الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا بعض تلك الصفة، وقد نكون تركنا بعض الأشياء لأن الوقت لا يتسع، وسنتكلم في هذه الحلقة بإذن الله عن شروط صحة الوضوء.
طبعاً الشروط كما هو معلوم هناك شروط وجوب وهناك شروط صحة، لكننا سنكتفي بشروط صحة الوضوء، أما شروط الوجوب فهي معروفة، وهي أنه لا يجب الوضوء إلا على العاقل البالغ، وأما المسلم ففي الكلام حوله خلاف، والحقيقة أنها الخلاف فيها ليس بذاك الأهمية.
أما شروط صحة الوضوء فهناك عدد من الشروط والعلماء يختلفون في تعدادها، إلا أن أهمها هذه الشروط ثلاثة شروط: الشرط الأول طهورية الماء، والثاني النية، والثالث إزالة ما يمنع وصول الماء للبشرة.
الشرط الأول الذي هو طهور الماء، من المعلوم أن الأصل في اشتراط الطهارة أن يكون بالمياه المطلقة، يعني الماء الذي أنزله الله من السماء والذي أخرجه الله من الآبار، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: 11]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]. إذاً الماء شرط في الطهارة أو الماء الطهور الذي يتطهر به أو يطهر شرط في الطهارة، وقد أجمع العلماء على ذلك، وأجمعوا على أن الأصل في جميع أنواع المياه المطلقة أنها طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها. إذاً الذي يطهر الإنسان سواء من الخبث أو من الحدث هو الماء الطهور.
والماء الطهور منه مياه الأمطار ومياه الآبار ومياه الأنهار وكذلك مياه البحار. وبعض الناس قد يظن أن ماء البحر غير مطهر لملوحته، يظن أنه لم يعد على الخلقة التي خلقه الله عليها بسبب ما فيه من الملوحة، إلا أن السنة قد دلت على أن ماء البحر يعتبر من المياه المطلقة المطهرة. ولما نقول المياه المطلقة، فالمقصود بها الماء الذي يطلق عليه اسم الماء بدون قيد، يعني لا نقول مثلاً ماء الورد، هذا ماء غير مطلق لأنه قيد بكونه من الورد، وهكذا ماء الزعفران. وأما ماء البحر فممكن أن نقول هذا ماء، وماء البئر نقول هذا ماء، بدون كلمة بئر وبدون كلمة بحر وبدون كلمة نهر، ماء النهر وماء المطر نقول هذا ماء، هذا معنى كلمة الإطلاق، الماء المطلق الذي يطلق عليه ماء دون أن يقيد بقيد آخر غير كلمة ماء. فهذه المياه المطلقة هي المياه المطهرة، ومن هذه المياه مياه البحار.
وقد ثبت كما ذكرت أن في السنة أن ماء البحر مطهر، ففي الخمسة في مسند أحمد وسنن أبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». يقصد ماء البحر هو الطهور ماؤه يعني المطهر، الحل ميتته يعني أن ما فيه من الميتة وهي السمك لا تحتاج إلى ذكاة. هذا الحديث في الحقيقة صححه جماعة من أهل العلم الكبار ومنهم البخاري رحمه الله عليه.
هذا الماء المطلق هو المشترط في الطهارة، لكن هذا الماء المطلق قد يختلط به شيء آخر فيؤثر فيه أو لا يؤثر. الماء المطلق يمكن أن يختلط به نجاسة فتؤثر فيه، ويمكن أن يختلط به ماء آخر أو شيء طاهر آخر فيؤثر فيه أو لا يؤثر، ولذلك العلماء قسموا الماء المختلط إلى نوعين: ماء خالطته نجاسة، وماء خالطه شيء من الطاهرات.
فالماء الذي خالطته النجاسة تكلم العلماء فيه بتفريع كثير، اتفقوا فيه على أشياء واختلفوا فيه على أشياء، فمثلاً الماء الذي خالطته نجاسة وغيرت صفة من صفاته، يعني إما غيرت طعمه أو غيرت لونه أو غيرت ريحه، هذا الماء عند أهل العلم قاطبة نجس، إذا تغير الماء بالنجاسة، والنجاسة مثلاً غائط أو بول أو دم أو نحو ذلك من النجاسات. فالماء المطلق سواء كان ماء بئر أو ماء نهر أو ماء بحر، إذا تغير ذلك الماء بالنجاسة فهذا الماء سواء كان هذا الماء قليلاً في قدح أو كان كثيراً جداً، فقد ورد في السنة في بعض الأحاديث في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه وهو في سنن ابن ماجه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه».
طبعاً هذا الحديث يضعفه أهل العلم، أوله صحيح «الماء لا ينجسه شيء»، هذه الجملة وردت من غير وجه، وردت في حديث أبي سعيد وفي حديث غير أبي سعيد، وردت في حديث أبي أمامه وهو حديث ضعيف، ووردت هذه اللفظة في حديث أبي سعيد وصححه الإمام أحمد. لكن آخر الحديث وهو الاستثناء «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»، هذا الاستثناء هو الضعيف، فأول الحديث صحيح ثابت من وجوه أخرى، لكن آخره لم يثبت إلا في حديث أبي أمامة، وهو حديث ضعيف من حيث الرواية، إلا أن العلماء مجمعون على معناه، بمعنى أنه إذا تغير الماء طعمه أو لونه أو ريحه بسبب نجاسة وقعت فيه، فهذا الماء بالاتفاق نجس.
هذه المسألة الأولى التي اتفقوا عليها، أن الماء المطلق إذا تغير بالنجاسة فهو نجس سواء كان كثيراً أو كان قليلاً. المسألة الثانية التي اتفقوا عليها أن الماء الكثير إذا خالطته نجاسة ولم تغير شيئاً من صفاته فهو طهور بالاتفاق. وهذا من حيث الجملة، الشاهد أن الماء الكثير إذا خالطته النجاسة لكن النجاسة لم تغير فيه لا لونه ولا طعمه ولا ريحه، فهذا الماء الكثير يعتبر ماء طاهراً عند أهل العلم.
فإذاً عندنا ماءان مطلقان خالطتهما نجاسة، الأول قلنا فيه إنه نجس وهو المتغير، والثاني قلنا فيه إنه طاهر وهو غير المتغير إذا كان كثيراً. والذي اختلفوا فيه من الماء المطلق الذي خالطته نجاسة هو الماء القليل إذا خالطته نجاسة ولم تغير شيئاً من صفاته، هل هو طاهر أم نجس؟ اختلف العلماء، فالجمهور والمالكية على أنه طاهر، إلا أنه مكروه. وهذه الأقسام الثلاثة جمعها بعضهم في ثلاثة أبيات فقال: وكل ماء وصفه تغير جرا نجاسة فليس طاهره وطاهر إن لم يكن مغيراً لمالك وغيره إن كثرا
يعني الماء يكون طاهراً إن لم يتغير، هذا لمالك ولغير مالك إن كثر ذلك الماء، إن كان الماء كثيراً ولم يتغير بالنجاسة فهو طاهر، وإن كان قليلاً فهو محل خلاف. سبب الخلاف بين العلماء هو وجود أحاديث وآثار متعارضة في هذا الباب، ويمكن أن نقسم هذه الآثار والأحاديث إلى قسمين:
القسم الأول: آثار تدل على طهارة الماء المطلق إلا ما خصصه الإجماع، مثل حديث أبي سعيد الذي ذكرناه قبل قليل وهو في الخمسة إلا سنن ابن ماجه، وحديث أبي سعيد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، وهذا الحديث كما ذكرت صححه الإمام أحمد، فظاهر هذا الحديث أو منطوقه يدل على أن الماء لا يتنجس مطلقاً سواء كان كثيراً أو قليلاً، لكنه يستثنى من هذا الماء حالة واحدة وهي ما استثنيت بالإجماع وهو ما إذا تغير. الماء طهور لا ينجسه شيء إلا أن يتغير، إذاً إذا لم يتغير فهو طهور سواء كان قليلاً أو كثيراً، هذا نص الحديث.
القسم الثاني من الأحاديث أو من الآثار التي تدل على الفرق بين القليل والكثير، وأن القليل إذا خالطته النجاسة تنجس وإن لم يتغير، والكثير لا يتنجس إلا أن تغير، ومن هذه الأحاديث حديث ابن عمر وهو أشهرها وأهم هذه الأحاديث في هذا المعنى، وهو أيضاً في السنن الأربعة وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان الماء قلتين، أو إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».
هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم إلا أن أكثر الأئمة على تصحيحه، لكنه يدل كما قال النبي عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، معناه إذا لم يبلغ القلتين حمل الخبث، معناه تنجس. فهذا الحديث دليل على الفرق بين القليل والكثير. والدلالة هنا، الحديث لا يتكلم عن الذي تغير بالنجاسة، لأن الذي تغير بالنجاسة يستوي فيه القليل والكثير. إذاً الحديث يتكلم عن الذي لم يتغير بالنجاسة، فالكثير لا يتنجس، والقليل يتنجس. الحديث الثاني حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده»، فإذا كان الشك في نجاسة اليد لأنه لا يدري أين باتت يؤثر في الماء القليل، فمن باب أولى إذا كان فيها نجاسة ولو لم تكن ترى أو لو لم يتغير بها الماء. هذان الحديثان هما ما اعتمد عليه الجمهور في أن الماء القليل يتنجس بالنجاسة ولو لم يتغير، وحملوا حديث أبي سعيد الذي احتج به المالكية على أن المقصود به الماء الكثير، والمالكية يعكسون؛ حديث أبي سعيد مطلق وحديث ابن عمر المقصود به الغالب، وحديث أبي هريرة المقصود به التقر وليس التنجس. نقف قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تحدثنا قبل الفاصل عن خلاف العلماء في الماء الذي سقطت فيه نجاسة، وذكرنا اتفاقهم في ماءين واختلافهم في الماء القليل إذا خالطته نجاسة ولم تغيره. لكن لتوضيح هذا الخلاف بين الأئمة وأنه خلاف معتبر، سأحاول أن أعرض هذا الخلاف على شكل مناظرة أو محاورة تقع بين شخصين من باب التوضيح. فلنسمع أحدهما، يعني زيداً وهو الذي ينتحل مذهب الجمهور الذين يقولون بتنجس القليل، والآخر ينتحل مذهب المالكية ونسميه عمراً.
فلو افترضنا مثلاً أن زيداً وعمراً كانا في رحلة، وباتا في طريقهما في البر، وكان معهما ماء قليل، لكن جرح أحدهما فسقط من جرحه قطرة دم فوقعت في الماء. وطلع الصبح واقترب خروج الشمس وهما يبحثان عن ماء غير هذا الماء الذي معهما، ثم خشيا بعد ذلك أن تطلع عليهما الشمس ولا يجدا ماء. فقال زيد، وهو الذي ينتحل مذهب الجمهور الذين يقولون بتنجس الماء القليل بسقوط النجاسة فيه وهذا الماء الذي سقطت فيه القطرة لم يتغير بها، قال زيد لعمر: دعنا نتيمم ونصلي فقد جاز لنا التيمم.
فقال عمر: كيف نتيمم والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، ونحن واجدون للماء، يعني الماء هذا هو عندنا والله إنما أجاز التيمم عند عدم وجود الماء. فقال زيد: إنما أراد الله سبحانه وتعالى بالماء في قوله هذا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، إنما أراد به الماء الطهور دون الماء النجس، وهذا لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾، فكأن الله سبحانه وتعالى قال فلم تجدوا ماء طهوراً فتيمموا، ونحن ليس عندنا ماء طهور.
فقال له عمر: هذا لو كان الماء الذي معنا قد تغير بالقطرة التي وقعت فيه، أما وهو لم يتغير فهو طهور. فقال زيد: إن الماء القليل بمجرد ملاقاة النجاسة له ولو لم يتغير يتنجس. فقال عمر: لا أسلم لك ذلك، فهات الدليل على أن الماء القليل يتنجس بمجرد ملاقاة النجاسة. قال زيد: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت في الخمسة من حديث ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وفي رواية: «لم ينجس»، فمفهوم هذا الحديث أن ما دون القلتين ينجس إذا لاقته النجاسة ولو لم يتغير.
فقال عمر: نعم أوافقك لو كان هذا الحديث ليس له من المفهوم إلا هذا الذي ذكرته، بل له مفاهيم أخرى. فقال زيد: ليس له إلا هذا المفهوم الذي ذكرته أنا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين ما بلغ القلتين وما لم يبلغها، يعني فرق بين الكثير وبين القليل، ولا شك أن التغير غير مراد، يعني ليس الفرق بين الكثير والقليل بالنسبة للماء المتغير، لأن الماء المتغير القليل والكثير فيه سيان عند أهل العلم، إذاً المقصود بالفرق هنا بين الماء القليل.
والكثير هو عند عدم التغير بالنجاسة. والنبي قد قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، ومعناه أنه لم يتغير لم ينجس، ومعناه إذا لم يبلغ القلتين فإنه ينجس بالنجاسة. فقال عمر: بل هناك معنى آخر، وهو أن المراد كون الكثير لا ينجس بالملاقاة، وينجس إذا مدار المسألة على التغير بالنجاسة وعدم التغير.
فقال له زيد: لو كان المدار هو التغير وعدم التغير، لما كان هناك فائدة من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لمن سأله؛ لأن الصحابة سألوه، قالوا: يا رسول الله، سألوه عما ينوب الماء من الدواب والسباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، فلم يردهم على التغير، وإنما ردهم على بلوغ الماء قلتين وعدم بلوغه. فقال له عمر: هذا التفريق بين القليل والكثير بمجرد ملاقاة النجاسة لا وجه له؛ لأننا لو نظرنا إلى النسبة بين القليل والكثير، لو أن مثلاً الكثير 1000 لتر وسقطت فيه نجاسة بلتر واحد؛ فإن كان اللتر يغيره، فإنه لو افترضنا القليل مثلاً 1000 ملليلتر والكثير 1000 لتر، فلتر واحد سيغير الكثير، كذلك ملليلتر واحد سيغير القليل. وإذا كان اللتر لا يغير الكثير، فإن المليلتر لا يغير القليل، ولا فرق بين الاثنين.
عند ذلك قال له زيد: لكنك بهذا الاعتراض على ما يفهم من ظاهر الحديث تخرج الحديث عن أن يكون مراداً أو أن يكون مفهوماً كما ذكرت، لأن السائلين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم في لفظ الحديث عن الماء وما ينوبه من السباع، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إذا تغير أو إذا لم يتغير، وإنما ردهم إلى هذه القاعدة. فقال له عمر: كلامك صحيح لو كان ما خالط الماء من النجاسة يخالف الماء في الصفات، يعني هم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤر السباع والدواب، وسؤر السباع والدواب لا يخالف الماء في الصفة، أي لا يغير صفة الماء؛ فلذلك النبي ردهم لهذه القاعدة. لو كان سؤر السباع والدواب يخالف الماء، لو كان دماً مثلاً أو كان نجاسة أخرى تغير الماء، لقال: إذا تغير، لكنه ردهم إلى قاعدة الكثير والقليل لأن السؤر لا يغير الماء.
فعند ذلك قال عمر: بل الماء القليل يتنجس بملاقاة النجاسة. فقال عمرو: ما هي الدلالة؟ ما الذي يدل في هذا الحديث على دعواك؟ فقال زيد: الدليل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن غمس اليد في الماء في الإناء قبل أن تغسل، وهذا مع عدم التيقن من النجاسة، فكيف إذا كنا متيقنين أن هناك نجاسة وسقطت في الماء؟ هذا من باب أولى أن تكون هذه النجاسة مؤثرة في هذا الماء القليل، لأن النبي نهى عن ذلك، ولولا أن هذا النهي بسبب أن النجاسة تؤثر في الماء القليل لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: نعم كلامك صحيح، إلا أن التأثير في الماء ليس بالضرورة أن يكون من باب التنجيس، فقد يكون من باب التقدير، لأن التأثير إما أن يكون بسبب التنجيس، وإما أن يكون بسبب التقدير؛ لأن الناس تعاف نفوسهم الماء الذي سقطت فيه نجاسة ولو لم تغيره حتى لو كان كثيراً، ولذلك نجد أحاديث أخرى في هذا المعنى.
فمثل النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين نهى عن البول في الماء الدائم، مع أن العلماء يقولون إذا لم يتغير الماء بالنجاسة الكثير فإنه طهور، ومع ذلك نهى النبي عن البول في الماء الدائم الكثير لأن ذلك يستقذره الناس. وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم، مع أن الاغتسال من الجنابة فيه إذا كان كثيراً لا تجعله غير طهور، فسببه هو الاستقذار. عند ذلك قال زيد وهو الذي يمثل الجمهور: هناك دليل آخر على تنجس الماء القليل، قال: ما هو؟ قال: هو ما روي في الصحيحين وغير الصحيحين من حديث غير واحد من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً»، وفي رواية «فليرقه»، وفي رواية «إحداها بالتراب»، وفي بعض الروايات «أعفروه الثامنة بالتراب»، فلولا أن الماء القليل يتنجس ولو لم يتغير لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الإناء سبعة؛ لأنه أمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، هذا يدلنا على أن الماء القليل يتنجس بالنجاسة ولو لم يتغير.
عند ذلك أجابه عمر الذي يمثل المالكية، قال: كلامك صحيح بالنسبة للتنجيس؛ نعم الكلب إذا ولغ في الإناء أو في الماء القليل ينجسه، لكن كلامك في عدم التغير ليس بصحيح، لأن سؤر الكلب -وهو لعابه- لا يغير الماء عن لونه، وإذا لم يغيره عن لونه ليس بالضرورة أنه لم يغير طعمه أو لم يغير ريحه، فالتغير قد يكون حاصلاً، وبالتالي التنجس بالتغير ليس بمجرد الملاقاة. ثم إن الكلب أو هذا الحديث خاص بالكلب بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل من ولوغه سبعاً، ولم يأمر في غيره من النجاسات بالغسل سبعاً، فدل ذلك على أن هذه المسألة تخص الكلب.
عند ذلك قال زيد: أليس القول بتنجيس الماء القليل إذا لاقته نجاسة أقرب للصواب احتياطاً، أحوط لنا، أحوط لطهارته؟ فعمر قال له: إنما يكون أحوط وأصوب إذا لم نجد غيره؛ إذا وجدنا غيره نعم نستعمل غيره للخلاف فيه، أما إذا لم نجد غيره فليس من الاحتياط أن نتركه إلى التيمم. فقال زيد: بل الانتقال إلى التيمم وعدم استعمال ماء مشكوك في طهارته أحوط. فقال له عمرو: هذا لو لم يكن عندنا أصل نعتمد عليه. طيب ما هو هذا الأصل؟ قال: الأصل في مسألتنا هو أن الماء كان طهوراً بيقين، فالماء الذي كان عندنا كان طهوراً، إنما وقعت فيه النجاسة، فهذه النجاسة الواقعة طارئة، مشكوك هل تنجس الماء أم لا تنجسه، فنبقى على الأصل وهو أن اليقين لا يزول بالشك، فيكون الماء طهوراً.
طبعاً هذه المناظرة التي سقتها إنما هي بحسب فهمي لهذه الأحاديث وفهمي للمذاهب، ولو أنني ربما أكون فيها مائلاً مع جانب المالكية، ولو أن شخصاً آخر أجدل مني ربما يميل مع جانب الجمهور، وهذا يدلنا على قوة خلاف العلماء. والأحوط لا شك تجنب الماء القليل الذي خالطته نجاسة ولو لم تغيره. إلى هنا أتينا إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري