الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا أنهينا في الحلقة الماضية الكلام عن أركان الوضوء، وسنتكلم بإذن الله في هذه الحلقة عن نواقض الوضوء. نواقض الوضوء هناك منها ما هو متفق عليه، وهناك منها ما هو مختلف فيه. من أول النواقض المتفق عليها هو الخارج من السبيلين؛ ما خرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء باتفاق العلماء. وقد دل على ذلك الآية التي ذكرناها في الوضوء، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6]. فدل على أن ما يخرج من السبيلين ناقض للوضوء. وهكذا في الصحيحين من حديث عباد بن تميم عن عمه، أن رجلاً شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يجد أو يخيل إليه أنه يجد الشيء خرج منه وهو في الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». إذاً، أول نواقض الوضوء هو ما خرج من السبيلين، فهو ناقض للوضوء باتفاق العلماء.
الناقض الثاني هو زوال العقل. إذا زال عقل الإنسان فقد انتقض وضوؤه، وزوال العقل يكون بأشياء، إما بالجنون مثلاً، أو بالإغماء، أو بالسكر، أو بتعاطي الأدوية المخدرة؛ هذه الأشياء التي تغيب العقل كلها تدل على أن الإنسان الذي غاب عقله يجب عليه الوضوء. إذاً الناقض الثاني هو زوال العقل، وزوال العقل يوجب الوضوء.
ومما يزيل العقل أيضاً النوم، لكن النوم العلماء متفقون على شيء ومختلفون في شيء. فالعلماء متفقون على أن النوم ليس بحدث مثل ما يخرج من السبيلين، ولكن النوم مظنة للحدث، هذا متفقون عليه. لماذا اتفقوا هنا؟ لأن النوم ليس كله يوجب الوضوء، منه ما يوجب الوضوء ومنه ما لا يوجب الوضوء. ففي الصحيحين أن الصحابة كانوا ينتظرون الصلاة فينامون وهم جلوس، وهكذا في صحيح مسلم، ثم يصلون ولا يتوضؤون. ولذلك وقع الخلاف بين الفقهاء في صور النوم؛ ما هي الصورة التي توجب الوضوء، وما هي الصورة التي لا توجب الوضوء؟ وسأبين في هذه الحلقة رأي كل مذهب على حدة من المذاهب الأربعة، ثم أبين الصور التي اتفقوا عليها والصور التي اختلفوا فيها.
فمذهب الحنفية نظروا إلى أن النوم الذي يكون مظنة للحدث هو نوم المضطجع أو المتكئ. من اضطجع على جنبه، سواء أيمن أو أيسر أو استلقى أو اتكأ، هذا الفعل منه مظنة في العادة للحدث، فقالوا: الوضوء من نوم المضطجع أو نوم المتكئ، وما عدا هاتين الهيئتين لا يوجب النوم الوضوء عندهم. هذا مذهب الحنفية.
أما المالكية فعلقوا الأمر بالصفة، ما دام أن النوم ليس ناقضاً إذاً ما هو النوم الذي مظنة للنقض أو مظنة للحدث؟ هو النوم الثقيل أو المستثقل، وأما النوم الخفيف فلا ينقض الوضوء؛ لأن الإنسان سيشعر فيه بخروج الخارج إذا خرج منه.
أما الشافعية فنظروا إلى هيئة النائم كما نظر الحنفية إلى هيئة النائم، وهي المضطجع والمتكئ، لكن الشافعية جعلوا النوم كله ناقضاً للوضوء إلا هيئة واحدة، وهي هيئة الجالس المتمكن من الأرض. إذاً الجالس المتمكن من الأرض إذا نام لا ينتقض وضوؤه، ومن عداه ينتقض وضوؤه.
أما الحنابله فكأنهم جمعوا بين مذهب المالكية ومذهب الشافعية، فقالوا: النوم كله ناقض إلا النوم اليسير -يعني الخفيف- وهذا مذهب المالكية، وربطوه بالجالس، والنوم اليسير من الجالس وهذا مذهب الشافعية. قالوا: أو القائم، زادوا على الجالس القائم من باب القياس. هذا هو مذاهب الفقهاء الأربعة بشكل مختصر. لكن إذا أردنا أن ننظر إلى الصور التي يمكن أن يتفقوا عليها أو يختلفوا فيها، فلنبدأ بأهم الصور وأوضح الصور، وهي صورتان: صورة المضطجع والمتكئ. الشخص إذا نام مضطجعاً أو إذا نام متكئاً، له حالات؛ إما أن يكون نومه وهو مضطجع أو متكئ ثقيلاً، وإما أن يكون خفيفاً. فإن كان ثقيلاً فالعلماء متفقون على أن هذا يوجب الوضوء، إذاً نوم المضطجع أو المتكئ إذا كان ثقيلاً فهو يوجب الوضوء باتفاق.
الحالة الثانية: إذا لم يكن ثقيلاً وكان خفيفاً، مضطجع نام على جنبه أو نام وهو متكئ لكن نومه خفيف؛ هل هذا يوجب الوضوء؟ الجمهور يقولون يوجب الوضوء. والجمهور أقصد بهم الحنفية والشافعية والحنابله؛ لأن الشافعية استثنوا فقط الجالس، والحنابلة استثنوا الجالس والقائم، والمالكية والحنفية قالوا المضطجع كله ينتقض وضوؤه سواء كان نومه خفيفاً أم ثقيلاً. أما المالكية فقالوا: لابد أن يكون نومه ثقيلاً، وإلا فإنه لا يوجب الوضوء. إذاً، المضطجع عند المالكية إذا كان نومه خفيفاً فهو لا يجب عليه الوضوء. إذاً عندنا في المضطجع والمتكئ حالة؛ الحالة الأولى إذا كان نومه ثقيلاً وهذا متفقون على أنه لابد أن يتوضأ صاحبه. النائم إذا كان نومه خفيفاً فالجمهور على أنه لابد عليه الوضوء، والمالكية يقولون لا وضوء عليه.
الصورة الثالثة: صورة النائم القاعد، إذا نام وهو قاعد، وهذه الصورة لها حالات متعددة، لها أربع حالات؛ لأنه إما أن يكون نوماً خفيفاً أو ثقيلاً، وإما أن يكون مع استناد أو احتباء، أو بلا استناد ولا احتباء. ما معنى الاستناد والاحتباء؟ الاستناد أن يكون مستنداً على حائط مثلاً، والاحتباء أن يضم رجليه بيديه أو بخرقة. إذاً عندنا أربع حالات للقاعد؛ إما أن يكون نومه خفيفاً أو ثقيلاً، ونومه خفيف أو ثقيل إما أن يكون باحتباء أو استناد أو لا. الصورة الأولى: إذا كان نومه خفيفاً بلا استناد ولا احتباء، فهذا النوم في هذه الصورة متفق على أنه لا يوجب الوضوء. إذاً النوم الجالس الخفيف الذي لم يحتبي ولم يتكئ، هذا لا ينتقض وضوؤه.
الحالة الثانية: أن يكون نومه خفيفاً هو جالس، نعم ونومه خفيف، لكنه مع استناد أو اتكاء أو احتباء. فالجمهور يقولون إن النوم في هذه الحالة لا يوجب الوضوء، بينما الحنابلة يقولون عليه الوضوء؛ لماذا عليه الوضوء عند الحنابلة؟ لأنه احتبى أو لأنه اتكأ. أما المالكية فلا بد أن يكون ثقيلاً.
الصورة الثالثة والرابعة: إذا كان نائماً وهو قاعد لكن نومه ثقيل، سواء كان محتبياً أو مستنداً أو غير محتبٍ، ما دام أنه ثقيل، إذاً نائم وهو نومه ثقيل مع استناد أو بدون استناد، مع احتباء أو بدون احتباء، هذا اختلف فيه الجمهور. فالمالكية والحنابلة يقولون: لابد عليه الوضوء لأن نومه ثقيل، والحنفية والشافعية يقولون: ليس عليه وضوء لأنه جالس بدون احتباء وهو متمكن من الأرض.
الصورة الخامسة والسادسة: نوم الراكع ونوم الساجد. إذا عندنا صورة المضطجع والمتكئ، وعندنا القاعد، وعندنا القائم، وعندنا الخامسة والسادسة الراكع والساجد. الراكع والساجد الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة يقولون بأن نوم الراكع والساجد يوجب الوضوء. طبعاً الساجد أسهل أن يوجب الوضوء أو مظنة لانتقاض وضوئه أكثر من الراكع؛ لأن الراكع في الغالب لا يكون نومه ثقيلاً. أما الحنفية فيقولون: ليس عليهما وضوء، لا راكع ولا ساجد، وإنما الوضوء على المضطجع. إذاً هذه الصور الستة التي اختلف فيها الفقهاء أو تكلم فيها الفقهاء. من الصور ما هو متفق عليه، وقد ذكرناه وهي صورة المضطجع والمتكئ إذا كان ثقيلاً.
الخلاصة ممكن أن نلخص ما تقدم أو مذاهب من تقدم، فنقول: الحنفية النوم عندهم لا يوجب الوضوء أبداً إلا في حالتين: في حالة المضطجع وفي حالة المتكئ؛ لماذا؟ قالوا لأن النوم في العادة إنما يطلق على حالة الاضطجاع وحالة الاتكاء مثلها، لأن المتكئ يشبه المضطجع. أما المالكية لو أردنا تلخيص مذهبهم، فالنوم عندهم لا يوجب الوضوء إلا إذا كان ثقيلاً، سواء كان على هيئة المضطجع أو هيئة الجالس أو غيره أو القائم أو الراكع؛ إذاً العبرة عندهم بالثقل أو الخفة، وهو من أقرب المذاهب إلى الصواب. الشافعية يستثنون، يقولون النوم كله ناقض للوضوء أو يوجب الوضوء كله إلا حالة واحدة وهي حالة الجالس المتمكن من الأرض؛ لماذا استثنوا هذه الحالة؟ يقولون لأنه ورد بها أحاديث أن الصحابة كانوا ينامون وهم جلوس ولا يتوضؤون، وما دام أن هذه الصورة هي المستثناة بقية الصور نقيس، ونقول إنها توجب الوضوء لأنها لم ترد في الأحاديث. الحنابلة جمعوا بين مذهب المالكية والشافعية، فاعتبروا الاستثقال الثقل والخفة، واعتبروا الجلوس أيضاً وقاسوا على الجلوس القيام؛ لأن القيام أولى من الجلوس، إذا قلنا بأن الجالس لا ينتقض وضوؤه بسبب تمكنه من الأرض فهذا القائم أولى أن يقال بأن وضوءه لا ينتقض، لأن القائم لا ينام نوماً مستغرقاً بحيث لا يشعر بما يخرج منه لو خرج منه خارج. هذا خلاصة هذه المذاهب الأربعة في هذه المسألة. نقف هنا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن مذاهب الفقهاء فيما يتعلق بالنوم واختلافاتهم. وهنا سنذكر محاورة توضيحية أو مناظرة في قالب قصصي، من باب التوضيح، فكان في أحد المساجد أربعة فقهاء ينتظرون صلاة العشاء، كان هناك حنفي ومالكي وشافعي وحنبلي. وكان في المسجد رجل نائم أو شخص نائم وهو جالس، وكان هذا الشخص محتبياً، وكان في يده مروحة وهي التي تبعد عنه الحرارة، فهو نائم والمروحة في يده لكنها سقطت ولم يشعر بها، وأيضاً انحلت حبوته -الحبوة أما شيء يربطه على رجليه حتى يكون مرتاحاً وهو نائم أو بيديه- انحلت حبوته وكاد أن يسقط على الأرض، إلا أنه استيقظ واعتمد على يده حتى لا يسقط على الأرض. فهنا هذا الرجل أفاق، لكنه أفاق بعد أن سقطت المروحة وبعد أن انحلت حبوته، مما يدل على أن نومه كان ثقيلاً.
هنا الفقهاء الأربعة الموجودون اختلفوا في حكمه، فقال المالكي والحنبلي: وجب عليه الوضوء. طيب لماذا وجب عليه الوضوء؟ المالكي بنى حكمه على أن نوم هذا الرجل كان ثقيلاً، ما الدليل على أنه كان ثقيلاً؟ أنه كان عنده مروحة وسقطت من يده دون أن يشعر، وأن حبوته انحلت دون أن يشعر. طيب هو كيف أفاق؟ أفاق خشية السقوط لأنه بعد أن انحلت حبوته أراد أن يسقط إلى الأرض ثم تحاشى ذلك السقوط بيده، مما يدل على أن نومه كان ثقيلاً. أما الحنبلي فبنى حكمه كما بناه المالكي أنه كان محتبياً، والاحتباء عند الحنابلة يكفي أن النوم يكون مظنة للحدث، وأن المحتبي من احتبى وهو جالس ولو كان نومه يسيراً، أن عليه الوضوء.
عند ذلك عارضه الحنفي والشافعي فقالا: لا نرى عليه وضوءاً، هذا الرجل النائم الذي هو متمكن جالس على الأرض ليس عليه وضوء. فطالب الآخران بالدليل، فما الدليل؟ يقولان لهما: فما الدليل على أن هذا النوم يوجب الوضوء؟ لأن الجالس المتمكن من الأرض ينبغي أن لا يجب عليه الوضوء. الحنفي طلب الدليل طبعاً؛ لأن النوم الموجب للوضوء عنده هو في هيئتين كما ذكرنا، نوم المضطجع ونوم المتكئ، لأن النوم في هاتين الهيئتين عنده هما اللتان تسببان الحدث في الغالب. وأما الشافعي فبنى طلبه للدليل على أن النوم عنده الذي هو مظنة للوضوء أو مظنة للحدث هو النوم في غير صورة الجالس المتمكن، وهذا جالس متمكن، فالجالس المتمكن لا يقع الحدث منه غالباً، وأيضاً لأنه ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا ينامون جلوساً ولا يتوضؤون، فالشافعي استثنى هذه الصورة، فطالب الحنبلية والمالكية بالدليل على أن هذا الرجل قد انتقض وضوؤه. فقال لهما المالكي والحنبلي: الأصل في النوم كما هو معلوم أنه مظنة للحدث، هناك أحاديث وهناك آيات تدل على أن النوم يوجب الوضوء، الآية هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] قال المفسرون -أو أكثر المفسرين من السلف-: إذا قمتم معناه إذا قمتم من النوم، فالنوم مظنة للحدث، النوم يوجب الوضوء، وهناك أدلة أيضاً من السنة منها ما في الصحيحين عن أبي...
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها؛ فإنه لا يدري أين باتت يده». معناها أن النوم يوجب الوضوء. وهكذا في السنن، وفي بعض السنن إلا سنن أبي داوود وفي مسند أحمد، حديث صفوان بن عسال أنه قال: كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً -يعني إذا كنا مسافرين- ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، وأما من نوم وبول وغائط فلا. وهذا الحديث صححه الأئمة، مما يدل على أن النوم الأصل فيه أنه يوجب الوضوء. فالمالكي والحنبلي استدلوا بهذه الأدلة.
فعند ذلك قال الشافعي والحنفي: نحن معكم في هذه الآية، ونحن معكم في هذه الأحاديث، لكن هذه الأحاديث وهذه الآية غاية ما يستدل بها أن النوم في الجملة يوجب الوضوء. لكن هل فيها أن نوم الجالس المتمكن يوجب الوضوء؟ المتمكن من الأرض، هل في هذه الآيات... نحن نحتج بهذه الآيات أيضاً لكن ليس فيها ما يدل على أن هذا الرجل قد انتقض وضوءه؛ بل ورد عن الصحابة أنهم كانوا يجلسون وينامون وهم جلوس فلا يتوضؤون، إذاً الأصل أنه على طهارة.
فعند ذلك قال المالكي والحنبلي: صحيح كلامكم، أن النوم الموجب مظنة للوضوء وأنه يوجب الوضوء، لكن ليس الأمر يتعلق بالهيئة، أنتم اقتصرتم على هيئته جالساً، الأمر يتعلق بثقل النوم وبكثرته. فالهيئة، رسول الله ﷺ قال: «العين وكاء السهي، فمن نام فليتوضأ»، والسهي يطلق على الموضع الذي يخرج منه الريح من الإنسان. فهذا الحديث يدل على أن النوم إذا استحكم من الإنسان ونامت العينان لم يؤمن أن يخرج الحدث أو لم يؤمن معه الحدث في الغالب، وسواء كان مضطجعاً أو جالساً متمكناً من الأرض هذا هو الغالب، وأما النادر أن الإنسان لا يخرج منه شيء ولو استحكم النوم من عينيه هذا نادر لا حكم له، إنما نحكم بالغالب.
فعند ذلك قال الحنفي والشافعي يجيبان الحنبلي والمالكي على هذا الحديث: هذا الحديث ليس بصحيح. فقال المالكي والحنبلي: وما الدليل؟ يعني ما الذي يجعله ليس بصحيح؟ فعند ذلك قال الآخران وهما الحنفي والشافعي: هذا الحديث فيه علتان؛ الأولى في إسناده الوضين بن عطاء وهو ضعيف، يعني العلماء مختلفون هل هو ضعيف أم قوي، وما دام أنه مختلف فيه فلا يمكن أن نعتمد على حديثه. والعله الثانية أن الراوي لهذا الحديث عن علي بن أبي طالب لم يسمع منه.
فعند ذلك قال المالكي والحنبلي: لكن له شاهد، هذا الحديث صحيح أن فيه شيئاً من الضعف، لكن هناك ما يشهد له، وهو أن الإمام أحمد روى في مسنده عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ قال: «إن العينين وكاء السهي، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء». ولذلك لأجل هذين الطريقين حسنه المنذري وحسنه ابن الصلاح وحسنه النووي. فعارضه الحنفي أيضاً والشافعي وقالوا بأن هذا الحديث، حديث معاوية، الصواب أنه من قول معاوية موقوفاً عليه وليس حديثاً عن النبي ﷺ، ولذلك نجد الأئمة الكبار مثل أبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي يضعفون هذين الحديثين ولا يقويان أحدهما بالآخر.
ثم قال الحنفي والشافعي: وعلى فرض أنه صحيح، على فرض أن هذا الحديث مقبول، فإننا نحمله على النوم الذي يحصل معه استرخاء المفاصل، يعني نحمله على النوم الكثير، وأما المتمكن فنستثنيه جلوساً. وأيد هذا القول الحنفي أيضاً بأن النوم الثقيل لا يكون غالباً إلا في هيئة الاضطجاع وما في معنى هيئات الاضطجاع مثل الاتكاء. وقد ورد أيضاً حديث يستدل به الحنفي، وهو في أبي داوود وفي الترمذي عن ابن عباس، أن النبي ﷺ رأى النبي نائماً وهو ساجد حتى نفخ، ثم قام فصلى أو قام يصلي، فقلت يا رسول الله إنك قد نمت، قال: «إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً؛ فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله». هذا يقوله الحنفي فهو يحتج على أن المسألة مسألة الاضطجاع فقط.
فعند ذلك رد عليه المالكي والحنبلي وانضم إليهم الشافعي، فقالوا له: لكن هذا الحديث ضعيف، متفق عليه بين العلماء أنه ضعيف، يعني ضعفه النقاد الكبار منهم أحمد بن حنبل ومنهم البخاري ومنهم أبو داوود ومنهم الدارقطني وغيرهم.
ثم تدخل الشافعي وأراد أن يبين قوة حجته وقال: أثبت شيء ورد في هذا الباب، يعني في باب النوم الذي ينقض الوضوء والذي لا ينقضه، هو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون، ينتظرون الصلاة ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون. ولفظه عند أبي داوود أوضح من هذا قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ على عهد رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، تخفق يعني تميل إلى الأسفل، حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. وهذا الحديث صحيح أيضاً وهو الذي في سنن أبي داوود صححه غير واحد من أهل العلم، وهو كصحيح مسلم، يعني كالحديث الذي في صحيح مسلم بل هو من طرقه. ف هذا الحديث يجعل، يقوله الشافعي، يجعلنا نستثني هذه الحالة التي كان عليها النائم وهي حالة الجلوس.
فاعترض عليه أيضاً الحنبلي والمالكي وقالوا له: هذا الخفقان يدل على أن نوم الصحابة لم يكن كثيراً، وإنما كان قليلاً، كان لم يكن ثقيلاً وإنما كان خفيفاً، لأن الخفقان لما يخفق الرأس ثم يرفعه يدل على أنه كان ينتبه، نومه لم يكن ثقيلاً. وهذه المسألة مسألة نسبية لدرجة أن بعض الشافعية يقولون: لا، الخفقان دليل على أنه نوم ثقل، فهي مسألة ثقل النوم وعدم ثقل النوم مسألة نسبية، ولكل قول من أقوال هؤلاء الأئمة حجة.
لكن الاحتياط هو الأفضل. ولذلك قال الرجل، يعني هذا الذي كان يسمع حديثهم واختلافهم في النائم، بعد كل هذا النقاش قال لهم: ماذا تأمرون به؟ هل أتوضأ أم لا أتوضأ؟ فقالوا جميعاً: نحن مجمعون على أنك إذا توضأت لم نختلف في صحة صلاتك، وإذا لم تتوضأ اختلفنا؛ فإثنان منا يقولان صلاتك باطلة، وإثنان يقولان صلاتك صحيحة. فعند ذلك قال الرجل: ما دام أنكم متفقون على أني لو توضأت لكانت صلاتي صحيحة أو لصلّيت صلاة صحيحة بيقين، فالأفضل لي والأحوط لي أن أتوضأ. وعند ذلك توضأ. وهكذا على المسلم أن يحتاط لدينه إذا وجد العلماء مختلفين في شيء، والجمهور على مسألة، فالأفضل أن يأخذ مذهب الجمهور ويحتاط لدينه.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري