دخولتسجيل الدخول

الحلقة 13

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها بإذن الله عن شروط الصلاة.

جمهور أهل العلم يقسمون شروط الصلاة إلى قسمين: شروط وجوب، وشروط صحة. شروط الوجوب هي الشروط التي تجب بها الصلاة، وشروط الصحة هي الشروط التي تصح بها الصلاة أو لا تصح عند فقدها. وبعض العلماء يزيد قسماً آخر وهو الجمع بين النوعين؛ عنده شروط وجوب، وشروط صحة، وشروط وجوب وصحة معاً. لكني لن أتعرض لهذه التقسيمات، وسأجمل الشروط بشكل عام.

فأول هذه الشروط التي يبدأ بها عادة هو الإسلام، فالإسلام شرط في صحة الصلاة وشرط في وجوبها. لا تصح الصلاة من الكافر حتى يسلم، وكذلك لا تجب عليه. لماذا نقول لا تجب على الكافر؟ العلماء يقولون: لأننا لو أوجبنا الصلاة على الكافر للزمنا بقضائها إذا أسلم، فإذا قلنا إن الصلاة واجبة عليه حال كفره فمعناه إذا أسلم لا بد أن يقضي هذه السنوات التي مرت عليه ولم يصل فيها. مع أننا نعلم أن هناك أناساً كثيرين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، ولم يؤمر أحد منهم بقضاء الصلاة بعد إسلامه، مما يدل على أن الصلاة لا تجب على الإنسان في حال عدم إسلامه أو في حال كفره. وقد قال تبارك وتعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرُ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]. لا يحاسبون عما سلف في حياتهم السابقة، هذا بالنسبة للكافر الأصلي.

وأما المرتد؛ الذي كان مسلماً ثم ارتد -نسأل الله سبحانه وتعالى العافية والسلامة- فهذا وقع فيه اختلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم وهم الجمهور من يقولون: أيضاً لا تصح منه الصلاة ولا تجب عليه، معناها إذا رجع عن ارتداده وأسلم هل نطالبه؟ يقولون: لا. هذا جمهور أهل العلم، لكن الشافعي رحمه الله عليه، وكذلك أحمد في رواية، يقولون: يجب عليه قضاء ما تركه من الصلاة حال ردته، وذلك منهم تغليظاً عليه؛ من باب التغليظ، فلا يمكن أن يكون ذهابه إلى الكفر مسقطاً للتكليف عنه في تلك الحال. لكن جمهور أهل العلم يقولون: حال المرتد كحال الكافر الأصلي.

الشرط الثاني من شروط الصلاة هو التمييز، وهذا الشرط في الحقيقة شرط صحة؛ معناه لا تصح الصلاة إلا من مميز. من هو المميز؟ هو الذي بلغ سبع سنين في تقدير أهل العلم، وهو الذي يحسن الخطاب أو يحسن الجواب ويفهم السؤال. وهذا الشرط باتفاق أهل العلم، أهل العلم كلهم متفقون على أن الصلاة لا تصح إلا من المميز، معناها الصغير غير المميز لا تصح منه الصلاة.

الشرط الثالث هو البلوغ، والبلوغ أو الاحتلام هذا شرط وجوب وليس شرط صحة؛ معناها أن الصلاة لا تجب إلا على البالغ، وهذا أيضاً متفق عليه بين أهل العلم، لكنها تصح من غير البالغ المميز. قبل التمييز لا تصح، وبعد التمييز تصح لكنها لا تجب حتى البلوغ. فالبالغ هو الذي تجب عليه الصلاة، ولكن غير البالغ تصح منه الصلاة، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمر الصغير بالصلاة لسبع سنين؛ وهو سن التمييز. النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد وسنن أبي داوود وسنن الترمذي من حديث سبرة بن معبد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مُروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها». وهناك حديث آخر يشبه هذا الحديث من رواية عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «مُروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». هذه الأحاديث مشهورة وأهل العلم قد اعتمدوها.

الشرط الرابع من شروط الصلاة هو العقل، وهذا الشرط شرط صحة وشرط وجوب في نفس الوقت؛ معناه لا تصح الصلاة من غير العاقل ولا تجب على غير العاقل. والعقل في الحقيقة إما أن يزول وإما أن يغطى؛ يزول بالكلية وهذا بالجنون، وإما أن يزول ويكون مغطى أو مستوراً كما يقول أهل العلم، وهذا يكون بشيئين: إما بالإغماء، فالمغمى عليه يزول عقله، وأيضاً بشرب المخدر كما ذكرت. هذا مما اختلف فيه أهل العلم؛ هل تجب الصلاة على المغمى عليه؟ معناه إذا أغمي على شخص ثم أفاق وقد أغمي عليه مدة من الزمن ومرت عليه صلوات فيها أو صلاة واحدة، هل يلزمه القضاء؟ هنا اختلف أهل العلم على قولين.

القول الأول: يقولون لا قضاء على المغمى عليه إلا إذا أفاق في الوقت. ما معنى أفاق في الوقت؟ مثلاً لو أغمي عليه في بداية وقت صلاة الظهر أو قبل صلاة الظهر، ثم قبل خروج وقت صلاة الظهر أفاق، هنا نقول يجب عليك الظهر. أما إذا لم يفق إلا بعد ذهاب وقت الظهر، أو مثلاً صلاة العصر لو أغمي عليه قبل صلاة العصر ولم يفق إلا بعد المغرب، هنا يقولون لا يجب عليه القضاء. لكن لو أفاق قبل المغرب بوقت، أي ما زال في وقت العصر، يقولون يقضي. فهذا القول الأول أنه لا يجب القضاء على المغمى عليه إلا إذا أفاق في الوقت، وهؤلاء يقيسون الإغماء على الجنون لأنه لا يفيق بإرادته. والمغمى عليه لا يمكن أن يفيق بإرادته، وهذا المذهب كما ذكرت مذهب المالكية ومذهب الشافعية.

القول الثاني: أن قضاء الصلاة واجب عليه متى أفاق، حتى لو أفاق بعد الوقت يجب عليه أن يقضي الصلاة. وهؤلاء يشبهون المغمى عليه بالنائم، وهو مذهب الحنفية ومذهب الحنابله، إلا أن الحنفية يفرقون بين الإغماء القصير والإغماء الطويل، فيوجبون القضاء على من أغمي عليه إغماءً قصيراً، ولا يوجبونه على من أغمي عليه إغماءً طويلاً، ويحددون القصير بخمس صلوات؛ يقولون إذا أغمي عليه مدة خمس صلوات ثم أفاق عليه أن يقضي الخمس صلوات، فإن أغمي عليه أكثر من خمس صلوات، ست صلوات أو سبع أو أكثر من ذلك، يقولون لا يجب عليه القضاء.

سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة -فيما أظن- هو سببان رئيسيان. أولاً: اختلاف الآثار عن الصحابة، الصحابة الكرام منهم من أغمي عليه فقضى صلاته كابن عمر وغيره، وفي الموطأ وغيره أن ابن عمر أغمي عليه فلما أفاق قضى الصلاة، بينما هناك صحابة آخرون مثل عمار بن ياسر وغيره من الصحابة لما أغمي عليهم قضوا الصلاة، وابن عمر لم يقضِ الصلاة وعمار قضى الصلاة، وكذلك عمران بن حصين. وهذه فقط آثار؛ ليس هناك حديث في المسألة، حديث في الإغماء لا يوجد، لكن هناك آثار مختلفة عن الصحابة، فالعلماء لأجل هذه الآثار اختلفوا.

السبب الثاني: أن الإغماء يتنازعه أصلان؛ فمن جهة أن الإغماء يقع على المكلف بغير اختياره -ليس هناك أحد ينام باختياره، النوم يقع بالاختيار لكن الإغماء لا يقع بالاختيار- فمن جهة أنه يقع على المكلف دون أن يختار، أي مجبراً، هنا يشبه الجنون، ولذلك أهل الحجاز وهم المالكية والشافعية يقولون بعدم القضاء بسبب هذه الجهة. ومن جهة أخرى، أن الإغماء لا يطول؛ ليس مثل الجنون، الجنون قد يعيش مع الإنسان حياته، لكن الإغماء لا يطول، أحياناً يكون يوماً أو يومين أو ثلاثة، ومن هذه الجهة شبهه أهل العراق بالنوم، ولذلك قالوا بأنه يجب عليه القضاء. أهل الحجاز يقولون لا يجب القضاء، وأهل العراق يوجبون القضاء، أهل الحجاز يشبهونه بالجنون فيقولون لا قضاء عليه لأن المجنون لا قضاء عليه، وأهل العراق يشبهونه بالنوم والنائم عليه قضاء.

والذي أراه والله تعالى أعلم أن من عمل بأي قول من هذه الأقوال المتقدمة ليس ملاماً على عمله، سواء عمل بقول أهل الحجاز، لأن قول أهل الحجاز في الحقيقة أقيس، وقول الحنابله أحوط، وقول الحنفية وسط بين القولين. وأنا قلت بأن قول أهل الحجاز أقيس لأمرين؛ الأول: أنه أولى بعدم القضاء من الجنون، لأن المجنون وإن كان غير مكلف إلا أن عقله لم يذهب بالكلية، لا يزال يتكلم ويمشي ويجيب ونحو ذلك، بخلاف المغمى عليه فإن عقله قد ذهب بالكلية ولا يستطيع الكلام ولا يستطيع الحركة. والثاني: أن من عجز عن عمل من أعمال الصلاة يسقط عنه ذلك العمل، من عجز عن القيام يصلي جالساً، من عجز عن الجلوس يصلي مضطجعاً، من عجز عن الإيماء يصلي بقلبه، من عجز عن قلبه وهو المغمى عليه فيسقط عنه ذلك، وهذا مما يؤيد قول المالكية.

وأما قول الحنابله فإني قلت بأنه أحوط؛ لأن الإغماء وإن كان لا يدخل تحت اختيار العبد، إلا أنه لا يتكرر هكذا، وعدم التكرار له أثر في ثبوت الأحكام، ولذلك ثبت قضاء الصوم على الحائض بخلاف الصلاة؛ لأن الصوم لا يتكرر فثبت عليها القضاء، وأما الصلاة لا تقضيها. وقلت بأن مذهب الحنفية وسط بينهما؛ لأنه اعتبر القولين السابقين، فراعى معنى شبه الإغماء بالنوم في القصير، وشبه الإغماء بالجنون في الطويل. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن مسألة الإغماء واختلاف العلماء فيها، وذكرنا آخر ما ذكرنا أن قول الحنفية وسط بين القولين، والحنفية اعتبروا الإغماء القصير موجباً للقضاء ولم يعتبروا الإغماء الطويل، كما اعتبره الحنابله؛ لأن الإغماء الطويل ممكن يغمى على الإنسان أياماً كثيرة وممكن شهراً أو أكثر من ذلك، فإذا أوجبنا عليه الصلاة في ذلك مشقة كبيرة، ونحن نعلم من قواعد الشريعة أن المشقة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع. من هذا الجانب قلنا بأن الحنفية قولهم وسط بين القولين.

هذه المسألة الثانية مما يغطي العقل أو يزيله، قلنا الجنون، ثم الإغماء، والثالث هو النوم. النوم اتفق العلماء على أن الصلاة تجب على النائم ولا تسقط عنه متى استيقظ، إذا استيقظ النائم وجبت عليه الصلاة، وهكذا الناسي؛ لو أن شخصاً نسي الصلاة ثم تذكرها وجبت عليه الصلاة. لكن هناك تنبيه أحب أن أنبه عليه، وهو أن الناس منهم من إذا نام عن الصلاة واستيقظ بعد فوات وقتها، أو نسي الصلاة ولم يتذكرها إلا بعد ذهاب وقتها -مثلاً المغرب أو العصر- نسي الصلاة أو نام عنها صلاة العصر ثم لم يفق إلا بعد غروب الشمس، من الناس من يظن أن قضاء صلاة العصر يكون في اليوم الثاني في نفس الوقت، وهذا من الأخطاء الكبيرة باتفاق أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أنس في الصحيحين: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، وفي رواية أخرى: «ليس لها كفارة إلا ذلك». أي واحد ينسى الصلاة ثم يستيقظ، مثلاً صلاة الفجر لو نام عنها ولم يستيقظ إلا بطلوع الشمس، فعليه أن يصلي مباشرة يبادر للصلاة. وهكذا إذا تذكر صلاة، وتذكرها وهو مثلاً صلاة العشاء فاتته في المسجد فأخرها، قال أصلي في البيت، فذهب إلى البيت ثم نام عنها، لا سمح الله، فاستيقظ مع أذان الفجر، هل يقال له اترك صلاة العشاء إلى العشاء الآخر؟ نقول له لا، صلِّها قبل الفجر، هذا باتفاق أهل العلم وهو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الشرط الخامس، طبعاً هذه أربعة شروط ذكرناها من شروط الصلاة وهي الإسلام والتمييز والعقل والبلوغ، والشرط الخامس هو النية. النية لا بد منها في الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بنية اتفاق أهل العلم، لكن العلماء مختلفون في تكييف النية، ماذا يسمونها؟ هل يسمونها ركناً أم يسمونها شرطاً؟ الحنفية والحنابلة يقولون: النية شرط في صحة الصلاة، والمالكية والشافعية يقولون: هي ركن. المهم أن الجميع متفقون على أن الصلاة لا تصح إلا بنية. طبعاً نحن ذكرنا الفرق بين الركن والشرط، وهو أن الركن يكون في جسم الصلاة، مثلاً الركوع ركن في الصلاة باتفاق لأنه في الصلاة، أما الوضوء لأنه خارج الصلاة -ليس من جسم الصلاة، ليس من ماهية الصلاة- فيقولون عنه شرط. النية يتجاذبها أمران: هل هي خارج الصلاة أو داخل الصلاة؟ الحنفية والحنابلة يقولون هي شرط؛ لأن النية تكون في الصلاة وتكون في الزكاة وتكون في الطهارة، وبالتالي هي ليست من صلب الصلاة، والمالكية يقولون لأنها لا تنفك عن الإنسان في كل صلاته فهي ركن، وهكذا الشافعية. إذاً العلماء كلهم متفقون، بل الإجماع نقله جماعة من أهل العلم على أن الصلاة لا تصح إلا بنية، وذلك لأدلة كثيرة منها قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور حديث عمر بن الخطاب: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، والحديث في الصحيحين. وهذه النية التي يتكلم عنها العلماء يقولون نية التعيين، لا بد من تعيين الصلاة، الصلاة...

هناك صلاة معينة وهناك صلاة غير معينة. الصلاة المعينة لابد أن تعينها بالنية، فلا يكفي مجرد أن تنوي أن تصلي. والصلاة المعينة المقصود بها مثلاً الظهر، العصر، المغرب، هذه الصلوات الخمس هي صلوات معينة، وكذلك الوتر والراتبة. أما النوافل المطلقة، فالذي يريد أن يتنفل ويكثر من النافلة فهذه ليست معينة. فالصلاة المعينة لابد ويجب على المصلي أن يعينها؛ فمثلاً إذا كان المصلي يريد أن يصلي الظهر لابد أن ينوي أنه يصلي الظهر، وإذا كان يريد أن يصلي الوتر لابد أن ينوي الوتر.

لذلك لو شرع شخص في صلاة نافلة، مثلاً جاء وقال أنا أريد أن أصلي نافلة، ثم وهو في أثنائها بدا له أن يغيرها إلى فرض أو إلى وتر؛ مثلاً أراد أن يصلي ركعتين ثم قال لما لا أوتر، هذا في أثناء صلاته، هنا يقول العلماء لا يجوز أو لا تصح. وهكذا لو أراد أن يصلي ركعتين نافلة أو أربع ركعات نافلة ثم قال لما لا أحولها عشاء أو فجراً، العلماء يقولون لا يجوز أن ينتقل المصلي من فرض إلى آخر ولا من نافلة إلى فرض. مثلاً لو بدأ صلاة نافلة ثم بدا له أن يغيرها إلى فرض لا يجوز. وإذا بدأ صلاة، مثلاً لو جاء المصلي إلى المسجد وهم يصلون العصر، وقد صلى الظهر ثم دخل معهم بنية الظهر يظن أنه لم يصلي الظهر، هنا نقول له هذه الصلاة لا تصح منك لأن الظهر قد صليتها، وصلاة العصر لم تنوها عصراً ولم تعينها. إذاً لابد من تعيين النية، هذا هو الشرط الخامس.

لكن هناك مسألة اختلف العلماء فيها، وهذا متفق عليه وهو تعيين النية للصلاة المعينة، لكن هناك اختلاف بين العلماء في بعض الفروع. فمثلاً نية الإمام والمأموم، هل يجب أن تكون نية الإمام ونية المأموم متفقة، أو يجوز أن تختلف نية المأموم عن نية الإمام؟ الجمهور، جمهور أهل العلم غير الشافعية ورواية عن الإمام أحمد، يقولون لا يجوز أن يقتدي المفترض بالمتنفل أو المفترض بمفترض آخر. مثلاً جاء رجل يريد أن يصلي الظهر وهناك رجل في المسجد يتنفل أو يصلي تحية المسجد، هل يجوز لهذا المفترض الذي يريد أن يصلي الظهر أن يأتم بهذا الذي يصلي نافلة؟ الجمهور أكثر العلماء يقولون لا يجوز لأنه لابد من تطابق النية، أو واحد يصلي الظهر وأنا أريد أن أصلي العصر، هل يجوز أن أقتدي به؟ أكثر العلماء يقولون لا يجوز. بينما الشافعي رحمه الله عليه، والإمام أحمد في رواية، يقولون إنه يجوز أن تختلف النيات.

لماذا اختلف العلماء في ذلك؟ سبب اختلاف هؤلاء العلماء في هذين القولين هو اختلاف في أحاديث ظاهرها التعارض. أول هذه الأحاديث وهي مجموعة أحاديث عن أبي هريرة وغيره أن النبي ﷺ قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وهذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وكذلك من حديث أنس، طبعاً آخر الحديث: «فإذا قام فقوموا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون». هذا الحديث يحتج به الجمهور على أنه لابد من تطابق النية، فتكون نيتك كنية إمامك. الحديث الثاني هو حديث معاذ بن جبل وهو في الصحيحين أيضاً، وهذا الحديث معناه أن معاذاً كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ في مسجد النبي ﷺ، ثم يرجع إلى قومه بني سلمة فيصلي بهم العشاء إماماً، فهو يصلي مع النبي مأموماً ويصلي بقومه إماماً.

فالجمهور يقولون حديث أبي هريرة عام يشمل النية ويشمل الأفعال، أي يجب أن تقتدي بالإمام في أفعالك وفي نيتك، ويستثنى من ذلك اقتداء المتنفل بالمفترض؛ من أين هذا الاستثناء؟ قالوا من حديث معاذ، لأن حديث معاذ كان يصلي مع النبي ﷺ متنفلاً، فهو يأتم بالنبي متنفلاً. والائتمام بالمفترض ورد في أحاديث كثيرة منها ما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «كيف أنتم إذا كانت عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟». قلت فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة». معناه أنه يجوز أن تتنفل، هكذا قال الجمهور، ويحملون حديث معاذ أيضاً على هذا المعنى.

أما الشافعي وأحمد في رواية فيقولون حديث أبي هريرة في الأفعال وليس في النية، يعني أنما جعل الإمام ليؤتم به إذا قام فقوموا وإذا جلس فاجلسوا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، والنية لا دخل لها في حديث أبي هريرة. وأما حديث معاذ فهو يبين لنا أن النية يجوز الاختلاف فيها سواء كان مفترضاً أو متنفلاً، بل ويقولون إن معاذاً كان يصلي مع النبي ﷺ الفريضة، لأن الصلاة في مسجد النبي ﷺ بألف صلاة، فمن البعيد أن يصلي معاذ النافلة خلف النبي ﷺ بينما هو يستطيع أن يحصل الفريضة، وبالتالي هو سيصلي مع النبي الفريضة ويصلي بقومه متنفلاً فيكون لهم إماماً، وهذا يقتضي أن المفترض يجوز له أن يصلي خلف المتنفل. وفي الحقيقة هذا المذهب، وهو مذهب الشافعي وأحمد في رواية، هو الأقوى عند كثير من المحققين منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه.

الشرط السادس هو استقبال القبلة؛ اتفق العلماء على أنه شرط من شروط صحة الصلاة، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]. ومعناه جهته أو ناحيته. وهذا الشرط يستثنى منه بعض الأحوال فلا يشترط فيها استقبال القبلة؛ كصلاة الخوف في بعض الأحيان، وصلاة المسايفة، وصلاة المصلوب الذي صلب على شيء فصلب إلى غير القبلة، فهذا يصلي أينما صلب، وصلاة الغريق الذي لا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة؛ فمن أهمية الصلاة حتى الغريق يقولون له لابد أن يصلي في وقت الصلاة ولو كان إلى غير القبلة، وصلاة النفل في السفر المباح، فالمسافر في سفر مباح يجوز له أن يتنفل إلى غير القبلة، ونحو ذلك من الأشياء التي يذكرها العلماء.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.