الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا فيما مضى عن شروط الصلاة، فتكلمنا عن الإسلام وعن التمييز وعن العقل وعن النية وعن استقبال القبلة، وعن شرط الوقت وتكلمنا في جزء من شرط الوقت، فتكلمنا عن أوقات الصلوات، ومن ذلك وقت صلاة الظهر ووقت صلاة العصر، وانتهينا إلى وقت صلاة المغرب.
وقت صلاة المغرب اتفق العلماء على أن أول وقتها هو غروب الشمس، واختلفوا هل لها وقت موسع أو لها وقت واحد. فذهب جمهور أهل العلم إلى أن المغرب وقتها يمتد إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو قول الجمهور، وأما الحنفية فيقولون يمتد إلى مغيب الشفق الأبيض، والمالكية يقولون بأنه ليس للمغرب إلا وقت واحد تفعل فيه وليس لها وقت موسع. والسبب في اختلافهم هو اختلافهم في حديثين وردا في هذا المعنى أو في وقت المغرب.
الحديث الأول حديث جبريل الذي تكلمنا عنه في الأوقات الماضية، فإنه ذكر المغرب ولم يذكر لها إلا وقتا واحدا، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل في اليوم الأول ثم جاءه في اليوم الثاني وصلى في نفس الوقت. الحديث الثاني حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في صحيح مسلم، وفي هذا الحديث قال: «ووقت المغرب ما لم يغب الشفق»، معناه أنه وسع وقت المغرب إلى مغيب الشفق. والقول الذي يمكن أن يجمع بين هذين الحديثين أن يحمل حديث جبريل على الاستحباب، أي يستحب أن تكون صلاة المغرب عند غروب الشمس، وأما حديث عبد الله بن عمرو فيحمل على الجواز، أي أنه يجوز تأخيرها إلى ما قبل مغيب الشفق الأحمر، هذا الذي يمكن أن يجمع بين الحديثين وبالتالي يجمع بين أقوال أهل العلم.
المسألة الخامسة من مسائل أوقات الصلوات، كنا تكلمنا عن المسألة الأولى وقت صلاة الظهر، ثم الثانية وقت صلاة العصر، ثم الثالثة وقت صلاة المغرب، والرابعة وقت صلاة العشاء. وقت العشاء يبدأ بعد مغيب الشفق، ليس بينهم خلاف في ذلك، إلا أن الشفق اختلفوا فيه كما اختلفوا فيه في المغرب. القول الأول أن المراد بالشفق الأبيض أو البياض في الأفق، هذا قول الحنفية؛ لأن الحنفية يقولون إن المغرب يمتد إلى مغيب الشفق الأبيض، وبالتالي بعده يكون وقت العشاء؛ فوقت العشاء إذا غاب الشفق الأبيض. والجمهور ما دام أنهم قالوا في المغرب إنه إلى مغيب الشفق الأحمر فيقولون وقت العشاء بعد مغيب الشفق الأحمر، هذا مذهب جماهير أهل العلم، ومعهم الإمام مالك، ومعهم صاحب أبي حنيفة محمد بن الحسن، وأبو يوسف القاضي.
السبب في اختلافهم هو اختلافهم في فهم بعض الأحاديث، وذلك أنه ورد حديثان متعارضان في الظاهر. الحديث الأول هو ما أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث عروة بن الزبير عن حديث إمامة جبريل، وحديث إمامة جبريل رواه جماعة من الصحابة، ورواه أيضا عروة بن الزبير، وفيه قال: ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس. أي يصلي العشاء حين يسود الأفق معناه حين يغيب الشفق الأبيض، وهذا الحديث يعتبر حجة للإمام أبي حنيفة، إلا أن هذا الحديث فيه ضعف بل هو منكر؛ لأنه من رواية أسامة بن زيد بن أسلم عن الزهري، وقد روى هذا الحديث عن الزهري جماعة من أصحابه كمعمر وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس، ولم يذكروا فيه هذا الكلام عن الوقت أو عن مغيب الشفق أو عن اسوداد الأفق، بل ذكروا أن جبريل جاء وأم النبي صلى الله عليه وسلم خمس مرات، وأما تحديد الأوقات فلم يحدد أحد منهم عن الزهري الوقت إلا أسامة بن زيد وهو ضعيف، وقد خالف هؤلاء الحفاظ الكبار فحديثه لا يحتج به.
الحديث الثاني الذي يحتج به الجمهور وهو ما أخرجه البخاري رحمه الله من حديث عائشة وفيه: وكانوا يصلون العتمة، والعتمة هي العشاء، كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. طبعا هنا لم يذكر الشفق الأحمر ولا الأبيض، لكن قال إلى ثلث الليل الأول. وفي رواية في الصحيحين قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العشاء إلى ثلث الليل الأول، وهذا الحديث يعتبر حجة للجمهور، ووجه الدلالة منه أنه لو كان المقصود بالشفق هنا الشفق الأبيض لما صح أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العشاء إلى ثلث الليل الأول؛ لأن الشفق الأبيض يبقى مدة، فإذا غاب الشفق الأبيض فقد بدأ ثلث الليل. فالنبي ورد عنه أنه يؤخر العشاء إلى ثلث الليل الأول، فمعناه أن ما قبل ثلث الليل الأول وقت للعشاء، والذي قبل ثلث الليل الأول هو ما بعد مغيب الشفق الأحمر، فهذا يدل على مذهب الجمهور وهو الأقوى فيما يظهر والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة التي بعد هذه هي نهاية وقت العشاء، أجمع العلماء على أن وقت العشاء لا يفوت إلا بطلوع الفجر، فمن صلى قبل طلوع الفجر فقد أدرك العشاء، ومن صار أهلا لوجوبها قبل طلوع الفجر لزمته العشاء. لكن ما هو وقت الاختيار؟ ما هو الوقت المستحب المختار عند العلماء؟ هذا فيه خلاف بين العلماء على قولين. القول الأول أنه إلى ثلث الليل الأول، والقول الثاني أنه إلى نصف الليل، وهذان القولان موجودان في المذاهب الأربعة. والسبب في الاختلاف في الترجيح هل هو إلى ثلث الليل وقت الاختيار أو إلى النصف، هو اختلاف بين حديثين؛ حديث إمامة جبريل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء في اليوم الثاني إلى ثلث الليل، وحديث عبد الله بن عمرو الذي في صحيح مسلم فيه: «ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط»، وفي رواية في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العشاء إلى شطر الليل. والجمع بين هذين الحديثين أن يقال بأن الاختيار والاستحباب هو إلى ثلث الليل، وأما ما بعد ثلث الليل إلى النصف فهو وقت الجواز، وما بعد النصف هو وقت الضرورة.
هذا ما يتعلق بصلاة العشاء. أما المسألة التي بعدها وهي وقت صلاة الفجر، وعادة العلماء يبدأون بصلاة الظهر ثم ينتهون بصلاة الفجر. صلاة الفجر اتفق العلماء على أن أول وقتها هو طلوع الفجر الصادق، والفجر الصادق هو المعترض في الأفق. ورد في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا». ففي بعض الروايات أن النبي أشار للمستطيل؛ أي العمودي يظهر في آخر الليل بياض مثل العمود، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا البياض لا يغرنكم حتى يستطير فيعترض. ولذلك قال في رواية أخرى: «ليس المستطيل ولكن المعترض». فهذا هو بداية وقت الفجر.
اتفق العلماء على أن آخر وقت الفجر هو طلوع الشمس لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». إذا هم اتفقوا على أول وقت الصبح واتفقوا على آخر وقت الصبح، أول وقته طلوع الفجر الصادق وهو البياض المستطير المعترض، وآخر وقت صلاة الفجر هو طلوع الشمس. لكنهم اختلفوا في المستحب أو المختار أو الأفضل لصلاة الفجر، هل هو في أول الوقت أم في آخر الوقت؟ على قولين من أقوال العلماء. القول الأول وهو قول الجمهور أن التغليس بالفجر في أول وقتها أفضل. والقول الثاني وهو قول الحنفية أن الإسفار بها جدا أفضل.
سبب اختلافهم هو اختلاف في الجمع بين حديثين، بل أحاديث. الحديث الأول الذي يستدل به الجمهور هو حديث عائشة في الصحيحين قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن ولا يعرفن من الغلس. وفي صحيح البخاري أيضا من حديث سهل بن سعد قال: كنت أتسحر في أهلي السحور، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي مجرد ما أنتهي من السحور يا دوب أني أدرك الصلاة أو لا أدركها مع النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن النبي كان يصلي الصلاة في أول وقتها؛ لأن بعد السحور مباشرة يدخل وقت صلاة الفجر، فهو بعد ما ينتهي من سحوره يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكاد يدرك الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم. هذا حجة الجمهور.
الحديث الذي يحتج به الحنفية هو ما رواه الخمسة من حديث رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر»، وهذا حديث صحيح صححه الترمذي وغيره من العلماء. هذا الحديث حجة للحنفية: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر». الحنفية يقولون هذا الحديث خاص، وحديث عائشة فعل، فنقدم هذا الخاص على الفعل. والجمهور يقولون لا، حديث عائشة هو ديدن رسول الله وفعله المستمر، وأما حديث رافع فالمقصود منه التأخير عن أول الوقت قليلا، ليس المقصود منه الإسفار جدا إلى قرب طلوع الشمس، فالجمهور يجمعون بهذه الطريقة والحنفية يجمعون بتلك الطريقة. وقول الجمهور فيما أحسب أقوى؛ لأن الإسفار في الحقيقة درجات، وبعض الغلس قد يسمى إسفارا، والإسفار جدا إسفار، فالأمر درجات، فحديث رافع بن خديج محتمل، وأما حديث عائشة وغيره من الأحاديث وفعل كثير من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغلس بصلاة الفجر. نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تحدثنا فيما قبل الفاصل عن بعض الأوقات، تكلمنا عن وقت صلاة المغرب ووقت صلاة العشاء ووقت صلاة الفجر، وبذلك نكون قد أتممنا الكلام عن أوقات الصلوات. لكن بقي هناك بعض المباحث المتعلقة بالوقت وهي في الحقيقة كثيرة، لكن أشير إليها بإيجاز. هناك عدة أحاديث تتكلم عن الوقت، فمثلا هناك أحاديث عن استحباب تأخير الظهر عند شدة الحر، منها حديث البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل. وأيضا روي في الصحيحين بل في الجماعة من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم».
ومن ما يتعلق بالوقت أيضا ذم من أخر صلاة العصر إلى قبيل المغرب، وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث، منها ما في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله إلا قليلا»، يعني يصليها بشكل سريع عند مغيب الشمس.
ومن تلك الأخبار أيضا وجوب قضاء الفائتة فورا، من فاتته الصلاة عليه أن يقضيها فورا، وقد ورد في ذلك حديث، وأشرنا إلى الكلام عنها في بعض الحلقات الماضية، من ذلك حديث أنس بن مالك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». وفي صحيح مسلم: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]».
ومن تلك الأحاديث الأحاديث الدالة على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، يعني من فاتته صلوات وأراد أن يصليها فعليه أن يقضيها مرتبة، مما يدل على ذلك ما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش ويقول: يا رسول الله، ما كنت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب؛ يعني أنه صلى العصر قبل غروب الشمس فهو يتحسر ويسب كفار قريش لأنهم جعلوه يؤخر الصلاة بسبب القتال إلى قرب مغيب الشمس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما صليتها»، يعني غابت الشمس والنبي لم يصل العصر، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم وتوضأ الصحابة فصلوا العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلوا بعدها صلاة المغرب. وفي مسند أحمد، ولعل هذا.
في يوم آخر من أيام حرب الخندق، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حبسنا الكفار عن الصلاة يوم الخندق حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل. قال: فكفينا كفار قريش عند ذلك، وذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25].
قال: فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا، فأقام الظهر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام لصلاة العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها صلى الله عليه وسلم في وقتها، ثم أمره فأقام صلاة المغرب فصلاها كذلك. وقال الصحابي: إن ذلك حدث قبل نزول صلاة الخوف. صلاة الخوف لم تنزل إلا بعد الخندق، صلاة الخوف نزل بها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]. لا ينبغي لأحد أن يؤخر الصلاة حتى في الحرب، إن خفتم فتصلوا رجالًا؛ أي على أرجلكم، أو ركبانا على ظهور الإبل أو الخيل. وأما قبل نزول صلاة الخوف فصلاها النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة؛ صلى الظهر أولًا، ثم العصر، ثم المغرب، وكلها كانت بعد صلاة المغرب.
هذا مما يتعلق بالوقت، وهناك مسألة أخرى تتعلق بالوقت، وهي: هل لهذه الصلوات أوقات ضرورة؟ نحن علمنا بداية كل وقت ونهايته، وعلمنا المستحب من هذه الأوقات، فهل هناك أوقات للضرورة؟ العلماء جمهور الفقهاء يقولون بأن هناك أوقات ضرورة. وصلاة الظهر والعصر عندهم لها وقت ضرورة يمتد إلى غروب الشمس، وهذا قول الجمهور، إلا الحنفية؛ الحنفية يقولون: هذا الوقت الذي بعد العصر هو وقت للعصر فقط، يختص بصلاة العصر ولا تدخل فيه صلاة الظهر. وهكذا المغرب والعشاء؛ الجمهور يقولون يمتد وقتهما وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الصادق، وأما الحنفية فيقولون: هو وقت يختص بصلاة العشاء.
طبعًا ينبني على تحديد أوقات الضرورة الخلاف بين هؤلاء الفقهاء في بعض المسائل؛ مثلًا الحائض إذا طهرت في هذه الأوقات التي تسمى أوقات الضرورة، وجبت عليها الصلاتان عند من يجعلون الوقت للصلاة وهم الجمهور. فمثلًا إذا طهرت قبل غروب الشمس بمدة في وقت الضرورة، وجبت على الحائض أن تصلي الظهر والعصر، وهكذا إذا طهرت قبل الفجر وجب عليها أن تصلي المغرب والعشاء؛ هذا عند الجمهور. وأما عند الحنفية فيقولون: يجب عليها بالنسبة لما قبل المغرب صلاة العصر، وبالنسبة لما قبل الفجر صلاة العشاء فقط. وهكذا الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، هل يجب عليه صلاة أو يجب عليه صلاتان في هذه الأوقات؟
أيضًا من المسائل المتعلقة بالأوقات؛ الأوقات المنهي عن الصلاة فيها. وقد ورد في هذه المسألة أحاديث، منها ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس». وأيضًا ورد مثل هذا الحديث في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب، وكذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم الجميع.
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث عمر بن عبسة، وقد تكلمنا عنه في فضل الوضوء سابقًا، قال: قلت يا نبي الله، أخبرني عن الصلاة. قال: «صلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل الرمح -يعني يكون تحت الرمح-. ثم أقصر عن الصلاة؛ فإنها حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلي، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار».
هناك ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع -حين تكون في الأفق تبدأ في الطلوع، هذا لا يجوز الصلاة فيه إلى أن ترتفع- وحين يقوم قائم الظهيرة -حين تكون الشمس في كبد السماء- وحين تضييف الشمس للغروب حتى تغرب. هذه الأوقات لا يجوز الصلاة فيها.
وقد ورد أيضًا في مسند أحمد وسنن أبي داوود من حديث يسار مولى ابن عمر، أنه قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد ما طلع الفجر -هذا وقت آخر، وهو وقت قبل الفجر بعد طلوع الفجر- فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الساعة فقال: «ليبلغ شاهد غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين»؛ يعني الركعتين اللتين قبل الفجر. وهذه المسألة خلافية؛ من العلماء من يجوز الصلاة بعد الأذان وقبل إقامة الصلاة، ومنهم من يكره ذلك، وهذا حجة لمن يكرهون ذلك.
طبعًا هناك رخصة في بعض الصلوات في هذه الأوقات؛ من المعلوم أن الشافعي رحمه الله عليه وسع الرخصة، فيجعل الرخصة لكل ذوات الأسباب؛ فمن جاء بعد العصر إلى المسجد يريد أن يصلي ركعتين تحية المسجد يجوز له، بينما الجمهور يقولون لا يجوز، الجمهور يجوزون بعض الصلوات فقط. فمن الرخصة ما جاء في السنن الأربعة إلا سنن ابن ماجه، وكذلك في المسند عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف. فلما قضى صلاته النبي صلى الله عليه وسلم انحرف، فإذا هو برجلين في أخريات القوم لم يصليا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «علي بهما»، فجيء بالرجلين وهما خائفان، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقال يا رسول الله: إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تفعلا؛ إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة». الشاهد هنا في هذا الحديث أن النبي صلى الفجر مع أنه نهى في الأحاديث السابقة عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وقال لهذين: «صليا معنا نافلة»، فجوز لهما إعادة الصلاة إذا أقيمت. إذاً إعادة الصلاة جماعة جائزة في الأوقات المنهي عنها.
كذلك من الأحاديث الدالة على الرخصة ما في صحيح مسلم من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار». إذاً ركعتا الطواف يجوز أن تصليها في أي ساعة من ساعات الليل أو ساعات النهار، سواء كانت منهي عنها أو ليس منهي عنها، وهذا الحديث احتج به الإمام أحمد على أنه يجوز ركعتا الطواف في أوقات النهي.
هذا غالب ما يتعلق بمسألة الوقت، وذكرنا الشروط التي قبلها. الشرط الأخير أو هناك شرطان آخران، منها ستر العورة. ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة، وفي هذا الشرط مسائل؛ المسألة الأولى أن العلماء اتفقوا على أن ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة عند القدرة عليها، إلا المالكية فإنهم اختلفوا هل هو شرط أم واجب. طبعًا الخلاف بين المالكية هل هو شرط أو واجب ينبني عليه حكم؛ إن كانت واجبة صحت صلاة من لم يستر عورته ووجب عليه الإعادة في الوقت، لكن إذا ذهب الوقت لم يجب عليه الإعادة وكان آثمًا إن كان متعمدًا. وإن كانت شرطًا عندهم -وهو قول الجمهور- فإن الصلاة لا تصح بدون ستر العورة، وعليه أن يعيد لو صلى وهو عار مثلًا وهو قادر على ذلك، عليه أن يعيد ولو كان خارج الوقت في أي وقت شاء.
الدليل على أن ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة قول الله تبارك وتعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]. وكذلك ما ورد في الحديث في السنن الأربعة إلا سنن النسائي، وكذلك في المسند من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». ولذلك أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يصلي عريانًا وهو قادر على ما يستر به عورته، وإذا صلى مع قدرته على ستر العورة اتفق العلماء على أن صلاته باطلة وليست بصحيحة.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري