دخولتسجيل الدخول

الحلقة 20

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن بعض الأركان، وبدأنا بالكلام عن الركن الثالث، وهو قراءة الفاتحة.

قال جمهور أهل العلم: إن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة. هؤلاء الجمهور هم المالكية والشافعية والحنابله وغيرهم كثير، يقولون: إن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة دونها. لكن ذهب الحنفية إلى أن قراءة الفاتحة ليست بركن، وإنما هي واجب، والواجب عندهم أقل من الركن، فلا تبطل الصلاة بتركها سهوا، بينما عند الجمهور لو تركها سهوا أو عمدا لبطلت الصلاة، فهي ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها. الركن عند الحنفية هو قراءة آية من كتاب الله، سواء كانت الآية من الفاتحة أم من غير الفاتحة.

سبب اختلاف هؤلاء العلماء هو اختلافهم في فهم النصوص والجمع بين تلك النصوص. فقد ورد في هذه المسألة نوعان من النصوص: نوع يدل على ركنية الفاتحة، ومن تلك النصوص حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وهو في الصحيحين بل رواه الجماعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». هذا الحديث نص واضح، ومعنى لا صلاة أن صلاته باطلة على ما قاله الجمهور.

النوع الثاني من النصوص يدل على عدم ركنية الفاتحة، أو أن الركن هو مجرد قراءة آية من القرآن سواء كانت من الفاتحة أو غيرها. ومن تلك النصوص قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]. وكذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، حديث المسيء صلاته، وهو حديث مشهور؛ الذي جاء وصلى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ». في هذا الحديث علم النبي هذا الرجل أركان الصلاة أو علمه أهم ما فيها، ومن تلك الأركان التي علمها له أنه قال: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن». لم يقل له: اقرأ الفاتحة، قال: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن».

لأجل هذه النصوص التي ذكرتها اختلف أهل العلم في ماهية الركن؛ هل الفاتحة هي الركن أم قراءة آية واحدة هي الركن؟ الجمهور يميلون إلى أن الركن هو الفاتحة، وقووا هذا المذهب بمسلكين: المسلك الأول مسلك الترجيح، لأن النصوص الدالة على ركنية الفاتحة واضحة؛ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» صريحة، بخلاف النصوص الأخرى؛ «فاقرأ ما تيسر معك من القرآن». فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أو «بأم الكتاب» نص صريح يدل على أن الفاتحة ركن، بخلاف تلك النصوص الأخرى التي ذكرتها.

المقصود يقولون إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» أو قول الله تبارك وتعالى في الآية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ المقصود منه غير الفاتحة؛ لأن الآية وردت في قيام الليل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20]. إذاً ما تيسر من القرآن يكون بعد الفاتحة في قيام الليل. هذا مسلكهم، وهم الجمهور يقولون: المراد بما تيسر من القرآن هو ما زاد على الفاتحة.

المسلك الثاني هو مسلك الجمع بين هذه النصوص؛ فهم يقولون: «فاقرأ ما تيسر معك من القرآن» هذا مجمل، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» مجمل. النص المجمل عند أهل العلم هو المتردد بين معنيين أو أكثر على السواء، أما قوله عليه الصلاه والسلام: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» فهو نص مبين، والمبين يبين المجمل. معناه أن المجمل الذي يحتمل أكثر من معنى يبينه هذا النص الواضح الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا، فيكون المراد بالنص المجمل هو النص المبين، وهذا كثير في استدلالات أهل العلم؛ أنهم يقدمون النص المبين على النص المجمل.

هذه الطريقة معروفة عند الفقهاء؛ فمثلا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، هل يقال بأن الواجب هو أي صلاة من الصلوات، أم يقال هي صلاة معينة وهي صلاة الظهر أربعا وصلاة الصبح ركعتين؟ من الذي بين أقيموا الصلاة؟ هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففعل النبي أو نصوص النبي وأقواله هي نصوص مبينة واضحة بينت المجمل من القرآن. فالجمهور يقولون: إن قوله «فاقرأ ما تيسر معك من القرآن» مجمل، والحديث الآخر الذي هو «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» مبين يبين ذلك المجمل.

الفريق الثاني وهم الحنفية، الذين ذهبوا إلى أن الواجب أو الركن هو قراءة آية فأكثر، أيضا قووا مذهبهم بمسلك كما فعل الجمهور. المسلك الأول الترجيح؛ فقالوا حديث المسيء صلاته حديث أبي هريرة أرجح، أولا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمه أركان الصلاة، فقال له: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، ثم القرآن يوافقه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فصار القرآن يوافق الحديث. وإن كان هذا يمكن أن يجاب عليه بأن النص القرآني خارج عن محل النزاع؛ فالنص القرآني في قراءة ما زاد على الفاتحة.

المسلك الثاني هو مسلك الجمع. أنا أبين هذه المسالك لهؤلاء الأئمة حتى نعلم من أين أخذوا أدلتهم ومن أين أخذوا أقوالهم، ونعذرهم لأنهم كانوا يريدون التحري للعبادة والتحري للفقه. مسلك الجمع؛ ماذا قالوا فيه؟ قالوا: حديث عبادة بن الصامت الذي هو «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» هو ليس لنفي صحة الصلاة، وإنما لنفي الكمال. والآية التي ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ وحديث أبي هريرة الذي فيه «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» هو لبيان القدر المجزئ. إذاً الركن هو اقرأ أي شيء معك من القرآن، وأما الكمال فهو أن تقرأ الفاتحة. فحملوا حديث عبادة بن الصامت على نفي الكمال؛ أي لا صلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب، وأما لا صلاة صحيحة إلا بقراءة آية. هكذا فسر الحنفية هذه الأحاديث وجمعوا بين هذه الأقوال، ومذهب الجمهور لا شك أحوط وعليه أدلة أكثر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

من المسائل المهمة في قراءة الفاتحة قراءة المأموم. نحن نعلم أن قراءة الفاتحة في مذهب الجمهور فرض على المنفرد وفرض على الإمام، وأما المأموم فهل هي ركن عليه أيضا أم تكفي قراءة الإمام عن قراءته؟ هذه المسألة اختلف الجمهور فيها على ثلاثة أقوال. القول الأول: أنها ركن في حق المأموم أيضا، وهو قول الشافعية؛ أي أن المأموم لا بد أن يقرأ الفاتحة سواء قرأ الإمام أو لم يقرأ. القول الثاني: أنها لا تجب على المأموم، وهذا قول الحنفية والحنابلة. القول الثالث: أنها تجب على المأموم في السرية دون الجهرية، وهو قول المالكية؛ توسطوا بين القولين. إذاً قول الحنابلة والحنفية أنها لا تجب على المأموم سواء كانت في السرية أو في الجهرية، وقول الشافعية يقولون هي واجبة أو ركن على المأموم في كل الصلوات السرية والجهرية، والحنفية والمالكية يقولون هي واجبة في السرية وليست واجبة في الجهرية.

كل قول من هذه الأقوال له أدلته. لو أردنا ذكر تلك الأدلّة، فمثلا القول الأول الذي يقول بالركن وهو قول الشافعية، أنه لا بد للمأموم أن يقرأ الفاتحة خلف الإمام سواء كان في صلاة جهرية أم في صلاة سرية؛ بماذا احتجوا؟ احتجوا أولا بحديث عبادة بن الصامت الذي ذكرناه وفيه: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». هذا الحديث في الصحيحين وهو من رواية الزهري عن محمود بن الربيع -ومحمود بن الربيع صحابي صغير- عن عبادة بن الصامت. ما دلالته من هذا الحديث على أنها واجبة على المأموم؟ يقولون: الحديث عام، لأن قوله «لا صلاة»، هذه النكرة أو هذه اللفظة، هي في سياق النفي؛ وعند أهل العلم النكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي لا صلاة صحيحة سواء كانت لمأموم أو لمنفرد أو لإمام إلا بفاتحة الكتاب. فيقولون هذا عموم لا يجوز أن نخرج عنه أو نتركه إلا بدليل.

الدليل الثاني ما رواه الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» -ثلاث مرات- «فهي خداج غير تمام». فقيل لأبي هريرة -قال له رجل-: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله سبحانه وتعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله سبحانه وتعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».

هذا الحديث الشافعية يستدلون به من أوجه متعددة؛ فيقولون هو يدل على وجوب القراءة على المأموم من أوجه. الوجه الأول: العموم الذي تفيده النكرة في سياق الشرط، فقوله: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج»، هذا عموم. فـ «من» إن كانت شرطية أو موصولة فعلى كلا القولين تفيد العموم. هذا الوجه الأول، فمن صلى من الناس سواء كان مأمومًا أو من صلى صلاة سواء صلاة مأموم أو صلاة إمام ولم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، إذا لا بد على المأموم أن يقرأ بفاتحة الكتاب. الوجه الثاني: أن أبا هريرة فهم من الحديث العموم، ولذلك لما سئل عن صلاة المأموم خلف إمامه -يعني هل يقرأ أو لا- قال: اقرأ بها في نفسك. الوجه الثالث: أن الله سبحانه وتعالى سماها صلاة فقال في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي». وكما هو معلوم إذا سُمي عمل ببعض ما فيه من الأعمال، دل ذلك على أن ذلك العمل ركن من أركانه، والأمثلة على هذا كثيرة، فمثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»؛ فعرفة جزء من الحج، فالنبي لما قال الحج عرفة دل على أن عرفة ركن من أركان الحج. هذه طريقة من الاحتجاج، فإذا لم يقرأ المأموم الفاتحة فكأنه لم يصلِّ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي»، فإذا لم يقرأها المأموم كانه لم يصلِّ. نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا ذكرنا قبل الفاصل أدلة الشافعية على وجوب قراءة الفاتحة للمأموم. ذكرنا لهم دليلين؛ الدليل الأول هو حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، الدليل الثاني هو حديث أبي هريرة: «من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج»، «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي».

الدليل الثالث وهو أهم الأدلة وأوضحها، ما رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والترمذي في سننه، وغيرهم من حديث محمد بن إسحاق -وهو ابن يسار صاحب المغازي المشهور المدني- عن مكحول الشامي عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت. إذا محمود بن الربيع الذي روى عنه الزهري حديث عبادة بن الصامت، جاءنا هنا أيضا، لكن الراوي عنه هنا هو مكحول والراوي عن مكحول محمد بن إسحاق. عبادة بن الصامت يقول في حديثه: كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: «لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟» فقلنا: نعم يا رسول الله. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».

هذا الحديث نص صريح على أن فاتحة الكتاب على المأموم فرض أو واجب، لأنه كان يقرأ في صلاة الفجر وثقلت عليه الصلاة أو القراءة، فقال: هل قرأ معي أحد؟ فقالوا: نعم، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب»، إذا استثنى الفاتحة، «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». هذا الحديث فيه كلام؛ هذا الحديث الذي هو حديث محمد بن إسحاق عن مكحول الشامي عن محمود بن الربيع رواه إمام من الأئمة وهو الزهري وذكرنا روايته، ولكنه لم يذكر القصة، لم يذكر أنهم كانوا في صلاة فجر. وأيضا من العجائب في هذا الحديث أن محمد بن إسحاق مدني ويروي عن شامي وهو مكحول، ولا إشكال في روايته عن مكحول، لكن دائما إذا اختلفت الأمصار إذا...

كان هناك راوٍ من مصر يروي عن شخص آخر، وقد تكون في روايته شيء من الضعف. فهذا الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق مال إليه البخاري وصححه، لكن بعض الأئمة ضعفه كالإمام أحمد. والبخاري لما صححه في كتاب القراءة خلف الإمام، لم يخرجه في الصحيح؛ مما يدل على أن الحديث أقل رتبة عنده. وابن عبد البر أيضاً أعَلَّ هذا الحديث بالاضطراب في أسانيده.

والحديث كما ذكرت يرويه عن محمود بن الربيع إمام من الأئمة وهو الزهري رحمه الله عليه، والزهري من أحفظ الناس وهو مدني أيضاً. بخلاف مكحول فهو شامي، ومكحول يروي عن محمود بن الربيع، ومكحول أيضاً مدني. فهذه الروايات تجعل الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق -وهذا الذي فيه هو نص في الحقيقة في هذه المسألة- تجعله فيه شيء من الضعف. هذا هو دليل الشافعية الثالث، وهو من أهم الأدلة، لكنه في صحته كلام.

أما الجمهور فقد احتجوا بحجج، والجمهور كما ذكرت قولهم إن القراءة على المأموم ليست بواجبة؛ فالقراءة واجبة على الإمام وواجبة على المنفرد، أو ركن على الإمام ركن على المنفرد، وأما المأموم فليست عليه القراءة واجبة، فقراءة الإمام له قراءة عندهم. ما هي أدلة الجمهور؟ الجمهور يقولون أدلتهم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. فإذا كان الإمام يقرأ القرآن، لم يترك فاصلاً بين الفاتحة والسورة التي بعدها، وهذه هي السنة، ليس هناك فاصل بين السورة وبين الفاتحة. والنبي صلى الله عليه وسلم لو أراد أن المأموم يقرأ خلفه لجعل هناك فاصلاً بين الفاتحة وبين السورة التي تليها. فقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ دليل للجمهور على عدم وجوب، بل عدم جواز قراءة المأموم خلف إمامه. ولذلك قال غير واحد من السلف منهم زيد بن أسلم وأبو العالية، ذكروا أنهم كانوا يقرأون خلف الإمام فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وذكر الإمام أحمد أن أهل العلم أو الناس أجمعوا على أن هذه الآية نزلت في الصلاة، تنهى الناس عن القراءة خلف إمامهم، ولو لم تنزل هذه الآية في الصلاة لكان اللفظ عاماً يتناول بعمومه الصلاة وغير الصلاة.

الدليل الثاني من أدلة الجمهور هو ما رواه الإمام مالك رحمه الله عليه في الموطأ، وكذلك الخمسة وهم أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم من حديث الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟» فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أقول ما لي أنازع القرآن». فانتهى الناس عن القراءة مع النبي صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه صلى الله عليه وسلم بالقراءة بعدما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث واضح ودليل أيضاً صريح للجمهور أنه لا تجوز القراءة خلف الإمام إذا كان الإمام يقرأ.

ولذلك اشتد الإمام أحمد في هذه المسألة وقال كلاماً، يقول في معنى كلامه: ما سمعنا أحداً من أهل الإسلام يقول إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. يقول: لم نسمع أحداً يقول ببطلان صلاة المأموم إذا لم يقرأ ما دام أن الإمام يقرأ. هذا النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الصحابة والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز -مالك عالم الحجاز- يقول بأن صلاة المأموم ليست بباطلة. وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث بن سعد في أهل مصر، ما قالوا لرجل صلى خلف الإمام وقرأ إمامه ولم يقرأ هو صلاته باطلة. ما قالوا له إن صلاته باطلة، كأنه يرد بذلك على الشافعي رحمه الله عليه، وهو شيخ من شيوخه رضي الله عن الجميع.

الدليل الثالث من أدلة الجمهور أن الفاتحة لا تجب على المأموم، أنها لا تجب على المسبوق باتفاق. ما معنى هذا الكلام؟ المسبوق الذي جاء والناس والإمام قد ركع، هو لا يقرأ الفاتحة، يأتي ويركع وتكون صلاته صحيحة. أين الفاتحة بالنسبة للمأموم المسبوق الذي جاء والناس راكعون؟ قال الشافعية هنا تسقط عنه للعذر، لكن الجمهور يقولون إن سقوط الفاتحة في حق المسبوق دليل على أنها لا تجب على المأموم؛ لأنها لو كانت كسائر الأركان لوجبت على المسبوق أن يقرأ الفاتحة ولما أدرك الصلاة في الركوع.

أما حديث عبادة الأول الذي فيه العموم، هم يردون الجمهور على الشافعية الذي فيه: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، يقولون هذا محمول على غير المأموم؛ لأننا استثنينا المأموم بأدلة. وهكذا حديث أبي هريرة الذي فيه: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي»، أما قول أبي هريرة اقرأ بها في نفسك، فيقول الجمهور هذا من كلام أبي هريرة، من اجتهاده، وقد خالفه بعض الصحابة مثل جابر وابن الزبير وغيرهما، وكلامه يحتمل اقرأ بها في سكتات الإمام، ويحتمل أنها ليست بواجبة عليه أو في إسرار الإمام. وأما حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرناه وهو نص للشافعية الذي فيه: «لا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بفاتحة الكتاب»، هذا فيه الكلام الذي ذكرناه، وفيه من أهل العلم من طعن فيه بالضعف، وبالتالي ليس هو حجة، يمكن للخصم أن يحتج بها على الخصم.

أما المالكية الذين قالوا بوجوب الفاتحة على المأموم في السرية دون الجهرية، فهم جمعوا بين أدلة الشافعية وأدلة الجمهور، فأدلة الجمهور صالحة لهم في السرية، وأدلة الشافعية صالحة لهم في السرية. هذا مجمل خلاف الفقهاء في هذه المسألة وهي قراءة المأموم للفاتحة.

هنا تنبيه ينبغي أن ننبه عليه، وهو أن كثير من العوام، ممن يرى إما القراءة واجبة عليه وهو مأموم أو يراها غير واجبة، تجده يشن على من يخالفه. المسألة فيها خلاف، الذين يقولون بأنها واجبة على الجمهور منهم الشافعي ومنهم البخاري رحمه الله عليه، والذين يقولون ليست واجبة هم أكثر الأئمة؛ فلا ينبغي التنازع في هذه المسألة بين عوام الناس، لأنهم أصلاً لا يستطيعون، ليس عندهم التأهل للنظر في الأدلة فكيف لهم أن يفتوا أصلاً؟ والعجيب أن منهم من يزعج من حوله، هناك بعض السلبيات من الممارسات لهذه المسألة نجدها في المساجد، تجد بعض الناس ينازع الإمام في القراءة، يعني الإمام يقرأ الفاتحة أو يقرأ السورة التي بعد الفاتحة، وتجد المأموم خلفه يقرأ بصوت مرتفع يريد أن يسمع نفسه قراءة نفسه والإمام يجهر، فيشوش على المصلين بل يشوش على الإمام نفسه، ولو أن المصلين كلهم فعلوا ما فعله هو لأصدروا ضجة عظيمة ولاختل ميزان الصلاة.

أحياناً الإمام لما يسمع شخصاً يقرأ خلفه يظن أنه يريد أن يصلح قراءة الإمام، أن الإمام أخطأ في القراءة، فتجد الإمام يسكت، وهذا حصل لي مراراً، أسمع شخصاً يقرأ خلفي فأسكت أظن أنني أخطأت في القراءة، وهو يريد الإصلاح لي، وهذا من التشويش على الإمام. والحقيقة أن هذا الذي يصنعه هذا المصلي لا يجوز باتفاق العلماء، حتى الشافعية؛ التشويش أو رفع الصوت بالقراءة هذا كلهم يمنعونه. فالشافعية الذين يجوزون للمأموم أو يوجبون عليه القراءة، يقولون اقرأ بها في نفسك بحيث لا ترفع صوتك بها بحيث يشوش على المصلين. فلذلك ينبغي على كل قارئ، وأنا أنصح كل من يوجب على نفسه قراءة الفاتحة وهو مأموم -وإن كانت غير واجبة في الحقيقة- أنصحه بأن لا يشوش على الناس، وأن يقرأ بها في سره، فإن ذلك أصلح لصلاته ولصلاة الناس.

المسألة الثانية هي التأمين، وهي سنة باتفاق العلماء. فلنبدأ بالمسألة الأولى وهي البسمله، البسملة اختلف العلماء فيها من جهتين. الجهة الأولى: هل هي آية من الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ على قولين، مع أنهم اتفقوا على أنها آية أو بعض آية من سورة النمل، وذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]. وأما غير سورة النمل ففيها القولان المشهوران.

القول الأول وهو قول الجمهور من الحنفية والحنابله وغيرهم، هو أن البسملة ليست آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، بل هي آية مستقلة وآية واحدة من القرآن كله أنزلت للفصل بين السور، وبالتالي فقراءتها في الفاتحة سنة وليست بواجبة. ومذهب المالكية قريب من هذا المذهب إلا أنهم لا يرونها آية إلا من سورة النمل، فلا تقرأ عندهم من الفاتحة. وحجة الجمهور هو ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم ذكره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة القرآن فهي خداج»، ثلاثاً، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي...» الحديث. فهذا الحديث يدل على أن في بدئه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هو بدأ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا دليل على أن التسمية ليست آية من أول الفاتحة. هذا من أدلة الجمهور، وهناك أدلة كثيرة للجمهور، وهناك أدلة للقول الثاني وهو قول الشافعية أنها آية من الفاتحة، ولكن هذه الأدلة تحتاج إلى بسط، ذلك نرجئه إلى الحلقة القادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.