الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة. كنا بدأنا في الحلقة الماضية بالحديث عن الأركان، وذكرنا في ذلك ركنين: الركن الأول تكبيرة الإحرام، والركن الثاني القيام في الفرض مع القدرة. هناك أشياء تلتحق بتكبيرة الإحرام لم نذكرها أو لم يتسع الوقت لذكرها، وهي في الحقيقة من السنن. عندنا الركن تكبيرة الإحرام، وكذلك القيام؛ القيام ركن من أركان الصلاة، وتكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ومعنى الركن أنه لا بد من وجوده ولا تصح الصلاة إلا به.
هناك أشياء تتبع لهذه الأركان؛ فمثلاً تكبيرة الإحرام يتبعها رفع اليدين. إذا كبر الإنسان وقال: «الله أكبر»، فهذا تكبيرة الإحرام وهو ركن، لكن رفعه ليديه هذا سنة. فرفع اليدين مما يلتحق بتكبيرة الإحرام من السنن. قال العلماء: لها مواطن؛ فمثلاً رفع اليدين في تكبيرة الإحرام وهو الموطن الأول، هذا الموطن متفق عليه بين أهل المذاهب الأربعة كلهم. ومن الناس من لا يرفع يديه، وإذا لم يرفع يديه فلا تبطل صلاته؛ لأن رفع اليدين سنة.
هناك مواطن أخرى؛ الموطن الثاني عند الركوع، عندما يريد الإنسان أن يركع يرفع يديه ويقول: «الله أكبر». وإذا رفع من الركوع أيضاً رفع يديه وقال: «سمع الله لمن حمده». هذان الموطنان اللذان فيهما رفع اليدين قال بهما الشافعية وقال بهما الحنابلة، ولم يقل بهما لا الحنفية ولا المالكية، مع أن المالكية عندهم قول يوافق الحنابلة والشافعية. السبب في اختلاف العلماء في هذين الموضعين هو اختلاف ظواهر الأحاديث؛ هناك أحاديث في ظاهرها كأنها متعارضة، ورد في الرفع أحاديث بعضها تذكر تلك المواطن وبعضها لا يذكر إلا الموطن الأول.
فمثلاً من الأحاديث التي لا تذكر إلا الموطن الأول، ما رواه أبو داوود وغيره من أهل العلم من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود. معناه أنه يفتتح الصلاة برفع اليدين مع التكبير ولا يعود إلى رفع اليدين. لكن هذا الحديث الذي رواه يزيد بن أبي زياد -ويزيد بالمناسبة رجل متكلم فيه، قيل إنه سيء الحفظ أو في حفظه شيء- هذا الحديث ضعفه النقاد، نقاد الحديث الأئمة الكبار أهل النقد وأهل حفظ الحديث، وبين بعضهم علته.
يبدو أنهم استعانوا أيضاً بتعليل سفيان بن عيينة، وهو الراوي عن يزيد بن أبي زياد. يزيد بن أبي زياد روى الحديث عنه جماعة من أهل العلم، من ضمنهم سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة من علماء مكة، وكان يزيد عندهم في مكة، فأخذ عنه سفيان بن عيينة هذا الحديث بلفظ: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه»، هكذا إلى آخر الحديث. سفيان يقول: فقدمت الكوفة، ويزيد بن أبي زياد رحل إلى الكوفة وصار يحدث بهذا الحديث هناك. أهل الكوفة وهم أهل العراق قد أخذوا العلم من أصحاب ابن مسعود، وهم لا يرفعون أيديهم إلا مرة واحدة عند تكبيرة الإحرام. فلما جاءهم يزيد بن أبي زياد وحدث بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه وسكت -لم يقل إنه رفعها عند الركوع أو لم يرفعها، لم ينفِ ولم يثبت ما سوى الأولى- فكأنهم لقنوه. يقول سفيان بن عيينة: فقدمت الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه: ثم لا يعود. كلمة ثم لا يعود لم تكن في الحديث، وإنما زادها يزيد بن أبي زياد.
طبعاً يزيد بن أبي زياد من الناس الذين لا يكذبون، ولا يتصور عنه أنه تعمد هذه الزيادة، ولذلك قال سفيان بن عيينة وهو تلميذه: فظننت أنهم لقنوه، يعني أهل الكوفة لقنوه بمعنى قالوا: ثم لا يعود في الحديث، فظن أنه في الحديث فقاله. يقول: وكان في مكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، لأنه في الكوفة تغير حفظه أو ساء حفظه. فهذا الحديث الأول الذي احتج به الحنفية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يعود، هو من رواية يزيد بن أبي زياد، ويزيد في آخر عمره ساء حفظه أو تغير حفظه شيئاً قليلاً، فلقنه هذه الكلمة أهل الكوفة.
الحديث الثاني الذي احتج به الحنفية هو ما رواه وكيع بن الجراح، ووكيع بن الجراح من الأئمة الكبار وهو نظير لسفيان بن عيينة. وكيع يروي حديثاً عن سفيان الثوري، وسفيان الثوري الذي هو شيخ وكيع أيضاً هو نظير لسفيان بن عيينة. فبين وكيع وبين سفيان كأنه طبقة في الوسط، فوكيع يروي عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة. وفي رواية: فرفع يديه ثم لم يعد. وهذا الحديث أيضاً تكلم فيه النقاد؛ أعله أحمد بن حنبل والبخاري رحمه الله عليه وأبو داوود وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم. قالوا إن قوله: «إلا مرة» أو «ثم لم يعد» زيادة، وأصل الحديث: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، فقام فكبر ورفع يديه ثم ركع، وليس هناك «ثم لم يعد». كان بعض الرواة، إما وكيع أو غيره أو سفيان -لأن منهم من نسب الخطأ إلى سفيان الثوري- أنه فهم من قوله: «رفع يديه ثم ركع» أنه لم يعد إلى هذا الرفع، ولكن الحديث فيه شيء من الإجمال. فهذان الحديثان أهم الأحاديث التي احتج بها الحنفية أو الذين يقولون لا يرفع يديه إلا مرة واحدة. لكنه ثابت عن بعض الصحابة، يبدو أنه ثابت عن ابن مسعود أنه لم يكن يرفع يديه إلا مرة واحدة، وهكذا عن بعض التابعين كإبراهيم النخعي وهو من تلاميذ تلاميذ ابن مسعود، وهو شيخ لشيوخ أبي حنيفة رحمه الله على الجميع.
أما الأحاديث التي فيها الرفع في الموطن الأول الذي هو تكبيرة الإحرام، وفيها الرفع عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، فهذه كثيرة. هناك ثلاث مواطن: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، يرفع المصلي يديه في هذه المواطن، وهي أحاديث كثيرة. من ضمن هذه الأحاديث ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكون حذو منكبيه». هناك بعض الأحاديث تقول إلى قرب أذنيه أو إلى أطراف أذنيه، فالمسألة محتملة، حذو منكبيه بإمكان الكف تكون حذو المنكب والأصابع تكون قريب أو في محاذاة الأذن. وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، يعني يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان يقول: «سمع الله لمن حمده»، ولا يفعل ذلك في السجود. وبالمناسبة من أهل العلم من أثبت أن هناك رفع يدين في السجود، وأكثر الأحاديث تنفي ذلك، وكثير من هذه الأحاديث التي فيها رفع اليدين عند السجود أو الرفع من السجود فيها شيء من خلط بعض الرواة، وأرادوا بذلك التكبير؛ لأن أصول تلك الأحاديث: كبر فسجد، أو كبر فرفع من السجود، فرواها بعض الرواة برفع اليدين. قال: ولم يكن يفعل ذلك في السجود، وفي بعض الروايات: لا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود. هذا الحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر وهو صحيح متفق عليه.
الحديث الثاني هو ما رواه أبو قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وفي رواية -وهذا في الصحيحين- حتى يحاذي بهما أذنيه. يعني الأول حتى يحاذي حذو منكبيه وهذه حتى يحاذي أذنيه، والأمر قريب. وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وفي رواية أيضاً في الصحيح: حتى يحاذي بهما أذنيه. وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه مثل ذلك، ويحدث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصنع هكذا. هذان حديثان، وهناك أحاديث أخرى ذكر غير واحد من أهل العلم، منهم البخاري، أن هذه السنة في هذه المواطن رواها جماعة من الصحابة، يزيدون عن العشرة؛ البخاري قال سبعة عشر، وهناك من قال أحد عشر راوياً، قاله البخاري في كتاب رفع اليدين. البخاري عنده كتاب اسمه «كتاب رفع اليدين» أورد فيه روايات كثيرة وأثبت هذه المواطن.
هناك موطن رابع: إذاً الموطن الأول قلنا عند تكبيرة الإحرام يرفع يديه، هذا من السنة وليس بواجب. الموطن الثاني إذا ركع. الموطن الثالث إذا رفع رأسه من الركوع. الموطن الرابع الذي ترفع فيه اليدين هو عند القيام من التشهد الأول، إذا كانت الصلاة لها تشهدين يعني رباعية مثلاً أو ثلاثية كالمغرب أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء، فإذا قام من التشهد الأول ووقف، يرفع يديه ويكبر. وهذا الموطن قال به الشافعية وحدهم، والحنابلة عندهم رواية، لكن المذهب عند الحنابلة أنها ثلاثة مواطن، وأما هذا الرابع فكأن الإمام أحمد اختار عدمه، مع أنه يجوزه أو يروى عنه أن هناك موطناً رابعاً، لكن كأنه يقول أكثر الأحاديث على أن المواطن ثلاثة. هذا الموطن الرابع ورد في صحيح البخاري من حديث عبيد الله العمري، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين -معناه من التشهد الأول- إذا قام من الركعتين، وفي بعض الروايات: إذا قام من السجدتين، والمقصود بالسجدتين الركعتين، يعني إذا قام من التشهد الأول رفع يديه.
هذا الحديث تكلم فيه أبو داوود وقال إن الصواب أنه موقوف، أنه من فعل ابن عمر وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هو موجود في البخاري في صحيح البخاري، وهناك روايات تعضده عن علي بن أبي طالب وأبي حميد الساعدي وغيرهما من الصحابة، يثبتون هذا الموطن الرابع. ولذلك ذكر البخاري في «كتاب رفع اليدين» بأن ما زاده ابن عمر وما زاده علي وما زاده أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة -لأن أبا حميد لما ذكر حديثه كان موجوداً في المجلس عشرة من الصحابة- أنهم رفعوا أيديهم أو ذكروا الرفع عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من التشهد، فالبخاري يقول هذا كله صحيح، لأنهم إنما زادوا، لم يأتوا بكيفية أخرى، وهذه الزيادة كما يقول البخاري وغيره زيادة مقبولة، وزيادة من الثقة مقبولة. هذه المواطن الثلاثة متفق عليها عند الحنابلة والشافعية، والموطن الرابع يتفرد به الشافعية. نقف قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن رفع اليدين ومواطن رفع اليدين عند التكبير، وذكرنا تلك المواطن. بعد رفع اليدين، ماذا يفعل المصلي؟ عليه أن يمسك يده اليسرى بيده اليمنى، ولذلك من السنة أن يضع يده اليمنى على كوع يده اليسرى، والكوع هو الفاصل بين الكف والساعد. هذا من السنة عند جماهير أهل العلم، يعني ليس بواجب، ولذلك لو أرسل يديه فصلاته صحيحة، وهو مذهب المالكية، المالكية سنة عندهم الإرسال، أن يرسل يديه، وهو مروي عن عبد الله بن الزبير الصحابي الجليل. لكن الذي عليه جمهور أهل العلم هو قبض اليدين، طبعاً الإرسال مروي من طريق أو المالكية أخذوه عن ابن القاسم عن مالك، وجمهور أهل العلم يرون أن القبض هو السنة. ومالك رواه في الموطأ، روى القبض أيضاً في الموطأ في كتابه المشهور «الموطأ»، ولذلك يقول جماعة من المحققين بأن مذهب مالك هو القبض وليس الإرسال، وأن مقصود ما رواه ابن القاسم هو كراهة الاعتماد، يعني القبض الذي كرهه مالك أو ذكره ابن القاسم عن مالك هو الذي فيه اعتماد، وأن صاحبه يريد أن يعتمد على يديه في صلاته، وإلا فالقبض وردت به السنة والأحاديث في ذلك كثيرة. يعني من هذه الأحاديث التي تؤيد مذهب الجمهور، حديث أبي حازم رضي الله تعالى عنه في الصحيح، أنه في صحيح البخاري، أبو حازم يروي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه في الصلاة». قال أبو حازم: لا أعلمه ينمي ذلك إلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يقصد سهل بن سعد.
وهكذا في صحيح مسلم من حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على يده اليسرى. وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على أن السنة هي القبض. أما مكان القبض؛ فنحن نعلم أن السنة -وهو من سنة الأنبياء كما ورد في بعض الأحاديث- قبض اليسرى باليمنى أو وضع اليمنى على اليسرى. لكن أين يضعها؟ هل هو فوق السرة، على الصدر مثلاً، أو على السرة، أو تحت السرة؟ هناك خلاف بين أهل العلم.
في الحقيقة لم يثبت في هذا الباب شيء؛ هناك حديثان مشهوران. حديث علي رضي الله تعالى عنه وما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن زياد بن زيد عن أبي جحيفة صاحب علي، أن عليًّا رضي الله تعالى عنه قال: من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة. لكن هذا الحديث كما هو معلوم ضعيف؛ لأنه من رواية عبد الرحمن هذا، عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف الحديث.
والحديث الثاني ما رواه ابن خزيمة صاحب الصحيح في صحيحه من حديث مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره. وهذا الحديث صححه بعض أهل العلم من المتأخرين؛ طبعًا الذين صححوه من المتأخرين اغتروا بحسن إسناده، لأن مؤمل بن إسماعيل من رواة صحيح مسلم، لكن فيه في حفظه شيء، وحديثه هذا بعينه منكر. منكر بمعنى خطأ؛ لأن هذا الحديث رواه عن سفيان الثوري -الذي هو شيخ مؤمل بن إسماعيل- جماعة وهم من أوثق أصحاب سفيان، كقطن وغيره وأبو نعيم، فلم يذكروا قوله: على صدره.
وهكذا سفيان الثوري يروي عن عاصم بن كليب هذا الحديث، وقد رواه مع سفيان عن عاصم بن كليب جماعة كثيرون يزيدون عن العشرة، ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة كلمة: على صدره. وهذا يدل على أن مؤمل بن إسماعيل أخطأ في هذه الرواية، وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه سيء الحفظ. ومما يدل على خطأ مؤمل بن إسماعيل في هذا الحديث أيضًا أنه يروي هذا الحديث عن سفيان الثوري، وسفيان الثوري مذهبه في القبض أنه تحت السرة؛ فلو كان عند سفيان الثوري حديث صحيح في القبض على الصدر لما ذهب إلى القبض تحت السرة، فهذا مما يدل على أن سفيان الثوري لم يثبت عنده هذا الحديث. ولذلك قال غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل والترمذي وابن المنذر وغيرهم، بأن موضع القبض واسع، فمن أراد أن يقبض فوق السرة أو عليها أو تحتها فالأمر في ذلك متسع. إلا أن أحمد بن حنبل رحمه الله رجح القبض تحت السرة، وكذلك الحنفية لعلهم رجحوا ذلك لأجل حديث علي، وهو حديث ضعيف؛ لكن كما هو مشهور عن مذهب أحمد أن الحديث الضعيف أحب إليه من أقوال الرجال. قد يقول قائل: حديث مؤمل بن إسماعيل أيضًا ضعيف وهو أقوى من حديث علي؟ نقول له: لا ليس بضعيف؛ حديث مؤمل بن إسماعيل خطأ، لا وجود له لأن الناس لم يذكروا هذه العبارة. الحديث الضعيف هو حديث علي رضي الله عنه الذي من رواية عبد الرحمن بن إسحاق.
هذا بالنسبة لموضع قبض اليدين، أين يضعه؟ طيب أين موضع القبض نفسه؟ هل هو على الكف، يضع يده على كف، أم على الكوع، أم على الساعد؟ أهل العلم يستحبون أن يكون على كوعه؛ وذلك بسبب ما في حديث وائل بن حجر في مسند أحمد وسنن أبي داود وسنن النسائي، وهو حديث صحيح الإسناد، وصف فيه وائل بن حجر صلاة النبي ﷺ، قال في وصفه: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد. فمعناه أن اليد في الوسط تشمل الكف وتشمل الساعد، وهي على الرسغ، والرسغ هو المفصل الذي بين الكف وبين الساعد.
ثم بعد أن يرفع يديه ويكبر، ثم يقبض يده، ماذا يصنع المصلي؟ عليه أن يدعو دعاء الاستفتاح، ودعاء الاستفتاح سنة؛ إذا تكبيرة الإحرام هي الوحيدة الركن في التي ذكرناها، وأما رفع اليدين ووضع اليدين تحت السرة أو فوق السرة والقبض والدعاء الذي هو دعاء الاستفتاح، أيضاً هذا من السنن. بعد ما يقبض يديه يدعو دعاء الاستفتاح، ودعاء الاستفتاح عند جماهير العلماء سنة لا تبطل الصلاة بتركه، وقد روي فيه عدة أحاديث في دعاء الاستفتاح. من هذه الأحاديث ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ. فقلت له -يقول أبو هريرة-: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ فقال النبي ﷺ: «أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد». هذا دعاء من الأدعية مما يستحبه بعض أهل العلم.
وهناك دعاء آخر عن علي رضي الله عنه وهو ثابت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين» أو «وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك». هذا دعاء طويل لكنه دعاء جميل ومهم، ومن المستحسن أن يحفظه المسلم حتى يدعو به في صلاته خصوصاً في صلاة الليل.
وأيضاً من الأدعية التي يستفتح النبي ﷺ بها أو يستحب الاستفتاح بها ما في صحيح مسلم من حديث عبدة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وهذا الذي في صحيح مسلم في الحقيقة مرسل؛ لأن عبدة هذا لم يسمع من عمر بن الخطاب، إلا أن هذا الحديث ثابت عن عمر بن الخطاب من عدة وجوه، وكان عمر كما في المصنف وغيره يعلم الناس هذا الدعاء، ولذلك اختاره الإمام أحمد واختاره غير واحد من أهل العلم، وقال الترمذي رحمه الله: العمل عليه عند أكثر أهل العلم. هذا الدعاء المشهور طبعاً روي عن النبي ﷺ لكن أصح رواياتهم ما ثبت عن عمر بن الخطاب، هذا دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك.
هذه التي ذكرتها، رفع اليدين والقبض ودعاء الاستفتاح، كله من السنن. وأيضاً من السنن الاستعاذة، الاستعاذة أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، في قول جماهير أهل العلم. إذا كبر ثم استفتح يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. قال ابن المنذر: وجاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وبعض أهل العلم يزيد، الإمام أحمد قال بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقول: إنه هو السميع العليم؛ وذلك لأن هذه اللفظة واردة في آية أخرى، وهي في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36]. فاستعذ بالله معناه قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إنه هو السميع العليم؛ معناه تزيد: إنه هو السميع العليم. هذا كله أمر مباح أو أمر مستحب، يعني مخير فيه المصلي، وهذه الزيادة: إنه هو السميع العليم ورد فيها بعض الأحاديث لكنها أحاديث ضعيفة.
كل ما تقدم بعد تكبيرة الإحرام من الأشياء التي ذكرناها تعتبر من سنن الصلاة، ليس فيها شيء واجب، فالصلاة لا تبطل بترك أي شيء من هذه الأشياء. إذاً القيام عندنا ركن، القيام في الفرض ركن، تكبيرة الإحرام ركن، رفع اليدين سنة، القبض قبض اليدين سنة، الاستفتاح سنة، الاستعاذة سنة، كل ذلك سنن. غير القيام وغير تكبيرة الإحرام مما ذكرنا هذه السنن معناه لا تبطل الصلاة بها. الركن الثالث وهو ركن مهم، قراءة الفاتحة. قراءة الفاتحة فيها كلام كثير لأهل العلم، ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، وخالفهم الحنفية فذهبوا إلى أن الركن هو قراءة آية من أي الآيات سواء من الفاتحة أو من غيرها. وفي هذا الخلاف كلام كثير بين أهل العلم، لكننا نرجئ إلى حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري