الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا فيما مضى عن ثلاثة أركان وما يتبعها من المسائل، وتلك الأركان كانت القيام في الفرض مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة.
الركن الرابع هو الركوع، وقد أجمع العلماء على أن الركوع ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به. والدليل على ركنيته قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي أساء في صلاته، وقد تقدم ذكر هذا الحديث، وفيه: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً». إذاً الركوع ركن من أركان الصلاة.
ومما يستحب رفع اليدين إذا كبر للركوع، يرفع يديه وهذا سنة، وقد تقدم الكلام على مواضع رفع اليدين في الحلقات السابقة. وأن هذه المواضع أربعة: الموضع الأول عند تكبيرة الإحرام وهو قول الجماهير، والموضع الثاني والثالث عند الركوع وعند الرفع منه وهو قول الشافعية والحنابله، والموضع الرابع هو عند القيام من التشهد الأول وهو قول الشافعية. وقد صحت الأحاديث في هذه المواضع الأربعة، وأما ما عداها من المواضع فلا يثبت فيه شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومن السنة أيضاً إذا ركع أن يضع يديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه، ويمد ظهره، ولا يرفع رأسه ولا يخفضه؛ عليه أن يسوي ظهره ويكون رأسه أيضاً مستوياً مع ظهره، فلا يرفع رأسه ولا يخفضه. وقد ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: رأيته إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره، هصر ظهره يعني عصره حتى يعتدل وحتى لا يكون محدودباً. وفي بعض الألفاظ في صحيح البخاري: «فإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرج أصابعه ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده». وفي الترمذي أيضاً: «ولا صافح بخده»، يعني ليس رافعاً لخده بحيث تظهر صفحة خده، هذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وفي الترمذي قال: «ثم اعتدل فلم يصوب ولم يقنع»، ووضع يديه على ركبتيه؛ لم يصوب أي لم يبالغ في تنكيس رأسه، ولم يقنع أي لم يرفع رأسه كثيراً. وفي الصحيحين أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك. إذاً السنة أن يستوي ظهره وألا يخفض رأسه ولا يرفعه. وفي تسوية الظهر ورد بعض الأحاديث، جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع لو وُضع على ظهره إناء فيه ماء ما تحرك أو ما أُهريق الماء، وهذه الأحاديث لا يثبت منها شيء.
القدر الواجب من الركوع العلماء يقولون: هو الانحناء بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه إذا انحنى، ليس بالضرورة أن السنة أن يستوي ظهره راكعاً، لكن يكفي من القدر الفرض في الركوع أن يلمس ركبتيه بيديه؛ لأنه لا يمكن أن يخرج عن حد القيام عن أن يسمى قائماً إلا بهذه الكيفية، وليس بلازم أن يضع يديه على ركبتيه ولكن ذلك مستحب. وأيضاً مما يتعلق بهذا الركن وهو الركوع أنه يستحب أن يجافي عضديه عن جنبيه، يعني يجعلهما بعيدتين عن جنبه، وهذا ورد في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه حيث ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ووُتّر يديه، في سنن أبي داوود وفي سنن الترمذي وهو حديث صحيح، ووتّر يديه معناه كأنه شبه اليدين في انحنائها بالقوس المنحني، إذا أمسكت طرفه مع طرفه الآخر بالوتر وشددته انحنى القوس؛ فهو قال ووتّر يديه يعني كأنه يصف اليدين بأنها كالقوس الذي شُد بالوتر، هذا معناه وتّر يديه يعني نحّاهما عن جنبيه.
وأيضاً من السنة إذا ركع أن يقول: سبحان ربي العظيم. وهذا وارد في الأحاديث الكثيرة، منها في صحيح مسلم وغيره من حديث حذيفة قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، وهو حديث طويل، إلى أن قال في هذا الحديث: «ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه» يقول: سبحان ربي العظيم كثيراً؛ لأنه كان في قيام الليل. وورد في بعض طرق الحديث: «سبحان ربي العظيم وبحمده» بزيادة كلمة وبحمده، وهذه الزيادة قبلها بعض العلماء، سُئل الإمام أحمد عن ذلك فقال: جاء هذا وجاء هذا؛ يعني جاء سبحان ربي العظيم، وجاء سبحان ربي العظيم وبحمده، ويقول إنه لا يدفع شيئاً من ذلك يعني لا يرده.
وقد رُوي في أذكار الركوع أيضاً غير قول سبحان ربي العظيم رُوي أشياء أخرى، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وكذلك في سجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». تقول عائشة: يتأول القرآن. وفي بعض طرق الصحيحين قالت عائشة: ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] إلا يقول: «سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، وهذا معنى قولها السابق يتأول القرآن؛ لأن هذه السورة التي نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3]، فالنبي أخذ هذه الجملة فقال هذه الجملة الأخرى: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي. وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وكذلك في سجوده: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». وكذلك في صحيح مسلم أيضاً في حديث علي الطويل الذي ذكرناه في الاستفتاح، قال: «وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي».
هذا يذهب بنا إلى قول المالكية؛ المالكية لا يشترطون أو لا يستحبون تعيين سبحان ربي العظيم، يقولون هذه الأحاديث التي فيها تسبيحات أخرى غير سبحان ربي العظيم تدل على أنه لا يتعين قولك سبحان ربي العظيم، أما الجمهور فيقولون سبحان ربي العظيم هو المستحب. ويؤيد مذهب المالكية ما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس عن النهي عن القراءة في الركوع وفي السجود، وفي هذا الحديث قال: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم»، فقوله: فأما الركوع فعظموا فيه الرب، هنا لم يخص تسبيحاً من غيره بل أراد التعظيم، بينما الجمهور يستحبون أن تقول سبحان ربي العظيم بعينها، وذلك لثبوتها في عدة أحاديث مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر استعمالها، ومن هنا الجمهور يستحبون تعيين سبحان ربي العظيم، والأمر في هذا واسع.
ومما يُسن أيضاً أن يقول سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، ذكرنا أنها مما يستحب أيضاً تثليث الركوع عند جمهور العلماء وهو أدنى الكمال. وقد جاء في السنن الأربعة إلا سنن النسائي من حديث عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه». وهذا الحديث فيه انقطاع؛ الراوي عن ابن مسعود لم يدرك ابن مسعود، وقد ذكر ذلك غير واحد من النقاد منهم أبو داوود والترمذي وغير واحد قالوا إنه ليس بمتصل، عون بن عبد الله هذا لم يدرك عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، لكن الترمذي يقول هذا الحديث عليه العمل عند أهل العلم؛ يستحبون أن يُنقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات.
فإن كان المصلي إماماً يُستحب له أن يقول سبحان ربي العظيم ثلاثاً، سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، لا ينبغي له أن يطول على وجه يمل القوم. وعند الشافعية يُكره للإمام الزيادة على الثلاث، أن يقول سبحان ربي العظيم ثلاثاً فقط ولا يزيد على ذلك، أما الجمهور فيقولون لا بأس بالزيادة لكن لا يمل الناس، أما إذا كان منفرداً فيستحب له الزيادة على الثلاث لكن يقطعها على وتر. هذا بالنسبة للمستحب في ذكر الركوع، لكن هناك مسألة وهي: هل في ذكر الركوع شيء واجب أم أنه كله مستحب؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول قول جمهور أهل العلم وهو أن الذكر في الركوع لا يجب منه شيء، فلو لم يذكر المصلي في الركوع شيئاً من هذه الأذكار فصلاته صحيحة، والجمهور يحتجون في هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء صلاته، يعني ما قال له قل سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الأعلى، ولو كان واجباً لعلم المسيء صلاته هذا الذكر.
القول الثاني هو قول الحنابلة وهو أن سبحان ربي العظيم تجب مرة واحدة وما زاد على ذلك فهو مستحب، وهكذا سبحان ربي الأعلى تجب مرة واحدة وما زاد على ذلك فهو مستحب، وبالتالي عند الحنابلة لو ترك سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الأعلى متعمداً بطلت صلاته، ومن تركها ساهياً فهو يسجد للسهو، والحنابلة لهم في ذلك حجة، نذكرها بعد الفاصل بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا ذكرنا قبل الفاصل أن الجمهور والحنابلة اختلفوا هل يجب شيء من الذكر في الركوع؟ الجمهور يقولون لا يجب من ذلك الذكر، لا سبحان ربي العظيم ولا غيره، لا يجب منه شيء وإنما هو سنة فمن تركه لا تبطل صلاته. والحنابلة يقولون يجب أن يقول سبحان ربي العظيم مرة واحدة، وسبحان ربي الأعلى مرة واحدة، فإن تركها عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً سجد للسهو.
والحنابلة يحتجون على قولهم هذا بما في المسند وسنن أبي داوود وسنن ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم»، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] قال صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في سجودكم». وهذا الحديث في الحقيقة لا بأس بإسناده، قوّاه غير واحد من أهل العلم وسكت عليه أبو داوود. واحتجوا أيضاً بحديث آخر من رواية رفاعة بن رافع في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته، الذي رواه أبو هريرة، رواه أيضاً هذا الصحابي الجليل وهو حديث صحيح، وقد ذكر في بعض طرقه التكبير وتسبيح الركوع والسجود.
لكن العلماء، الجمهور، ينازعون الحنابلة في الاحتجاج بهذه الأحاديث، يقولون إنها وردت أذكار أخرى في الركوع غير هذا مما يدل على أن الأمر ليس للوجوب بل للاستحباب؛ لأنه وردت أذكار غير سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الأعلى، وأيضاً في حديث ابن عباس السابق أنه قال: «فأما الركوع فعظموا فيه الرب»، فهذا يدل على أنه لا يتعين شيء من تلك التسبيحات وأن الأمر إنما هو للاستحباب. أما حديث رفاعة هذا الذي يشبه حديث أبي هريرة في حديث المسيء صلاته، فلو كان واجباً لأُذكر فيه في حديث أبي هريرة، والحقيقة أن أكثر طرق حديث رفاعة ليس فيه سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى، وإنما جاءت في بعض الطرق، وهذا مما يدل على أن وجوبها ليس حتمياً أو ليس متيقناً منه، وأن الأمر يُحمل ليس على الوجوب وإنما على الاستحباب. هذا بالنسبة لسبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى.
ومن المسائل أيضاً المتعلقة بالركوع: قراءة القرآن في الركوع أو قراءة القرآن في السجود، وقد ورد في ذلك حديث، عامة العلماء ذهبوا إلى كراهة قراءة القرآن في الركوع وكذلك في السجود، لأنه ورد في ذلك أحاديث؛ منها ما في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب قال: «نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد». وهكذا في صحيح مسلم من حديث ابن عباس قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه فقال: «أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم».
هذا الحديث أو هذان الحديثان يدلان على ما ذهب إليه الجمهور من كراهة قراءة القرآن في الركوع أو السجود، لكن البخاري رحمه الله بوّب في صحيحه: باب القراءة في الركوع والسجود، ولم يورد في هذا الباب شيئاً من الأحاديث، والباب باب قراءة القرآن في الركوع والسجود في الحقيقة محتمل، محتمل أنه أراد به بهذا الباب عدم جواز القراءة، ويحتمل العكس.
جوازها، فإن كان البخاري يريد العكس فمعناه أنه يضعف تلك الأحاديث أو لا يرى أنها صحيحة. وقد رخص في قراءة القرآن في الركوع والسجود بعض السلف، منهم أبو الدرداء الصحابي رضي الله عنه، لكن جماهير أهل العلم على أن ذلك مكروه. لكن إعراض البخاري عن هذه الأحاديث التي في صحيح مسلم مع تبويبه يشعر بأنه لا يرى قوتها، وأكثر العلماء على صحتها، والإمام أحمد أيضاً ضعف حديثاً منها وهو حديث ابن عباس، وقال فيه: إسناده ليس بذاك. لكن الأحوط بلا شك هو اعتبار النهي في هذين الحديثين أو في هذه الأحاديث لأن أكثر العلماء على تصحيحها، ولذلك قالوا بمقتضاها، ومنهم الإمام أحمد، فالإمام أحمد يكره القراءة في الركوع والسجود أيضاً.
وهذه مسألة القراءة في الركوع والسجود تجرنا إلى مسألة أخرى وهي مهمة؛ لأنه ورد فيها حديث يتداوله بعض الناس، وهي مسألة يحسن التنبيه عليها في الحقيقة، وهي أن هناك من العلماء من ذكروا صلاة معينة في صلاة الحاجة، وذكروا فيها دعاء يذكرون أنه مستجاب وأنهم جربوه فوجدوه حقاً، ذكر ذلك غير واحد من العلماء، وقد يغتر بهذا بعض الناس، ولذلك أردت بيانه.
هم يقولون أو ورد في بعض الأحاديث أنه يصلي الشخص الذي يريد أن يدعو بدعاء أو عنده حاجة، يصلي اثنتي عشرة ركعة سواء كانت في الليل أو في النهار، ويتشهد بين كل ركعتين، فإذا جلس في آخر صلاته -يعني في التشهد الأخير- يثني على الله سبحانه وتعالى بعد ذلك التشهد، ويصلي على النبي ﷺ، ثم يكبر ويسجد سجدة واحدة، وهي كيفية تختلف عن الكيفيات التي نعرفها، ويقرأ وهو ساجد فاتحة الكتاب سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» عشر مرات، ثم يقول: «اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة»، ثم يسأل حاجته، ثم يرفع رأسه ويسلم.
هذه الكيفية ذكرها غير واحد من أهل العلم، لكن هذه الكيفية أو الصلاة والدعاء وردت في حديث رواه البيهقي رحمه الله في كتاب الدعوات، ورواه من طريق بعض الرواة منهم عامر بن خداش، يرويه عن عمر بن هارون عن ابن جريج عن داوود بن أبي عاصم عن عبد الله بن مسعود، لكن مع ذلك ذكر غير واحد من العلماء أن هذا الحديث لا يصح وأنه ضعيف، وأن رجاله فيهم كلام.
لكن بعض العلماء قالوا إنهم جربوه فوجدوه حقاً، منهم الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك على الصحيحين وهو إمام من الأئمة الكبار، ومنهم شيخه أبو زكريا يحيى العنبري، ومنهم أيضاً البيهقي وهو أحد الأئمة الكبار، ومنهم ابن الجزري، ذكروا أنهم جربوه، كذلك ذكر صاحب الترغيب والترهيب أن العمدة على التجربة ليست على الإسناد، ذكر أن بعض العلماء جربوه وأن العمدة إنما هي على التجربة وليس على الإسناد، يقوله صاحب الترغيب والترهيب وهو المنذري.
لكن في الحقيقة هنا ينبغي أن نقف وقفات؛ لابد من التنبيه على شيء وهو أن هذا الحديث منكر لا شك في نكارته لأسباب كثيرة، من هذه الأسباب أن في سنده عامر بن خداش وكذلك عمر بن هارون، عامر بن خداش فيه كلام من العلماء من ضعفه ومنهم من وثقه، وعمر بن هارون البلخي هذا أكثر الأئمة على تضعيفه بل كذبه بعضهم.
والشيء الثاني الذي يجعلنا نقول إنه منكر أن داوود بن أبي عاصم هذا الذي يرويه عن ابن مسعود لم يدرك ابن مسعود أصلاً، بينه وبينه انقطاع.
والشيء الثالث أن هذا الحديث يخالف الأحاديث التي في صحيح مسلم التي فيها النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وهذا الحديث يثبت أنك تقرأ القرآن في الركوع والسجود، وهذا لا يناسب قراءة القرآن في الحقيقة.
وكذلك من الأسباب أن هناك لفظة غريبة في الدعاء غير معلومة المعنى في الحقيقة، وهي قولهم: "اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك"، جملة معاقد العز من عرشك تحتمل أن يكون معناها صحيحاً وتحتمل أن يكون معناها ليس بصحيح، إذا كان المقصود بمعاقد العز من العرش هو تعلق العز بالعرش فمعناه كأنك سألت بمخلوق، والسؤال بالمخلوق لا يجوز، ولذلك كره هذا اللفظ الإمام أبو حنيفة فقال: لا يقال أسألك بمعاقد العز من عرشك. وإن كان المقصود بمعاقد العز من عرشك يعني الأسباب التي أعززت بها عرشك، وهذه الأسباب معناها صفة الرب سبحانه وتعالى، فهذا المعنى لا بأس به، يعني إذا كان هذا هو المعنى فهو يجوز الدعاء بهذا الدعاء، ولذلك جوزه أبو يوسف القاضي، لكن الأحوط اجتناب مثل هذا الدعاء الملتبس.
لكن مع ضعف هذا الحديث سنداً ومخالفته لأحاديث أصح منه، ومع أن فيه إبهاماً في معناه في هذه الجملة، مع وجود هذه الأسباب ولو أن بعض الأئمة عمل به، الأحوط لنا في الحقيقة تركه.
التنبيه الثاني هو أن الأولى ترك هذا الحديث وعدم العمل به، وما ذكر من الأئمة أنهم جربوه يعتذر لهم بأنهم رأوا أنه صحيح، وأنه لا يخالف الأحاديث التي في صحيح مسلم، قد تكون تلك مقصوداً بها الفريضة أو بعضهم ظن أن فيها شيئاً من الضعف وقووا هؤلاء الرجال، يعتذر لهؤلاء الأئمة الذين جربوا هذا الحديث واستعملوه بهذه الأعذار، وأما ما دمنا قد اطلعنا على عدم صحة هذا الحديث وأنه يخالف الأحاديث الصحيحة، فعلينا أن نتجنب العمل به.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري