الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية والحلقات التي قبلها عن أبواب الطهارة، وسنبدأ في هذه الحلقة المباركة بإذن الله بكتاب الصلاة أو أبواب الصلاة.
وقبل الحديث عن مسائل الصلاة وأحكامها، سنتكلم عن مكانة الصلاة في الإسلام. الصلاة في الحقيقة أعظم أركان الإسلام العملية، وهي أعظم ركن بعد الشهادتين. ركن الشهادة ركن قولي وهو الذي يدخل به الإسلام، وأما الصلاة فهي ركن عملي. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، ومعناه كتابًا واجبًا.
ويقول تبارك وتعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]. ويقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. آيات كثيرة كلها فيها أوامر وتعظيم لقدر الصلاة، وهناك إمام من الأئمة ألف كتابًا سماه "تعظيم قدر الصلاة" وهو ابن نصر المروزي رحمه الله عليه.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان». فأولا بدأ بالصلاة، والصلاة كما أنها أعظم أركان الإسلام العملية، هي عمود الإسلام. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الطويل من حديث معاذ بن جبل في مسند أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه والنسائي، قال له النبي صلى الله عليه وسلم في بعضه: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل». قال تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17].
ثم قال له: «ألا أخبرك برأس الأمر كله، وعموده، وذروة سنامه؟». قلت بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام. ما هو عموده؟ قال: وعموده الصلاة». إذا الصلاة عمود الإسلام. «وذروته الجهاد في سبيل الله». إذا الصلاة أعظم ركن وهي عمود الإسلام وهي صلة بين العبد وربه.
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي، والترمذي صحح هذا الحديث، من حديث الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات»، وذكر هذه الخمس كلمات، ومنها قال: «وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت». الله سبحانه وتعالى لعظمة هذه الصلاة يكون قد نصب وجهه لوجه عبده هذا الفقير المسكين. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
فالصلاة صلة بين العبد وربه، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. إذا الصلاة سبيل للإعانة؛ تستعين بالصبر والصلاة. وقد روي عن ابن عباس أنه بلغه خبر أخيه قثم بن العباس أنه توفي، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق وكان مسافرا، فأنخ راحلته وصلى ركعتين وأطال فيهما، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].
الصلاة مهما تكلمنا فيها لا يمكن أن نؤدي حقها؛ هي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة. وصححه الدارمي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما يحاسب العبد عليه من عمله يوم القيامة صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من الفريضة شيء قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل به ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على هذا النحو».
وهكذا الصلاة كما أنها أول ما يحاسب العبد عليه، هي آخر ما يفقد من الدين. آخر ما يفقد من الإسلام هو الصلاة، وهذا ثابت في مسند أحمد بسند صحيح من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضا الحكم بما أنزل الله، وآخرهن الصلاة». فالصلاة آخر ما ينقض من عرى الإسلام. ولذلك كانت آخر وصية وصى بها النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم». وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدة طرق.
والصلاة امتدح الله سبحانه وتعالى من حافظ عليها، وذم من فرط فيها وتركها في آيات كثيرة جدا. يقول تبارك وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37]. لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، يعني عن الصلاة المكتوبة، سماهم رجالا سبحانه وتعالى كما سمى المؤمنين الذين يقاتلون ويجاهدون رجالا من المؤمنين، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
فالرجولة ليست بالتمني والدعاوى، الرجل هي بطاعة الله سبحانه وتعالى. وهذه الآية روي عن ابن مسعود أنه مر على السوق فرأى الناس لما نودي بالصلاة تركوا بيعهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال ابن مسعود: هؤلاء الذين ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وهكذا مر ابن عمر أيضا على السوق فأقيمت الصلاة، فأغلق الناس حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
وهكذا من الآيات التي فيها مدح المؤمنين بالمحافظة على الصلاة قوله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. فبدأ من صفاتهم بالخشوع في الصلاة، وذكر صفات متعددة ثم ختم هذه الصفات بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 9-11].
ولذلك كان الصحابة يحرصون على الخشوع في الصلاة. لما جاء في الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة أهدي له خميصة شامية فيها أعلام، فصلى بها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لما انصرف قال: «ردوا هذه الخميصة إلى أبي جهم؛ لأني نظرت إلى علمها فكاد يفتنني». كادت هذه الأعلام أن تفتنه، يعني أن تلهيه عن الصلاة، فأصبحت اللهو والانشغال عن الصلاة فتنة. ونحن الله أعلم بأحوالنا هذه الأيام.
وهكذا في الموطأ أيضا من حديث عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له، يعني في بستان، فطار دبسي -طير- فطفق يتردد هذا الطير في الحديقة يلتمس المخرج فما وجده، فأبو طلحة أعجبه المنظر، فصار يتبع هذا الدبسي ببصره فترة من الزمن ثم رجع إلى الصلاة، فإذا هو لا يدري كم صلى، فعند ذلك قال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنة. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له الذي أصابه في حائطه، وقال يا رسول الله هو صدقة لله فضعه حيث شئت؛ لأجل أن هذا الحائط أو هذه الحديقة ألهته عن صلاته ذهب وتبرع بها لئلا يعود إلى اللهو. هكذا كان الصحابة يهتمون بصلاتهم.
والله سبحانه وتعالى ذكر أنه ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: 19-23]. ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 34-35]. بينما ذم الآخرين الذين تركوا الصلاة أو لم يحافظوا عليها، قال تبارك وتعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. فخلف من بعدهم خلف، بعد الأنبياء لأنه ذكر قبل هذه الآية سبحانه وتعالى إسماعيل عليه الصلاة والسلام وأنه كان يأمر أهله بالصلاة. وقال تبارك وتعالى أيضا في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5].
والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث في الصحيحين في حديث أبي هريرة قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». من أهمية الصلاة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول أرجع إلى هؤلاء الذين يتخلفون عن الجماعة وعن المسجد فأحرق عليهم بيوتهم بالنار، هذا في غاية الذم لهؤلاء الناس.
والله سبحانه وتعالى سمى الصلاة إيمانا، وشهد لمن تعاهد بالصلاة بالإيمان، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، يعني صلاتكم، كما فسرها غير واحد من المفسرين. وهكذا يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18]. وقد ورد في ذلك حديث في الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان».
وفي حديث ابن مسعود في صحيح مسلم أنه قال: "من سره أن يلقى الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. ولقد رأيتنا"، يقصد الصحابة، "وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به"، يعني المريض "يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف". هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. نقف قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا ذكرنا قبل الفاصل مكانة هذه الصلاة وهي مكانة عظيمة، ومهما تكلم الإنسان يحتاج إلى وقت كثير في تعظيم قدر الصلاة، وكما ذكرت فقد ألف فيها أئمة كبار، من ضمنهم ابن نصر المروزي ألف كتابا عظيما في مجلدين كله في تعظيم قدر الصلاة.
ومن تعظيم قدر الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بكونها نورا، ففي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». والشاهد: «والصلاة نور».
وهكذا في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الصلاة فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف». وهذا الحديث جود إسناده عدد من أهل العلم.
الصلاة مجرد المشي إلى الصلاة يكفر السيئات ويرفع الدرجات. في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح». أعد الله له نزلا، أعد الله له مكانا في الجنة. وأيضا هذه الخطوات خطوة ترفع درجة وخطوة تحط خطيئة، كما في صحيح مسلم أيضا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من».
بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة. وهناك حديث عجيب أيضاً، حديث بريدة في سنن أبي داود وسنن الترمذي، وهو حديث فيه بشرى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة». يعني يعوضون بدلاً من أنهم يذهبون في هذا الظلام، الله يعوضهم يوم القيامة بالنور التام.
وأيضاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». إذاً الخطى تكفر السيئات وترفع الدرجات؛ إذا كانت الخطوات إلى المسجد هذه الوسيلة هذه محلها، فما بالك بالمقصود وهو الصلاة؟
وهذا من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبين عظمة الوسيلة ليبين عظمة المقصود، كما جاء في القرآن، وهذا أسلوب عربي في القرآن؛ الله سبحانه وتعالى يذكر الجنة فيقول: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54]. النمارق التي يجلس عليها الناس بطائنها من إستبرق، يعني ما ذكر الظواهر، من إستبرق يعني من حرير. إذا كانت البطانة، إذا كان عندنا مخدة مثلاً بطانتها من حرير، في العادة الناس لما يكون عندهم المساند هذه والوسائد يجعلون البطانة مما يلي الجدار، وأحياناً يكون فيه بعض الكتابة ويكون فيه بعض ما لا ينبغي. الله سبحانه وتعالى يصف بطائن النمارق في الجنة بأنها من حرير، فما بالك بالظواهر؟ هذا حتى يذهب الخيال في تخيل الظواهر. ولذلك يقول بعض السلف إن أظهر هذه النمارق من نور؛ يعني نحن لا نتخيل كيف صنعت من النور، لكن هذا مما يدل على عظمة الجنة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يبين لنا عظمة الخطوات إلى الصلاة، فما بالك بالصلاة؟ إذا كانت الخطوة ترفع درجة وتحط خطيئة، فما بالك بالصلاة؟ بل الصلاة نفسها كفارة، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر» أو «إذا اجتنبت الكبائر». وهكذا في صحيح مسلم أيضاً من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه مثل هذا الحديث، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤتَ كبيرة، وذلك الدهر كله».
يعني الصلاة إلى الصلاة تكفر الذنوب، والصلاة التي بعدها تكفر الذنوب، وهكذا، فإذا لم يبقَ عليه من الذنوب شيء حصل من الحسنات الشيء العظيم. وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما حصل له، فأنزل الله سبحانه وتعالى القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114]. العلماء يقولون: أقم الصلاة طرفي النهار، يعني الظهر والعصر والمغرب أو الفجر، وزلفاً من الليل، يعني العشاء والفجر أو العشاء والمغرب، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. إذاً هذه الصلوات الخمس تذهب السيئات. فقال الرجل: يا رسول الله، أهذا لي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل هو لجميع أمتي كلهم».
وهكذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح» يعني ما في صلاة العشاء وصلاة الصبح «لأتوهما ولو حبواً». فما بالك بمن يسمع الصلاة ولا يذهب إليها؟ كم فرط من الخير! بل الصلاة سبب لدخول الجنة وسبب للنجاة من النار، وقد ذكرنا الآيات السابقة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، وفي آخر الآيات: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: 10-11]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ [المعارج: 34-35]. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى أحاديث كثيرة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى البردين دخل الجنة». البردان الصبح والعصر، لأن الذي يصلي البردين معناه سيصلي الصلوات كلها، لأن هاتين الصلاتين من أشق الصلوات على الناس.
وهكذا في صحيح مسلم من حديث أم حبيبة وهي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة». يبنى له باثنتي عشرة ركعة بيت في الجنة.
هذا الحديث يحتاج إلى وقفة في الحقيقة؛ نحن حتى نحصل على البيوت، الإنسان في هذه الدنيا حتى يحصل على بيت، مثلاً في هذا البلد المبارك سهل الحصول على البيت لكن فيه إجراءات؛ بعد زواج وبعد تقديم على المؤسسات الحكومية، ويعاني، ثم يأتي بالمهندس ثم يأتي بالتخطيط ثم البلدية، ثم ثم ثم، يعني هناك عقبات حتى يحصل على بيت، ويكون فرحاً بهذا البيت بعد كثرة الهموم والمشاغل، وهذا البيت يكون من الطين في الحقيقة ليس من ذهب ولا فضة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة». طيب، بيوت الجنة من أي شيء؟ بيوت الجنة من ذهب، من فضة، من زمرد، وهذه البيوت لا تفنى أبداً أبد الآبدين، بل هي قصور في الحقيقة، بنى الله له بيتاً في الجنة. فأنت أكثر من هذه البيوت أو أقلل هذا شيء راجع لك. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر: «من قال سبحان الله فله عشر حسنات، والحمد لله عشر حسنات»، من قال مئة مرة سبحان الله له ألف حسنة؛ يعني لو أن الشخص لما يقول سبحان الله يعطى عشر ريالات، وإذا قال مئة مرة سبحان الله يعطى ألفاً لصار ليل نهار يتكلم بهذه الكلمات. الشاهد أن من صلى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة.
وفي الحديث الآخر في صحيح مسلم، حديث زهير بن عمارة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها». قبل طلوع الشمس معناه قبل الفجر يعني صلاة الفجر، وقبل غروبها معناه صلاة العصر.
وهكذا الأحاديث كثيرة، في الموطأ حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: كان رجلان أخوان، هلك أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، قال: فذكر الناس فضيلة الأول، لما مات الثاني أخذوا يذكرون فضيلة الأول عند رسول الله أنه أفضل من الثاني لأنه من الصالحين وإلى آخره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم يكن الآخر مسلماً؟» قالوا: بلى. قال: «وكان لا بأس به؟» قالوا: بلى. قال: «وما يدريكم ما بلغت به صلاته؟» يعني له بأربعين يوماً كان يصلي فيها تجاوز أخاه. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل الصلاة كمثل نهر غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات، هل ترونه يبقي من درنه شيء؟» ولذلك قال بعد ذلك: «فإنكم لا تدرون ما بلغت به صلاته».
والصلاة في الحقيقة أيضاً فيها حفظ وتوفيق للإنسان، في صحيح مسلم من حديث جندب بن سفيان رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فانظر يا ابن آدم لا يطلبنك الله من ذمته بشيء».
والأدلة كثيرة في الحقيقة على عظمة الصلاة، ويكفي فيها أنها لا تؤتى إلا بالطهارة الكاملة، طهارة البدن وطهارة اللباس وطهارة البقعة، بل ولا يستطيع الإنسان أن يأتي بها حق الإتيان إلا ويخضع بجوارحه وقلبه؛ يعني كل الفرائض ممكن أن تعمل بها بالجوارح دون أن يكون قلبك متوجهاً فيها، بينما الفريضة أو الصلوات لا بد أن يكون قلبك خاشعاً حاضراً، يعني في الطواف ممكن تطوف وقلبك فيه شيء من اللهو وطوافه صحيح، وهكذا تعمل الحج وتصوم، لكن في الصلاة لا بد من حضور الجوارح ولا بد من حضور القلب، وهذا يدل على عظمة الصلاة. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم إنما فرضت عليه الصلاة في السماوات السبع بعد السماء السابعة، لم تفرض عليه في الأرض، الفرائض فرضت في الأرض إلا الصلاة، إنما فرضت عند سدرة المنتهى، وهذا يدل على عظمتها.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري