الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنكمل فيها ما كنا تكلمنا فيه في آخر الحلقة الماضية، وهو أننا ذكرنا الإمام الرابع أحد الأئمة المتبوعين، وهو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، وذكرنا طرفًا قليلًا من ترجمته ومما قيل فيه.
وقد ذكرت أبياتًا وهي قولي: وبعد فالعلم أجل مقصدي، لا سيما فقه الإمام أحمد. فهو من الأئمة الكبار، وأعلم الجميع بالآثار. وحاز في الفقه وفي العبادة، والحفظ والزهد ذرى السيادة. وقام بالإسلام حين أحجم، كل عن الحق فلم يفتح فم.
كنا تكلمنا عن حفظه للحديث، وذكرنا أن أبا زرعة الرازي وهو أحد نقاد الحديث الكبار -أبو زرعة مشهور وهو من تلاميذ أحمد ونظير للبخاري- أئمة الحديث الكبار مشهورون. مثلًا في طبقة مالك بن انس هناك مالك بن أنس وسفيان الثوري مع مالك وشعبة بن الحجاج وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة؛ السفيانان والحمادان ومالك وشعبة، هؤلاء كانوا أئمة في عصر واحد في طبقة واحدة. بعدهم جاء تلاميذهم: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان ووكيع بن الجراح، هؤلاء طبقة. بعدهم جاء أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني، هؤلاء طبقة في أهل الحديث عظام. كل طبقة بعد أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني جاء تلاميذهم كأبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي والإمام البخاري وهذه الطبقة.
فأبو زرعة من طبقة الإمام البخاري رضي الله تعالى عنه؛ أبو زرعة حافظ من الحفاظ الكبار الذين أعجز الحفاظ القدماء، له أخبار كثيرة لا أريد إطالة الكلام بها، لكنه كان يقول لعبد الله بن أحمد بن حنبل ولد أحمد بن حنبل: إن أباك يحفظ ألف ألف حديث، يعني مليون حديث. وكان مقصوده أنه يحفظ الأحاديث المرفوعة والأحاديث الموقوفة والأحاديث المقطوعة؛ الموقوف معناه على الصحابة، والمقطوع على التابعين، وتفاسير العلماء هذه كلها تسمى أحاديث وطرقها تسمى أحاديث، وإلا فالأحاديث المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الذهبي: لا يبلغ عشر معشار هذا العدد، يعني ربما مئة حديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد قوية.
وكان الإمام أحمد يقول عن أبي زرعة لما قدم أبو زرعة إلى أحمد بن حنبل في بغداد: ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على النوافل. صار يترك النوافل ويذاكر أبا زرعة لأنه سيرجع إلى بلده الري. وحتى قيل لأبي زرعة مع شدة حفظه: أنت أحفظ أم أحمد؟ فقال: بل أحمد أحفظ. فقيل له: كيف علمت؟ قال: إن أحمد أخرج إلي أجزاء كلها سفيان، الجزء مكتوب عليه سفيان، سفيان، سفيان، سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي مثلًا عن البراء بن عازب وهكذا، كلها سفيان سفيان، فظننت أنه عن رجل واحد، أن هذه الأجزاء كلها عن رجل واحد. قال: فلما جئت أقرأها عليه، فإذا هو يقول: حدثنا وكيع عن سفيان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان، فهو يحفظ الشيوخ في كل حديث من حدثه بهذا الحديث عن سفيان، فيقول أبو زرعة: فعجبت ولم أقدر أنا على هذا، لا يمكن أن يقدر إنسان فقط يذكر شيخ الشيخ دون أن يذكر التلاميذ.
وكان من أخبار حفظ أحمد أشياء كثيرة، مثلًا شيخه وكيع بن الجراح كان يقف هو وإياه وهو يوصله إلى بيته، فيقفون إلى الفجر عند عتبة الباب، مرة تذاكر أحمد بن حنبل وشيخه وكيع بن الجراح، كان شيخه وكيع يقول له: أتحفظ من حديث سفيان الثوري -اللي هو شيخ وكيع- أحمد يروي عن سفيان الثوري بواسطة وكيع؛ فقال: تحفظ أحاديث سفيان عن سلمة بن كهيل؟ فوكيع يطرح عليه يقول: هل تحفظ في الشيء الفلاني في الفقه الفلاني في المسألة الفلانية؟ فيذكر أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن القطان عن سفيان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان، حدثتنا أنت عن سفيان، ويذكر له المسائل إلى أن انتهى مما حفظ وكيع، ثم سار أحمد بن حنبل يقول: أتحفظ سفيان عن كذا؟ فيتعجب وكيع مما حفظ تلميذه أكثر مما عند الشيخ، وكان وكيع من أكثر الناس حفظًا عن سفيان الثوري، يعني أكثر أحاديث الثوري كانت عند وكيع بن الجراح رضي الله عنه.
والأخبار في هذا كثيرة، مرة من المرات جاء أحمد بن صالح المصري وهو حافظ مصر إلى أحمد بن حنبل، فاستقبله أحمد بن حنبل وجلسا يتذاكران؛ فصاروا يسألون ما حدث الزهري عن الصحابة؟ ما حدث الزهري عن أبناء الصحابة؟ وصار كل واحد منهما يذكر حديثًا والآخر يعرفه؛ المذاكرة معناها يذكر طرف الحديث ثم الآخر يقول: نعم، هذا حديث كذا وكذا. فأخذا يتذاكران مذاكرة جميلة حتى ذكر أحمد سندًا من الأسانيد عن الزهري، فقال أحمد بن صالح المصري: أتقول هذا وأنت الأستاذ؟ هذا حديث غريب، من أين جئت به؟ فتبسم أحمد وقال: حدثني به ثقتان. فقال: من هما؟ قال: فلان وفلان. قال: أسألك بالله إلا أمليته علي؛ لأن المذاكرة تختلف عن التحديث، التحديث يحتاج إلى إملاء ويحتاج إلى أن يذكر إسناده لا يذكر الطرف فقط. فقال أحمد: من الكتاب، وأخرج الكتاب وحدثه بالحديث. فقال أحمد بن صالح المصري: لو لم أستفد في العراق إلا هذا الحديث لكان فائدة عظيمة، ورجع إلى مصر؛ لم يجد في العراق حديثًا يحفظه غير ما عنده إلا هذا الحديث.
وأحمد بن حنبل امتحن في الإسلام، ولذلك قلت أنا في النظم السابق الذي أشرت إليه: وقام بالإسلام حين أحجم كل عن الحق فلم يفتح فم. فكان قدوة لكل قدوة، وشيخ الإسلام بغير مرية.
المحنة التي حصلت في زمن الإمام أحمد، الحقيقة حصلت محن قبل الإمام أحمد، في أيام الخليفتين الراشدين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لم يكن هناك فتن، كان الناس أمة واحدة وكان الناس على دين واحد ولا اختلاف بينهم، ويرجعون إذا اختلفوا ويفصل في ذلك أهل الشورى، إلى أن انكسر الباب كما يقول حذيفة؛ لأن عمر بن الخطاب كان يسأل حذيفة عن الفتن، فيقول: بينك وبينها باب مغلق، ويقصد بالباب عمر بن الخطاب، أنه كان الباب بين الناس وبين الفتن. فقال عمر لحذيفة -وهذا الحديث في صحيح البخاري-: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر. فقال الناس لحذيفة: أيعلم عمر من هو الباب؟ قال: والله نعم، كما يعلم أن أمس قبل اليوم. فلما مات عمر وجاءت خلافة عثمان، وفي آخر خلافة عثمان قام رؤوس الشر وأهل البدع وأهل التعمق وقاموا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان وقتلوه شهيدًا صابرًا رضي الله عنه. وبعدما قتل عثمان تفرقت كلمة الناس حتى وقعت وقعة الجمل كما هو معلوم، ووقعت صفين، وظهرت الخوارج، وظهرت الرافضة، وظهر الشيعة، ثم بعدها بمدة ظهر القدرية في آخر زمن الصحابة، ثم بعد ذلك في عهد التابعين ظهر المعتزلة والجهمية، إلى أن جاء المأمون في سنة مئتين تقريبًا أو بعد المئتين، وأحدث فتنة خلق القول بخلق القرآن، أن القرآن كلام الله مخلوق، وصار يمتحن الناس على ذلك.
وممن امتحن أحمد بن حنبل، لكن أحمد بن حنبل جاء في آخر الزمن، كان امتحن في بداية امتحاناته؛ هذا المأمون طبعًا لما بدأ الناس بالمحنة أو بامتحان الناس، لم يلبث إلا سنة واحدة ثم مات. وكان مما حصل أنه أرسل كتبًا إلى الأمصار، وفي هذه الكتب كلام عن خلق القرآن، أن الله خالق كل شيء، والقرآن شيء، وشيء من هذا القبيل، وقال لولاته: اقرأوا على العلماء، اجمعوا العلماء واقرأوا عليهم هذه الكتب، فمن وافق فأطلقوا سراحه، ومن خالف فاضربوا عنقه.
وكان ممن امتحن شيوخ للإمام أحمد، منهم الفضل بن دكين أبو نعيم، هذا الرجل كان في الكوفة وكان فيه شيء من التشيع، وكان نظيرًا له عبد الله بن يونس اليربوعي، شيخ من أهل السنة، وكان يتكلم في أبي نعيم لأنه يقدم عليًا على عثمان، تشيعه فقط في تقديم علي على عثمان؛ لأنه شاع في أهل الكوفة تقديم علي على عثمان، وهذا الخلاف في دائرة أهل السنة، جمهور أهل السنة عثمان مقدم على علي في الفضل، لكن بعض أهل السنة يقدمون عليًا على عثمان، فكان منهم الفضل بن دكين. الفضل بن دكين لما قرئ الكتاب عليهم وكان حاضرًا في المجلس، قرأه الوالي -والوالي أظنه والي الكوفة- فقام الفضل بن دكين وقطع زر جيبه وألقاه بين يدي الوالي وقال: والله إن نفسي عندي أهون من هذا الذي سقط بين يديك، وإني أدركت سبعين ممن أدركوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. يعني ما اهتم بالقتل ولا اهتم بهذا الاختبار. عند ذلك كان موجودًا عبد الله بن يونس اليربوعي كما ذكرت، فقام إليه وقبل رأسه وقال: جزاك الله من شيخ عن الإسلام والمسلمين.
هذا أحد شيوخ الإمام أحمد، وكذلك أحمد بن يونس أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي من شيوخ الإمام أحمد، وكلهم أبوا هذه الفتنة، إلا أن الشهرة بقيت للإمام أحمد في هذه المسألة لعظم منزلته عند الناس. وممن جمعوا ناس في بغداد منهم الإمام أحمد، يربون على الأربعين تقريبًا، فأجابوا كلهم إلا ثمانية، ثم في اليوم الآخر أجاب الثمانية إلا رجلان، وهما الإمام أحمد ومحمد بن نوح رضي الله عنهما. فطلب أن يؤتى بهما إلى المأمون، فجيء بهما مقيدين، فجاء رجل للإمام أحمد وقال: يا أبا عبد الله، إن الناس ينظرون إليك -أنا أعرابي وقيل رجل من أهل العلم أيضًا جاءه- إن الناس ينظرون إليك فما قلت يقوله الناس، فاتق الله واثبت. يقول الإمام أحمد: فكانت هذه الكلمة من دواعي ثبوتي في هذه المحنة. نقف هنا قليلًا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن بداية المحنة، وأنهم امتحنوا أناسًا من العلماء غير الإمام أحمد، ومنهم من ثبت كما ذكرنا الفضل بن دكين أبو نعيم، وهو شيخ للإمام أحمد وشيخ لغير الإمام أحمد من الأئمة كالبخاري رحمه الله عليه. هذا الإمام الفضل بن دكين الذي ألقى زر جيبه وقال: والله إن نفسي أهون من هذا الذي سقط بين يديك -يقصد الوالي- وإني أدركت سبعين ممن أدركوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. هذا الرجل له قصة في الكلام، يذكر الإمام أحمد أنه أخذ عنه وأخذ عن أناس كثيرين.
وكذلك صاحب الإمام أحمد يحيى بن معين وعلي بن المديني، هؤلاء الثلاثة كانوا أصحابًا في الطلب وكانوا نظراء في العلم. مرة رحل الإمام أحمد ويحيى بن معين إلى اليمن إلى عبد الرزاق في اليمن، وصادفا في الرحلة مشقة وتعبًا، وقبل أن يذهبا إلى اليمن ذهبا إلى الحج إلى مكة المكرمة، فوجدا عبد الرزاق، فقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: دعنا نأخذ منه فإنه موجود في الحج. فقال: اتركه حتى يرجع إلى بلده، لأننا نريد أن نصفي نياتنا، لا يكون حجنا لأجل الأخذ عن فلان أو فلان، كان يريد أن يبقى الشيخ في مكانه ويأخذون عنه كل ما عنده من العلم، فتركا عبد الرزاق حتى رجع إلى اليمن، فرحلا إليه في اليمن وأخذا عنه، وكان عبد الرزاق يجله، بل قد عرف عبد الرزاق وغيره من أهل العلم مكانة أحمد بن حنبل ومكانة يحيى بن معين في العلم، فكان يعطيهم ما لا يعطيه غيرهم من العلم، ويعطيهم من الوقت.
وفي تلك الرحلة ظهرت أشياء كثيرة من ورع الإمام أحمد بن حنبل، من ذلك أنه جاء ورهن قدحًا له عند رجل صاحب بقالة فيها عطورات ليأخذ منه شيئًا من العطر أو نحو هذا الكلام، ثم يأتي له بالنقود بعد ذلك؛ وكان رحمه الله عليه يحترف أحيانًا ويحمل مع الناس حتى يحصل شيئًا من النقود. فجاء إلى الرجل صاحب العطورات الذي رهن عنده قدحه وقال: هذا المال الذي لك علي. فالرجل أخرج قدحين متشابهين -وكان هذا امتحانًا من الرجل- وقال: أيهما قدحك؟ فنظر إليهما الإمام أحمد وقال: أنت في حل منهما، وتركهما وترك عنده النقود. وقالوا له الناس: يعني جئت إلى رجل من أهل الورع تمتحنه؟ فإنه لن يأخذهما أو يأخذ أحدهما، ولو قلت هذا قدحك وفعلا تركه الإمام أحمد عنده.
الشاهد من الكلام أنهم لما رجعوا من اليمن، رجع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ومروا على الفضل بن دكين أبي نعيم الذي ذكرت قصته أمام الوالي، فقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: دعنا نختبر الفضل بن دكين، نختبره في الحديث في حفظه. وهذا كان شيئًا يفعله أهل الحديث، يختبرون شيوخهم يأتون بأحاديث أخذوها منهم فيقلبونها عليهم، أو يزيدون فيها بعض الكلمات أو يغيرون بعض الإسناد، فالشيخ الذي في حفظه شيء يكتشف حين تمشي.
لا تمشي عليه هذه الاختبارات فماذا صنع ابن معين؟ كان أحمد بن حنبل يقول له: دعه فإن الرجل ثقة، فقال: لابد من اختباره. فأخذ يحيى بن معين ثلاثين حديثاً من أحاديث أبي نعيم، وكتب تسعة، وكتب العاشر وغيره، وكتب التسعة الأخرى، وكتب رقم عشرين وغيره، وغير فيه شيئاً، وهكذا الثلاثين؛ غير ثلاثة أحاديث عند نهاية كل عشرة. ثم طرق عليه الباب، وخرج وجلس على دكان، والراوي لهذه الرواية أحمد بن منصور الرمادي، وهو تلميذ لأحمد بن حنبل وتلميذ ليحيى بن معين وكان رفيقه في السفر.
يقول أحمد بن منصور الرمادي: فجلس أبو نعيم على الدكان، وجلس أحمد بن حنبل عن يمينه، وجلس يحيى بن معين عن شماله، ولم أجد مكاناً فجلست أسفل. فأخذ يحيى بن معين يقرأ على أبي نعيم هذه الأحاديث، فقرأ عشراً أو تسعة، فعندما قرأ العاشر قال أبو نعيم: اضرب عليه فليس من حديثه. ثم قرأ التسعة عشر، فلما قرأ العشرين قال: اضرب عليه فليس من حديثي. ثم قرأ التسعة وعشرين الأخرى، فلما قرأ رقم ثلاثين تلألأ وجه أبي نعيم وعلم أنه يختبر، ثم أمسك بيد أحمد بن حنبل وقال: أما هذا فأورع من أن يفعل هذا. ثم أشار إلى أحمد بن منصور الرمادي وقال: أما هذا فأدنى من أن يفعل هذا، وما أرى إلا أنه من فعلك يا فاعل. ثم أخرج رجله ورفسه وأسقطه عن الدكان، ثم دخل بيته مغضباً.
فقال أحمد بن حنبل ليحيى بن معين: أقول لك إن الرجل ثقة! فقال يحيى بن معين: والله رفسته عندي أحب إلي من ذهابي إلى اليمن. هذه الرفسة بينت ثقة الرجل وإتقانه وحفظه، والشاهد أن أبا نعيم هو من الذين ثبتوا في المحنة. لكن أشهر من ثبت وأشهر من علقت عليه الأمور وثبت به الإسلام هو تلميذه أحمد بن حنبل. كان أحمد بن حنبل كما ذكرت قيد بالقيود ليذهب إلى المأمون، فلما اقترب دعا الله سبحانه وتعالى أن لا يرى المأمون، فتوفي المأمون فرد أحمد بن حنبل.
تولى الخلافة المعتصم، ولم يكن مثل المأمون في العلم ولكنه كان يثق بأحمد بن أبي دؤاد، وهو الذي ابتدع هذه البدعة التي هي امتحان الناس في القول بخلق القرآن. والأئمة يقولون: من قال القرآن مخلوق أو كلام الله مخلوق فقد كفر؛ لأن هذا الفعل كفر، إذ تزعم أن صفة من صفات الله مخلوقة، والله سبحانه وتعالى هو الخالق وصفات الله منه سبحانه وتعالى.
أحمد بن حنبل أشخص إلى المأمون ثم رد مرة أخرى لما مات المأمون وتولى المعتصم، وبقي في السجن مدة طويلة، ثم أتي به إلى المعتصم وصار يرسل إليه من يناظره في مسألة القول بخلق القرآن، ثم أحضر إلى مجلسه وصار يكلمه. كانت هناك شدة من المعتصم ومن الحاضرين؛ فبعضهم يقول: اقتله ودمه في رقبتي، وبعضهم يقول: والله إنه لكافر يا أمير المؤمنين اقتله وهو في ذمتي، وآخرون يقولون: لا تقتله، إن قتلته قال الناس إنه صبر ومات شهيداً فيتخذ الناس إماماً، ولكن أطلقه.
اختلفت الآراء عند المعتصم، وكان هناك مناظرات بين العلماء من المعتزلة والجهمية وبين الإمام أحمد. كان بعضهم يقول له: ما تقول في القرآن؟ فيقول الإمام أحمد: وأنت ما تقول في علم الله؟ لأنهم متيقنون أن علم الله صفة من صفاته وأنها غير مخلوقة، فإذا قال: ما تقولون في علم الله؟ سكتوا؛ لأنه إذا قالوا علم الله ليس بمخلوق فالقرآن علم الله أو فيه علم الله.
كانوا يناقشونه، ومن نقاشاتهم له قالوا له: الله خالق كل شيء والقرآن شيء، فيرد عليهم ويقول: الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]، فالريح لم تدمر كل شيء، فلم تدمر المساكن، فكلمة "كل شيء" ليست بالضرورة أن تعم إلا ما أراده الله سبحانه وتعالى. كان الإمام أحمد يناظر ويرد عليهم ويقول: ائتوني بشيء من كتاب الله وسنة رسول الله. فيقولون: لا تقولوا إلا بكتاب الله وسنة رسول الله. وكان يقول: كانوا يحتجون علي بأشياء لا أستطيع أن أقولها، لا يقوى قلبي أن ينطق لساني بها، وكانوا ينكرون الآثار، أي الأحاديث، ولا يحتجون إلا بالقرآن.
كان إذا رآهم هكذا احتج عليهم بالقرآن؛ فاحتج عليهم مرة بالقول: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42]. فيقول لهم: هذا منكر عندكم، لأنهم كانوا ينكرون السمع والبصر، أي أن الله ليس بسميع ولا بصير، نسأل الله العافية، فيقول لهم: إبراهيم ينكر على أبيه أن يعبد شيئاً لا يسمع ولا يبصر، وأنتم تريدون أن الله تذهب عنه بعض الصفات! فكانوا إذا احتج عليهم قالوا: شبه، شبه يا أمير المؤمنين، هذه شبه.
فقال رجل مرة لأحمد: أراك تذكر الحديث وتنتحب. فيقول له أحمد بن حنبل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] ما تقول فيها؟ قال: خص الله بها المؤمنين. فيقول أحمد: إن كان قاتلاً أو عبداً؟ يعني هذه الآية ظاهرها العموم، ولو لم نستخرج من السنة لما خصصناها بعدم القاتل وعدم العبد. كان يحتج عليهم بالقرآن ويدخل السنة فيفحمهم رضي الله تعالى عنه إلى أن أطلقوه، وهدأت الفتنة في عهد المتوكل.
كان الناس يأتون إلى الإمام أحمد ويقولون: هل سامحت الناس؟ هل جعلت الناس في حل؟ فبعضهم يقول: إن أحمد لم يجعل الناس في حل، وكان الإمام أحمد يقول: كل من أصابني جعلته في حل. يقول مرة من المرات: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. هو ضرب ضرباً شديداً حتى انخلعت يداه وحتى حصل له ما حصل، يقول: فإذا قرأت هذه الآية لا أستطيع إلا أن أعفو عن الناس، لا ينبغي، كان يقول: لا أريد أن ألقى الله ويعذب أحد بسببي. انظروا إلى هذه النفس العظيمة؛ حتى المعتصم، مع أنه يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، كان الإمام أحمد يدعو له ويرى الجهاد معه، يعرف أنه كان متأولاً عليه.
ولذلك قال غير واحد من الأئمة إن الله حفظ هذا الدين بالإمام أحمد. يقول علي بن المديني: أيد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. وكان ابن معين يقول: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد بن حنبل ولا على طريقة أحمد.
سئل بشر بن الحارث المشهور عن أحمد بن حنبل بعد المحنة فقال: أنا أُسأل عن أحمد؟ إن أحمد بن حنبل أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر. وكان يقول علي بن شعيب السمسار: عندنا المثل الكائن في بني إسرائيل من أن أحدهم كان يوضع المنشار على مفرق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه، ولولا أن أحمد بن حنبل قام بهذا الشأن لكان عاراً علينا أن قوماً سبكوا فلم يخرج منهم أحد. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري