، وتوفي أبو حنيفة سنة 150 فهو في القرن الثاني الهجري، وكان العلماء يمدحون هذا العالم ويتعجبون من فقهه وعلمه. الشافعي يقول: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه، وكان ابن المبارك يقول: كان أبو حنيفة آية. ومن عجائب أموره التي حصلت أنه دعاه المنصور مرة وأراد أن يحمله على القضاء فامتنع أبو حنيفة رحمه الله، فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: لا، لكني لا أصلح، أبقى الله الأمير، فقال: كذبت، فقال: قد حكم الأمير أني لا أصلح، إن كنت كاذبا فلا أصلح لأني كذاب، وإن كنت صادقا فقد أخبرتك أني لا أصلح.
بهذا نختم هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري