دخولتسجيل الدخول

الحلقة 9

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا أنهينا الكلام في الحلقة الماضية عن شروط صحة الوضوء، وسنتكلم بإذن الله في هذه الحلقة عن أركان الوضوء. تقدم في الحلقة الماضية الفرق بين الشرط والركن، وأن الشرط خارج الماهية والركن داخل الماهية. وذكرنا فيها الأبيات: الركن ما في ذات شيء ولجا، والشرط عن ماهية قد خرجا، لكن كلاهما إذا ما انعدما، انعدمت حقيقة معهما.

الأركان التي اتفق عليها أهل العلم هي الأركان التي ذكرت في آية الوضوء. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].

ذكر الله سبحانه وتعالى فيها الوضوء، وذكر فيها الغسل، وذكر فيها التيمم، وذكر فيها نواقض الوضوء. العلماء يذكرون أن هذه الآية من أعظم الآيات وأكثرها أحكاماً وأكثرها مسائل في كتاب الله. بل هي أكثر الآيات في القرآن مسائل في العبادات، حتى إن ابن العربي رحمه الله عليه في كتاب "أحكام القرآن" ذكر أنه وأصحابه اجتمعوا في مدينة السلام التي هي مدينة بغداد، فتتبعوا المسائل في هذه الآية فبلغت 800 مسألة. ومن العلماء من يقول فيها ألف مسألة، فهذه آية عظيمة جداً. ولو أردنا بسط الكلام فيها لطال المقام؛ فهي ذكر فيها غالب أحكام الوضوء، وغالب أحكام الغسل، وغالب أحكام التيمم.

سأكتفي من هذه الآية بالكلام عن الأركان كما سيأتينا، وسأذكر سبب نزول هذه الآية. سبب نزولها ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، ولم يكونوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء الناس إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقالوا له: يا أبا بكر، ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقامت بالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء.

فجاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم على فخذ عائشة، فقال يعنفها: حبست رسول الله وحبست الناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. وجعل يطعن في خاصرتها بيده، وعائشة تقول: فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي. حتى أصبح النبي صلى الله عليه وسلم وأصبح الناس ولم يكونوا على ماء، فأنزل الله في كتابه هذه الآية، وفيها ذكر التيمم. فقال أسيد بن حضير عند ذلك -وهو أحد النقباء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في يوم العقبة، وهو من الأنصار رضي الله تعالى عنه-: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

نعود إلى الكلام عن الأركان، فالعلماء مطبقون ومجمعون على أن الأركان ذكرت في هذه الآية، وهي أربعة أركان متفق عليها. الركن الأول غسل الوجه؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. هذا الركن متفق عليه بين العلماء أنه لا يصح الوضوء بدون غسل الوجه. اللحية إذا كانت خفيفة وهي التي تظهر خلفها البشرة، فلا بد من غسلها مع الوجه، وإذا كانت اللحية كثيفة فيكفي فيها التخليل، وقد تكلمنا عن التخليل، والجمهور يرون تخليل اللحية من الوجه.

اختلفوا في مسألة وهي المضمضة والاستنشاق، هل يعتبران من غسل الوجه؟ الحنابلة يقولون المضمضة والاستنشاق فرض، لو أن شخصاً غسل وجهه ولم يتمضمض ولم يستنشق، فوضوؤه باطل، والجمهور يقولون هما سنة. الجمهور نظروا إلى أن الآية قالت ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وليس فيها "تمضمضوا" أو "استنشقوا". والحنابلة يقولون الفم والأنف عضوان في الوجه، والنبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق. في حديث أبي هريرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر»، وفي حديث لقيط بن صبرة في السنن: «إذا توضأت فمضمض»، وهذه أوامر، والعلماء يقولون الأمر الأصل فيه الوجوب. الحنابلة يقولون الآية كأنها مجملة، لكن لما جاءت السنة بـ«فمضمض» و«فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر»، دل على أن الفم والأنف داخلان في غسل الوجه. والجمهور يقولون: هذه الأوامر تحتمل الوجوب وتحتمل الاستحباب، ونحن نصرفها إلى الاستحباب بقرينة عدم ذكر المضمضة والاستنشاق في الآية.

الركن الثاني هو غسل اليدين إلى المرفقين، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. هذا ركن عند الجميع، وهم متفقون على أن غسل اليدين لا بد أن يشمل المرفقين.

الركن الثالث هو مسح الرأس، وقد ذكره الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. فالعلماء متفقون على أن مسح الرأس ركن، ومتفقون على أن السنة فيه ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث عبد الله بن زيد الأنصاري في الصحيحين وغيرهما، ذكر فيه صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ثم مسح برأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه».

هذه الصفة متفقون على أنها من السنة، لكن ما هو القدر المفروض؟ هل لا بد أن أمسح رأسي من أوله إلى آخره، أم يكفي مسح بعضه؟ المالكية والحنابلة يقولون لا بد من مسح الرأس كله، والشافعية والحنفية يقولون يكفي فيه البعض. هذا الخلاف بين المالكية والحنابلة في جهة والشافعية والحنفية في جهة له سبب عند الفقهاء، سنبينه بعد الفاصل.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن بعض أركان الوضوء ووقفنا عند ركن المسح على الرأس. ذكرنا أن الفقهاء اختلفوا لفريقين: المالكية والحنابلة قالوا لا بد من مسح الرأس كله، والحنفية والشافعية قالوا يكفي فيه مسح البعض.

ما هو السبب الذي جعل هؤلاء الفقهاء يختلفون؟ السبب الأول هو وجود الباء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. الحنفية والشافعية يرون أنها للتبعيض، بمعنى امسحوا بعض رؤوسكم، مثلما يقول القائل: "أخذ فلان بثوب فلان"؛ أي أمسكه من جيبه، فهو أخذ ببعض ثوبه. ويقولون: لو أن شخصاً وضع يده على رأس اليتيم أو على ناصيته، صح أن يقال في اللغة العربية "مسح برأسه". فمن هذا المنطلق قالوا: الواجب هو مسح بعض الرأس.

المالكية والحنابلة يقولون: الباء ليست للتبعيض، بل المقصود بها الإلصاق، أي امسحوا رؤوسكم بالماء؛ لأن المقصود أن يكون في اليد بلل يمسح به الرأس. ويستدلون بآية التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾، فلم يقل أحد من العلماء إن الباء هنا للتبعيض، بل اتفقوا على أنها للإلصاق؛ أي امسحوا وجوهكم وأيديكم بالصعيد. فالباء في آية التيمم تدل على أن الباء التي في الوضوء للإلصاق، لأن هناك ماسحاً (اليد) وممسوحاً (الرأس) وممسوحاً به (الماء). فلأنه لو قال الله سبحانه وتعالى "وامسحوا رؤوسكم" لم يدل على أن المقصود أن يؤخذ شيء من الماء فيمسح به الرأس.

هذا المسح لا يدل على أن اليد فيها بلل من الماء أو فيها شيء من التراب، بينما لو قلت: مسحت برأس فلان، أو مسحت بيده، أو مسحت برأسه، فيدل على أن هناك شيئاً ملتصقاً باليد قد مسحت به. هذا هو السبب الأول في الخلاف: أن الباء هل هي للإلصاق أو هي للتبعيض؟

السبب الثاني الذي اختلفوا من أجله هو حديث المغيرة بن شعبة. طبعاً الشافعي أجاب على كلام الجمهور، قال بأن مسح الوجه في التيمم هو بدل عن غيره، بخلاف مسح حتى يفرق بين الباء التي في التيمم والباء التي في الوضوء. مسح الوجه في التيمم هو بدل عن الغسل، فالبدل عن الغسل لا يأخذ حكمه؛ يعني هنا أخذ حكمه بخلاف المسح، فمسح بعض الرأس هو أصل بنفسه. أما ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ فهذا بدل عن الوضوء، والوضوء لا بد من غسل الوجه كاملاً، فكان المسح في التيمم كاملاً. طبعاً الجمهور يقولون: البدل أخف، من باب أولى أن يكون الأصل يؤخذ كاملاً؛ لأننا في المسح على الرجلين في مسح الجوربين أو الخفين، الأصل فيها غسل الرجلين، فلما أبدلنا بالخفين مسحنا بعض الخفين، فالبدل ينبغي أن يكون أقل أو أخف. فهكذا التيمم لما قال ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ دل على أنه يمسحه كاملاً، فكان الأولى في الأصل الذي هو مسح الرأس أن يكون كاملاً. هكذا كان هناك نقاشات بين هؤلاء الفقهاء.

السبب الثاني الذي جعل هناك خلافاً بينهم هو حديث المغيرة بن شعبة في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة. فلما قال مسح بناصيته وعلى العمامة، قال الحنفية والشافعية: مسحه بالناصية واكتفاؤه بالناصية يدل على جواز مسح البعض. والحنابلة يقولون: لكنه أكمل على العمامة، وهكذا المالكية، فبالتالي مسح الكل مطلوب. هذا سبب الخلاف فيما أحسب؛ هو هذين الأمرين: الباء هل هي للإلصاق أو للتبعيض؟ ومسح الناصية والعمامة في حديث المغيرة بن شعبة. هذا مجمل الكلام بالنسبة لمسح الرأس، لكن الأحوط لا شك أنه المسح على الرأس كله.

اختلفوا أيضاً في مسح الرأس، قلنا مسح الرأس هو ركن ثالث: الركن الأول غسل الوجه، الركن الثاني غسل اليدين، الركن الثالث مسح الرأس. اختلفوا هل مسح الرأس بعضه أو كله، وذكرنا ذلك. واختلفوا أيضاً في الأذنين: هل مسحهما واجب، أم ليستا من الرأس فلا يجب مسحهما وإنما يُسن؟ الحنابلة يقولون: الأذنان من الرأس، والجمهور يقولون: مسح الأذنين سنة؛ لأن مسح الرأس المقصود به شعر الرأس، وأما الأذنان فإنما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والجمهور يقولون: لم تذكر الأذنان في الآية وبالتالي ليس من الفرض. والحنابلة يقولون: هناك حديث «الأذنان من الرأس»، والنبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، ولما مسح بأذنيه دل على أن هذا تفسير للآية. والأمر في هذا إن شاء الله واسع، والأقرب قول الجمهور، لكن الأحوط أن الإنسان يمسح أذنيه. واختلفوا أيضاً في الأذنين: هل يمسحان بنفس الماء أو بماء جديد؟ وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

الركن الرابع هو غسل الرجلين، وغسل الرجلين متفق عليهما، لم يختلف الفقهاء في أن الرجلين تغسلان إلى الكعبين. هذه أربع أركان متفق عليها وهي مذكورة في الآية: غسل الوجه كما قال تبارك وتعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وغسل اليدين إلى المرفقين كما قال تبارك وتعالى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ومسح الرأس كما قال تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وعرفنا الخلاف فيه، وغسل الرجلين كما قال تبارك وتعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. هذه الأركان الأربعة هي المتفق عليها وهي الموجودة في الآية.

هناك أركان أخرى مختلف فيها ذكرها الفقهاء، منها: الموالاة، والترتيب، والدلك، والنية، وقد ذكرنا النية. اختلفوا في الترتيب: هل الترتيب ركن أم سنة؟ الترتيب يعني فرض عليه أن يبدأ بغسل وجهه ثم يديه ثم مسح رأسه ثم رجليه، أو يمكن أن يبدأ بالرجلين؟ هذا معنى الترتيب. الجمهور يقولون: الترتيب ركن. الترتيب بين العضو الواحد هذا متفقون على أنه سنة، يعني أن يبدأ باليمين ثم الشمال هذا سنة، لكن لو بدأ بالشمال قبل اليمين لا يكون هذا خطأ، لا يكون خطأ لكنه خلاف السنة. الترتيب في العضو الواحد يعتبر الوجه عضواً، ويعتبر اليدين عضواً، ويعتبر الرجلين عضواً، لكن بين الأعضاء فيما بينها -الترتيب بين الوجه واليدين، وبين اليدين والراس، وبين الرأس والرجلين- هذا الترتيب هو الذي اختلفوا فيه. الشافعية والحنابلة يقولون بركنية الترتيب، وأما الحنفية والمالكية فيقولون إنه سنة؛ يعني لو أن شخصاً بدأ في الوضوء برجليه وانتهى بوجهه، لقال الحنفية والمالكية: وضوءه صحيح، لأن الترتيب ليس بركن. والحنابلة والشافعية يقولون: ما فعله خطأ ووضوؤه ليس بصحيح.

ما السبب في اختلافهم؟ السبب هو الاحتجاج في الآية. الحنابلة والشافعية يقولون: الترتيب ركن وقد دلت عليه الآية. والآخرون يقولون: لا، الآية ليس فيها دلالة على أن هذا ركن، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، الواو لا تقتضي الترتيب؛ ممكن تقول: جاء عمر وزيد، ويكون عمر قبل زيد أو زيد قبل عمر. لكن الشافعية والحنابلة يقولون في الآية شيء يدل على الترتيب غير الواو، ما هو هذا الشيء؟ قالوا: إدخال الممسوح بين المغسلات. كيف إدخال الممسوح بين المغسلات؟ الله سبحانه وتعالى قال ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، إذاً الوجه يغسل، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ هذا معطوف على ﴿اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ثم قال ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ بالجر ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ الباء تجر الرؤوس، قال ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب معناها معطوف على المغسلات. فإدخال الله الممسوح بين المغسلات دليل على أن الترتيب مطلوب. وأما الحنفية والمالكية فلم يرضهم هذا الاحتجاج، وقالوا هذا ليس حجة على أن الترتيب ركن من الأركان، ولهم في ذلك أجوبة.

أيضاً من الأركان الذي اختلفوا فيها الموالاة. والموالاة معناها أنني إذا غسل المتوضئ وجهه وبدأ يغسل يديه، لا ينتظر فترة من الزمن حتى يجف وجهه. فإذا انتظر مثلاً على سبيل المثال ربع ساعة بحيث جف الوجه، ثم أراد أن يغسل يديه، هنا اختلفوا فيها. فالمالكية والحنابلة يقولون: وضوؤه ليس بصحيح لأن الموالاة لا بد منها. والحنفية والشافعية يقولون: الموالاة ليست بركن وإنما هي سنة؛ يعني بإمكان الإنسان يغسل وجهه ويجلس يتحدث مع قومه، فإذا جف وجهه غسل يديه، وهكذا يفعل بالرجلين، هكذا يقول الحنفية والشافعية. أما المالكية والحنابلة فيقولون الموالاة ركن من الأركان. اختلافهم سببه اختلاف الآثار؛ منهم من يحتج بالآية، وهناك بعض الآثار أن رجلاً توضأ ثم صلى ثم رأى في رجله لمعة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أحسن وضوءك» أو «أعد وضوءك»، وهذا الحديث في صحيح مسلم. فهذا الحديث احتج به المالكية واحتج به الحنابلة على أن المقصود الموالاة، لأنه لو كانت الموالاة ليست بركن لقال له: اغسل رجلك، لكنه لما جف وضوؤه وبقيت اللمعة، مكان اللمعة دل على أن الموالاة، وأن النبي أمره بإعادة الوضوء كاملاً، دل على أن الموالاة من الأركان. ثم قالوا الموالاة أيضاً في الآية، كيف في الآية؟ أن الله سبحانه وتعالى قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، مجرد القيام إلى الصلاة، ما بين القيام إلى الصلاة والصلاة فترة وجيزة لا تتسع لوضوء يكون فيه عدم موالاة، فقالوا: مفهوم الآية نفهم منها الموالاة. والفريقان الآخران وهما الحنفية والشافعية لم يرضوا بهذه الحجج وقالوا: هذا ليس صريحاً في الآية، وبالنسبة للحديث الذي ذكرتموه هذا الحديث لا يصح، وطعنوا فيه وتكلموا فيه. والشاهد أو الأحوط بالنسبة للمتوضئ أن يعتبر أن الموالاة ركن، فيوالي بين أعضاء وضوئه.

من الأركان أيضاً المختلف فيها: الترتيب، ولا شك أن الأحوط أن الإنسان يرتب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ إلا وضوءاً مرتباً. وهكذا الموالاة ركن، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ إلا وضوءاً فيه موالاة فهو أحوط. الركن أيضاً المختلف فيه الثالث: الدلك، فالدلك يعني أنه أفضل، لكن ليس مذهب الجمهور فيما أحسب أولى وأقرب؛ لأنه ليس كل شيء يحصل فيه الدلك. فمثلاً في الغسل أيضاً قال المالكية بالدلك، ولا شك أن هناك من المواضع في الجسم ما لا تدركه الأيدي، وبالتالي الدلك لا شك أنه مطلوب وأنه أفضل، لكن هل هو ركن؟ الجمهور يقولون ليس بركن.

مما اختلفوا فيه أيضاً، وهو آخر ما اختلفوا فيه ونختم به هذه الحلقة، التسمية: هل التسمية واجبة في الوضوء أم ليست بواجبة؟ الحنابلة يقولون: التسمية واجبة، فيقولون لا بد أن يسمي، فإن ترك التسمية عمداً بطل وضوؤه. والجمهور يقولون: ليست بواجبة، وحجة الجمهور أنها التسمية ليست مذكورة في الآية وليس فيها حديث يثبت. والحنابلة يردون فيها بعض الأحاديث، ومن تلك الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء إلا ما ذكر اسم الله عليه»، لكن هذا الحديث الإمام أحمد نفسه يضعفه ويقول: لا يثبت في هذا الباب شيء. ومع ذلك قال به احتياطاً، وقال به عند عدم النسيان عند التعمد، وأما إذا نسي الإنسان التسمية فوضوؤه صحيح عند الحنابلة. إذاً الجمهور يقولون بأن الوضوء صحيح ولو لم يسمِّ لكن التسمية أفضل، وهكذا الحنابلة، لكن الحنابلة يوجبون التسمية عند الذكر وعند العلم، وأما مع الجهل أو النسيان فالتسمية عندهم ليست بواجبة والوضوء عندهم صحيح. هذا مجمل ما اتفقوا عليه ومجمل ما اختلفوا فيه فيما يتعلق بأركان الوضوء. نصل هنا إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.