دخولتسجيل الدخول

الحلقة 8

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام. تقدم الكلام في الحلقة الماضية عن شروط صحة الوضوء، وتكلمنا من ذلك عن شرط طهور الماء، وذكرنا الأصل في الماء أنه الطهارة، وذكرنا تنجس الماء وعدم تنجسه وسقوط النجاسة فيه، وذكرنا أشياء يمكن تلخيص ما تقدم من الكلام في نقاط محددة.

النقطة الأولى: أن الأصل في الماء الطهور وتكلمنا في ذلك. والنقطة الثانية: أن الماء الذي خالطته نجاسة إما أن يكون قد تغير بالنجاسة، فهذا نجس سواء كان كثيراً أم قليلاً. وأما إن لم يتغير بالنجاسة، فهنا اختلف الفقهاء في الكثير والقليل؛ الكثير اتفقوا على أنه إذا لم يتغير بالنجاسة فهو طاهر، والقليل اختلفوا فيه، فمنهم من قال: طاهر، وهم المالكية، ومنهم من قال: غير طاهر، وهم الجمهور.

في هذه الحلقة سنتكلم عن بقية شرط طهور الماء، وهو ما يخالط الماء من الطاهرات. ذكرنا في الحلقة الماضية ما خالط الماء من النجاسات، ونذكر في هذه الحلقة ما خالط الماء من الطاهرات، وكذلك نذكر شرط النية، وشرط زوال ما يمنع وصول الماء.

أولاً: ما يخالط الماء من الطاهرات يمكن تقسيم الماء إلى أنواع. النوع الأول: ما خالطه من الطاهرات ما لا ينفك عنه غالباً؛ ومعنى لا ينفك عنه غالباً: أي يكون دائماً في الماء، مثل البرك أو المستنقعات أو العيون، يكون فيها بعض الطحالب، أو يسقط فيها ورق الأشجار الذي تحمله الرياح. هذه الأشياء التي لا تنفك عن الماء لا يمكن ويشق علينا أن نحرز الماء عنها، فهذه الأشياء إذا خالطت الماء فالماء طاهر مطهر باتفاق العلماء؛ لماذا؟ لأن هذا الماء يسمى ماءً، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، وهذا ما زال يسمى ماءً، فكان طاهراً مطهراً، أي صدق عليه قول الله تبارك وتعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، ونحن واجدون للماء فلا بد من استخدامه. هذا هو النوع الأول.

النوع الثاني من المياه هو الماء الذي خالطه ما ينفك عنه غالباً، أو بتعبير آخر يقولون: ما لا يشق التحرز عنه، مثل الزعفران أو اللبن أو العصير؛ هذا من الأشياء التي يمكن أن نحرز الماء عنها وهو ينفك عن الماء غالباً، لا يوجد في البرك زعفران إنما يسقط في الماء، وهكذا اللبن وهكذا العصير. هذا الماء الذي خالطه الزعفران قسمان: إما أن يغلب هذا المخالط على الماء على أجزائه، بحيث أن الماء لا يمكن أن يسمى ماءً بإطلاق، بل يسمى صبغاً أو خلاً أو مرقاً أو شيئاً آخر؛ لأن هذا الطاهر كثر فيه وغلب على أجزائه بحيث أصبح لا يسمى ماءً، فهذا يقول العلماء إنه طاهر ولكنه غير مطهر، لا يمكن التطهر به باتفاق أهل العلم؛ لماذا؟ لأنه ليس بماء، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، ونحن لسنا واجدين للماء وإنما واجدين للصبغ أو المرق أو العصير.

القسم الثالث مما يخالطه شيء من الطاهرات هو ما خالطه طاهر ينفك عنه غالباً كالزعفران، لكن الفرق بينه وبين الذي قبله أن الذي قبله قد غلب الزعفران ونحوه على أجزاء الماء، أما هذا القسم فهو الذي لم يغلب عليه؛ يعني هو خالطه زعفران أو لبن، لكن لا يزال يسمى ماءً، واسم الماء يطلق عليه. هذا النوع من المياه هو الذي اختلف فيه العلماء. فالجمهور يقولون: هذا ما زال يسمى ماءً، بالتالي لا بد من استخدامه في الطهارة؛ لأن الله يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ونحن ما زلنا واجدين للماء فلا يمكن أن ننتقل من الماء إلى التيمم. وأما المالكية فيقولون: هذا لا يجوز التطهر به؛ لأنه ماء تغير لونه أو طعمه أو ريحه، فهو طاهر لكنه غير مطهر.

لكن قول الجمهور هو الأقرب للصواب فيما أحسب، لما يمكن أن يقال عنه إنه ماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي وقصته دابته في الحج: «اغسلوه بماء وسدر»، فذكر السدر، وهكذا في حديث أم عطية لما غسلوا بنته زينب في الصحيحين، بل في السبعة: «اغسلنها بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً». فإذاً الماء الذي خالطه السدر أو خالطه الكافور لكنه لم يغير اسمه، ما زال يسمى ماءً ويستخدم للتغسيل، مما يدل على أنه يجوز التطهر به. وهكذا في المسند وفي سنن النسائي وسنن ابن ماجه من حديث أم هانئ أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد، وهذا الإناء فيه أثر عجين، فالنبي صلى الله عليه وسلم اغتسل بهذا الماء الذي فيه أثر العجين، مما يدل على أن هذه الطاهرات التي خالطت الماء ولم تغيره بحيث لا يسمى ماءً، لا يضر الماء ويجوز التطهر به.

ثمرة الخلاف بين المالكية والجمهور أنه لو أن شخصاً في الصحراء وجد ماءً تغير بشيء من الطاهرات وهذا الماء ليس عنده إلا هو، فهل يتوضأ أم يتيمم؟ الجمهور يقولون: يتوضأ به ولا يجوز له التيمم، والمالكية يقولون: يتيمم ويترك هذا الماء لأنه تغير. بهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن الشرط الأول من شروط صحة الوضوء، وهو طهورية الماء.

الشرط الثاني من شروط صحة الوضوء النية. النية لا يصح الوضوء بلا نية عند جماهير العلماء، المالكية والشافعية والحنابلة يقولون: إن الوضوء لا يصح إلا بنية، لا بد أن ينوي الإنسان أنه يريد الوضوء. الحنفية خالفوا، فيقولون: يصح الوضوء بلا نية. طبعاً هناك فرق بين قول الجمهور فيما بينهم؛ الجمهور يقولون: إنه لا بد من النية، لكن منهم من قال: إن النية شرط، ومنهم من قال: إن النية ركن. فالحنابلة يقولون: النية شرط، والمالكية والشافعية يقولون: النية ركن.

لبيان هذا الخلاف البسيط بين الجمهور -وهو لا أثر له في الحقيقة- حتى نعرف معنى الشرط ومعنى الركن، ما الفرق بينهما؟ في الحقيقة الركن والشرط إذا فقد العمل منهما أو من أحدهما بطل العمل. ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن الركن هو في صلب العمل، وأما الشرط فهو خارج عن العمل. مثلاً الصلاة الركوع ركن في الصلاة، وهذا الركوع في صلب الصلاة، في جسم العمل، في ماهية العمل. أما الشرط فهو خارج العمل، مثل الوضوء شرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا به، والركن الذي هو الركوع لا تصح الصلاة إلا به، لكن الفرق أن الشرط خارج الماهية والركن داخل الماهية. وفي ذلك يقول أحد مشايخنا: الركن ما في ذات شيء ولجا ... والشرط عن ماهية قد خرجا لكن كلاهما إذا ما انعدما ... انعدمت حقيقة معهما

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الشرط الثاني وبدأنا في الكلام عن شرط النية، وقلنا بأن الجمهور يقولون بأن الوضوء لا يصح بدون نية، بينما الحنفية يجوزون أن يكون الوضوء بغير نية. والجمهور بينهم أيضاً خلاف بسيط، الجمهور أقصد بهم هنا المالكية والشافعية والحنابلة؛ الحنابلة يقولون: النية شرط، والجمهور الذي هم المالكية والشافعية يقولون: النية ركن.

ما الفرق بين الركن والشرط؟ ذكرنا شيئاً من ذلك قبل الفاصل لكن أكرره ليفهم أكثر؛ الركن هو في ذات الشيء في الماهية، مثلاً الصلاة قلنا فيها الركوع وفيها السجود وفيها قراءة الفاتحة وفيها الجلوس والتشهد، هذه أركان؛ لأنها في صلب الصلاة، بينما مثلاً استقبال القبلة هذا شرط، والوضوء بالنسبة للصلاة شرط؛ لأنه خارج صلب الصلاة، خارج ماهية الشيء، خارج حقيقة العمل. فالنية التي اختلف فيها الفقهاء الثلاثة -الشافعية والمالكية والحنابلة- فقال الشافعية والمالكية بأنها ركن، وقال الحنابلة بأنها شرط. الحنابلة نظروا إلى أن النية خارج مسألة الوضوء؛ الوضوء غسل الوجه وغسل اليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فالنية شيء آخر، فبالتالي هو شرط. والمالكية والشافعية نظروا إلى أن النية مصاحبة للإنسان لا يمكن أن ينفك عنها، وبالتالي النية شرط في صحة الوضوء، ركن بالنسبة للوضوء عندهم.

نرجع إلى خلاف الجمهور مع الحنفية؛ الحنفية يقولون بأن النية ليست بشرط ولا ركن، يعني يصح الوضوء بلا نية، والجمهور يقولون: لا بد من النية. طيب ما هو سبب الخلاف؟ سبب هذا الخلاف هو أن الحنفية نظروا إلى أن الوضوء طهارة مثل الاستنجاء ومثل غسل الثياب وغسل الأرض بالماء، هذه طهارة، والطهارة بالماء مطهرة وحدها لا تحتاج إلى نية. والجمهور رأوا أن الوضوء عبادة من العبادات، والعبادة لا تصح إلا بنية. طبعاً الحنفية لا يرون أن هذه عبادة محضة؛ هم يقولون إنها عبادة، نعم الوضوء عبادة عند الحنفية، لكن ليست عبادة محضة، هي عبادة بالنية، إذا نويت أنها عبادة أُجرت عليها وإلا فهي طهارة. والجمهور يقولون: هي عبادة محضة.

ما دليلكم أيها الجمهور على أنها عبادة محضة لا بد فيها من النية؟ الدليل عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب عليها الأجر: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، و«أنكم تأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء». وكذلك الوضوء في صفته اقتصر فيه على غسل اليدين إلى المرفقين والوجه والرجلين إلى الكعبين، وهذه الصفة ليست فيها الطهارة المعقولة المعنى، إنما هي عبادة غير معقولة المعنى، وبالتالي هي عبادة محضة، وهذه حجة الجمهور.

ما هي ثمرة الخلاف بين الفريقين؟ هل يمكن للإنسان أن يتوضأ بدون نية؟ هذا من الأمور الصعبة جداً، لكن ثمرة الخلاف تظهر في مسائل معدودة جداً وقليلة جداً؛ مثلاً لو أن إنساناً سبح في بركة أو في بحر، ولم يخطر بباله أنه محدث أو أنه على حدث وخرج من البحر أو خرج من البركة؛ الحنفية يقولون: ما دام أن أعضاء وضوئه تبللت بالماء فهو متطهر وقد ارتفع حدثه، والجمهور يقولون: لأنه لم ينوِ رفع الحدث فهو لا يزال محدثاً؛ لأن هذا يعتبر كأنه اغتسل تبرداً أو أراد الفكاهة أو أراد الرياضة أو نحو ذلك. وهكذا لو أن شخصاً ألقى شخصاً في بركة أو أنه أصابه المطر وبلل أعضاء وضوئه فقد ارتفع حدثه عند الحنفية؛ لأن الوضوء لا يحتاج إلى نية، بينما الجمهور يقولون: لا بد فيه من النية.

لكن ليس معنى النية عند الجمهور أن الإنسان يبالغ فيها بحيث يصل إلى الوسوسة؛ لأن بعض الناس لما يسمع المشايخ أو أهل العلم أو الفقهاء يقولون: لا بد في الوضوء من النية، تجده يتشدد في المسألة، ويتوضأ ثم يقول: هل نويت أم لم أنوِ؟ ويعيد الوضوء مرة أخرى ومرة ثالثة ورابعة؛ لأنه يلبس عليه الشيطان ويقول: لعلك ما نويت، يظن أن النية أمرها عسر. والحقيقة أن هذا يعتبر من الوسوسة؛ لأن النية في الحقيقة مكانها القلب، النية المقصود بها القصد والعزم على فعل الشيء، فكل من عزم على شيء أو قصد شيئاً، لو أن شخصاً أخذ قدحاً يريد أن يتوضأ أو ذهب إلى...

الحنفية يريد الوضوء فهذا يعتبر قاصداً للوضوء، يعتبر ناوياً للوضوء؛ إذ لا يتصور في حق شخص قائم ليس بنائم يريد أن يأخذ قدحاً أو يذهب إلى المغسلة أنه لم ينوِ، بل يقول ابن قدامة رحمه الله عليه: لو أن الله كلف العباد بأن يتوضؤوا بدون نية لكان هذا تكليفاً بما لا يطاق. يعني لو قيل لك توضأ لكن بدون نية، هل يمكن هذا؟ لا يمكن؛ لأن ذهابك إلى الوضوء هذا هو القصد، فالنية لا تحتاج إلى تلفظ باللسان وإنما محلها القلب، ويكفي فيها أن الإنسان يكون بكامل وعيه ليس نائماً.

من المسائل التي يمكن أن نفرعها على الخلاف بين الجمهور والحنفية أنه لو أن شخصاً كان نائماً، وقام وتوضأ في نومه واستيقظ من نومه بعد كمال وضوئه، فنظر إلى نفسه فإذا أعضاؤه مبتلة بالماء؛ هنا الجمهور يقولون هذا لم ينوِ، وبالتالي لا بد عليه أن يتوضأ لأنه إنما توضأ وهو نائم، وأما الحنفية فيقولون وضوؤه صحيح وقد ارتفع حدثه؛ لأن النية ليست بشرط عندهم وليست بركن عندهم. إذاً هذا هو مجمل الخلاف بين الحنفية والجمهور في مسألة النية.

هناك من الوسوسة ما ذكرنا بخصوص النية، إذ بعض الناس يتشدد في النية بحيث يبلغ إلى درجة الوسوسة. والوسوسة لها صور كثيرة؛ أحياناً تكون الوسوسة في الإسراف في الماء، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في الماء وقواعد الشريعة نهت عن ذلك. فمثلاً في مسند أحمد وسنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على سعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال سعد بن أبي وقاص: أفي الوضوء إسراف يا رسول الله؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ».

وكذلك في المسند وفي سنن الترمذي من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان»، بسكون اللام ويجوز فيه الولهان، «فاتقوا وسواس الماء». هذا الشيطان الذي يسمى الولهان يوسوس في الماء حتى يبذر الإنسان فيه ويسرف فيه. طبعاً هذان الحديثان محتملان، وهما ضعيفان في الحقيقة من حيث الإسناد، لكن لهما شواهد من قواعد الشريعة تشهد لهما؛ منها أن الله سبحانه وتعالى نهى عن الإسراف بشكل مطلق، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

وهكذا من الشواهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقتصد في الماء، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. وفي صحيح البخاري أن أبا جعفر الباقر وأباه زين العابدين كانا قد مرّا على جابر بن عبد الله وعنده قوم من الناس، فسألوه عن الغسل، فقال جابر: يكفيك صاع، والصاع أربعة أمداد، والمد هو مجمع اليدين. فقال رجل: ما يكفيني! فقال جابر بن عبد الله: كان يكفي من هو أوفى منك شعراً وخير منك، يقصد النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا في سنن الأثرم، الذي هو أحد الحنابلة وتلميذ الإمام أحمد رحمه الله، بسند صحيح أن رجلاً من أهل العراق سأل سعيد بن المسيب عما يكفي الإنسان في الغسل من الجنابة، فقال له سعيد: إن لي ثوراً يسع مدين من الماء فأغتسل به فيكفيني. فقال الرجل: والله ما يكفيني، والله إني لأستنشق وأتمضمض بمدين من ماء! فقال له سعيد: فما تأمرني إذا كان الشيطان يلعب بك؟ فقال الرجل: فإنه لا يكفيني. قال: ثلاثة أمداد. قال: لا يكفيني. قال: أربعة أمداد، صاع. فالشاهد أن من الناس من قد يسرف في الماء وهذا يعتبر من الوسواس.

وهكذا الأحاديث الأخرى التي تذم الكثرة في الوضوء؛ مثلاً بعض الناس تجده يتوضأ أكثر من ثلاث مرات في العضو الواحد، ولا بأس بالثلاث، لكن لا يزيد عليها. النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً. وفي السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاث مرات ثم قال: «من زاد على هذا فقد تعدى وأساء وظلم». إذاً الزيادة على الثلاث مرات في الوضوء من الإساءة ومن الظلم ومن مجاوزة الحد، بل هو من الوسوسة.

بل إننا قد نجد من الناس من يضع يده تحت صنبور الماء ويدعها تصب عليه ويكررها مرات عديدة، ولذلك يقول السلف، يقول ابن المبارك رضي الله تعالى عنه: لا آمن على من زاد في الوضوء على ثلاث. وكان أحمد بن حنبل وكذلك إسحاق بن راهويه يقولان: لا يزيد على الثلاث إلا مبتلى.

ومن الوسوسة أيضاً الوسوسة في انتقاض الوضوء بخروج شيء من البول؛ بعض الناس إذا توضأ يأتيه الشيطان ويخيل إليه أنه خرج منه شيء، وهذا يعتبر من الوسواس، والعلماء يقولون لا بد للمتوضئ أن يلهى عن هذا ويترك هذا. هذا جملة الكلام عن النية.

بقي الشرط الثالث والأخير، ونجمل الكلام فيه، وهو زوال ما يمنع وصول الماء؛ لا بد أن نزيل من الجسد ما يمنع وصول الماء إليه. ومن ذلك طلاء الأظافر عند النساء، وهكذا بعض الأمور التي تحدث؛ مثلاً الحناء لو وضع على اليد قبل غسله هذا يمنع وصول الماء، لكن بعد غسله لا يبقى إلا لون، فاللون لا يمنع وصول الماء. والعلماء جعلوا قاعدة أن ما يستخدم من أصباغ أو دهون أو أشياء تحول على جسد الإنسان أو على أعضاء وضوئه أو على رأسه إن كان له جِرْم فهذا يمنع وصول الماء ولا بد من إزالته، وإن لم يكن له جِرْم وإنما كان لوناً فقط فهذا لا يمنع وصول الماء بل يجوز الوضوء مع وجوده.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.