دخولتسجيل الدخول

الحلقة 3

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها عن إكمال بعض المقدمات التي تكلمنا عنها في الحلقتين الماضيتين.

كنا في آخر الحلقة الماضية تكلمنا عن ترجمة الإمام أبي حنيفة بشكل مختصر، وسنتكلم في هذه الحلقة عن بقية الأئمة الأربعة المتبوعين، الذين هم: أبو حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن محمد بن حنبل. هؤلاء الأئمة الأربعة كانوا أئمة عظاما في الإسلام، ولهم أتباع كثيرون، وهم الذين بقيت مذاهبهم إلى اليوم، وحررت هذه المذاهب وألف فيها الكتب، وتكلم فيها الفقهاء وحررها أصحابهم وأتباعهم ومن تقلد هذه المذاهب.

ثاني هؤلاء الأئمة الذي هو بعد أبي حنيفة النعمان هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، وهو إمام دار الهجرة. هذا الإمام توفي سنة 179، وهو في القرن الثاني، وبعده بمئة سنة توفي الإمام الترمذي، هذا من باب الفائدة لحفظ تواريخ وفيات الأئمة. هذا الإمام الذي هو مالك بن أنس، بعض الناس قد يخلط، فيظن أن مالك بن أنس له علاقة بأنس بن مالك، فيظن أن أباه هو أنس بن مالك الصحابي الجليل الذي كان خادما للنبي صلى الله عليه وسلم الأنصاري، لكن هذا مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، وأصله من اليمن، فهو كان إمام دار الهجرة أو إمام المدينة في عصره في ذلك الوقت، وكان إماما معظما مهابا وكان له شيوخ كثيرون.

أدرك التابعين، بينه وبين الصحابة فقط واسطة واحدة، فمثلا عن ابن عمر يروي من جهة نافع: نافع عن ابن عمر. والعلماء يقولون: مالك عن نافع عن ابن عمر، هذه تسمى السلسلة الذهبية، أن هذا الإسناد أصح إسناد في الدنيا. العلماء يختلفون في هذه المسألة، وليس المقصود أن كل حديث فيه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أصح من الحديث الآخر الذي فيه مثلا الزهري عن سالم عن ابن عمر، لكنه من حيث الجملة أن هذه الأحاديث التي جاءت بهذه السلسلة أصح من غيرها من الأحاديث، ولذلك يقول السيوطي رحمه الله عليه في منظومته في أصح الأسانيد:

فمالك عن نافع عن سيده ... وزيد مال الشافعي فأحمد

هو يتكلم عن أصح الأسانيد، فذكر أن مالكا عن نافع عن سيده؛ سيده يعني ابن عمر لأن نافع مولى لابن عمر، وزيد في هذه السلسلة إذا روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فهذا أصح الأسانيد، وإذا روى الإمام أحمد فهو أصح كذلك. هناك بعض الأحاديث، وهو حديث واحد في الحقيقة في مسند الإمام أحمد يرويه عن الشافعي، والشافعي يرويه عن مالك، ومالك يرويه عن نافع، ونافع يرويه عن ابن عمر؛ هذه سلسلة تسمى السلسلة الذهبية.

هذا الإمام مالك بن أنس تعلم كما ذكرت على أهل المدينة، فهو كان علمه قد أخذه من أبناء الصحابة من التابعين، فهو علم أصيل، ولذلك يقولون: عمل أهل المدينة، وكان يحتج مالك بن أنس بعمل أهل المدينة. إذا حاجه أحد من العلماء، قال: أنا في المدينة النبوية التي فيها أصحاب رسول الله وفيها أبناؤهم وفيها التابعون، فمنهم أخذنا العلم. ولذلك سارت بعلمه الركبان، وصار له مهابة وصار له صيت. الشافعي رحمه الله عليه، وهو من الأئمة الأربعة أيضا، كان يقول: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وفي بعض الروايات: إذا ذكر الحديث فمالك النجم.

وكان أبو مصعب الزهري وهو أحد تلاميذ مالك أيضا يقول: كانوا يزدحمون على باب مالك؛ الناس طلبة العلم يزدحمون على باب مالك، حتى أنهم يكادون يقتتلون من شدة الزحام، يتدافعون. قال: وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت أحد إلى أحد، كلهم مطرقو الرؤوس. ويقول: كانت السلاطين تهابه رضي الله تعالى عنه، وكان يقول لا ويقول نعم ويقول كذا ولا يقال له من أين قلت؛ يؤخذ كلامه على التسليم لمكانته عند الناس.

ولذلك كان يقول فيه أحد العلماء، مصعب بن عبد الله: يدع الجواب فلا يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان عز الوقار ونور سلطان التقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان

هو من غير سلطان، ليس حاكما ولكنه مهيب هيبة عظيمة، حتى إنه يقال: بعض الطلبة في مجلسه لم يكن يقلب الصفحة إلا بشكل خفي حتى لا يحدث صوتا لهيبة ذلك المجلس. وبعض العلماء يقول إن هيبة مالك عند العلماء له هيبة عظيمة جدا. هيبة مالك إنما جاءت من إجلال مالك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان مالك رضي الله تعالى عنه لا يحدث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو على طهارة.

كان الناس لا يقرؤون القرآن أحيانا وهم على غير طهارة، نعم لا يلمسون القرآن إلا على طهارة، لكن مالك إلى أي درجة كان يعظم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لا يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن يتوضأ أو يغتسل، وكان يتطيب وكان يتبخر وكان يمشط لحيته وكان يظهر في أحسن هيئة. وكان في مجلسه لا يدع أحدا يرفع صوته فوق حديث النبي صلى الله عليه وسلم، يعني إذا كان الحديث يقرأ فلا يدع أحدا يرفع صوته في ذلك المجلس، ويقول: إن رفع الصوت وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ كرفع الصوت عنده صلى الله عليه وسلم، لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال تبارك وتعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2].

ولذلك قال بعض العلماء إنه ورد في مالك حديث مسند عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في المسند وفي سنن الترمذي جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة». ذكر بعض أهل العلم، ومنهم الحاكم رحمه الله عليه النيسابوري، قال: كان في المدينة لما أراد أن يحلل هذا الحديث على من ينطبق، قال: كان في المدينة بعض التابعين من العلماء كالفقهاء السبعة، سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وغيرهم من العلماء، ولكنهم لم ينفردوا ولم تنفرد الرحلة إليهم، وإنما كان يرحل إلى جميعهم أو إلى جماعة منهم. وهكذا بعدهم كان ابن شهاب وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، ولكن لم يكن واحدا منهم منفردا بحيث تضرب إليه أكباد الإبل، حتى جاء مالك، فعصر مالك رضي الله تعالى عنه فضربت إليه وحده أكباد الإبل، كان الناس يقصدون المدينة من أجل مالك رضي الله تعالى عنه.

حتى إنه روى عنه أناس كبار من أقرانه كالأوزاعي مثلا والثوري، الأوزاعي عالم الشام والثوري عالم الكوفة وشعبة عالم البصرة والليث بن سعد عالم مصر، فكان لمالك منزلة عظيمة عند أهل العلم، ولذلك يقال: لا يفتى ومالك في المدينة، كان هناك مناد ينادي: لا يفتي إلا مالك بن أنس في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان مالك مع علمه وثقة الناس به كان دائما يردد "لا أدري"، ويقول: إذا أخطأ العالم "لا أدري" أصيبت مقاتله، يعني إذا صار كل شيء يجيب فيه بنعم ويجيب فيه بجواب ولا يقول لا أدري فشيء أصيبت مقاتله، يعني صار في خطر عظيم، لأن الفتيا ليست بالأمر الهين وليس بالأمر السهل. ولذلك يقولون جاء رجل من العراق أو من غيرها من البلدان وسأل مالكا فوق أربعين مسألة، ففي اثنتين وثلاثين مسألة يجيب فيها بـ "لا أدري"، فقال: ماذا أقول للناس إذا رجعت؟ قال: قل لهم مالك لا يدري. هو لم يكن يتورع من أن يقول لا أدري ولم يكن يخجل، بينما نحن في هذا الزمن، نحن صغار في السن ولم نطلب العلم كطلب مالك، ولم يكن الواحد منا عنده من الفهم ما عند مالك والقرب من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لا نترك سؤالا إلا ونجيب فيه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يستر علينا وأن يحفظنا.

لقد سمعت بنفسي الشيخ ابن باز رحمه الله عليه سئل مسائل عدة مسائل يقول فيها لا أدري، من هذه المسائل التي أذكرها أنه سئل: هل الملائكة ترى ربها؟ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] و﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51]، فهل الملائكة ترى ربها؟ فابن باز رحمه الله عليه قال: لا أدري. وسأله رجل مرة قال له: إن أبنائي يسألونني أن أحدثهم بقصة كل ليلة، فكنت أؤلف لهم قصة من رأسي، ما يمكن أن أحفظ القصص، فأحيانا أؤلف لهم قصصا من عنده، قال: فأنا أسألك يا أيها الشيخ، هل ما أفعله لأبنائي وأنا أختلق القصة هل هذا من الكذب المحرم؟ فكان جواب الشيخ عليه: لا أدري. ولذلك يقول الإمام مالك: إذا أخطأ العالم "لا أدري" أصيبت مقاتله.

ومالك من أول ما برز فقه مالك رحمه الله عليه وهو صغير، أنه جاءت مسألة أن رجلا أوصى أن ابنتيه تزوجان من ابني عمهما بدون أن يسميهم، لم يقل فلانة لفلان ولا فلانة لفلان، فمات الرجل بعد أن أخذ المهر، فلما مات الرجل جاء الناس إلى الوالي، وأن فلانا قد أوصى بأن ابنتيه تزوج فلان وفلان من أبناء عمومتهما، فهل يصح هذا الزواج؟ فالوالي جمع العلماء، وكان منهم علماء كبار ومنهم مالك بن أنس وكان حدثا، فسألهم عن هذه المسألة، فقالوا: نعم يجوز، لأنها وصية وزواج لا إشكال فيه. ومالك ساكت، فقال: ما تقول يا أبا عبد الله أو يا مالك؟ فقال: أرى أنه لا يجوز، فتحجب. وقال: لما؟ قال: أرأيت لو أن هاتين البنتين أهديتا إلى زوجيهما، فأخذ كل واحد منهما بـحجر امرأة واحدة، تنازع الرجلان في امرأة واحدة، ماذا ستفعلون؟ لمن ستحكم؟ فسكتوا، فعند ذلك قال: النكاح مفسوخ، لأنه إذا لم يسم فلانة لفلان، أو زوجت فلانة ولم تعين المرأة ولم يعين الرجل، يكون إذا لم يعين المرأة ولم يعين الزوج، فالنكاح باطل. فعند ذلك رأوا أنه فعلا هذا إمام وهذا عالم، ينبغي أن يتعلم منه.

وذكرت مسائل كثيرة، من ضمنها أن رجلا سرق من عدد من الناس من أشياء تسمى التليس، سرق من تلالي، التليس هو وعاء مصنوع من الخوص وصغير، فأخذ من هذا شيئا من البر وشيء من الطحين، فقبض على الرجل السارق وعنده طحين كثير، فجمع له العلماء فقالوا: نرى عليه القطع. فقال: ما تقول يا مالك؟ قال: أرى أنه لا قطع عليه. قال: لما؟ قال: لأنه كان يسرق الشيء القليل من هذا والشيء القليل من هذا، نعم لو اجتمع كله لأصبح فيه القطع، لكنه في الحقيقة لو أنه أمسك عند سرقته الأولى لما كان عليه قطع، لأن الذي سرقه كان قليلا لا يبلغ النصاب، فهكذا الثانية والثالثة، فعند ذلك خضع العلماء واعترفوا له بالمعرفة رضي الله عنهم.

وهذا الإمام أيضا كان له منزلة عظيمة في الحديث في حفظ الحديث، وكان يحفظ العجب العجاب، والكلام فيه طويل في الحقيقة، لا أريد أن أطيل المقدمات قبل الدخول في مسائل الفقه. وأختم كلامي عن الإمام مالك بأنه توفي رحمه الله عليه في سنة 179 وهو يتشهد، سئل أهله كيف ما هو آخر كلام قاله؟ فقالوا: قال الشهادتين ثم قال لله الأمر من قبل ومن بعد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح البخاري: «إنما الأعمال بالخواتيم». نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه، وسنتكلم الآن عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي. محمد بن إدريس هو يلتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، فهو من بني المطلب بن عبد مناف، وتوفي في سنة 204، وكان من الأئمة الأربعة المتبوعين. هذا الإمام عرف بذكائه وعرف بحفظه وعرف بفصاحته رضي الله تعالى عنه، كان في بداية طلبه للعلم أنه تعلم الشعر وتعلم الأدب أو العربية، وكان يتعلم الرمي وهو صغير، فرآه أحد العلماء -وأظنه خالد بن مسلم الزنجي، وهو أحد شيوخه بعد ذلك- فقال له: من أنت؟ فانتسب له أنه من بني عبد المناف، فقال له: نعم النسب أو نحو هذا الكلام، ثم قال له: ما مثلك ومثل عقلك وذكائك ينشغل.

بهذا، وإنما ينشغل بالفقه، فعند ذلك وقع في قلبه حب الفقه. فيقال إنه حفظ الموطأ وهو صغير قبل أن يأتي إلى الإمام مالك؛ طبعاً هو الشافعي رحمه الله عليه من تلاميذ الإمام مالك، وأحمد من تلاميذ الشافعي، وحفظ الموطأ قبل أن يأتي إلى مالك، ثم ذهب إلى مالك وأخذ يتعلم منه العلم.

كان الإمام أحمد يدعو للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في صلواته، وكان ابنه يسمعه يدعو فيقول: يا أبتي، ما أكثر ما تدعو لهذا الرجل؟ فقال الإمام أحمد: يا بني، إن الشافعي بالنسبة للناس كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من عوض؟ الشافعي بالنسبة للناس كالشمس للدنيا، وبالنسبة للناس كالعافية للبدن. هذا في منتهى البلاغة، هذا الوصف في منتهى الرفعة والعظمة، يقول: كالشمس للدنيا وكالعافية.

وهذا الإمام وهو مع صغر سنه، كثير ممن يعتبرون في مرتبة شيوخه، مثلاً عبد الرحمن بن مهدي يعتبر من شيوخ الشافعي الصغار، هو تلمذ لمالك أيضاً ولكنه أكبر من الشافعي، صار يسأل الشافعي، كاتب الشافعي يسأله أن يخبره بأصول الفقه، يعني أصل الناسخ والمنسوخ والحجج والأخبار، فألف الشافعي رسالة يرد فيها على عبد الرحمن بن مهدي، هذه الرسالة سميت الرسالة، كتاب ألفه الشافعي اسمه الرسالة، كتاب ضخم يتكلم فيه عن أصول الفقه، وهذا الكتاب الآن من أعظم كتب الفقه، وهو أول كتاب ألف في هذا الفن. وألفه الشافعي لعبد الرحمن بن مهدي مع منزلة عبد الرحمن بن مهدي، عبد الرحمن بن مهدي كان من تلاميذ مالك بن أنس العظام، وكان أحد نقاد الحديث، يعني كان ابن المديني وهو شيخ البخاري يقول: لو حلفت بين الركن والمقام أني لا أعلم أحداً أعلم من عبد الرحمن بن مهدي في الحديث لما حنثت. عبد الرحمن بن مهدي كان من أعلم الناس بالحديث، ومع ذلك كان يكاتب الشافعي، هذا يدل على منزلة الشافعي رضي الله تعالى عنه، والشافعي كتب له هذا الكتاب الذي سمي الرسالة، وأخذ عبد الرحمن بن مهدي يدعو له في كل صلاة.

والشافعي أيضاً أعطي من البيان أو البلاغة أو الفصاحة ما لم يعطه غيره من العلماء. يقول يونس بن عبد الأعلى يصف كلام الشافعي وبلاغته: كان كلامه السحر، يعني إذا جلسنا عنده كان هناك شيء كأنه سحر من أخذه للألباب. الفقه عند الشافعي كان من أعظم الفقه، يعني كان من أعظم الناس معرفة بالفقه وبرز وهو صغير على أقرانه بل وعلى شيوخه. مرة جاءه ناس وقالوا: فيه امرأة أكلت تمرة، فعندما أكلت التمرة غضب عليها زوجها وفي فمها تمرة، فقال: إن أكلتيها فأنت طالق، وإن تركتيها أو ألقيتيها فأنت طالق. التمرة الآن في فمها، ويقول: إن أكلتيها فانت طالق، وإن ألقيتيها فأنت طالق. فذهب الناس وبقيت التمرة في فم المرأة، وذهبوا للشافعي وأخبروه، فقال: فلتاكل نصفها ولتطرح نصفها؛ هنا لم تأكلها ولم تطرحها، إنما طرحت نصفها وأكلت نصفها. فعند ذلك أنشد الشافعي رحمه الله عليه:

إذا المعضلات تصدني كشفت حقيقتها بالنظر ولست بأبله في الرجال أسائل هذا وذا ما الخبر

وله قصص كثيرة جداً في فقهه وفي براعته، من ذلك قصة بائع القمري، هذا الرجل جاء باع قمرياً، وهو طير، إلى رجل، فاشتراه منه وذهب ثم رجع إليه وأراد أن يرده، قال: لم ترده؟ قال: لا يصيح. فاختصما فيما بينهما حتى حلف البائع بالطلاق أن القمري لا يفتر عن الصياح أو لا يسكت عن الصياح، فقال الرجل: طلقت امرأتك، فكبر عليه الأمر لأنه حلف بالطلاق، أو قال: إن كان يفتر عن الصياح أو يسكت عن الصياح فامرأتك طالق، أو نحو هذا الكلام. فذهب إلى الإمام مالك لأن الأمر كبر عليه وكان في حلقته، فسأله عن المسألة، فقال: طلقت امرأتك. فرجع الرجل وقد كبر عليه الأمر فلحقه الشافعي، وكان في حلقة مالك وكان صغيراً، فقال: يا هذا، قمري هذا الذي لا يفتر عن الصياح، هل صياحه أكثر أم سكوته أكثر؟ قال: بل صياحه أكثر. قال: فأمسك عليك امرأتك فإنها لم تطلق. فرجع الرجل إلى مالك لأنهم لم يكونوا يصدرون إلا عن مالك، يعني كان ليس عندهم ثقة بأحد إلا بمالك، فرجع إلى مالك وقال: يا أبا عبد الله، انظر في مسألتي، فقال: ما هو إلا ما أجبتك به. فعند ذلك قال الرجل لمالك: إن في حلقتك من يقول إن امرأتي لم تطلق، قال: من هو؟ فأشار إلى الشافعي، فاستدعاه وقال: ما حجتك في هذا؟ قال: إني سألته، يقوله الشافعي، هل قمرك أكثر أمره الصياح أو أكثر أمره السكوت؟

فقال لي: أكثر أمره الصياح. فقال مالك: هذا، يعني معنى أن القمري يسكت، وهو قال امرأتي طالق كان القمري يفتر عن الصياح أو يسكت. فقال الشافعي: بل إن هذا من قول العرب، العرب من معاني كلام العرب يطلقون الديمومة على الشيء أن هذا الشيء لا يفعل كذا أو لا يترك الشيء كذا، وهم يقصدون الكثرة ولا يقصدون الكلية. قال: وأنت يا أبا عبد الله حدثتنا حديث فاطمة بنت قيس، هذا الحديث مشهور في الصحيحين وفيه أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه: إن فلاناً معاوية وأبا الجهم خطباني، فما ترى يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه»، يعني ضراب للنساء، لا يضع العصا عن عاتقه، «اخطبي أو انكحي أسامة». فهنا هذا الشاهد الذي انتزعه الشافعي في مسألة القمري، قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه»، والعرب تعلم والنبي يعلم أنه يضع العصا عن عاتقه إذا استراح، وإنما يقصد بذلك أنه كثير الضرب للنساء أو كثير استعمال العصا. فعند ذلك كان خالد بن مسلم الزنجي حاضراً، ضرب على كتف الشافعي وقال له: قد آن لك أن تفتي يا محمد، أو نحو هذا الكلام. فهنا بانت نجابة هذا الشاب وفقهه، وأصبح معروفاً بالفقه رضي الله عنه.

وما زالت القصص والأخبار عنه عجيبة وكثيرة إلى أن توفي رحمه الله عليه، توفي في سنة 204. يقول المزني رحمه الله عليه، والمزني كان أحد تلاميذ الشافعي النجباء العظماء: دخلت على الشافعي في مرضه الذي توفي فيه فقلت: يا أبا عبد الله، كيف أصبحت؟ قال: فرفع رأسه وقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، وعلى الله وارداً. ينسب إلى نفسه سوء العمل وهذا دأب الصالحين، يعني الصحابة الكبار المبشرين بالجنة أبو بكر وعمر كانوا لا يجزمون ويتهمون أنفسهم؛ بعضهم يتهم نفسه بالنفاق، وبعضهم إذا رأى طيراً، أبو بكر رأى طيراً يقع على شجرة فقال: طوبى لك يا طير، تأكل من الثمر وتقع على الشجر، وليس عليك حساب ولا عذاب، لوددت أني مثلك. وكان عمر يسأل حذيفة: أعدني رسول الله من المنافقين؟ فكان يخاف على نفسه، فالشافعي يقول: ولسوء عملي ملاقياً، فوالله لا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنأ.

تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منه وتكرما فإن تنتقم مني فلست بآيس ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما ولولاك ما يقوى بإبليس عابد فكيف وقد أغوى صفيك آدما وإني لآتي الذنب أعرف قدره وأعلم أن الله يعفو ترحما

وأما آخر الأئمة الأربعة فهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي الله تعالى عنه، هذا الإمام توفي سنة 241. هذا الإمام الكلام فيه يطول وكثير، وأنا كنت قد نظمت قصيدة أو منظومة في نظم كتاب من كتب الفقه على مذهب الإمام أحمد، وهو كتاب الزاد، زاد المستقنع، وهذه المنظومة اسمها ملح الناد، وهي منظومة طويلة في أكثر من 2500 بيت، ذكرت في مقدمتها كلاماً عن الإمام أحمد وترجمة له مختصرة، فقلت في ذلك:

وبعد فالعلم أجل مقصدي لا سيما فقه الإمام أحمد فهو من الأئمة الكبار وأعلم الجميع بالآثار وحاز في الفقه وفي العبادة والحفظ والزهد ذرى السيادة وقام بالإسلام حين أحجم كل عن الحق فلم يفجم

وبعد فالعلم أجل مقصدي لا سيما فقه الإمام أحمد، فهو من الأئمة المتبوعين الأربعة الكبار، وأعلم الجميع بالآثار، يعني بعضهم أفقه من الآخر لكن من حيث الآثار فبشهادته أو بشهادة بعضهم هو أعلم الناس بالآثار. كان الشافعي رحمه الله عليه يقول: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أحداً أفقه ولا أورع ولا أعلم بالسنة من أحمد بن حنبل. وكان يقول الشافعي رحمه الله عليه للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، إذا كان الشافعي على جلالته وعلى عظمته يقول ذلك لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث فأخبرنا، فأنتم أعلم بالآثار منا. مع أن الشافعي يعتبر محدثاً عظيماً حتى قيل إنه لم يخطئ في حديث قط، وكتابه الأم، الكتاب العظيم، نحن ذكرنا في ترجمته كتاب الرسالة وهناك كتاب اسمه الأم للشافعي رحمه الله عليه، وهو من أعظم كتب الإسلام في الفقه، وهو كتاب جدير بالقراءة وجدير بالشرح وجدير بالمدارسة، وإن كان كثير من الناس قد زهدوا فيه لصعوبة عباراته، لكنه من أعظم الكتب التي ألفت في الإسلام في الفقه.

نعود للإمام أحمد، يقول إبراهيم الحربي وهو من أئمة الحديث: كان الله قد جمع لأحمد بن حنبل علم الأولين، يأخذ من كل صنف ما يشاء ويترك ما يشاء. وكان أبو بكر بن أبي شيبة وهو أيضاً من أئمة الحديث من الحفاظ الكبار يقول: لا يقال لأحمد بن حنبل من أين قلت؟ يعني كأنه لا يقول إلا سنة. وهذا الإمام حاز أيضاً في الفقه السبق، وحاز في الفقه وفي العبادة والحفظ والزهد ذرى السيادة. يقول الإمام الشافعي: أحمد بن حنبل إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.

وهناك أخبار كثيرة عن فقه الإمام أحمد، والكتب مليئة بذلك، لكن من أطرف ما وقفت عليه أن الإمام أحمد نص على أن الرجل إذا شهد جنازة رجل فرأى في هذه الجنازة منكراً لا يستطيع إزالته، أنه لا يرجع عن اتباع الجنازة؛ لأن اتباع الجنازة واجب. ونص في مكان آخر على أن الرجل إذا حضر وليمة عرس، لأن حضور الوليمة إجابة دعوته للمه واجبة، إذا حضر وليمة عرس فرأى فيها منكراً لا يقدر على إزالته، أنه يرجع؛ يعني قال في الجنازة لا يرجع، وقال في الوليمة يرجع. فعند ذلك ابن القيم بن الجوزية سأل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة، يعني ما الفرق؟ فقال: لأن الحق في الجنازة للميت فلا يترك حقه من أجل ما فعله الحي من المنكر، وأما الحق في الوليمة فهو لصاحب البيت، فإذا رضي صاحب البيت بالمنكر فقد أسقط حقه. فكان هذا دليل على فقه هذا الإمام. والكلام فيه كثير، الكلام في حفظه، الكلام في ورعه، الكلام في محنته. حفظه يقول أبو زرعة الرازي لعبد الله بن أحمد بن حنبل: أبوك يحفظ ألف ألف حديث، طبعاً ألف ألف حديث المقصود به ليس فقط المرفوعات، بل يقصد به أحاديث الصحابة والتابعين والتفسير، ألف ألف حديث يعني مليون كما نقول في عصرنا هذا. وقيل لأبي زرعة: كيف علمت بذلك؟ فقال: دارسته الأبواب.

والكلام في الحقيقة عن الإمام أحمد كثير، ولكننا نرجئ بقية الكلام عليه في الحلقة القادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.