الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها عن أركان الصلاة. لكن قبل الكلام عن أركان الصلاة، بقي بعض المسائل التي تتعلق بالأذان، وهي تتعلق بالحلقة الماضية؛ ومن هذه المسائل مسائل ينبغي الإشارة إليها.
منها استحباب الأذان في السفر، فالعلماء يقولون بأن الأذان في السفر مستحب ولو كان المسافر وحده، وهذا قول جمهور أهل العلم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من رواية مالك بن الحويرث قال: أتى رجلان النبي صلى الله عليه وسلم يريدان السفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أنتما خرجتما فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أكبركما». وفي المسند وسنن أبي داوود وسنن النسائي من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل -والشظية القطعة المرتفعة من الجبل- يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة».
ومن المسائل أيضاً: هل يؤذن المؤذن وهو راكب أو ينبغي أن ينزل؟ الجمهور من أهل العلم على جواز الأذان للراكب في السفر، وأما المقيم فلا يؤذن وهو راكب، يكره له ذلك، وإذا أذن المقيم لا يعيد أذانه لكنه مكروه. ومما ورد في ذلك أن ابن عمر كان يؤذن وهو على البعير وينزل فيقيم الصلاة، هذا إذا كان مسافراً، لكن السنة والأفضل الأذان بعد النزول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى مزدلفة في حجة لم يؤذن في الطريق، وإنما أذن بعد ما وصل صلى الله عليه وسلم.
ومن المسائل أيضاً في الأذان: الأذان في المسجد الذي صُلي فيه جماعة، يعني صلوا الناس فيه، أُذن فيه سابقاً وصلى فيه الناس جماعة، فجاءت جماعة أخرى، هل يؤذنون؟ جمهور أهل العلم أنه لا يؤذن فيه مرة أخرى إلا إذا كان هذا المسجد مسجد طريق على طريق الناس، وقال بعض أهل العلم لو أذن فلا بأس، والأمر في هذا واسع إن شاء الله، إلا أن من أذن ينبغي أو يستحب له أن لا يجهر بالأذان لئلا يقع الناس في اللبس.
ومن المسائل أيضاً التي لم نذكرها الأذان للفائتة، من فاتته الصلاة؛ يعني مثلاً لو كان جماعة في سفر فغلبهم النوم ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فجمهور أهل العلم يستحبون لهم الأذان، بينما المالكية يكرهون ذلك، وقول الجمهور أقرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر ونام هو وأصحابه فلم يستيقظوا إلا بحر الشمس، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان.
وهكذا من المسائل أيضاً التي ينبغي الإشارة إليها المتعلقة بالأذان أنه لا يشرع الأذان إلا للصلوات الخمس، لا يشرع للرواتب ولا للنوافل ولا لشيء غير الصلوات الخمس؛ الكسوف مثلاً، والعيدين، والاستسقاء، والجنازة. لا يشرع الأذان لهذه الصلوات التي يجتمع فيها الناس، كيف نجمع الناس أو كيف يكون؟ هل يكون لها نداء أم لا؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صلاة الكسوف ينادى لها، وهذا ثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ينادى لها بنداء معين وهو: الصلاة جامعة؛ فإنه ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي أن الصلاة جامعة، نودي الصلاة جامعة. والعلماء بعضهم أو جماعة من أهل العلم قاسوا على صلاة الكسوف بقية الصلوات التي يجتمع لها كالعيد والاستسقاء والجنازة.
هذه المسائل التي أرى أنها من أهم المسائل التي ينبغي الإشارة إليها فيما يتعلق بالأذان. وأما موضوع حلقة اليوم وهو أركان الصلاة، فهو موضوع يحتاج إلى تقدمة يسيرة قد أشرنا إليها، وهو أننا أشرنا في الشروط إلى الفرق بين الشرط والركن، وأن كل واحد منهما لابد من وجوده، فإذا انعدم انعدم العمل؛ فإذا لا يوجد الشرط في الصلاة فالصلاة باطلة، وإذا لا يوجد الركن فالصلاة باطلة، لكن الركن في صلب الصلاة والشرط خارج الصلاة.
وذكرنا أيضاً أن النية من شروط الصلاة، وهذا عند الحنفية والحنابله وهم أهل العراق، وأما فقهاء أهل الحجاز فهم يقولون النية ركن. والفرق بينهما أن أهل الحجاز يقولون النية دائماً في نفس المصلي، وأهل العراق يقولون النية للصلاة النية للصوم فهي خارجة عن بدن الصلاة، فهؤلاء يجعلونها شرطاً وهؤلاء يجعلونها ركناً. أما بقية الأركان فأول الأركان التي اتفق عليها الأئمة أنه ركن من الأركان هو تكبيره الإحرام، تكبيره الإحرام التي يدخل بها المصلي في الصلاة، سميت تكبيره الإحرام لأنها تحرم الأشياء المباحة التي تنافي الصلاة.
وجمهور أهل العلم يقولون بأن تكبيره الإحرام فرض من فروض الصلاة، متفقين على أنها فرض لابد منها ولا تنعقد الصلاة إلا بها، لكنهم أيضاً اختلفوا كما اختلفوا في النية؛ فالجمهور يقولون إنها ركن، والحنفية يقولون إنها شرط، وهذا الاختلاف اختلاف اصطلاحي، سببه اختلافهم هل التكبيرة من جسم الصلاة لا تنفصل عن الصلاة ولا تسبقها بزمن كالقراءة من جسم الصلاة، بل هي شرط لأنه دون أن يكبر هو لا يدخل في الصلاة فهي خارج جسم الصلاة. لكنهم جميعاً متفقون على أن انعقاد الصلاة لا يكون إلا بتكبيره الإحرام، وهذا هو المهم.
الأدلة على فرضية أو على ركنية أو على شرطية تكبيره الإحرام كثيرة، منها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام، وقال له: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، فرجع الرجل يصلي كما كان يصلي سابقاً، ثم جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، فرجع وصلى، ثم قال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها». ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال في بدايته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، بعد أن قال له: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، وهذا الحديث حديث يشتمل على أركان الصلاة؛ يعني العلماء يقولون هذا الحديث هو عمدة الأحاديث التي تتكلم عن أركان الصلاة.
ومن الأدلة على أن التكبيرة أو تكبيره الإحرام أيضاً هي ركن، ما في الخمسة -أي في سنن أبي داوود وسنن الترمذي وابن ماجه ومسند أحمد إلا النسائي- من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». وجه الدلالة من هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وتحريمها التكبير»، فهذه الجملة المكونة من المبتدأ والخبر، وتحريمها معرفة وكذلك التكبير معرفة، هذا يفيد عند العلماء الحصر، أي أن تكبيرها هو الذي يجعل ما كان حلالاً قبل الدخول فيها حراماً، فكان التكبير عند ذلك فرضاً لا تصح ولا تنعقد الصلاة إلا به.
والعلماء يذكرون أن الحكمة من افتتاح الصلاة بالتكبير هي تنبيه المصلي على عظم المقام الذي يقومه؛ فهو يقوم بين يدي ملك الملوك، فإذا قال بلسانه الله أكبر كان ذلك معيناً له على استحضار ذلك بقلبه؛ استحضار كبرياء الله، استحضار عظمة الله، وأنه سبحانه وتعالى أعظم وأكبر مما يتعلق به القلب من هذه الدنيا، فينشأ عند ذلك الخشوع والتذلل للرب سبحانه وتعالى. يعني هذا هو الحكمة من أن المصلي يبدأ بقوله الله أكبر، معناه أني دخلت في هذه الصلاة، وكل ما عدا الرب سبحانه وتعالى الذي أقف بين يديه صغير لا ينبغي أن ألتفت إليه.
ولذلك ورد في مسند أحمد وسنن الترمذي من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله أمركم بالصلاة» -طبعاً هو يذكر عن يحيى أنه أمر بخمس كلمات منها أنه قال: «إن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا»-. والمقصود بالالتفات هنا ما يشمل التفات الجوارح -أي الرأس- والتفات القلوب، قال: «فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لعبده في صلاته ما لم يلتفت». الترمذي يقول في هذا الحديث: حديث حسن صحيح.
وفي صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد». وفي مسند أحمد وسنن أبي داوود والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه». وفي مصنف عبد الرزاق من حديث عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفت، فإنه يناجي ربه، إن ربه أمامه وإنه يناجيه. قال عطاء: وبلغنا أن الرب تبارك وتعالى يقول: يا ابن آدم إلى من تلتفت؟ أنا خير لك مما تلتفت إليه.
فقول المصلي الله أكبر ينبغي عليه أن يستحضر عظمة الخالق، وأنه الآن في مقابلة الرب الديان ملك الملوك، لا ينبغي أن يلتفت لا قلبه ولا وجهه، قلبه يراه ربه سبحانه وتعالى، فإذا التفت فكأنه التفت إلى شيء آخر هو مقرب إليه أكثر من ربه، فيقول الله: إلى من تلتفت؟ ولا يلتفت بوجهه؛ لأن التفاته بوجهه دليل على التفات قلبه. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا ذكرنا قبل الفاصل ركن التحريم، أن تكبيره الإحرام أو التكبير هي ركن، أول ركن من أركان الصلاة. والركن الثاني من أركان الصلاة هو القيام مع القدرة، وذلك في فريضة، في الفرض؛ يعني يجب على المصلي أن يقوم في الفرض ما دام قادراً على القيام، وهذا دليله قول الله تبارك وتعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. هنا أمر: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، هذه صيغة الأمر تقتضي الوجوب، والقيام ليس واجباً خارج الصلاة لما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ لم يذكر الصلاة، لكن هل القيام في غير الصلاة واجب؟ ليس بواجب، إذاً المقصود هنا وقوموا لله قانتين أي في الصلاة، وليس خارجاً عن الصلاة.
وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب»، فهنا علق عدم القيام بالاستطاعة، صلي قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، معناها إذا كنت مستطيعاً فلا بد من القيام. إذاً القيام ركن من أركان الصلاة، لكن هذا الركن الذي هو القيام خاص بالفريضة، خاص بالفرض دون النوافل، أما النوافل والتطوع فيجوز الصلاة فيها مع القعود، وهذا بدون خلاف بين العلماء إلا أن القيام أفضل. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: «من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم». هذا الحديث لو وقفنا عنده: «من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم»، هذا مخصوص بالنافلة، فالذي يصلي قاعداً وهو لا يستطيع القيام فهذا أجره كامل، الذي لا يستطيع القيام ويصلي قاعداً أجره كاملاً، وأما في النافلة فالذي يصلي قاعداً لأنه لا يستطيع أيضاً أجره كامل، لكن الذي يصلي قاعداً وهو قادر على القيام يجوز له، لكن أجره على النصف من أجر القائم. والتنفل أيضاً يجوز على الراحلة، الراحلة كأنك قاعد عليها، وهكذا يقاس، النبي صلى الله عليه وسلم صلى على راحلته نافلة، ويقاس على الراحلة في هذه الأيام السيارة والطائرة وسائر المواصلات.
أما القيام الذي في الفريضة وحتى في النافلة، كيفيتها؟ العلماء اتفقوا على أن القيام المطلوب شرعاً في الصلاة هو الانتصاب معتدلاً، أن يكون معتدلاً في انتصابه. طيب هل يضر الانحناء؟ قالوا الانحناء القليل لا يضر، لكن لا يجعله أقرب إلى الركوع بحيث لو مد يديه ينال ركبتيه، لو إذا مد يديه وهو قائم ونالت ركبتيه معناه أنه لم يعتدل في قيامه، إذاً لا يكون أقرب إلى الركوع، بل يكون منتصباً معتدلاً في قيامه.
لكن هنا مسألة، وهي في صلاة الفريضة في الطائرة، وهي من المسائل الجديدة، يعني هل هي شبيهة بالصلاة في السفينة؟ والعلماء تكلموا في السفينة، إلا أن الفرق بين الصلاة في السفينة والصلاة في الطائرة أن الصلاة في السفينة السفينة أوسع من الطائرة. العلماء تكلموا في الصلاة في السفينة من جهتين: الجهة الأولى من استقبال القبلة، وتقدم الكلام عن استقبال القبلة وأنه شرط في صحة الصلاة، وقد ذهب الجمهور جمهور الفقهاء إلى وجوب أن يستقبل المفترض القبلة في السفينة، وأنه إذا دارت السفينة وجب عليه الدوران إلى جهة القبلة ويستمر في صلاته؛ يعني إذا كانت السفينة متجهة إلى جهة وهو توجه إلى القبلة فانحرفت السفينة فصار هو منحرفاً عن القبلة، ينبغي عليه أن يدور إلى القبلة، هكذا قال العلماء إذاً واجبها القبلة في السفينة، وأيضاً الجهة الثانية جهة القيام.
وهي التي نريد أن نتكلم عنها، القيام في السفينة في الفريضة أيضاً تكلم العلماء فيه وقالوا إنه واجب. ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وحتى أصحاب أبي حنيفة؛ محمد بن الحسن وأبو يوسف القاضي وهو المذهب عند الحنفية أيضاً، إلى أنه لا يجوز لمن يصلي الفريضة في السفينة أن يترك القيام وهو قادر عليه؛ لابد له من القيام كما لو كان في غير السفينة، كما لو كان في البر. لكن أبا حنيفة رحمه الله ذهب إلى جواز صلاة الفرض في السفينة قاعداً ولو بلا عذر.
لماذا اختلفوا؟ ولماذا يجوز أبو حنيفة الصلاة في السفينة بغير عذر مع أن الشخص يستطيع القيام؟ سبب اختلافهم هو تقدير وضع المصلي في السفينة؛ هل هو قادر على القيام أم أنه معذور لغلبة المشقة عند القيام فيها؟ لأنهم يقولون إن السفينة يحصل فيها دوار فقد يقع الإنسان. هكذا قال الإمام أبو حنيفة، ويقول يغلب هذا العذر ولو كان لا يقع من كل أحد، لكن نغلبه ونجوز الصلاة قاعداً في السفينة. وهكذا الحكم في الطائرة، فإنه ما دام المصلي قادراً على القيام يجب عليه القيام؛ هذا قياساً على السفينة في قول جمهور أهل العلم.
وإن لم يكن قادراً أتى بما يقدر عليه؛ فمثلاً من وجد مكاناً في الطائرة ويستطيع الصلاة فيه قائماً فإنه يصلي فيه قائماً. ومن لم يجد وصلى على الكرسي مثلاً؛ فإن استطاع الوقوف وقف، وإن استطاع الركوع وهو واقف ركع وهو واقف، وإن استطاع السجود على الأرض وهو في الكرسي -مثلاً الذي بعض الناس يكونون في درجات متسعة فيها الكراسي فيستطيع أن يقف عند كرسيه ويصلي ويسجد ويركع ويستقبل القبلة- وأحياناً يكون المكان ضيقاً والناس مزدحمون أو الطائرة في هبوط وارتفاع وخطر إذا وقف، فهنا يجوز له أن يصلي قاعداً. الأمر بحسب الاستطاعة أو بحسب القدرة عليه.
لكن هنا مسألة أريد أن أوجهها في الحقيقة إلى المسؤولين حول شراء الطائرات؛ المسلمون حول العناية بالصلاة في الطائرة. الصلاة أعظم أمر في الحقيقة، نحن نرى بعض الطائرات العظيمة يوجد فيها مكان للجلوس والناس يشربون فيه القهوة ويشربون فيه الشاي ويتحدثون وهم جالسين على كراسي كما لو كانوا في مطعم، ومع ذلك لا يوجد مكان للصلاة، بل بعض الخطوط قد تمنع الناس من الصلاة. وللأسف بعض الخطوط غير الإسلامية وجدنا أننا نصلي في الطائرة ونحن قائمون ويسهلون لنا الأمر، ووجدنا بعض الخطوط الإسلامية تمنعنا من الصلاة واقفين مع القدرة على ذلك. الشاهد من الكلام أن الوصية التي أريدها، ما الضير أن يشترط المسؤولون في شراء الطائرات وجود مكان في الطائرة، كما لو كان مكان للمطعم، وجود مكان للصلاة؛ لكي يتمكن الناس من الصلاة وهم قائمون؟ هذه مسألة ينبغي الاهتمام بها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيئها، أننا إذا ذهبنا إلى الطائرات نجد مسجداً في الطائرة لمن أراد الصلاة.
من المسائل المتعلقة بركنية القيام صلاة القائم خلف القاعد، وهذه المسألة مهمة ورد فيها حديثان متعارضان في الظاهر. الحديث الأول قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون»، وهذا الحديث في الصحيحين من حديث عدد من الصحابة، من حديث عائشة ومن حديث أنس ومن حديث أبي هريرة؛ أنه إذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون.
الحديث الثاني حديث عائشة في الصحيحين أيضاً قالت: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم في قرب أجله جاء بلال يؤذن بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس». قالت عائشة: فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء، فلو أمرت عمر؟ فقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس». قالت عائشة: فقلت لحفصة قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقم مقامك يسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس».
فلما دخل في الصلاة أبو بكر، وجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض إلى المسجد. فلما سمع أبو بكر حس النبي صلى الله عليه وسلم ذهب يتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر رضي الله عنه، فكان أبو بكر يصلي قائماً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعداً يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم وهو قاعد، وأبو بكر واقف، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ففي هذا الحديث، في الحديث الأول أمر النبي بمتابعة الإمام إذا صلى جالساً صلوا جلوساً، وفي هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالساً وصلى أبو بكر خلفه قائماً.
ولذلك اختلف العلماء في التوفيق بين الحديثين؛ فذهب الحنفية والشافعية إلى القول بالنسخ، فذهبوا إلى أن حديث عائشة المتأخر الذي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه قاعداً وأبو بكر قائم، ناسخ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون»، وذلك لأنه متأخر. وذهب مالك إلى ترجيح حديث أنس وغيره من الصحابة «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وفيه «إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون»، وأنه حديث محكم بين واضح، وأما حديث عائشة فهو حديث محتمل؛ حملوا حديث عائشة على أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وذهب الحنابلة إلى الجمع بين الحديثين، فقالوا بعدم جواز صلاة المأموم خلف الإمام قائماً والامام قاعد على معنى حديث أنس وغيره من الصحابة، وقالوا إذا بدأ الإمام صلاته قائماً ثم قعد يبقون قياماً؛ أي أن أبا بكر بدأ الصلاة قائماً ثم صار الإمام قاعداً وبقي الناس قياماً خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنهم بذلك جمعوا بين هذين الحديثين.
والأقرب في الحقيقة فيما أحسب والله تعالى أعلم ما ذهب إليه مالك بن أنس، وكذا ما ذهب إليه الإمام أحمد، لوضوح حديث أنس وغيره من الصحابة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وهو نص في هذه المسألة، وقد ورد من أوجه متعددة. وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه عن جماعة من الصحابة أنهم صلوا جلوساً وأمروا الناس خلفهم بالجلوس، فلو كان الحديث منسوخاً لما فعل ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ منهم أسيد بن حضير وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وغيرهم.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري