دخولتسجيل الدخول

الحلقة 6

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن أهمية الوضوء وفضله، وسنتحدث في هذه الحلقة بإذن الله عن صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.

صفة وضوء النبي وردت في عدة أحاديث، ولو سقنا هذه الأحاديث لوجدنا في كل حديث ما لا نجده في الحديث الآخر، ولذلك سنذكر نقاطاً ونبين أين وردت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فالمتوضئ إذا أراد أن يبدأ وضوءه يبدأ بقوله: بسم الله. هذه اللفظة وردت في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة: «توضؤوا باسم الله»، فأخذ منها العلماء استحباب التسمية على الوضوء، ومن العلماء من يقول بالوجوب ويحتج بأحاديث في هذا المعنى، وهي أحاديث وردت أنه «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». هذا الحديث ورد من عدة طرق، إلا أن أهل العلم مختلفون في تصحيحه، وأكثرهم على عدم تصحيحه، فالإمام أحمد وغيره من الأئمة حكموا بضعفه، مع أن الإمام أحمد يقول به وإنما قال به احتياطاً.

فأولاً يقول المتوضئ: بسم الله، ثم بعد ذلك يغسل كفيه ثلاث مرات قبل البدء بغسل الوجه. وهذا ورد في عدة أحاديث، منها حديث عثمان بن عفان الحديث المشهور الذي من رواية حمران مولاه، وهذا الحديث في الصحيحين وهو حديث طويل فيه صفة الوضوء بشكل عام، لكن فيه في هذه الجزئية أنه قال: ففرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات. وهكذا في حديث عبد الله بن زيد الأنصاري في الصحيحين، وفيه أنه دعا بإناء فأكفأ منها أو من الإناء على يديه فغسلهما ثلاثاً. طبعاً اليد التي تدخل في الإناء هي اليد اليمنى، بعد ما يغسل يديه هو يفيء بيمينه على شماله بالإناء ثم يغسل يديه ثلاث مرات، ثم يدخل يده اليمنى، وهذا ثابت في أحاديث متعددة، منها ما في الصحيحين من حديث عثمان أنه ذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق. إذاً التي تدخل في الإناء يتوضأ بها هي اليد اليمنى، طبعاً لو أدخل اليسرى لا إشكال في ذلك، لكن هذا هو السنة، هذا هو وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم بعد ذلك يتمضمض ويستنشق ويستنثر ثلاث مرات، وهذه المضمضة والاستنشاق طبعاً الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف، الاستنشاق يلزم منه الاستنثار، فهناك مضمضة وهناك استنشاق. ما هي الكيفية للمضمضة والاستنشاق، هل يفصل بينهما أم يجمع بينهما؟ في الحقيقة أن هاتين الكيفيتين قد وردتا؛ إما أنه يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، يعني يأخذ غرفة من الماء فيتمضمض ويستنشق مرة واحدة، يفعل هذا ثلاث مرات، وهذا هو الأفضل، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وفيه عدة أحاديث منها في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، وهو حديث طويل وفيه: فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات. وفي رواية: فمضمض واستنشق، وفي رواية: واستنثر من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثاً. وهكذا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه ذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، يعني المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة. هذه هي الكيفية الأولى، أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة يكرر ذلك ثلاث مرات، طبعاً تكرار الوضوء ثلاث مرات هذا هو السنة، ويجوز الوضوء مرة، ويجوز الوضوء مرتين، ثبت ذلك في صحيح البخاري أن النبي توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين.

الكيفية الثانية وهي الفصل بين المضمضة والاستنشاق، وهذا هو الأفضل عند الحنفية وعند المالكية، يعني يجعل للمضمضة غرفة وللاستنشاق غرفة، أو يتمضمض ثلاث مرات ثم يستنشق ثلاث مرات لكل نوع منها، للمضمضة غرفات وللاستنشاق غرفات، يعني بست غرفات. وهذا هم يحتجون بعموم الأحاديث أو ظواهر الأحاديث التي في الصحيحين أن فيها فمضمض واستنشق، ولم يذكر الجمع بينهما بغرفة واحدة، وهناك أحاديث تساعد أهل هذا المذهب فيها وضوح أن النبي فصل بين المضمضة عن الاستنشاق، ومن ذلك ما في المسند وسنن أبي داوود من حديث عثمان بن عفان أن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً، وفي رواية واستنشق ثلاثاً. وهكذا في حديث علي أيضاً في المسند والترمذي والنسائي وفيه: ثم تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً.

بل إن شقيق بن سلمة وهو أبو وائل، تابعي جليل مخضرم، أي أدرك الجاهلية والإسلام لكنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن جماعة من الصحابة من الكبار منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وهما خليفتان راشدان، يقول: إنه رآهما يتوضآن ثلاثاً ثلاثاً، وذكر أنهما أفردا المضمضة عن الاستنشاق. طبعاً أفردا المضمضة عن الاستنشاق في هذه الرواية وردت في رواية بعض الرواة لهذا الأثر عن أبي وائل، وبعض الرواة لا يذكر هذه الكلمة وإنما يقول: تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً، وهذا محتمل، محتمل أن المراد الفصل بينهما ومحتمل أنه تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً من كف واحدة، لكن ظاهره أنه أفردها. فكلمة الراوي: فأفرد المضمضة عن الاستنشاق، أنا لست على يقين من ثبوتها لأنه قد تكون من مفهوم الراوي للرواية.

ولكن هناك رواية صريحة في سنن أبي داوود لكنها من طريق ليث بن أبي سليم، وليث بن أبي سليم فيه ضعف، يروي هذا الحديث عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، قال: فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. هذا الحديث يحتج به المالكية ويحتج به الحنفية، ولكنه كما ذكرت حديث ضعيف لأنه من رواية ليث بن أبي سليم، لكن مع الروايات السابقة التي ظاهرها الفصل قد يقوى هذا الحديث أو يقوى العمل به. فبإمكان الإنسان أن يفعل هذا مرة ويفعل هذا مرة. الملخص أو الحاصل أن المضمضة والاستنشاق لهما طريقتان جائزتان عند أهل المذاهب: الطريقة الأولى الجمع، وهي الأفضل عند الشافعية وعند الحنابلة، والطريقة الثانية الفصل بينهما. لكن دليل الشافعية ودليل الحنابلة وهي الأحاديث التي في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد كما ذكرت ومن حديث ابن عباس رضي الله عنه هذه الأحاديث أصح من الأحاديث التي تعلق بها المالكية والحنفية، وإن كان ما ذهبوا إليه وجيهاً وله وجه من النظر. هذا ما يتعلق بكيفية المضمضة والاستنشاق.

ثم من السنن أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائماً، وهذا ثابت أيضاً في المسند وفي السنن الأربعة من حديث لقيط بن صبرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً». وهذا المعنى المبالغة في الاستنشاق اتفق عليه أهل المذاهب الأربعة، بل وقالوا المبالغة أيضاً في المضمضة لعله قياساً على الاستنشاق لأنهما معاً. والمبالغة في المضمضة هو أن يأخذ الماء في شفتيه فيدير في فمه ثم يمجه، والمبالغة في الاستنشاق هو أن يأخذ الماء بأنفه فيجذب بنفسه ثم يستنثر، والاستنثار كما ذكرت إخراج الماء من الأنف، وأحياناً يعبرون بالاستنثار عن الاستنشاق والعكس لأنهما متلازمان. والاستنشاق يكون باليد اليمنى والاستنثار يكون باليد اليسرى، وهذا ثابت في الصحيحين وفي غير الصحيحين، حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه المتقدم ذكر فيه: ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، إذاً المضمضة والاستنشاق هو باليمين. وفي مسند أحمد وسنن النسائي من حديث علي رضي الله عنه قال: ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض واستنشق، ونثر بيده اليسرى، فعل ذلك ثلاث مرات. إذاً الاستنشاق والمضمضة هي باليمين، والاستنثار وهو إخراج الماء من الأنف يكون باليد الشمال.

وبعض العلماء يقول: لا بد عليه أن يضع يده، السنة أن يضع يده، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي: وبيده اليسرى استنثر. مالك لما قيل له: أيستنثر الرجل من غير أن يضع يده؟ فقال: إنما يفعل ذلك الحمار، يعني الحمار هو الذي يخرج الماء من أنفه أو الهواء من أنفه دون أن يضع يده، فكان مالك يقول: لا بد أن الشخص يضع يده على أنفه.

كذلك من السنن أن بعد المضمضة والاستنشاق يأتي غسل الوجه، يغسل وجهه ثلاث مرات، قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. وهذا من الفرائض، وسياتي الكلام عن الأركان أو الفرائض، وثبت في غير حديث من أحاديث عثمان وغيره وكل أكثر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل وجهه ثلاث مرات. في حديث عثمان في الصحيحين، وفي حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل وجهه ثلاث مرات، وفي حديث ابن عباس كذلك في صحيح البخاري، في حديث ابن عباس قال: ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا وأضاف إلى يده اليسرى فغسل بهما وجهه. طبعاً غسل الوجه يشمل ما استرسل من اللحية، يعني إذا كانت اللحية طويلة فغسل الوجه يشمل ما استرسل منها، وهذا ثابت في حديث عمرو بن عبسة في صحيح مسلم الذي ذكرناه في فضل الوضوء، وفيه: ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، معناه أن الماء يسيل إلى أطراف لحيته. طبعاً ومن السنن في اللحية التخليل، أن يخلل لحيته، وهذا مذهب الجمهور سوى المالكية، المالكية لا يرون التخليل للحية الكثيفة، بينما يراها الجمهور. وورد في ذلك عدة أحاديث منها حديث عثمان في الترمذي وأبي داوود أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته، وهذا الحديث صححه الترمذي، والبخاري قال: هو أصح شيء في هذا الباب، مع أن الإمام أحمد وغيره من الأئمة لا يثبتون في التخليل في تخليل اللحية شيئاً وإنما يستحسنونه من باب الاحتياط. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل وذكرنا تخليل اللحية، يعني بعد غسل المسلم وجهه في الوضوء يخلل لحيته، وتخليل اللحية له كيفيتان عند أهل العلم، وقد ورد في ذلك حديثان إلا أنهما حديثان ضعيفان. الحديث الأول في سنن أبي داوود عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فادخله تحت حنكه فخلل به لحيته، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بهذا أمرني ربي». وهذه الكيفية أخذ بها الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة، أما المالكية كما ذكرت فهم لا يقولون بالتخليل، هذا الحديث فيه ضعف إلا أن العلماء أخذوا به، فيأخذ ماء ويضعها تحت حنكه ويخلل لحيته، يدخل أصابعه في لحيته فيخلل بها أو بهذا الماء لحيته. الحنفية يقولون: يقلب اليد فيكون باطن الكف إلى الأرض، والشافعية والحنابلة يقولون: إنما تكون باطن الكف إلى الوجه.

والطريقة الثانية أو الكيفية الثانية لتخليل اللحية وردت أيضاً في سنن ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهو حديث ضعيف، إلا أنه ثابت عن ابن عمر نفسه، يعني هو موقوف على ابن عمر، الصواب أنه موقوف على ابن عمر، لكن هذا الحديث الذي في سنن ابن ماجه يقول ابن عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ عرك عارضيه، عرك عارضيه ببعض الماء، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها. وهذه الكيفية أيضاً قال بها الحنابلة، الكيفية الأولى قال بها الجمهور والكيفية هذه قال بها الحنابلة، وهي ثابتة عن ابن عمر، فالمقصود تخليل اللحية سواء كان بالكيفية الأولى أو بالكيفية الثانية أو بالجمع بين الكيفيتين. ثم بعد غسل الوجه وبعد تخليل اللحية يغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم يغسل اليد اليسرى كذلك ثلاثاً، وهذا من فرائض الوضوء، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، وكذلك في الصحيحين من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه قال: ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثاً. ثم بعد غسل اليدين يمسح جميع رأسه، جميع رأسه هذا هو السنة، وإلا هناك خلاف بين العلماء ما هو الفرض؟ هل هو جميع الرأس أو بعض الرأس؟ وسيأتي في الأركان، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]. طبعاً مسح الرأس له كيفية واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي كيفية مستحبة، وهذه الكيفية وردت في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه.

في الصحيحين قال: ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. أقبل بهما يعني ذهب بهما إلى قفاه، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. هذه هي الكيفية في مسح الرأس، وأي كيفية جائزة، لكن هذه هي السنة.

بعد مسح الرأس ياتينا مسح الأذنين، ثم يمسح أذنيه. طبعاً مسح الأذنين سيأتينا هل الأذنان مسحهما فرض أو ركن في الأركان؟ لكن مسح الأذنين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هل يمسح بماء جديد أو بنفس الماء السابق؟ هنا اختلف العلماء؛ فمالك أو المالكية، وكذلك الحنابلة، وكذلك الشافعية، الجمهور يقولون بماء جديد. طبعاً يروى هذا عن ابن عمر، رواه مالك في الموطأ من حديث نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه: كان يأخذ الماء بأصابعه لأذنيه، وهذا هو الأفضل كما ذكرت عند الجمهور؛ أنه يمسحهما بماء جديد لا بماء الرأس.

وأما الحنفية فيقولون: الأفضل أن يمسحها بماء الرأس، لماذا؟ لأنه لا يوجد في الأخبار، يعني في الأحاديث الصحيحة التي تروي صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، لا يوجد فيها أن النبي أخذ ماءً جديداً لأذنيه. وردت هناك بعض الآثار أو بعض الأحاديث لكنها لا تثبت؛ هناك حديث ورد في البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ماءً جديداً لأذنيه، والحقيقة أن الرواية التي في البيهقي هي في مسلم، لكنه أخذ ماءً جديداً لرأسه، فالراوي أخطأ بين الرأس وبين الأذنين.

بل إن الحنفية يستدلون بدليل أبين من دليل الجمهور، وهو أن حديث عبد الله بن الصنابحي، وهو في الموطأ وفي مسند أحمد وفي سنن النسائي وفي سنن ابن ماجه، في هذا الحديث يروي صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر فضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه يغفر له ذنوبه مع الماء كما في حديث عمرو بن عبسة، لكنه ذكر لفظة فيها قال: فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فكأنه شمل الأذنين مع الرأس؛ فاستدلوا بهذا على أن الأذنين تمسح مع الرأس. وأما حديث «الأذنان من الرأس» فمن الناس من يحتج به، فينبغي أن يمسح مع الرأس، لكن هذا الحديث وإن كان مروياً من غير وجه إلا أن أهل النقد لا يثبتونه، أحمد بن حنبل يقول: إنه لا يصح فيه شيء أو لا يعلم أنه يصح فيه شيء.

إذا قلنا مسح الرأس، وقلنا مسح الأذنين، ثم بعد مسح الأذنين يأتينا غسل الرجلين، فيغسل رجله اليمنى ثلاث مرات، ويغسل رجله اليسرى ثلاث مرات. هناك كيفية لمسح الأذنين روي فيها كيفية، وهي: أنه يدخل السبابتين في صماخي أذنيه، ويجعل الإبهامين حول ظاهر الأذنين. هذه هي الكيفية التي وردت في السنة، وأهل المذاهب الأربعة اتفقوا على هذه الكيفية، وردت فيها أحاديث منها حديث ابن عباس في الترمذي والنسائي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما. وفي لفظ النسائي: ثم مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهام.

وهكذا في سنن أبي داود من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه يصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وفي بعض الألفاظ: وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه. وهكذا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ومسح بإبهامه، وفي أبي داود: ومسح بإبهامه على ظاهر أذنيه وبسبابتيه على العمامة، وهذا سيأتينا في الأركان وفيه خلاف بين العلماء.

ثم بعد مسح الرأس يغسل رجله اليمنى إلى الكعب ثلاث مرات، ثم يغسل رجله اليسرى إلى الكعب ثلاث مرات، وهذا من الفرائض؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] بالنصب، يعني واغسلوا أرجلكم. وفي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي في الصحيحين قال: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم غسل رجله اليسرى ثلاثاً. وهكذا في حديث ابن عباس في صحيح البخاري يبين كيفية الغسل، فيقول: ثم أخذ غرفة من ماء، فرش بها على رجله اليمنى، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى؛ يعني يأخذ غرفة فيرش بها على الرجل ويغسل الرجل.

طبعاً هناك مسألة يحتاج عند الوضوء إلى تعهدها، وهي تعهد العقبين؛ كثير من الناس يتوضأ ولكن يبقى شيء في عقب رجليه يعني لا يصيبه الماء، وهذا أمر محذر منه ومنهي عنه، وقد جاء فيه الوعيد في أحاديث كثيرة، حديث لعائشة وغيرها، وفي الصحيحين أيضاً، وهذا أوضحها من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاث. وفي بعض الروايات في رواية مسلم قال: حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم منا، فأخذوا يتوضؤون بعجلة، قال: فانتهى النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فإذا أعقابهم تلوح لم يمسها الماء، أعقابهم ليس فيها ماء؛ يعني لم يصبها الماء، فعند ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء».

فعلى المسلم أن يتعاهد بعض الأماكن التي يخشى ألا يصيبها الماء، ومن ذلك تعاهد تخليل الأصابع، أصابع الرجلين واليدين؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث لقيط بن صبرة الذي أشرت له وهو في مسند أحمد والسنن الأربعة: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً»، وهذا الحديث صححه الأئمة، وغيره حديث ابن عباس أيضاً: «وخلل أصابع رجليك ويديك».

وكان الإمام أحمد في مرض موته يتعاهد ذلك، كان أولاده يوضئونه؛ فقيل لعبد الله: هل عقل أبوك عند المعاينة يعني عند سكرات الموت؟ هل كان يعقل ما يقول؟ فقال: نعم، كنا نوضئه، فيشير بيده، وهم يوضئونه كان الإمام أحمد يريد شيئاً لكنه لا يستطيع، فيشير فيقول صالح وهو ولده الآخر: ماذا يريد؟ ماذا يقول؟ هو لم يكن يتكلم بسبب ما يصيبه من سياق الموت أو من المعاينة كما قال. فقال عبد الله له: إنما يقول خللوا أصابعي؛ يعني هو في هذه الحالة يوضئونه ويأمر بتعهد أصابعه، قال: حتى إنه أشار إلينا بتخليل أصابعه، وبعد إشارته مات أو توفي من ساعته رحمه الله. يعني إلى أي حد كانوا يهتمون بإسباغ الوضوء وبتعهد الأماكن ليصل الماء إلى كل البشرة.

ومن ذلك أنه إذا كان عنده خاتم، ينبغي عليه أن يحرك خاتمه خصوصاً إن كان ضيقاً، وهذا عند الجمهور، الجمهور من المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة يقولون عليه أن يحرك خاتمه، وأما المالكية فيقولون لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه خاتم ولم نره في الأحاديث أنه كان يحرك خاتمه، لكن الخاتم تحته مكان قد لا يأتيه الماء، وهناك حديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو في ابن ماجه- كان إذا توضأ حرك خاتمه، ولكن هذا الحديث فيه ضعف، ولكنه ورد عن بعض الصحابة عن علي وابن عمر أنهم كانوا يحيركون الخاتم وقت الوضوء، وهكذا عن جماعة من التابعين مثل عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة والحسن البصري وابن سيرين وغيرهم.

بعد صفة الوضوء التي بيناها، ينبغي على المسلم أن يدعو بهذا الدعاء الذي ذكرناه في حديث عقبة بن عامر ويرويه عن عمر بن الخطاب، الذي قال: «الأولى أجود منها»، وهي قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء».

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.