الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة. كنا تكلمنا في آخر الحلقة الماضية عن ستر العورة، وأنه شرط من شروط صحة الصلاة، وسنكمل في هذه الحلقة بعض ما يتعلق بهذا الشرط.
العورة لها حد، العلماء تكلموا في حد العورة بالنسبة للرجل وحد العورة بالنسبة للمرأة. فبالنسبة للرجل اتفق جمهور العلماء على أن العورة التي يشترط سترها في الصلاة هي ما بين السرة إلى الركبة. والمالكية يخالفون في ذلك؛ فإنهم يقولون: إن العورة التي يشترط سترها هي العورة المغلظة، والمقصود بها السوأتان، وأما غير المغلظة فسترها واجب وليس بشرط، فإذا صلى مثلاً مكشوف العورة عالماً عامداً كان عاصياً آثماً، إلا أن صلاته صحيحة.
وأما بالنسبة للمرأة فعورتها، اتفق أهل العلم على أن وجهها ليس بعورة في الصلاة، باتفاق أهل العلم. واختلفوا في يديها وقدميها؛ فالجمهور يقولون، وهي رواية عن الإمام أحمد، أن اليدين أيضاً ليست بعورة. وأما القدمان فالقدم عورة عند الجمهور في الصلاة، واليدان والوجه ليس بعورة. وأما القدمان فعورتها، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله عليه يقول بأن القدمين أيضاً ليست بعورة، وأحمد قال بأن اليدين عورة في الصلاة أيضاً. إذاً هناك أربعة أقوال: القول الأول هو أن العورة في الصلاة ما عدا وجهها ويديها، والقول الثاني ما عدا وجهها فقط، والقول الثالث ما عدا وجهها ويديها وقدميها، وهو قول الحنفية أو الإمام أبي حنيفة رحمه الله عليه.
المسألة الثالثة: إذا انكشف شيء من العورة في الصلاة، ما الحكم؟ الجمهور يذهبون إلى أن انكشاف شيء من العورة دون تعمد من المصلي أن ذلك لا يبطل صلاته، بينما الشافعية يقولون إن صلاته باطلة. والسبب في اختلافهم اختلافهم في الجمع والترجيح بين بعض الأحاديث في هذا الباب؛ فالشافعية يحتجون مثلاً بحديث عائشة المتقدم، وهو في الخمسة إلا النسائي: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». فيقولون: هذا الحديث يدل على أن ستر العورة شرط، وإذا ثبت أن ستر العورة شرط فلا فرق بين القليل ولا بين الكثير، ولا بين الرجل ولا المرأة، لا نفرق بين هؤلاء إلا بدليل.
والجمهور يقولون: نحن نوافق، إلا أن هناك ما يخصص انكشاف القليل من العورة، ففي الصحيحين، أو فيما رواه الشيخان من حديث سهل بن سعد قال: لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم مثل الصبيان من ضيق الأزر خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال. يعني معناه حتى يرفع الرجال، لئلا ترون ما ينكشف من عورة الرجال؛ أفخاذ الرجال بسبب اشتداد الإزار عليهم وارتفاعه. هذا الحديث يدل على ما ذهب إليه الجمهور من أنه متى بان شيء من العورة بغير قصد أن الصلاة لا تبطل. والشافعية يمكن أن يجيبوا عن هذا الحديث بأن هؤلاء صحت صلاتهم بسبب عدم قدرتهم على ستر عوراتهم، وبالتالي إذا انكشف شيء من العورة مع عدم القدرة كهؤلاء فهذا لا تبطل صلاتهم. وأما الجمهور فيحملون هذا الحديث على أنه انكشاف بغير قصد، وبالتالي كلام الجمهور فيه شيء من السعة بخلاف كلام الشافعية.
ما هو القدر الذي إذا انكشف تبطل به الصلاة أو لا تبطل؟ هذا القدر الذي لا تبطل الصلاة معه عند انكشافه عند الجمهور مختلف فيه، فمنهم من يقول ربع العضو وهم الحنفية، ومنهم من يقول الانكشاف اليسير أو الكثير في الزمن اليسير؛ يعني إذا انكشف انكشافاً يسيراً ولو طال الزمن، أو انكشف انكشافاً كثيراً مع قصر الزمن، وهؤلاء هم الحنابلة يقولون هذا لا يبطل الصلاة. وأما المالكية فعندهم أقوال غير هذه الأقوال المتقدمة، لكن التفاصيل في كلام العلماء يحتاج إلى الرجوع إلى الكتب المطولة، وفيه كثير من المسائل.
بقينا في شرط آخر من شروط الصلاة، وهو شرط الطهارة. وقدمنا في الكلام عن الطهارة أن الطهارة نوعان: طهارة حدث وتكلمنا عنها، عن الوضوء والغسل -أو الوضوء وتركنا الكلام عن الغسل وأحلنا إلى الكتب-. والطهارة الثانية طهارة الخبث؛ إذاً عندنا طهارة حدث وهي الوضوء والغسل والتيمم، وطهارة خبث، وهي أيضاً الكلام فيها كثير، لكن المراد هنا هو طهارة البدن وطهارة الثوب وطهارة المكان من سائر النجاسات. وهذه الطهارة اتفق العلماء على أنها شرط من شروط صحة الصلاة، فمن صلى عامداً بالنجاسة، وهو يعلمها في بدنه أو ثوبه أو على الأرض التي صلى عليها، وهو قادر على إزاحتها أو قادر على اجتنابها أو قادر على غسلها لكنه لم يفعل، وكانت هذه النجاسة كثيرة، اتفق العلماء على أن صلاته باطلة، وأن عليه إعادتها كالشخص الذي لم يصلِّها.
واستدل العلماء بأدلة، من ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجلين أنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير: «أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول، أو لا يستتر من البول»، وهذا الحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس.
هذا الشرط، الذي هو اجتناب النجاسة، فيه عدد من المسائل، من تلك المسائل أنه إذا صلى المصلي وبعد فراغه من الصلاة رأى في ثوبه نجاسة ولم يعلم هل هذه النجاسة كانت في ثوبه أثناء الصلاة أم لا. هذه مسألة؛ صلى وقام يصلي وبعد صلاته، بعد أن فرغ من صلاته، رأى في ثوبه نجاسة، لكنه ليس متأكداً أن هذه النجاسة صلى بها تلك الصلاة؛ لعلها حدثت بعدما صلى، يعني أنها حادثة لم تكن في أثناء الصلاة، لم يصلِّ بها صلاته أو لم يصلِّ بذلك الثوب وهو متنجس. هذه الصلاة ما الحكم إذا لم يتأكد أنه صلى بها؟ جمهور العلماء، بل هو اتفاق من العلماء، على أن صلاته صحيحة ما دام أنه ليس متيقناً أنه صلى بها بهذه النجاسة في صلاته.
المسألة الثانية: لو تأكد أنه صلى بها، يعني هو صلى وبعد فراغه من صلاته رأى بثوبه أو رأى ببدنه نجاسة وتأكد أنه صلى هذه الصلاة بتلك النجاسة، هل صلاته باطلة أم ليست ببطلة؟ يعني هو تأكد أنها في ثوبه أو في بدنه، سواء كان قد علم بها سابقاً؛ يعني هو كان يعلم أن هذه النجاسة موجودة في ثوبه لكنه نسي، أو لم يعلم بها لكنه متأكد أنه صلى بهذه النجاسة. هذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول يعيد الصلاة، وهو قول الشافعية والحنابلة. القول الثاني لا يعيد الصلاة، وهو قول المالكية، ولعل وأظنه قول الحنفية، وهذا القول الأخير في نظري، والله تعالى أعلم، قوي جداً؛ لأن عليه دليلاً، وهو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: «ما حملكم على خلع نعالكم؟» قالوا: يا رسول الله، رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، قال: «فإن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً». في هذه النعل قذر. هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أثناء صلاته خلع نعليه؛ معناها أنه صلى جزءاً من صلاته بهذه النعل وفيها شيء من القذر. لكن الذين يمنعون صحة الصلاة يقولون القذر غير النجاسة، القذر أخف، ونحن لا نعلم هل هي نجاسة أم لا، لكن قول الذين يقولون بأنه إذا لم يعلم بالنجاسة أن صلاته صحيحة يساعده هذا الحديث فيما أحسب، والله تعالى أعلم.
المسألة الأخرى: إذا علمنا بأن إزالة النجاسة عن بدن المصلي وثوبه ومكانه شرط أو واجب، هل يستثنى من ذلك شيء؟ يعني هل هناك مستثنيات؟ نحن نعلم أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة أو واجب على قول المالكية، هل هناك استثناءات؟ يعني هل هناك شيء من النجاسات يجوز للمصلي أن يصلي وهي به؟ أو هل هناك شيء من النجاسات لا تبطل بها الصلاة؟ نعم، العلماء متفقون على أن هناك من النجاسات ما يعفى عنه، والسبب في العفو عنه قلته أو المشقة في التحرز منه؛ مثل الذباب إذا وقع على نجاسة ثم وقع على الإنسان، أو مثل الاستجمار، بقية ما يبقى في المحل بعد الاستجمار، هذا العلماء يقولون يعفى عنه دفعاً للحرج والمشقة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. وتعداد المعفو عنه من النجاسات في المذاهب فيه تفصيل كثير في الحقيقة يطول ذكره، لكنهم يذكرون أمثلة أو ممكن أن نذكر بعض الأمثلة؛ من تلك الأمثلة الدم الذي يصيب ثوب الجزار، وهكذا ما يحمله الذباب ونحو الذباب من النجاسات فيقع على البدن أو يقع على الثوب، وهكذا ما يكون من الدم في عروق اللحم عند الطبخ، ففي أشياء يذكرها أهل العلم في كتبهم، يحتاج الناظر في ذلك أن يرجع إلى تلك الكتب المطولة ليقف على ما يذكرونه، وهي دقائق كثيرة جداً من النجاسات المعفو عنها، يحسن في الحقيقة الاطلاع عليها. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل، أو أنهينا الشروط التي تصح معها الصلاة، أو الشروط التي تشترط لصحة الصلاة، وكان آخر ما تكلمنا عنه شرط اجتناب النجاسة. نبدأ بعد هذا الفاصل بموضوع جديد، ولكنه يتعلق بشيء من تلك الشروط وهو يتعلق بشرط الوقت، وهو الأذان. الأذان لا يمكن أن يؤذن إلا بعد دخول الوقت، إلا صلاة الفجر، فالعلماء جوزوا أن يؤذن لها قبل دخول الوقت.
الأذان له فضل عظيم في الشريعة الإسلامية، الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن وذكره النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في الأحاديث. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. فالمؤذنون داخلون في هذه الآية؛ لأنهم يدعون إلى الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. ولذلك جاء في الصحيحين الإشادة بالمؤذن، ففي حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه». لو يعلمون ما في النداء من الأجر العظيم، النداء الذي هو الأذان؛ يعني لو أردنا أن نقرب المسألة بشيء مادي أو دنيوي، لو قيل للناس: يُعطى على الأذان مثلاً ألف كذا وكذا ألف دولار أو ألف ريال أو أكثر من ذلك، ستجد الناس أنهم يقتتلون على الأذان، كل يريد أن يؤذن؛ لو كل أذان يحصل عليه مبلغ من المال طائل فستجد الناس يقتتلون أيهم يؤذن، ويستهمون على الأذان. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه»، يعني يضعوا القرعة والسهم لاستهموا عليه.
وأيضاً في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أن أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال له: إني أراك تحب الغنم وتحب البادية، فإذا كنت في غنمك أو كنت في باديتك فأذّن للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعت هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً في صحيح مسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»، يعني معناها أنهم أرجى الناس ثواباً، أو من أعظم الناس رجاءً للثواب ورجاءً للخير عند الله سبحانه وتعالى. وكذلك في سنن أبي داود وسنن النسائي، بل وفي المسند أيضاً من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل»، شظية بجبل معناها قطعة مرتفعة من جبل، إن الله أو ربكم يعجب من صاحب غنم أو راعي غنم في رأس شظية بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، ثم بعد ذلك يصلي، فيقول الله سبحانه وتعالى: انظروا إلى عبدي يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت له وأدخلته الجنة بسبب أذانه وحده في هذه البرية أو في هذا الجبل.
ووردت الأحاديث الكثيرة في فضل الأذان، وورد بل في أنه شعيرة من الشعائر العظيمة، عدة أحاديث منها ما رواه الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان». معناه أن الأذان ينبغي أن يقيموا الأذان. ولذلك العلماء اختلفوا: هل هو واجب أم سنة مؤكدة؟ لكن مع اختلافهم كلهم يقولون بأن الصلاة تصح ولو لم يؤذن؛ يعني إذا الإنسان لم يؤذن ولم يقم الصلاة فصلاته صحيحة، لكن.
الأذان شعيرة من الشعائر؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر في الصحيحين من حديث مالك بن الحويرث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم». الإمام يكون الأكبر، والمؤذن يكون أحدكم، وفي الغالب أن يكون حسن الصوت. هذا هو المقدم أو المستحب. هذه الفضائل التي وردت في الأذان في الحقيقة كثيرة جداً، لكن هذه الأحاديث تكفي في معرفة أن الأذان شعيرة عظيمة ينبغي ألا يفرط فيها المؤمن متى وجد إليها سبيلاً.
الأذان له بداية؛ أول ما بدأ الأذان بدأ في المدينة المنورة. في الصحيحين من حديث أنس قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، أي يجعلون هناك علامة لوقت الصلاة، فذكروا أن يوقدوا ناراً، صار بينهم تشاور هل يوقدون ناراً أو يضربون ناقوساً. قال: فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. خلص رأيهم إلى أن يؤمر بلال بالأذان. طبعاً هذا الحديث فيه شيء من الاختصار، وقد جاء مطولاً في روايات أخرى في مسند أحمد وفي سنن أبي داوود وكذلك سنن الترمذي من رواية عبد الله بن زيد بن عبد ربه، قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به الناس لكي يجمعون الناس على الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى.
قال: تقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله». هكذا قال الأذان. قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: «الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله».
قال عبد الله: فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك». قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه، وبلال يؤذن به. قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه مسرعاً ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «فلله الحمد، فذلك أثبت». هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد كما ذكرت، وكذلك أبو داوود والترمذي، وقال الترمذي فيه حديث حسن صحيح. هذا كان بداية الأذان، أنه تشاور الصحابة ثم هداهم الله إلى أن رأى رؤيا عبد الله بن زيد بن عبد ربه، فابتدئ بعد ذلك بالأذان، وهو من خصائص هذه الأمة المحمدية.
الأذان أيضاً له أنواع، وهذا مما لا يعلمه كثير من الناس؛ الناس يظنون أن الأذان هو نوع واحد، الحقيقة أن الأذان ورد بأنواع متعددة. النوع الأول من أنواع الأذان هو تربيع التكبير، أن يكبر أولاً أربع مرات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. ثم يثني الشهادتين، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله؛ هذه أربع شهادات والتكبير أربع. ثم يثني الحيعلتين فيقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح؛ هذه أربعة أيضاً صار العدد اثنتي عشرة، ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، يثني التكبير، هذه صارت أربع عشرة، ثم يقول مرة واحدة يختم بالتهليل المفردة: لا إله إلا الله. عدد جمل هذا الأذان خمس عشرة جملة.
هذا النوع من الأذان هو المشهور المنتشر في كثير من ديار المسلمين اليوم، وقد ورد هذا النوع من الأذان في بعض روايات حديث عبد الله بن زيد صاحب الرؤية في المسند وسنن أبي داوود وسنن ابن ماجه، وقد تقدمت روايتها التي ذكرناها. ورد أيضاً هذا النوع من الأذان في حديث أبي محذورة في الخمسة إلا الترمذي، وذكر الحافظ بن عبد البر أن هذه الأحاديث كلها محفوظة صحيحة. وهذا الأذان أيضاً هو أذان أصحاب علي بن أبي طالب في الكوفة وأصحاب عبد الله بن مسعود والعراقيين، وهو متوارث عندهم معمول به قرناً بعد قرن، وهو مذهب الحنفية ومذهب الحنابله.
النوع الثاني من الأذان هو مثل النوع الأول إلا أن فيه زيادة الترجيع، والترجيع معناه هو أن يثني الشهادتين أولاً بصوت خفي، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، بصوت خفي، ثم يثنيهما مرة أخرى بصوت عالٍ مرتفع فيسمع الناس. ففي هذا النوع من الأذان زيادة أربع جمل، فإذا كان الأول خمس عشرة جملة، صارت الجمل تسع عشرة جملة. هذا النوع من الأذان هو أذان المكيين، وهو متوارث في مكة قرناً بعد قرن، وهو مذهب الشافعي.
وقد ورد بهذا النوع من الأذان أحاديث منها حديث أبي محذورة في الخمسة وفيه قصة، قال: خرجت في نفر من أصحابي، فكنا ببعض الطريق مقفل النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة، فسمعنا صوته ونحن مدبرون، فظللنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم الصوت، فأرسل إلينا حتى وقفنا بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟» فأشار القوم كلهم إلى أبي محذورة، وصدقوا أنه صوته الذي كان مرتفعاً.
فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم وحبس أبا محذورة عنده، وكان قد أعجبه صوته، وصوت أبي محذورة معروف أنه جميل. أبو محذورة قال: لما سمع النبي صوتي قال له: «قم فأذن بالصلاة»، فقام أبو محذورة وألقى عليه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه، قال: «قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: ارجع فامدد بها صوتك»، الشهادتين قلها بصوت منخفض ثم امدد بها صوتك وارفعه وقل: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله». قال: ثم دعاني حين قضيت الأذان، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، فقلت له: يا رسول الله، مرني بالأذان في مكة، فقال: «قد أمرتك به»، فصار هو مؤذن مكة المكرمة، وأذان أبي محذورة مشهور في مكة. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري