دخولتسجيل الدخول

الحلقة 17

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام. كنا قد ذكرنا في الحلقة الماضية شيئاً من الكلام عن الأذان؛ فذكرنا فضل الأذان، وذكرنا فيه بعض الأحاديث، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذن للصلاة، فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة».

وذكرنا أيضاً حديث: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»، وذكرنا أيضاً كيف بدأ الأذان والرؤيا التي رآها عبد الله بن زيد بن عبد ربه في كيفية الأذان. وذكرنا أيضاً نوعين من أنواع الأذان، فالأنواع ثلاثة، وذكرنا نوعين ثم ختمنا الحلقة للوقت، ونعيد هذه الأنواع بشكل مختصر، نعيد النوعين ثم نذكر النوع الثالث.

النوع الأول: وهو المشهور المنتشر في كثير من ديار المسلمين اليوم، وهو ما قد وردت به بعض الروايات، وذكرنا تلك الروايات. هذا الأذان ذكرنا أنه أذان أصحاب علي بن أبي طالب وأصحاب عبد الله بن مسعود في الكوفة، وهو أذان العراقيين، وهو متوارث عندهم قد جرى به العمل قرناً بعد قرن، وهو مذهب الحنفية والحنابلة؛ ما دام أنه مذهب أهل الكوفة، مذهب أهل العراق، فالمذهب الحنفي أصله في العراق، وهكذا المذهب الحنبلي.

هذا النوع من الأذان هو أن يبدأ بتربيع التكبير في بدايته؛ فيكبر أربع مرات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. ثم بعدها يثني الشهادتين، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. ثم يثني الحيعلتين بأن يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح. ثم يثني التكبير، ففي البداية يربع، الآن يثنيه في آخر الأذان، فيقول: الله أكبر، الله أكبر، ثم يختم الأذان بتهليلة واحدة بأن يقول: لا إله إلا الله، مرة واحدة.

ففي هذا الأذان عدد جمل الأذان 15 جملة: أربع تكبيرات، وأربع تشهدات هذه ثمانية، وأربع حيعلات هذه اثنتا عشرة، وتكبيرتان هذه أربع عشرة، وتهليلة واحدة هذه خمس عشرة جملة.

النوع الثاني من الأذان: وهو أذان المكيين، وهو متوارث في مكة قرناً بعد قرن، وهو مذهب الشافعي، والشافعي كان في مكة كما هو معلوم، وهو معمول به في بعض البلدان التي ينتشر فيها مذهب الشافعية؛ طبعاً هو ليس الآن موجوداً في مكة المكرمة، ولكنه منتشر في البلدان التي فيها مذهب الشافعي. هذا النوع من الأذان كالنوع الأول بعدد جمل خمس عشرة، إلا أنه يزيد عليه ترجيع الشهادتين. ومعنى ترجيع الشهادتين هو أن يثني الشهادتين بصوت خافت في البداية، ثم يرفع صوته، فيقول في البداية بعد التكبير: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله؛ مرتين، وهاتان الشهادتان كلتاهما بصوت خفي خافت، ثم يرجع ويثنيهما مرة أخرى بصوت عالٍ. فهنا معناه أن هناك زيادة أربع جمل، فتكون عدد جمل الأذان في هذا النوع تسع عشرة جملة؛ الأول خمس عشرة جملة زيد عليها أربع جمل صارت تسع عشرة جملة.

النوع الثالث: وهو النوع الذي لم نذكره في الحلقة الماضية، وهو كالنوع الثاني الذي فيه ترجيع الشهادتين، إلا أن التكبير في بدايته فقط تكبيرتان؛ فتثنية التكبير في أوله، وليس فيه التربيع، وفيه ترجيع الشهادتين. وعلى هذا تكون جمل هذا النوع من الأذان سبع عشرة جملة؛ ما دام أن الذي قبله تسع عشرة جملة وهذا نقص تكبيرتين، إذاً هو سبع عشرة جملة.

فيقول: الله أكبر، الله أكبر، مرتين. ثم يقول بصوت خافت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. ثم يعيدهما بصوت عالٍ كبقية الأذان، وبقية الأذان هو كالأنواع المتقدمة لا يختلف فيها، ولذلك يذكر الحيعلتين مرتين، ثم يذكر التكبير مرتين، ثم يهلل مرة واحدة. وهذا النوع من الأذان ذكرنا أنه أذان أهل المدينة، فهو منتشر ومتوارث في تلك البلدان.

وقد ورد هذا النوع من الأذان الذي انتشر في المدينة وكان مذهب مالك بن أنس؛ ورد فيه بعض الأحاديث في صحيح مسلم من حديث أبي محذورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة هذا الأذان، فقال له: «الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ويرفع بها صوته، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله».

هذه هي أنواع الأذان الثلاثة، وهذه الأنواع ثابتة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عمل بها أعظم أمصار الإسلام في ذلك الزمن، الأمصار العلمية المشهورة التي هي المدينة ومكة المكرمة والكوفة؛ الكوفة كان فيها علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، والمدينة كان فيها جل الصحابة، ومكة كان فيها ابن عباس وغيره من الصحابة. ولذلك كثير من أهل العلم من المتقدمين بل ومن المتأخرين يذهبون إلى جواز القول بكل ما روي في هذه الأنواع من الأذان، ويحملون هذا التنوع على الإباحة والتخيير؛ كما تختلف بعض قعدات الصلاة وبعض التشهدات، هناك كيفيات لكثير من العبادة هي من باب التسهيل على الناس ومن باب التنويع، وليست من باب التضاد.

وكما أن الأذان ثلاثة أنواع، أيضاً الإقامة وردت بثلاثة أنواع، وأنا أذكر هذه الأنواع حتى الناس لا يستغربون؛ لأنه أحياناً إذا سمع العامي في بلد من البلدان الأذان يكبرون تكبيرتين، يستغرب كيف ترك التكبير الأربع ولم يكبر إلا تكبيرتين، وهكذا في الإقامة.

فالإقامة ثلاثة أنواع: النوع الأول تثنية التكبير في أولها وآخرها، تقول: الله أكبر، الله أكبر في الأول، والله أكبر، الله أكبر في الآخر، ولفظ الإقامة "قد قامت الصلاة" مرتين أيضاً، وبقية الألفاظ مفردة، فتكون عدد جمل الإقامة إحدى عشرة جملة. تقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة وجمهور أهل العلم، وهو الذي جرى عليه العمل في كثير من بلدان المسلمين. وقد وردت هذه الكيفية في عدة أحاديث، منها حديث عبد الله بن زيد صاحب الأذان صاحب الرؤيا، وقد ذكرنا حديثه فيما تقدم. ويؤيد حديث عبد الله بن زيد أيضاً حديث أنس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة؛ فإذا شفع الأذان، والأذان أربع تكبيرات، معناه يكبر تكبيرتين وهكذا. وهكذا حديث ابن عمر في المسند، مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي، قال: "إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة".

النوع الثاني من أنواع الإقامة: مثل النوع الأول، إلا أن لفظة الإقامة تكون مرة واحدة "قد قامت الصلاة". وهذا هو المشهور من مذهب المالكية وجماعة من التابعين، وحجتهم في ذلك حديث أنس الذي تقدم ذكره: "أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، فإن أكثر الألفاظ ليس فيه استثناء كلمة الإقامة، "يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، إذاً ينسحب ذلك على كل ألفاظ الإقامة. بل قال بعضهم إن كلمة أو الاستثناء "إلا الإقامة" مدرجة وليست من الحديث، لكن الأحاديث الأخرى التي تعضد تثنية الإقامة تضعف هذا القول وتبين أن الإقامة كلمة "قد قامت الصلاة" مثنى.

النوع الثالث من أنواع الإقامة: مثل الأذان تماماً، ليس بينه وبين الأذان فرق إلا أنه ليس فيه ترجيع؛ يكبر أربع تكبيرات، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، ثم يزيد: قد قامت الصلاة مرتين، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. يعني كالأذان الأول الذي هو خمس عشرة جملة، لكنه يزيد عليه بـ "قد قامت الصلاة" مرتين فيكون عدده سبع عشرة جملة. وهو مذهب الحنفية وجماعة من التابعين والفقهاء بالعراق، بل قال أبو إسحاق السبيعي، وهو مشهور تابعي من تلاميذ البراء بن عازب رضي الله عنه: "كان أصحاب علي وعبد الله يشفعون الأذان ويشفعون الإقامة".

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا ذكرنا قبل الفاصل أنواع الإقامة وأنها ثلاثة أنواع، والنوع الأخير منها ذكرنا أنه يشبه الأذان لكن من غير ترجيع، يعني كأنه يؤذن، يشبه أذان أهل الكوفة، وهو مذهب أهل الكوفة، مذهب الحنفية؛ وهو أن يكبر أربع تكبيرات، ويقول الشهادتين مرتين، ويقول الحيعلتين مرتين، ثم يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، كما يؤذن إلا أنه يزيد بـ "قد قامت الصلاة" مرتين.

وحجة أهل هذا المذهب هو بعض الأحاديث التي ورد فيها ذلك؛ فمنها حديث أبي محذورة رضي الله تعالى عنه، وقد رواه الخمسة، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة -طبعاً تسع عشرة كلمة هذا الأذان الذي فيه الترجيع؛ لأن الأذان الذي بغير الترجيع هو خمس عشرة جملة، فإذا زدنا عليه الترجيع أربع جمل صار تسع عشرة جملة- فيقول علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة جملة، وهذا أذان أهل مكة أذان أبي محذورة. قال: والإقامة سبع عشرة كلمة، مع سبع عشرة جملة، إذاً ليس فيها الترجيع وفيها زيادة "قد قامت الصلاة".

فالأذان يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أربع مرات. أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، ثم يردهما هذا بالترجيع، يعني بصوت خافت، ثم يعيد الشهادتين بصوت عالٍ، ثم يقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.

والإقامة قال: سبع عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، هذه أربع تكبيرات. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، هذه صارت ست. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، هذه ثمان. حي على الصلاة، حي على الصلاة، هذه عشر. حي على الفلاح، حي على الفلاح، هذه اثنتا عشرة. قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، هذه أربع عشرة. الله أكبر، الله أكبر، هذه ست عشرة. لا إله إلا الله، هذه سبع عشرة جملة أو كلمة.

وهذه الأنواع أيضاً من الإقامة جائزة لورودها في السنة ولعمل فقهاء الأمصار من التابعين ومن بعدهم بها. ولذلك ذهب غير واحد من العلماء من المتقدمين كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن جرير الطبري وغيرهم إلى أنه يجوز القول بكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهم يحملونه كما ذكرت سابقاً في الأذان على الإباحة والتخيير؛ لأن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز العمل به. فمن شاء قال: الله أكبر مرتين في أول الأذان بالنسبة للأذان، ومن شاء قال: أربعاً، ومن شاء رجع، ومن شاء لم يرجع، وهكذا القول في الإقامة.

هذا بالنسبة لما يتعلق بالأذان والإقامة وأنواعهما. وهناك بعض المسائل التي تتعلق بالإقامة وتتعلق بالأذان وهي كثيرة، لكن نحاول أن نختار منها بعض المسائل مما يذكر في هذا الباب من صفة الأذان أو كيفيته، أشياء ورد فيها أحاديث؛ منها الالتفات مثلاً يميناً وشمالاً عند الحيعلتين، إذا قال: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، ينصرف يميناً فيقول: حي على الصلاة مرتين، ثم شمالاً ويقول: حي على الفلاح مرتين. وهكذا يجعل إصبعيه السبابتين في أذنيه، وهذا وارد في الصحيحين من حديث أبي محذورة، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج بلال بوضوئه، فمن ناضح ونائل، الصحابة كانوا يقتتلون على وضوء النبي صلى الله عليه وسلم تبركاً بآثاره صلى الله عليه وسلم، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه صلى الله عليه وسلم، قال: فتوضأ وأذن بلال، فجعلت أتتبع فاه -يعني فم بلال- هاهنا وهاهنا يميناً وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح. وفي بعض الروايات في سنن أبي داود قال: رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ "حي على الصلاة، حي على الفلاح" لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر برجليه.

بقيتا إلى القبلة، لكنه لوى عنقه دون الاستدارة، وفي رواية أحمد والترمذي أنه جعل إصبعيه في أذنيه.

ومن ذلك مما يرى في الأذان زيادة جملة «الصلاة خير من النوم» في الصبح، في أذان الصبح مرتين: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم». وهذا قد وردت فيه أحاديث أيضاً، منها في المسند وفي سنن أبي داود من حديث أبي محذورة أيضاً قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم علمني سنة الأذان، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «فإذا كانت صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله».

وهكذا في حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه حين ألقى الأذان على بلال يعلمه بعد رؤيته له، في مسند أحمد زيادة قال: فكان بلال يؤذن بذلك ويدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، قال: فجاء مرة من المرات إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم في صلاة الفجر فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم، بلال كان يوقظه للصلاة وكان يدعو للصلاة، فقيل له إنه نائم، فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. يقول الإمام التابعي الجليل سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين لصلاة الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يدخلها في الأذان؛ لأن فيها معنى جميل وهو أن الصلاة خير من النوم.

من المسائل أيضاً وقت الأذان، متى يؤذن المؤذن؟ هل يجوز له أن يسبق الوقت في الصلوات؟ هذه المسألة الذي عليه أهل العلم أنه لا يصح أن يؤذن المؤذن قبل دخول الوقت، فلو أذن قبل زوال الشمس عليه أن يعيد الأذان، هذا في جميع الصلوات الخمس إلا صلاة الفجر، صلاة الفجر اختلفوا فيها، الجمهور يقولون بأنه يجوز الأذان لها قبل الفجر، ويسن له أن يؤذن مرة أخرى بعد دخول الوقت؛ يعني هو يجوز له أن يؤذن قبل دخول الوقت، ويسن له أن يؤذن بعد دخول الوقت، فإن بعد دخول الوقت الفجر ليس واجباً وإنما سنة.

أما الذي قبل الفجر فهو جائز، وهم يحتجون في ذلك بالحديث المشهور في الصحيحين: «أن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، فهو يدل على أن بلالاً كان يؤذن قبل دخول الفجر. القول الثاني هو قول الحنفية وهو أنه لا يجوز الأذان قبل الفجر، وهم يقولون إن أذان بلال كان لإعلام الناس لاستعدادهم أو لإعلامهم في السحور، ويحتجون بحديث رواه أبو داود من حديث شداد مولى عياض بن عامر عن بلال رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر» ومد يديه هكذا عرضاً، لكن هذا الحديث ضعفه كثير من أهل العلم؛ وذلك لانقطاعه، لأن شداداً هذا مولى عياض بن عامر لم يدرك بلالاً، فهناك انقطاع بينه وبين بلال، وحديث الصحيحين الذي فيه أن بلالاً يؤذن أصح منه بلا شك، وهو ثابت على أن بلالاً كان يؤذن قبل الفجر.

من المسائل أيضاً التي تتعلق بالأذان هي إجابة المؤذن، ففي الصحيحين، وفي السنن الأربعة، وفي مسند أحمد من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». فجمهور أهل العلم على أنه يستحب لمن يسمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في الحيعلتين فيبدل كل واحدة منهما بالحوقلة؛ إذا قال: حي على الصلاة، يقول السامع: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح، يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا وارد في حديث عمر في صحيح مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة». من ردد خلف المؤذن كما يقوله المؤذن، ويقول ذلك من قلبه، فإنه يكون من أهل الجنة.

الحكمة في إبدال الحيعلة بالحوقلة ما هي؟ لماذا إذا قال حي على الصلاة نقول لا حول ولا قوة إلا بالله؟ يقول العلماء: الحيعلة هي نداء، لما تقول حي على الصلاة أنت تنادي الناس للصلاة، ليس فيه ذكر الله أكبر، ذكر أشهد أن لا إله إلا الله، أما حي على الصلاة حي على الفلاح هو نداء للناس، تعالوا إلى الصلاة، والسامع الذي يقول مثل ما يقول المؤذن لا يناسبه النداء لأنه لا ينادي الناس، هو فقط يكرر الأذكار، لما جاء عند حي على الصلاة لأن السامع غير المؤذن لا ينادي الناس أبدلها بذكر، فكان ذلك مناسباً.

وهكذا الأمر في الإقامة، إذا قال قد قامت الصلاة، المؤذن يخبر الناس أن الصلاة قد قامت، يعني هذا أوان قيامها، فماذا يقول السامع؟ يبدل «قد قامت الصلاة» بقوله: «أقامها الله وأدامها»، وهذا ورد فيه حديث في سنن أبي داود من حديث أبي أمامة أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما بلغ قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقامها الله وأدامها». وهذا الحديث في الحقيقة ضعيف، إلا أن جمهور أهل العلم من أهل المذاهب الأربعة قد أخذوا به لمناسبته للمقام؛ لأن المقيم لما يقول قد قامت الصلاة هو يعلم الناس بالإقامة، بخلاف السامع فإنه ليس مثله، ولذلك ناسب أن يغير اللفظة.

وهكذا يذكر العلماء في التثويب، الصلاة خير من النوم، هذا يسمى التثويب، ماذا يقول السامع للمؤذن؟ هل يقول الصلاة خير من النوم مثله؟ المؤذن يخبر الناس أن الصلاة خير من النوم، فهل السامع أيضاً يخبر الناس؟ أو يناسب أن يغير اللفظة؟ من العلماء من قال لا بأس يخبر، مع أنه ليس مخبراً، ومن العلماء وهو الأكثر من يقول عليه أن يصدق هذا الخبر، فيقول: صدقت وبررت، وبعضهم يزيد وبالحق نطقت، وهذا لا إشكال فيه، والأمر فيه واسع.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.