دخولتسجيل الدخول

الحلقة 11

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تحدثنا في الحلقة الماضية عن ناقضين من نواقض الوضوء؛ فتكلمنا عن ما يخرج من السبيلين، وأنه متفق على أنه ناقض للوضوء في الجملة، وتكلمنا عن زوال العقل، وذكرنا من زوال العقل أيضًا النوم. وسنتحدث في هذه الحلقة بإذن الله عما بقي أو أهم ما بقي من نواقض الوضوء من المسائل الكبار.

فأول مسألة من هذه النواقض انتقاض الوضوء بالنجس الخارج من غير السبيلين. في الحلقة الماضية قلنا الخارج من السبيلين ناقض، أما الخارج من غير السبيلين من النجاسات، هل هو ناقض؟ هذا مما اختلف فيه العلماء، مثل الدم بالحجامة أو بغيرها، والقيء، والرعاف، ونحو ذلك. هذه المسألة اختلف فيها الجمهور على قولين: القول الأول أنه لا ينقض الوضوء من ذلك شيء، وهذا مذهب أهل الحجاز، ومنهم الشافعي، ومنهم الإمام مالك رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

القول الثاني أن ذلك كله ينقض الوضوء، وهذا مذهب أهل العراق، ومن أهل العراق الإمام أبو حنيفة والامام أحمد. لكن بين هذين الإمامين اختلاف يسير، وهو أن الإمام أحمد قيد النجس بالكثرة، فقال النجس الكثير هو الذي ينقض الوضوء. وأما أبو حنيفة فقال ينقض الوضوء القيء الكثير، وما عدا القيء ينقض الوضوء اليسير كله؛ إذا القيء قيده بالكثرة هذا أبو حنيفة، وأما غير القيء فقال ينقض الوضوء كله سواء كان يسيرًا أو قليلًا.

وهذا الخلاف بين الأئمة له سبب؛ سبب اختلاف الأئمة في ذلك أنهم لما اتفقوا على انتقاض الوضوء بالنجاسات الخارجة من السبيلين صار عندهم احتمالان: الاحتمال الأول أن يكون انتقاض الوضوء من هذه النجاسات إنما علق بها من جهة أنها خارجة من هذين السبيلين؛ يعني أن هذه النجاسات سبب نقضها للوضوء كونها خارجة من السبيلين. الاحتمال الثاني أن انتقاض الوضوء علق منها بسبب أنها نجاسات بدون النظر إلى كونها خارجة من السبيلين؛ يعني أنها نجاسة في حد ذاتها، وبالتالي تنقض الوضوء.

الذين يقولون إن هذه النجاسات تنقض الوضوء يقولون: الوضوء طهارة، ما دام أن هناك نجاسة خارجة من البدن ولو لم تكن من السبيلين فهذا يدل على أننا نحتاج إلى وضوء، هؤلاء مذهب أهل العراق يحتجون بحجج، منها ما في السنن، رواه أحمد وأبو داوود والترمذي والنسائي، رووا من حديث معدان بن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه، وهو تابعي جليل، يروي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر. قال معدان: فلقيت ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني كيت وكيت، فقال ثوبان: نعم أنا صببت له وضوءه.

أبو الدرداء يقول قاء فأفطر، وثوبان يقول أنا صببت له وضوءه، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قاء أفطر وأيضًا انتقض وضوءه، هذا ظاهر الرواية؛ فهذه الرواية يحتج بها الإمام أحمد ويحتج بها أبو حنيفة. لكن الآخرون يقولون بأن قوله: «أنا صببت له وضوءه» هل يدل على أنه انتقض وضوءه؟ قد يكون صب له وضوءه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على طهارة، ليس في هذا الحديث ما يدل على أن توضؤ النبي صلى الله عليه وسلم كان بسبب القيء؛ نعم هو قاء فأفطر، لكن هل هو لما قاء أيضًا توضأ بسبب القيء؟ الأمر محتمل.

ومذهب أهل الحجاز في نظري القاصر أنه أقرب أو أقوى دليلًا، لماذا؟ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ورد عنهم أنهم كانوا يصلون ودمائهم تسيل، فلو كان الدم ينقض الوضوء لما صلوا ولما أتموا صلاتهم. أضف إلى ذلك أن نواقض الوضوء المعروف فيها أن القليل والكثير فيها تستوي، فمثلًا ما خرج من السبيلين سواء كان نقطة أو كان أكثر من ذلك ينقض الوضوء. فلما علقوا نقض الوضوء من النجاسات الخارجة من غير السبيلين بالكثرة، فلو كانت هذه النجاسات فعلًا تنقض الوضوء لما علق الأمر بالكثرة والقلة، هذا مما يرجح مذهب أهل الحجاز.

المسألة الثانية هي إيجاب الوضوء من لمس النساء من غير حائل. هل إذا لمس الرجل امرأته من غير حائل يجب عليه الوضوء أم لا؟ هذه المسألة أيضًا اختلف العلماء فيها، وسبب اختلافهم في فهم معنى قول الله تبارك وتعالى في آية الوضوء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43]. فكلمة أو لفظة اللمس هنا تطلق في لغة العرب في حقيقة وضعها على مجرد اللمس، ويطلق أيضًا من باب المجاز على الوطء. فذهب إلى إيجاب الوضوء من مجرد اللمس الشافعي رحمه الله عليه، حيث حمل هذه اللفظة على مجرد الحقيقة، ونحن نعلم أن من قواعد الأصول عند الأصوليين أن اللفظة العربية إذا ترددت بين الحقيقة والمجاز فالأولى أن تحمل على الحقيقة، لأن الحقيقة مقدمة.

والآخرون أو أبو حنيفة رحمه الله عليه ذهب إلى عدم إيجاب الوضوء من اللمس مطلقًا، لا يجب الوضوء من أي لمس، لماذا؟ لأنه حمل هذه اللفظة على المجاز، وقال المراد باللمس هنا الوطء، وأيضًا احتج بالقواعد الأصولية كما احتج الشافعي؛ فمن القواعد الأصولية أن المجاز إذا كثر استعماله كان أولى من الحقيقة. فمثلًا كلمة الصلاة تستخدم في اللغة العربية للدعاء، ومع ذلك إذا أطلقنا كلمة الصلاة فنحن نعني بها الصلاة التي فيها الركوع والسجود، وهذا يعتبر في اللغة مجازًا، إذا المجاز أحيانًا يكون أولى من الحقيقة لا سيما إذا ورد ما يعارض استعمال الحقيقة، وهنا ورد ما يعارض استعمال الحقيقة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلمس بعض زوجاته ولا يتوضأ، وهذا ثابت في الصحيحين؛ منها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطهما. معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغمزها وهو يصلي، ولو كان هذا الغمز أو اللمس يوجب الوضوء لما أكمل النبي صلى الله عليه وسلم صلاته.

هذا مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي، الشافعي يقول اللمس ينقض الوضوء، وأبو حنيفة يقول اللمس لا ينقض الوضوء. أما مالك وأحمد فتوسطوا بين المذهبين؛ فالإمام مالك والإمام أحمد قالوا: اللمس يوجب الوضوء أحيانًا ولا يوجبه أحيانًا؛ متى يوجبه؟ قالوا مع الشهوة، إذا لمس بشهوة فهنا وجب الوضوء، وإذا لم يلمس بشهوة فلا يوجب الوضوء، جمعًا بين الآية والأحاديث. والحقيقة هناك كلام طويل وحجج أخرى للعلماء وأجوبة لبعضهم على بعض يطول ذكرها، لكن في نظري القاصر أن مذهب الحنفية أو مذهب أبي حنيفة أقوى من المذاهب الأخرى من جهة الدليل، ومذهب الإمام مالك والإمام أحمد لا شك أنه أحوط رحمه الله على الجميع؛ فمذهب أحمد ومذهب مالك هو الأحوط، ومذهب أبي حنيفة في نظري القاصر أنه أقوى.

المسألة الثالثة وهي من المسائل المهمة أيضًا: إيجاب الوضوء من مس القبل بلا حائل، والمقصود بالقبل مقدم العورة المغلظة. هذه المسألة أيضًا اختلف العلماء فيها كما اختلفوا في سابقتيها، واختلافهم فيه قولان: القول الأول وهو قول الجمهور، وهو وجوب الوضوء من لمس القبل بلا حائل. والقول الثاني هو قول أبي حنيفة النعمان رضي الله تعالى عن الجميع، وهو عدم الوجوب؛ أن من مس قبله بلا حائل ليس عليه وضوء. طيب ما سبب اختلافهم؟ لماذا اختلفوا؟ هؤلاء الأئمة اختلفوا بسبب تعارض حديثين صحيحين؛ الحديث الأول حديث بسرة وفيه إيجاب الوضوء من لمس القبل، والحديث الثاني حديث طلق بن علي رضي الله تعالى عنه وفيه أنه لا يجب الوضوء.

وهذان الحديثان كما ذكرت أكثر أهل العلم على تصحيحهما، لكن اختلفوا في طريقة الاحتجاج؛ فمنهم من رجح أحد الحديثين على الآخر باعتبارات معينة، كقوة الإسناد؛ فمنهم من يقوي هذا على هذا ومنهم من يقوي هذا على هذا. ومن تلك الطرق الجمع؛ منهم من يقول حديث بسرة محمول على الاستحباب، وحديث طلق بن علي محمول على الوجوب، وهكذا لهم احتجاجات ولهم جمع بين هذين الحديثين، أو تقديم أحدهما على الآخر، أو القول بأن حديث بسرة ناسخ لحديث علي. كل قول من القولين له وجه، ولا شك أن قول أبي حنيفة أقيس، وقول الجمهور أحوط. نقف هنا قليلًا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا ذكرنا قبل الفاصل ثلاث مسائل: المسألة الأولى انتقاض الوضوء بالنجاسات الخارجة من غير السبيلين، المسألة الثانية انتقاض الوضوء بلمس النساء بلا حائل، المسألة الثالثة انتقاض الوضوء بلمس القبل من غير حائل. وفي كل هذه المسائل اختلاف بين العلماء.

المسألة الرابعة وهي إيجاب الوضوء من أكل لحوم الإبل، وهذه المسألة أيضًا مما اختلف فيها العلماء، وذهب فيها الإمام أحمد إلى إيجاب الوضوء من أكل لحوم الإبل، وأما الجمهور وهم الحنفية والمالكية والشافعية فيقولون من أكل لحم الجزور أو لحم الإبل ليس عليه وضوء. وهكذا كان هناك أسباب للاختلاف في المسائل السابقة، كذلك في هذه المسألة هناك سبب لاختلافهم، وهذا الاختلاف سببه وجود بعض الأحاديث المتعارضة.

فمثلًا أحمد يحتج بحديثين صحيحين على إيجاب الوضوء من أكل لحوم الإبل؛ الحديثان الأول حديث جابر بن سمرة، والثاني حديث البراء. أما حديث جابر فهو أنه قال: إن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت». قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم». والحديث له تكملة، أن أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أن أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا». وهذا الحديث في مسند أحمد وفي صحيح مسلم وفي سنن ابن ماجه.

الحديث الثاني حديث البراء بن عازب قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم فقال: «لا تتوضؤوا منها»، وسئل أيضًا عن الصلاة في مبارك الإبل كما في الحديث السابق، فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين»، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلوا فيها فإنها بركة». وهذا الحديث أيضًا في المسند وفي سنن أبي داوود وسنن ابن ماجه.

الحديث الأول أخرجه مسلم، أما الحديث الثاني فلم يخرجه مسلم، والبخاري لم يخرج أيًا من الحديثين؛ البخاري ربما قال بعض العلماء إنه لم يخرج هذين الحديثين لاختلاف في إسناد أحد الحديثين، ولكلام شيخه علي بن المديني في الحديث الآخر، لكن أغلب نقاد الحديث صححوا الحديث، ومن الأئمة الذين صححوا هذين الحديثين أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه وإسحاق بن راهويه رضي الله تعالى عنه، وهكذا مسلم صحح الحديث الأول لأنه أخرجه في كتابه، وأيضًا قال ابن خزيمة في صحيحه بعد أن أخرج الحديثين قال: ولم نر خلافًا بين العلماء -يعني علماء أهل الحديث- أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل. قال هذه الكلمة في الحديث الأول وقالها في الحديث الثاني، وهكذا النووي رحمه الله عليه وهو من الشافعية ذهب إلى تصحيح الحديثين، بل وذهب إلى القول بقول الحنابلة، فإنه ذكر أن قول الحنابلة أقوى دليلًا وإن كان الجمهور على خلاف قولهم.

وأجاب النووي رحمه الله عليه عن قول الجمهور لأن الجمهور يستدلون بحديث جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار. فهذا مطلق أو عام، وأما حديث البراء وحديث جابر بن سمرة فإنه خاص في لحوم الإبل، ولذلك قال النووي: نقدم الخاص على العام، الخاص مقدم على العام. وهكذا البيهقي رحمه الله عليه نقل عن الشافعي أنه قال في بعض كتبه إن صح الحديث -يقصد حديث البراء أو حديث جابر بن سمرة الذي يقول بالوضوء من لحوم الإبل- قلت به. ولذلك عقب بعد ذلك البيهقي وقال.

وقد صح في ذلك حديثان، يقصد حديث جابر وحديث البراء. لكن هذه المسألة التي هي أكل لحوم الإبل كان الأمر فيها في الحقيقة في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة شائعًا مستفيضًا؛ فالصحابة كانوا يأكلون لحوم الإبل كثيرًا، وكان أكثر ما ينحرون من الإبل. والأحاديث في هذا كثيرة، منها حديث رافع بن خديج في الصحيحين أنه قال: «كنا نصلي مع النبي ﷺ العصر، فننحر جزورًا فتقسم عشر قسم، فنأكل لحمًا نضيجه قبل أن تغرب الشمس»، ولم يذكر أنهم يتوضؤون من ذلك.

وهكذا ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أن النبي ﷺ وأصحابه نحروا هديهم حين أحصروا في صلح الحديبية؛ لما أحصروا ولا يصلون إلى مكة نحروا الهدي، وكان إبلًا. وهكذا ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان ينحر هديه أو نحر هديه في حجة الوداع، وكان هديه مئة ناقة وطاف بالبيت، ولم يذكر في شيء من هذه الأخبار أن النبي ﷺ توضأ أو أنه أمر أحدًا بالوضوء. ولو كان أكل لحم الإبل موجبًا للوضوء لكان الأمر به مستفيضًا بين الصحابة.

أضف إلى ذلك أن جماعة من أهل العلم ينسبون إلى الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أنهم لم يكونوا يتوضؤون من لحوم الإبل، مع أني لم أجد عن الخلفاء الراشدين روايات ثابتة بأنهم كانوا لا يتوضؤون من لحوم الإبل، لكن ثبت عن غيرهم من الصحابة؛ فمثلاً روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه نحر جزورًا فأطعم أصحابه ثم قاموا يصلون بغير طهور، وقال: ما أبالي أمشيت في فرث ودمها ولم أتوضأ، أو أكلت من لحمها ولم أتوضأ. وهكذا روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن يحيى بن قيس قال: رأيت ابن عمر أكل لحم جزور وشرب لبن الإبل وصلى ولم يتوضأ، وهذا إسناد أيضًا لا بأس به.

ولذلك يحمل بعض أهل العلم حديث جابر وحديث البراء بن عازب الذي في الوضوء من لحوم الإبل على أنه يتأكد استحباب الوضوء من لحوم الإبل، فليس ذلك بواجب. وحملوا حديث جابر وحديث البراء على أنه تأكيد للاستحباب من وضوء الإبل، وهناك علة معينة وهي أن لحوم الإبل غليظة فتحتاج إلى التبريد بالماء، وهناك كلام من هذا القبيل لأهل العلم. فلا شك أن الوضوء أحوط، ولكنه إيجابه ليس عليه كبير دليل صحيح، وإن كان هناك حديثان لكن يمكن حمل هذين الحديثين على الاستحباب.

هذه المسائل الأربع مع المسألتين السابقتين في الحلقة الماضية هي رؤوس المسائل في نواقض الوضوء. بقيت هناك مسائل نادرة وبقي بعض التفصيل الذي يمكن أن يرجع إليه الناس في كتب أهل العلم. بهذه المسائل نكون قد انتهينا مما يخص الوضوء. والوضوء كما ذكرنا جزء من الطهارة، والطهارة ذكرنا أنها قسمان: طهارة حدث، وطهارة خبث.

وطهارة الحدث ثلاثة أنواع أو ثلاثة أقسام، وهي الوضوء الذي تكلمنا فيه أو تكلمنا عن غالب أحكامه وبقي بعض الأحكام المشتركة بينه وبين غيره، والغسل، والتيمم. هذه الثلاثة أمور تعتبر طهارة حدث؛ الوضوء من الحدث الأصغر، والغسل من الحدث الأكبر، والتيمم بدل عنهما. وهناك طهارة من الخبث، وفيها عدة أبواب وعدة مسائل، إلا أن وقت البرنامج في الحقيقة لا يتسع للكلام عن بقية طهارة الحدث، فضلًا عن طهارة الخبث؛ فنحن لم نتكلم عن الغسل ولم نتكلم عن التيمم وأيضًا لم نتكلم عن طهارة الخبث؛ لأن الكلام فيها سيتسع وهو كثير، ولكن يمكن الرجوع لكتب أهل العلم وسؤال العلماء، وفي ذلك إن شاء الله كفاية.

لكن أريد أن أكتفي من هذا القدر من الطهارة لكي ندخل في بعض أبواب الفقه الأخرى، لكن هناك مسألة يمكن أن نتكلم عنها مما يتعلق بالوضوء ولا تخص الوضوء وحده، وإنما تخص الأحداث كلها، وهي أن الحدث -الذي هو الحدث الأصغر الذي يرفعه الوضوء، وكذلك الحدث الأكبر الذي يرفعه الغسل أو يرفعهما التيمم- هذان الحدثان يشتركان في أنهما يمنعان من تلبس بهما من أشياء معينة. وقد جمعت في أبيات يقول الناظم: ويمنع الحدث مما يأتي من الطواف ومن الصلاة ومس مصحف، وذي الثلاث في المنع منها تستوي الأحداث. إذاً ويمنع الحدث -الحدث يدخل فيه الحدث الأكبر والحدث الأصغر- مما يأتي من الطواف ومن الصلاة، يعني المحدث حدثًا أصغر أو حدثًا أكبر لا يطوف بالبيت ولا يصلي، لا يجوز له الصلاة وهو محدث ولا يجوز له الطواف بالبيت وهو محدث. ويمنع الحدث مما يأتي من الطواف ومن الصلاة ومس مصحف، وذي الثلاث في المنع منها تستوي الأحداث.

وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى؛ الجنابة تزيد على الثلاثة الممنوعة للمحدث -قلنا يمنع من الطواف ويمنع من الصلاة ويمنع من مس المصحف- والجنابة تمنع شيئين آخرين. وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ، يعني في المسجد، أن يلبث الإنسان في المسجد بغير وضوء. وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى، يعني وتمنع آية ممن تلى؛ فلا يجوز للجنب أن يتلو آية واحدة فضلًا عن أن يتلو آيات. لكن هنا لما قال وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى، يعني ممن أراد التلاوة؛ فلو قال الحمد لله رب العالمين وهو لا يقصد أن يقرأ أول آية من الفاتحة، يقصد أن يحمد الله، أن يدعو، هذا ليس بقراءة للقرآن؛ فقراءة القرآن إذا كان ناويًا لها لا تجوز للجنب.

ثم هناك الحيض والنفاس وهما أكبر من الجنابة تمنع أشياء أخرى غير الخمسة المتقدمة. يقول الناظم: ويمنع الحدث مما يأتي من الطواف ومن الصلاة ومس مصحف، وذي الثلاث في المنع منها تستوي الأحداث. في هذين البيتين يقول إن الأحداث -الذي هو الحدث الأكبر والحدث الأصغر، الحدث الأكبر الجنابة أو الحيض والنفاس، والحدث الأصغر الناقض للوضوء- يمنع الحدث سواء كان أكبر أو أصغر مما يأتي من الطواف، هذا أول شيء، ومن الصلاة ومس مصحف، وذي الثلاث في المنع منها تستوي الأحداث.

ثم زاد قال: وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى، يعني الجنابة تمنع زيادة على الثلاث الأولى تمنع شيئين، وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ؛ اللبث معناه اللبث في المسجد، وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ، يعني لو كان الجنب ليس متوضئًا لا يجوز له أن يلبث في المسجد، معناه يجوز له المرور دون اللبث، أما اللبث فلا يجوز إلا إذا توضأ. وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى، يعني تمنع الجنابة أن يتلو آية أن يقرأ آية، فما زاد على الآية -يعني إذا كان الآية لا يجوز أن يقرأ آية واحدة- فمن باب أولى أن يقرأ أكثر من آية. وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى، وقوله هنا ممن تلى معناه إذا كان يريد التلاوة، لكن لو كان يريد فقط الدعاء مثلًا يقول الحمد لله رب العالمين الحمد لله رب العالمين، هذا قد يراد منه الدعاء وقد يراد منه الآية التلاوة، فإن كان لا يريد التلاوة فلا بأس، وإن كان يريد التلاوة تلاوة القرآن فلا يجوز له.

وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى، والكل للنفاس والحيض حرام؛ هذه الخمسة المتقدمة حرام للنفاس والحيض. والكل للنفاس والحيض حرام، وزيد وطء وطلاق وصيام؛ فالوطء للنفاس والحيض، وهكذا الصيام لا يجوز لهما، وهكذا سنة الطلاق لا يجوز أن يطلق الرجل زوجته إذا كانت حائضًا أو كانت نفساء.

نعيد هذه الأبيات الثلاثة وهي قوله: ويمنع الحدث مما يأتي من الطواف ومن الصلاة ومس مصحف، وذي الثلاث في المنع منها تستوي الأحداث. وتمنع الجنابة اللبث بلا توضؤ وآية ممن تلى، والكل للنفاس والحيض حرام، وزيد وطء وطلاق وصيام.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.