دخولتسجيل الدخول

الحلقة 5

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. تقدم الكلام في الحلقات الماضية عن بعض المقدمات، وذكرنا فيها شيئاً من تراجم أئمة المذاهب الأربعة المتبوعين، وهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي الذي توفي سنة 150، ومالك بن أنس الأصبحي المدني الذي توفي سنة 179 هجرية، ومحمد بن إدريس الشافعي المكي المصري الذي توفي سنة 204، والرابع الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي المتوفى سنة 241 للهجرة النبوية.

وفي هذه الحلقة والحلقات التي بعدها سنتحدث بإذن الله عن مسائل من الفقه. الفقه في كلام أهل العلم ينقسم قسمين: هناك فقه العبادات؛ كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وفقه المعاملات؛ مثل البيع والإجارة والفرائض والحدود ونحو ذلك. والفقهاء عادة ما يبدؤون مؤلفاتهم بقسم العبادات. والعبادات التي فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أول أركان الإسلام العملية: الصلاة. ولذلك نجد العلماء يبدؤون بشرط من شروط الصلاة وهو الطهارة.

فنجد أغلب المؤلفين يبدؤون كتبهم بكتاب الطهارة؛ لماذا يبدؤون بكتاب الطهارة؟ لأنهم يريدون البدء بالصلاة، فقدموا قبل الصلاة الطهارة؛ لأنه لا صلاة إلا بطهارة. الصلاة لا تصح إلا ويكون الإنسان طاهراً من الحدث الأصغر ومن الحدث الأكبر. والطهارة يقسمها العلماء أيضاً إلى طهارة من حدث وطهارة من خبث؛ الطهارة من الخبث معناها الطهارة من النجاسة، والطهارة من الحدث معناها الطهارة من الوصف الذي يقوم بالبدن ويمنع الإنسان أو المسلم من الصلاة ومن لمس المصحف ومن أشياء من هذا القبيل.

فالطهارة من الحدث الكلام فيها محصور في ثلاثة أقسام: في الوضوء، وفي الغسل، وفي التيمم الذي هو بدل من الوضوء والغسل. الوضوء هو طهارة من الحدث الأصغر، والغسل طهارة من الحدث الأكبر، والتيمم بدل من الطهارتين إذا لم يوجد ماء، فينتقل المسلم إلى التيمم إن كان يريد طهارة من الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر. ونبدأ في هذه الحلقة بالكلام عن الوضوء. والحقيقة أن الكلام عن الوضوء كثير، ولكنه محصور تقريباً في بعض معانيه، في فضله مثلاً، وفي صفته، وفي شروطه وأركانه، وفي موجباته التي هي نواقضه.

فأول هذه الأقسام هو فضل الوضوء. فضل الوضوء لا يخفى، فكل مسلم يعلم أهمية الوضوء؛ لأن المسلم يحتاج للوضوء في اليوم والليلة خمس مرات؛ لأنه يصلي خمس صلوات، قد يحتاج إليه خمس مرات، وقد يحتاج إليه أربع مرات، وقد يحتاج إليه ثلاثاً، وقد يحتاج إليه مرة واحدة على أقل تقدير. وهذا الوضوء الذي يحتاج إليه المسلم هذه المرات المتعددة في اليوم والليلة؛ معناه أنه لا بد أن يعرف أحكامه ويعرف معانيه.

المزني رحمه الله عليه، وهو تلميذ الشافعي، ذكر أنه ذهب إلى الشافعي يريد أن يسأله عن مسألة في الاعتقاد أو في التوحيد، يقول: هجس في خاطري كلام عن التوحيد، فقلت لا يذهبه مني إلا الشافعي، ولا يخبرني بخبره إلا الشافعي، والتوحيد المقصود به الكلام عن الخالق وعن صفات الله سبحانه وتعالى. قال: فأتيت الشافعي وسألته، فنظر إلي مغضباً وقال: أتدري أين أنت؟ فقلت: نعم، في مصر. قال: ها أنت في المكان الذي أغرق الله فيه فرعون؛ أتدري كم نجماً في السماء؟ فقلت: لا. قال: أتدري أفوله؟ أتدري طلوعه؟ أتدري كم كوكباً؟ قال: لا.

قال: ثم طرح عليَّ مسألة في الوضوء، فأخطأت فيها، ففرع عليَّ أربعة، أو فأخطأت في كل وجه، فقال: هذا علم تحتاجه في اليوم والليلة خمس مرات، تجهل علمه وتتكلف علم الخالق! إذا كان المخلوق الذي ذكره الشافعي له، وهو النجم والكوكب، لا يستطيع المزني أن يعرف مما خُلق ومتى أفوله ومتى طلوعه -وهذا مخلوق من المخلوقات- فكيف تريد أن تعلم أو تتكلف علم الخالق سبحانه وتعالى؟ وقال له: إنك تحتاج للوضوء في اليوم خمس مرات وأنت لا تعرف أحكامه، وتتكلف علم ما لم يُطلب منك. قال: فعنفني فتبت بعد ذلك، وأصبح هذا الرجل وهو المزني رحمه الله عليه من أشهر تلاميذ الشافعي ومن أنجبهم.

فالوضوء له أهمية كبيرة جداً، وهو أن الإنسان يحتاجه في اليوم والليلة، والدليل على أهمية ما جاء فيه من الفضل فقد جاء فيه فضل عظيم في عدد من الأحاديث. فمثلاً في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث أيضاً في غير مسلم في أبي داود وغيره، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نتناوب رعاية الإبل -لأنهم بعضهم يذهب لرعاية الإبل وبعضهم يحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكلهم يخبر الآخر بما سمعهم- وكنا نخدم أنفسنا، فكانت رعاية الإبل عليَّ في ذلك اليوم.

قال: فروحت بعشي، فلما جئت أقبلت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء فيصلي ركعتين يقبل بهما على الله بقلبه -أو يقبل فيهما على الله بقلبه- لا يحدث فيهما نفسه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». وفي رواية: «إلا قد وجبت له الجنة». قال: فقلت: بخٍ بخٍ -يعني هو متعجب من كثرة هذا الأجر العظيم- فإذا رجل أمامي يقول لي: التي قبلها أعجب منها أو أجود منها يا عقبة. قال: فنظرت إليه فإذا هو عمر بن الخطاب، فقلت: ما هي يا أبا حفص؟ قال: إنه قال آنفاً قبل أن تجيء: «ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء». وفي رواية الترمذي زاد: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين».

هذا الحديث حديث عقبة حديث عظيم، الأجر الأول الذي ذكره عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عنده جماعة من الصحابة، أن من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، أو يقبل فيهما على الله، فقد وجبت له الجنة. فهذا الأجر على الوضوء والركعتين ليس سهلاً، طبعاً الوضوء أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، هنا شرط: لا يحدث فيهما نفسه، هذا الشرط يصعب حصول الأجر لكنه سهل بإذن الله.

أنا أذكر قصة مرة من المرات كنا جماعة، قرأنا حديث عقبة هذا، فقال بعضنا لبعض: يا أخي ما رأيكم أن نتوضأ ونحسن الوضوء ونصلي ركعتين لا يحدث أحد منا فيهما نفسه؛ لعله يحصل لنا الأجر الذي رتب على ذلك؟ فتعهدنا وقلنا: نعم، ولنخشع في صلاتنا، ننتبه ونحاول ألا يدخل الشيطان علينا ولا يوسوس. فقمنا كل منا وتوضأ وصلى ركعتين، وأقبلنا في هاتين الركعتين، وأنا أقول هذا اليوم وقبل اليوم: هاتان الركعتان اللتان صليتهما في ذلك الوقت لم أجد حلاوة أو لذة مثل ما وجدته فيهما؛ كل واحد منا قائم يصلي الركعتين وحاولنا ألا يدخل علينا الشيطان وألا يوسوس لنا.

ثم بعد ما اجتمعنا، حدث كل واحد منا صاحبه، قال بعضنا: والحقيقة أننا كلنا قد دخل علينا الشيطان في جزء من الصلاة؛ بعضنا قال: لما صليت كنت أنظر في موضع سجودي وخاشع وأشعر باللذة، قال: فلما رفعت رأسي من الركوع، إما في الركعة الأولى أو التي بعدها، فإذا رجل يمر من خلف الشباك فوقعت عيني عليه، فقلت في نفسي: من هذا؟ هذا فلان أو يشبه فلاناً، فأخذ يوسوس له الشيطان في معرفة ذلك الرجل، ثم انتبه ورجع إلى صلاته. والآخر يقول: عندما صليت وشعرت بهذه اللذة أخذت أوبخ نفسي: لِمَ أنا في الصلوات الماضية لم أخشع هذا الخشوع؟ الشاهد أنها ليست مسألة سهلة.

ولذلك يقول بعض العلماء إن الناس في الصلاة على مراتب خمسة؛ المرتبة الأولى مرتبة الظالم لنفسه المفرط، وهو الذي ينتقص من وضوئها وينتقص من مواقيتها وينتقص من حدودها أو أركانها، فهذا معاقب. والثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها ولكنه يضيع الخشوع ولا يجاهد نفسه في إبعاد الوسوسة عنه، وهذا قال عنه محاسب؛ سيحاسب، إما أن ينجو وإما أن لا ينجو. والثالث: من يحافظ على الصلاة على حدودها وعلى أركانها ويجاهد نفسه في دفع الوسواس ودفع الأفكار، فقلبه مشغول بمجاهدة عدوه الشيطان حتى لا يسرق منه هذه الصلاة، فهذا مكفر عنه أو يكفر عنه ذنوبه.

والرابع: من إذا أقبل على صلاته بعد إكماله لحقوقها وأركانها وحدودها يكون منشغلاً بقلبه بهذه الصلاة ولا يدع للشيطان مجالاً للدخول عليه، فهذا مثاب على صلاته. والخامس، وهو أفضل هذه المراتب: من إذا قام إلى الصلاة كانه قد وضع قلبه بين يدي ربه، فهو يشاهد، كأنه يشاهد ربه، كأنه ينظر إلى ربه سبحانه وتعالى، وممتلئ قلبه بعظمة الله ومحبته، كأنه يشاهد وكأنه يراه، وبالتالي تضمحل جميع الوساوس والخطرات وترتفع ولا تكون تاتيه؛ هذا أفضل المراتب، وهذا من المقربين. نقف هنا قليلاً، ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن أهمية الوضوء أو شيء من أهمية الوضوء شيء من فضيلته، وتطرقنا للكلام عن الخشوع في الصلاة، وذكرنا مراتب الناس في الصلاة وهي خمس مراتب ذكرها ابن القيم رحمه الله عليه. وفضائل الوضوء كثيرة، فيه أحاديث كثيرة، من ذلك حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم، وهذا ذكر حديثاً طويلاً لكنه ذكر في هذا الحديث شيئاً يتعلق بالوضوء، فقال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له:

«ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله سبحانه وتعالى إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم إذا غسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم إذا مسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم إذا غسل رجليه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله تعالى وأثنى عليه ومجده بالذي هو له أهل وفرغ قلبه لله سبحانه وتعالى إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه».

هذا حديث يشبه الحديث السابق ويؤيده. عمرو بن عبسة لما حدث بهذا الحديث، كان في الجالسين أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبو أمامة الباهلي، قال أبو أمامة لما سمع عمرو بن عبسة يحدث بهذا الحديث: يا عمرو بن عبسة، انظر ما تقول، في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟ يعني هذا فضل عظيم جداً، فقال عمرو: يا أبا أمامة، لقد كبرت سني ورق عظمي وقرب أجلي -هو كبير في السن، يعني هو أسلم قديماً، أسلم والنبي ليس معه إلا أعداد قليلة، حر وعبد، كما قال هو في هذا الحديث- ورق عظمي واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله تعالى ولا أن أكذب على رسوله صلى الله عليه وسلم، لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً -حتى عد سبعاً- يقول: لو لم أسمعه إلا سبع مرات ما حدثت به أبداً، ولكني سمعته أكثر من ذلك.

وأحاديث في الحقيقة كثيرة في فضل الوضوء، منها حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمتي يُدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». وفي رواية: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء». وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على مقبرة أو على البقيع ثم قال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا».

فقال الصحابة: يا رسول الله، ولسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». طبعاً هذا الحديث هناك حديث آخر شبيه به، فيه شيء من الضعف وبعض العلماء يقويه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الصحابة: مَن أعجب الناس إيماناً؟ فقالوا: الملائكة. فقال: «حقهم ذلك، أو يحق لهم ذلك، وهم ملائكة الله وهم بالمنزلة التي أنزلهم الله فيها». قالوا: فالأنبياء. قال: «وما يمنعهم، فإنهم رسل الله وأنبياء الله». قالوا: فالشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء. قال: «وما يمنعهم، ولكن غيرهم». فقالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أناس لم يأتوا بعد»، يقصد إخوانه الذين يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته.

يأتون من بعدي، يؤمنون، يجدون ورقاً معلقاً فيؤمنون به، أولئك أعجب الناس إيماناً أو أفضل الناس إيماناً. فالنبي يتمنى رؤية إخوانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وددت أنا قد رأينا إخواننا». فالصحابة يقولون: يا رسول الله، وكيف تعرف من لم يأتِ من أمتك بعد؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غُرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهم بُهم، ألا يعرف خيله؟». هناك خيل دهم بهم، يعني لونها واحد وكلها.

سود وبينها خيل محجلة، وفيها غر. الغرة في الجبين أو في الجبهة، والتحجيل في الأيدي وفي الأرجل. إذا كان هناك خيل محجلة وغر ومحجل وخيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإنهم» -يعني أمته- «فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض»، يعني أنا أتقدم على الحوض. الحقيقة هذا الحديث من الأحاديث التي تبين الفضل العظيم لهذه الأمة المباركة الأمة الكريمة.

ولكن هذا الحديث قد يشكله بعض الناس؛ الوضوء هو خاص بهذه الأمة، الوضوء الذي هو فيه غسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، هذا الوضوء من أجل الصلاة هو مما اختص الله به هذه الأمة، لم يكن الوضوء في الأمم السابقة بدليل هذا الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يعرفوا خيله، فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء» مما يدل على أن الأمم السابقة لم يكونوا يتوضؤون كما يتوضأ أصحاب النبي أو كما تتوضأ هذه الأمة.

لكن هذا الحديث قد يستشكل بعض الناس، يقول: كيف وهناك حديث في سنن ابن ماجه وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة وقال: «هذه وظيفة الوضوء الذي لا يصح إلا به»، وتوضأ مرتين وقال: «من توضأ مرتين فله كفلان»، وتوضأ ثلاثاً ثم قال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي»؟ فمعناها أن الأنبياء كانوا يتوضؤون، فكيف في هذا الحديث يأتون يوم القيامة غراً محجلين وأنهم منفردين بذلك؟

والحقيقة أن هذا الحديث الذي فيه «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» حديث ضعفه النقاد، حديث ضعيف لا يصح من أي وجه من الوجوه ولا يمكن أن نحتج به أصلاً، فكيف نعارض به ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث حذيفة وكذلك من حديث غيرهما أن هذه الأمة تأتي يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء؟ ثم لو افترضنا أن هذا الحديث الذي هو «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» أنه صحيح، فهو إنما اختص الأنبياء؛ يعني الأنبياء يتوضؤون ولم يذكر أمم الأنبياء، وهذا ليس بغريب؛ لأن الأنبياء قد يخصون بأشياء دون أمتهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم نبينا مخصوص بأشياء دون أمته، ولذلك ألف العلماء في خصائص النبي مؤلفات، ومن ذلك أنه يحق له أن تزوج أكثر من أربع بخلاف أمته، ومن ذلك أنه يحق له أن يتزوج التي تهب نفسها له أو يزوجها من غير صداق، ومن ذلك وصاله للصيام وأشياء يذكرها العلماء في كتب الخصائص.

فيكون ذلك الفضل في الوضوء مخصوصاً بهذه الأمة، وأن هذه الأمة أشبهت الأنبياء، وهذا من فضائل هذه الأمة؛ فإن هناك آثاراً وردت أن هذه الأمة تشبه الأنبياء فيما لهم من خصائص الأنبياء السابقين. فقد جاء عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: إني أجد في الألواح أمة كلهم كالأنبياء، اللهم فاجعلها أمتي، فرد عليه سبحانه وتعالى وقال: تلك أمة أحمد. في حديث طويل.

وكذلك كعب الأحبار سمع رجلاً مرة يحدث، وكعب الأحبار كان يهودياً وأسلم رضي الله تعالى عنه وهو من التابعين الأجلاء، سمع رجلاً يحدث أنه رأى في المنام أن الناس جمعوا للحساب، ثم دعي الأنبياء مع كل نبي أمته، وأنه رأى لكل نبي من الأنبياء نورين يمشي هذا النبي بين ذينك النورين، ولمن تبعه من أمته نور واحد، فثم دعي النبي صلى الله عليه وسلم وإذا النبي كله نور، وإذا أمته تتبعه ولكل واحد من أمته نورين كما للأنبياء نورين. فكعب سمع هذا الخبر من هذا الرجل الذي يحدث به وهو رؤيا، فظن كعب أنه حديث، فقال كعب وهو لا يدري أنها رؤيا: من حدثك بهذا الحديث؟ وما علمك به؟ فهذا الرجل أخبره أنها رؤيا رآها هو، فناشد كعب: بالله الذي لا إله إلا هو، قد رأيت ما تقول؟ -يعني في النوم- فقال الرجل: نعم والله لقد رأيت ذلك. فقال كعب: والذي نفسي بيده إن هذه لصفة أحمد وأمته، وصفة الأنبياء في كتاب الله، يقصد في التوراة.

فهذه الأمة، إذا قلنا إن الأنبياء يتوضؤون، فهذا مخصوص بالأنبياء دون أمتهم، هذا الفضل الذي في هذا الوضوء لهذه الأمة وغيره من الفضائل. عظم هذا الفضل جعل النبي صلى الله عليه وسلم لا تأتي الصلاة إلا ويتوضأ لها، كان ديدنه صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، مع أنه يجوز أن يتوضأ وضوءاً واحداً لخمس صلوات، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، وهكذا كان ابن عمر وغيره من الصحابة. ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء لكل صلاة إلا في يوم واحد وهو يوم فتح مكة، وهذا ثابت في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس يوم فتح مكة بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «عمداً صنعته يا عمر». لماذا عمداً صنعه النبي صلى الله عليه وسلم؟ لكي يعلم الأمة أن الوضوء الواحد يكفي للصلوات الخمس، لئلا يظن الناس بمداومة النبي صلى الله عليه وسلم على الوضوء لكل صلاة أنه يجب الوضوء لكل صلاة.

ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثير منهم دائماً يبقون على وضوء، من هؤلاء الصحابي الجليل بلال بن رباح، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصحيحين وفي غير الصحيحين في المسند والترمذي من حديث بريدة بن الحصيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بلال، بعدما أصبحت، إني أسمع دف نعليك بين يدي في الجنة؟ أو بما سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا وسمعت خشخشتك أمامي». ثم قال النبي: «دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي، وأتيت على قصر مشرف من ذهب، فقلت: لمن القصر؟ فقالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي، فقالوا: لرجل من قريش، فقلت: أنا قرشي، قالوا: لرجل من أمة محمد، فقلت: أنا محمد، قالوا: إنه لعمر بن الخطاب». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما منعني من دخوله إلا غيرتك يا عمر»، فبكى عمر وقال: يا رسول الله، أو عليك أغار؟ ثم إن بلالاً أجاب النبي على سؤاله، قال بلال: يا رسول الله، ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، ولا أحدثت قط إلا توضأت عند هذا الحدث، ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بذلك»، أو «بهما».

والبقاء على طهارة ليس فقط عند الصلوات أو عند إرادة الصلاة والوضوء لكل صلاة، بل الوضوء حتى للنوم. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصحيحين في حديث البراء: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنك إن فعلت ذلك فإن مت مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيراً».

أتينا إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.