الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا فيما مضى عن ثلاثة أركان من أركان الصلاة: أول هذه الأركان القيام في الفريضة للقادر على ذلك، وثاني هذه الأركان تكبيرة الإحرام، وثالث الأركان قراءة الفاتحة. وتكلمنا عن بعض المسائل المتعلقة بالركنين الأولين، ولم نتكلم عن المسائل المتعلقة بالركن الثالث وهي قراءة الفاتحة.
ومما يتعلق بقراءة الفاتحة المسألة الأولى: البسملة، وهي إما أن تكون واجبة وإما أن تكون مستحبة على خلاف بين الفقهاء، وقد أشرنا إلى هذا الخلاف في الحلقة الماضية. المسألة الثانية هي التأمين، قول المصلي آمين، وهي مسألة مستحبة باتفاق العلماء وذلك من حيث الجملة.
المسألة الأولى وهي البسملة؛ كنا قد ذكرنا شيئاً من خلاف العلماء فيها، وخلاف العلماء فيها في الحقيقة من وجهين. الوجه الأول: أنهم اختلفوا هل هي آية من الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ وذلك أنهم اتفقوا على أنها آية من سورة النمل أو بعض آية منها، وذلك في قول الله تباركت وتعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]. أما غير سورة النمل فهم مختلفون فيها على قولين مشهورين.
القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم من الحنابلة والحنفية وغيرهم، هو أن البسملة ليست آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، بل هي آية مستقلة من القرآن كله أنزلت للفصل بين السور، وبالتالي فقراءتها سنة وليست بواجب. ومذهب المالكية قريب من مذهب الحنفية والحنابله إلا أن المالكية لا يرونها آية إلا من سورة النمل فقط.
وحجة هذا المذهب الذي هو مذهب الجمهور؛ ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة -وقد تقدم ذكره- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» ثلاثاً. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: ﴿قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمَدَنِي عَبْدِي﴾ [الفاتحة: 2] إلى آخر الحديث. وجه الدلالة من هذا الحديث أنه بدأ بآية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يبدأ بالبسملة، وهذا دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنها لو كانت من الفاتحة لبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بذكرها.
القول الثاني: وهو قول الشافعية، هو أن البسملة آية كاملة من الفاتحة ومن كل سورة من السور، وبالتالي فقراءتها فرض واجب مع الفاتحة، لأن الفاتحة ركن، وبالتالي إذا كانت البسملة آية من الفاتحة فهي كذلك ركن. والشافعية لهم في هذا القول حجج من الأحاديث والآثار، إلا أن هذه الحجج لا تسلم إما من حيث الثبوت وإما من حيث الدلالة، فقد تكون ثابتة لكن دلالتها على ما أرادوا ليست واضحة أو ليست صريحة، أو لا تكون ثابتة وهي صريحة.
ومن أقوى حججهم أنهم يقولون: إن الصحابة أثبتوا البسملة فيما جمعوه من القرآن في أوائل السور، والقرآن كله مكتوب بخط واحد، والبسملة مكتوبة بخط القرآن، وكل ما هو مكتوب بخط القرآن فهو من القرآن، وما بين الدفتين هو من القرآن وهو كلام الله، وبالتالي فالبسملة منه. والجمهور يجيبون على هذا القول بأن إثباتها بين السور في المصحف هو دليل على الفصل. الجمهور يقولون: هي آية، هم لا ينكرون كونها آية، ولكنهم يقولون هي فاصل، هي آية مستقلة وهي فاصل بين السور، ولذلك أفردت بسطر وحدها وليست هي آية من كل سورة.
وقد أجمع أهل العلم -من حجة الجمهور على الشافعية- على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وسورة الكوثر من غير البسملة ثلاث آيات، والعلماء أجمعوا على أنها ثلاث آيات، فلو كانت البسملة منها لعدوها أربع آيات. وهكذا قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما صح عنه أنه قال: «سورة من القرآن ثلاثون آية تشفع لصاحبها حتى يغفر له أو شفعت لصاحبها حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك». وتبارك الذي بيده الملك من غير البسملة هي ثلاثون آية، وبالبسملة لو عددنا البسملة لكانت إحدى وثلاثين آية.
وأما الوجه الثاني الذي اختلفوا فيه في البسملة هو أنهم اختلفوا: هل يقرأها القارئ ويجهر بها، أم لا يقرأها أصلاً، أم أنه يقرأها ويسر بها؟ وهذه المسألة في الحقيقة ألف فيها العلماء وأفردها بالتصنيف جماعة من الحفاظ الكبار؛ منهم ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر والخطيب وغيرهم. وفيها في الحقيقة ثلاثة أقوال. القول الأول وهو قول المالكية: يقولون لا يقرأ البسملة مطلقاً فقراءتها عندهم ليست بسنة. القول الثاني وهو قول الشافعية: يقولون يجهر بها، يقرأها ويجهر بها في الجهرية، وأما في السرية فيسر بها، وهي عندهم قراءتها واجبة والجهر بها سنة. القول الثالث هو قول الحنفية والحنابلة: يقولون يقرأها لكن من غير أن يجهر بها، بل يسر بها مطلقاً سواء في السرية أو في الجهرية، وهو قول جماهير العلماء.
السبب في اختلاف العلماء في هذه المسألة هو اختلافهم في الأحاديث والآثار التي وردت في هذه المسألة، وقد ورد فيها أحاديث وورد فيها آثار. ومن أصح ما ورد في الجهر بالبسملة أو ببسم الله الرحمن الرحيم حديثان مشهوران. الحديث الأول -وهو أصح تلك الأحاديث- هو ما رواه النسائي وغيره من حديث سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال آمين، فقال الناس آمين. ثم إذا كلما سجد قال الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال الله أكبر، وإذا سلم قال، ثم لما سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا الحديث يستدل به الشافعية أو يحتج به الشافعية على الجهر بقراءة البسملة في الفاتحة، وقد صحح هذا الحديث غير واحد من أهل العلم؛ كابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وغيرهم. لكن الجمهور يجيبون عن هذا الدليل بجوابين. الجواب الأول: أنهم يقولون سعيد بن أبي هلال هذا الذي ذكرناه تفرد بالحديث عن نعيم المجمر عن أبي هريرة، وقد روى الحديث عن أبي هريرة جماعة من أصحابه، وبعض رواياتهم في الصحيحين، ومن أصحابه الذين رووا هذا الحديث أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو أحد الفقهاء السبعة، وكذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وكذلك المقبري وغيرهم، وكلهم لم يذكر أحد منهم كلمة: فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ومن المعلوم أن رواية الجماعة مقدمة على رواية الواحد المنفرد، لكن قد يقول قائل إن هذه زيادة، ولكن هذه الزيادة غير مقبولة إذا خالفت الأكثر.
الجواب الثاني: أنه على فرض صحة هذا الحديث -يعني صحة هذه اللفظة التي رواها نعيم المجمر وعنه ابن أبي هلال هذا، وأن أبا هريرة قال أو قالوا عن أبي هريرة أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم- هل في الحديث كلمة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم هل هي نص على الجهر؟ هي في الحقيقة ليست نصاً على الجهر، كلمة قرأ غير عن كلمة جهر، فقد يكون قرأ وسمعه من خلفه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع في الصلاة أحياناً، حتى في صلاة السر يسمع الآية أحياناً، ولذلك سمع الصحابة منه الاستفتاح، وسمعوا الاستعاذة من النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان يسر بهذه الأدعية. وفي الصحيحين من رواية أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم الآية أحياناً في صلاة الظهر. فالجمهور يقولون كلمة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم لا تدل على الجهر، كأنهم أولوا الكلام إلى شيء لا يدل على الجهر، وهم يريدون بهذا التأويل الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى الصحيحة، وهي أحاديث سيأتي ذكرها.
الحديث الثاني الذي يحتج به الشافعية هو ما رواه الإمام أحمد وكذلك أبو داود وغيرهم عن عبد الله بن أبي مولى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يقطع قراءته آية آية؛ يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. هذا الحديث هو حجة للشافعي، وقد صححه جماعة من أهل العلم منهم الدارقطني والحاكم، لكن الجمهور أيضاً يجيبون على هذا الحديث بأجوبة كثيرة؛ منها أنه معلول من وجوه، يعني لا يصححونه، لكن الكلام في تعليل له قد يطول الحديث فيه، لكن هناك اختلاف في رواياته، ومنها أنه ليس فيه التصريح بالجهر، إنما قالت إنه كان يقطع قراءته فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وليس فيه أيضاً في هذا الحديث أنه كان في الصلاة، وإن روي في هذا الحديث أنه كان في الصلاة، يعني خلاف ما تقدم، أو أنه كان يجهر، هذه الروايات كلها لا تثبت.
هذان هما أدلة الشافعية. أما أدلة الجمهور وهي أدلة عدم الجهر وتعتبر هذه الأدلة للجمهور في عدم الجهر وللمالكية في عدم القراءة أصلاً، وهي أحاديث كثيرة، منها ما رواه الجماعة -يعني البخاري ومسلم وغيرهم من أهل الكتب الستة- من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهم كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين. فهذا الحديث حجة للجمهور، وهم يستدلون به أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، فلم يذكروا بسم الله الرحمن الرحيم. لكن الشافعي رحمه الله عليه يجيب يقول: بالحمد لله رب العالمين معناها بالفاتحة بغض النظر عن كون البسملة فيها أم لا. لكن هناك ما يرد على الشافعي، وهو أنه في صحيح مسلم وفي غير صحيح مسلم من طرق متعددة وصحيحة أنهم لا يذكرون أو لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم، أو لا يذكرونها في أول قراءة ولا في آخرها، وفي رواية لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. إذاً في صحيح مسلم زيادة وهي من رواية شعبة وغيرهم من الحفاظ الكبار: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها، أو لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها، وهذا من حجة الجمهور على الشافعية. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن البسملة وحجج الشافعية على الجهر بها وذكرنا ما في هذه الحجج من الكلام، وذكرنا من حجج الجمهور حديث أنس بن مالك في الجماعة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
الدليل الثاني للجمهور هو ما رواه الخمسة إلا أبا داود عن عبد الله بن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أي بني! محدث، إياك والحدث. قال ابنه: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام منه، يعني من أبيه. قال: قال أبي: وقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان، فلم أسمع أحداً منهم يقولها، يعني يقول البسملة، فلا تقلها إذا أنت صليت بل قل الحمد لله رب العالمين.
هذا الحديث رواه الترمذي ورواه الخمسة إلا أبا داود كما ذكرت، وقال الترمذي: إن أهل العلم أو عليه عمل أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن التابعين أناس كثيرون، يقولون لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بل يقولها في نفسه، يعني حملوا هذا الحديث -حديث عبد الله بن مغفل- والذي قبله على أنه يسر بها، لا أنه لا يقولها أبداً. وأما المالكية فحملوه على عدم القول بها أو عدم قولها مطلقاً. فهذه الأحاديث التي احتج بها الجمهور واحتج بها أيضاً المالكية هي تحتمل عدم قراءة بسم الله الرحمن الرحيم أصلاً وهو ما ذهب إليه المالكية، وتحتمل الإسرار بها وهو ما ذهب إليه الجمهور، لكن ما ذهب إليه الجمهور أقرب جمعاً بين الأدلة؛ يعني بين ما احتج به الشافعية على الجهر وبين ما احتج به الجمهور على عدم الجهر، فنخرج منها بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر بالبسملة، لا أنه لا يقرؤها بل يسر بها ويبتدئ في الجهر بالحمد لله رب العالمين، فهذا من أقرب المذاهب على هذه المسألة. هذه المسألة الثانية في البسملة، وأما المسألة المتعلقة بالفاتحة هي التأمين. التأمين تكلم فيه العلماء وهو قول المصلي آمين، وتكلموا في آمين من جهتين.
الجهة الأولى في معنى هذه الكلمة معنى أمين وكيفية لفظها وضبطها، والجهة الثانية في اختلافهم هل يجهر بها أم يسر بها.
الجهة الأولى التي يتكلمون فيها هي ضبط هذه الكلمة، كلمة أمين. قالوا إن أصلها سريانية، ولذلك توجد في عدة لغات، فتوجد عند العرب وتوجد عند غير العرب. المشهور أن معناها اللهم استجب. معنى كلمة أمين إذا قلت أمين كأنك قلت اللهم استجب.
ما هو ضبط لفظها؟ هل هو أمين بالتشديد أو أمين بالمد والتخفيف أو أمين بالقصر؟ العلماء يقولون لها ضبطان. الضبط الأول هو أمين بالمد والتخفيف؛ يمد الهمزة ويخفف الميم، لا يشددها، لا يقول أمين، وإنما يقول أمين بالمد والتخفيف. وقد ورد ذلك في لغة العرب في كثير من الأشعار، منها قول الشاعر: أمين أمين لا أرضى بواحدة ... حتى أبلغها ألفين أمينا ويقول الآخر: يا رب لا تسلبني حبها أبداً ... ويرحم الله عبداً قال أمينا
الضبط الثاني هو بالقصر مع التخفيف، يعني يقول أمين، لا يمد الهمزة، أمين هكذا بدون تشديد للميم، فقط بالقصر والتخفيف. وهذا أيضاً ورد في أشعار العرب، ومن ذلك قول الشاعر: فقلت له قد هيجت لي بارح الهوى ... أصاب حمام الموت أهون يا وجدا أمين واضهِ الهوى فوق ما به ... أمين ولاقى من تباريح جهدا ويقول الآخر: تباعد عني فطحل إذ دعوته أمين ... فزاد الله ما بيننا بعدا
هذا هو الضبط لها، هناك الضبط أمين بالمد والتخفيف وأمين بالقصر والتخفيف. أما نطقها بالتشديد مع المد أمين هكذا، فهذا نطق خطأ، بينه العلماء وبينوا أنه غلط، لا يجوز أن يقوله المؤمن في الصلاة، وإنما يقول أمين أو أمين؛ لأن أمين بمعناه يختلف، هو يكون من الشيء أمَّه بمعنى قصد، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]، يعني ولا قاصدين البيت الحرام. فكلمة أمين بالتشديد تعني قاصدين، وهذا لا يناسب الدعاء، ففي غير المغضوب عليهم ولا الضالين هذا دعاء، فيناسبه اللهم استجب، ولا يناسبه قاصدين. هذه هي الجهة الأولى بالنسبة لكلمة أمين.
الجهة الثانية التي تكلم العلماء فيها هي هل يجهر بأمين أم يسر بها؟ لهم في ذلك قولان مشهوران. القول الأول هو استحباب الإسرار بها في الصلاة الجهرية خلف الإمام، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهذا مما يستغربه الناس لما يصلون في مكان يقول الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين لا يقول الناس أمين بالصوت الجهري. فبعض الناس الذين تعودوا على الجهر يستغربون؛ هذا هو مذهب المالكية ومذهب الحنفية، ولهم في ذلك حجج. من حججهم ما رواه الإمام أحمد من حديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، فلما قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال أمين وأخفى بها صوته.
لكن هذا الحديث تكلم فيه نقاد الحديث؛ فإنه من رواية شعبة بن الحجاج عن عاصم بن كليب، وقد خالف شعبة في رواية هذا الحديث سفيان الثوري وغيره، فقالوا ومد بها صوته، شعبة يقول وأخفى بها صوته، والآخرون يقولون ومد بها صوته. وهناك فرق بين العبارتين، وقد رجح النقاد حديث الثوري وخطأوا شعبة في هذا الحديث، منهم البخاري ومسلم وأبو زرعة الرازي والترمذي والدارقطني والبيهقي وغيرهم. وقد أشار الإمام أحمد رحمه الله عليه في مسنده إلى هذا الخلل في هذا الحديث، حيث ذكر بعد حديث الثوري حديث شعبة، ثم قال إن عبد الرحمن بن المهدي قال: وقال شعبة وخفض بها صوته، كأنه ينتقد هذه العبارة. هذا هو القول الأول وهذه حجته.
القول الثاني وهو قول الشافعية والحنابله هو استحباب الجهر بأمين في الصلاة الجهرية، واحتجوا بحجج، منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». ووجه الدلالة أنه قال إذا أمّن الإمام، لو لم يكن تأمين الإمام بالجهر لما علق تأمين المأموم عليه. الحديث الثاني هو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث وائل بن حجر، وهو الحديث الأول لكنه من رواية الثوري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال أمين ومد بها صوته. وفي رواية غيره وجهر بها. والامام مسلم يقول في التمييز إن الأخبار أو الروايات تواترت كلها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بأمين. ومذهب الشافعية والحنابله في هذه المسألة في الحقيقة هو أقوى دليلاً من مذهب المالكية ومذهب الحنفية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومن المسائل الواردة بعد ركن قراءة الفاتحة، قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الصلاة التي فيها زيادة على ركعتين، وهي سنة عند جماهير أهل العلم، ويسن أن يجهر بها في الجهرية ويسر بها في السرية بعد الفاتحة. ومن الأدلة على سنية قراءة السورة بعد الفاتحة ما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: في كل صلاة يُقرأ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعنا، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير؛ يعني إن زدت سورة على أم القرآن فهو خير. هذا يدل على سنيته، وكون هذه الزيادة على الفاتحة تسن في الركعتين الأوليين من الصلاة التي فيها أكثر من ركعتين، هذا أمر مشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل عنه نقلاً متواتراً.
أما ما زاد على الركعتين الأوليين فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يسن أن تقرأ في الركعة الثالثة ولا الرابعة سورة بعد الفاتحة؛ لأن عامة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يقرأ فيما بعد الركعتين الأوليين بعد الفاتحة شيئاً. وبعد قراءة السورة أو الفاتحة إذا كان مقتصراً عليها، يسن للمصلي أن يثبت قائماً، يعني أن يثبت قائماً بعد أن يكمل الفاتحة أو بعد أن يكمل السورة ويسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل القراءة بتكبيرة الركوع، يعني لا يقول بعد غير المغضوب عليهم ولا الضالين الله أكبر مباشرة، يعني يبقى قليلاً حتى يترادم؛ فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد وسنن أبي داود وسنن الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم كانت له سكتتان: سكتة عند افتتاح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من القراءة. وهذا الحديث حديث حسن.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري