الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهد الكريم. كنا تحدثنا فيما سبق عن بعض أركان الصلاة؛ فتحدثنا عن القيام في الفرض مع القدرة، وعن تكبيرة الإحرام، وعن قراءة الفاتحة، وعن الركوع. هذه أربعة أركان تكلمنا عنها، وتكلمنا عما يتعلق بها من أقوال الصلاة ونحو ذلك.
الركن الخامس من أركان الصلاة هو الرفع من الركوع والاعتدال فيه، وهو ركن عند جمهور أهل العلم إلا الحنفية. والجمهور يحتجون على ركنية هذا الفعل، وهو الرفع من الركوع والاعتدال فيه، بحديث المسيء صلاته، وهو حديث مشهور في الصحيحين بل في السبعة، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم له: «ثم ارفع حتى تعتدل قائماً». وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عائشة قالت: وكان إذا رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً. هذا هو الركن الخامس.
مما يتعلق بهذا الركن من السنن قول: سمع الله لمن حمده؛ فهذا سنة في حق الإمام وسنة في حق المنفرد بالاتفاق. لكن هل المأموم أيضاً يقول: سمع الله لمن حمده؟ الجمهور يرون أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وأما الشافعية فإنهم يستحبون أن يقول المأموم أيضاً: سمع الله لمن حمده. الجمهور يحتجون بأشياء؛ منها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وكذا من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وفي هذين الحديثين قال: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد». إذاً، سمع الله لمن حمده لا يقولها المأموم، إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد؛ هذا الحديث يدل على ذلك، وإنما يسن للمأموم أن يقول ربنا ولك الحمد.
هذا سنة في حق المأموم وسنة في حق المنفرد، وهذا بالاتفاق عند أهل العلم. لكن هل الإمام أيضاً يقول ربنا ولك الحمد؟ الحنفية والمالكية يقولون الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد، وإنما يقول سمع الله لمن حمده فقط. والشافعية والحنابله يقولون: يجمع الإمام بين سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد. والشافعية والحنابلة يحتجون بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين هاتين اللفظتين أو الجملتين في غير رواية من روايات أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين.
فمثلاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم يقول سمع الله لمن حمده عند ارتفاعه من الركوع، فإذا استوى قائماً قال ربنا ولك الحمد. وكذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ أو من الدرن.
وأيضاً في صحيح مسلم -وهذا من الدعاء الأطول عند الرفع من الركوع- يقول: ربنا ولك الحمد ملء السماوات إلى آخر الدعاء. وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
وأيضاً ورد في صحيح البخاري من حديث رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يوماً نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراء النبي صلى الله عليه وسلم: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من المتكلم؟» فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول». هذا هو الركن الخامس وما يتعلق به من الأقوال.
الركن السادس من أركان الصلاة هو السجود في كل ركعة مرتين. هذا ركن مجتمع عليه؛ اتفق الفقهاء على أن هذا ركن من أركان الصلاة، وذلك لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77]، فالركوع ركن والسجود ركن. وكذلك في حديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين بل في السبعة وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً».
والسجود هناك سجود كامل؛ يتفق العلماء على أنه أكمل السجود، وهو أن يسجد على سبعة أعظم كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين». هذه سبعة أعضاء ينبغي أن يسجد عليها المصلي. وقد اتفق العلماء على أنه لو سجد بهذه الأعضاء السبعة قدر ما يطلق عليه اسم السجود ثم رفع شيئاً منها في سجوده، فإن سجوده صحيح، هذا متفق عليه. معناه إذا سجد بالأعضاء السبعة لحظة واحدة واكتملت كلها في السجود فسجوده صحيح.
لكن اختلفوا لو أنه لم يضع بعض أعضائه، كما لو لم يضع القدمين أو لم يضع اليدين أو لم يضع إحدى القدمين أو إحدى اليدين، يعني سجد على ستة أعضاء أو خمسة؛ فالحنابلة يحتجون لحديث ابن عباس الذي تقدم ذكره أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم»، والجمهور يقولون: سجوده صحيح ما دام أنه سجد بجبهته؛ لأن السجود على الجبهة على الجبين هو الذي يطلق عليه اسم السجود في الحقيقة. والامر في هذا واسع، لكن الأحوط أن يبقى الإنسان ساجداً على سبعة أعظم، وهذا مما يحصل للناس، بعضهم إذا سجد يرفع رجليه بمجرد سجوده لا إرادياً، ينبغي على المصلي أن يتنبه لهذه السنة.
ومن السنة أن يكشف جبهته حال السجود؛ يعني إذا سجد هل تكون جبهته مكشوفة أو تكون مغطاة؟ السنة أن يسجد كاشفاً جبهته، وهذا ليس بواجب ولكنه سنة عند جمهور العلماء، وذلك لما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. والشافعية يذهبون إلى أن كشف الجبهة واجب، ويستدلون على ذلك بحديث خباب بن الأرت أنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرمضاء فلم يشكنا، يعني حر الرمضاء أنهم يسجدون على جباههم وعلى أيديهم فلم يشكنا، يعني لم يعطنا الإذن بأن نسجد على شيء، لكن هذا كان في بداية الإسلام، وحديث أنس كان في المدينة، الحديث الأول كان في مكة وحديث أنس كان في المدينة. مذهب الجمهور لا شك أنه أولى لحديث أنس هذا الذي ذكرته، ولما روى أيضاً ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن البصري قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته، لكن هذا كان بسبب حر الرمضاء، فالأولى للمصلي أن يسجد كاشفاً جبهته وكاشفاً يديه.
هنا مسألة بالنسبة للهوي إلى السجود: هل يستحب أن يقدم الإنسان ركبتيه أم يقدم يديه؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم؛ هل ينزل إلى السجود مقدماً يديه أم يقدم ركبتيه؟ هذا فيه قولان لأهل العلم. القول الأول أنه يستحب تقديم الركبتين على اليدين، وهذا قول جماهير أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة. القول الثاني عكسه، وهو أن يقدم يديه قبل ركبتيه، وهذا هو مذهب المالكية. والسبب في اختلافهم هو اختلاف الأحاديث أو الآثار، هناك أحاديث كثيرة لكن أشهر هذه الأحاديث حديثان. الحديث الأول هو ما رواه الخمسة أهل المسند والسنن الأربعة وغيرهم من حديث شريك بن عبد الله القاضي المشهور، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. لكن هذا الحديث من تفرد شريك القاضي، وشريك القاضي وإن كان عالماً إلا أن في حفظه شيئاً، ولذلك كثير من أهل العلم لا يعتمدون على ما يتفرد به، ومن أهل العلم من يصححون حديثه.
الحديث الثاني وهو الذي يحتج به المالكية هو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عبد العزيز الدراوردي -عبد العزيز بن محمد الدراوردي- عن محمد بن عبد الله بن الحسن وهو يسمى النفس الزكية، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه». هذا الحديث يعاكس أو يخالف الحديث الأول، وقد صححه بعض المتأخرين لكنه في الحقيقة ضعيف، وفيه عدد من العلل؛ منها أن الدراوردي هذا عبد العزيز الدراوردي المدني تفرد بهذا الحديث وخالفه غيره من الرواة لهذا الحديث، منهم عبد الله بن نافع عند الترمذي؛ فإنه لم يفسر معنى البروك، وإنما قال: يعمد أحدكم فيبرك في صلاته كما يبرك الجمل. وظني أن التفسير الذي ذكره الدراوردي في روايته هو من قبل نفسه، لأنه رأى ابن عمر أو روى عن عبيد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقدم يديه، فظن أن هذا هو تفسير للحديث ففسره من عنده.
والعلماء منهم من يقدم حديث وائل بن حجر كالخطابي رحمه الله عليه، فيقول حديث وائل بن حجر أصح، وفي فعل كثير من الصحابة كعمر وابن مسعود، وأما ابن عمر فورد عنه أنه كان يفعل يقدم يديه، نعم، لكنه يمكن أن يعتذر له بالكبر. والبخاري أيضاً يضعف حديث الدراوردي، فيقول إن الدراوردي لم يسمع هذا الحديث أو يقول النفس الزكية لم يسمع هذا الحديث من أبي الزناد، ويقول إنه لا يتابع عليه. فكلا الحديثين فيهما كلام، والأمر في هذا واسع، يعني من قدم يديه فله سنة ومن قدم ركبتيه فكذلك له سنة، والأمر في ذلك متسع، ولكن الأولى ما ذهب إليه جماهير أهل العلم وهو تقديم الركبتين على اليدين. نقف قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن ركن السجود، وذكرنا بعض ما يتعلق به. ومما يتعلق بالسجود ويستحب فيه السجود معتدلاً؛ ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»، يعني لا يجعل مرفقيه على الأرض، لا يبسط ذراعيه على الأرض.
هنا تنبيه، وهو أن بعض الناس يسجد ويريد أن يباعد في سجوده بين أعضاء سجوده، فيمد ظهره مداً شديداً بحيث لو زاد شيئاً يسيراً لأصبح كالمنبطح، وهو يكون دافعه شدة الحرص على الخير أو على السنة، وهذا في الحقيقة خروج عن الاعتدال في السجود؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاعتدال في السجود. وقد ثبت في غير حديث من الأحاديث في المسند والسنن أن الصحابة كانوا يستعينون بالركب، والنبي رخص لهم في ذلك، وبعض الرواة وصف ذلك بأن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعياه التعب، وهذا يدل على أن سجود الصحابة كان معتدلاً، لأن مرافقهم كانت قريبة من ركبهم، وهذا يدل على خلاف من مد ظهره فتبعد مرافقه من ركبتيه ويصبح مده شديداً.
ولذلك وردت السنة في الاعتدال والتفريج بشكل معتدل ومتوسط؛ ففي صحيح البخاري من حديث أبي حميد الطويل قال: فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابض، يعني وسط بين هذا وبين هذا، بين الافتراش وبين القبض الشديد، قال: ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. وفي سنن الترمذي وهو في المسند أيضاً من حديث أبي حميد قال: ثم هوى إلى الأرض ساجداً، ثم قال الله أكبر، ثم جافى عضديه عن إبطيه، وفتخ أصابع رجليه. فتخ بالخاء المعجمة، بعض الناس يقرؤها فتح وهو فتخ، فتخ رجليه بمعنى ثناهما وجعل ظاهر الأصابع إلى ظاهر القدم، ثنى الأصابع إلى ظاهر القدم.
وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن بُحينة عبد الله بن بُحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. وهذا التجافي في السجود وفي الركوع هو سنة وليس بواجب، لكن سنيته مقيدة بما لم يؤذِ من بجانبه؛ فالإمام والمنفرد يتمكن من المجافاة من ذلك بشدة، فبعض الناس يريد تطبيق هذه السنة وهو في الصلاة في صلاة الجماعة، فيؤذي من بجواره، ويحمل ذلك بعض الناس على أن يبتعد عنه، وهذا ليس من السنة، بل هو خلاف السنة؛ لأن أذية الناس هذا ليس من السنة بل هو خلاف السنة. ومن السنة أيضاً أن يقول في...
يقول المصلي الساجد: «سبحان ربي الأعلى» ثلاث مرات. ففي صحيح مسلم من حديث أبي حميد، بل هو من حديث علي رضي الله عنه، وهو حديث طويل، قال: «وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». قوله سبحان ربي الأعلى هذا ورد في بعض السنن، وفي صحيح مسلم ورد هذا الدعاء الطويل من حديث علي رضي الله تعالى عنه.
وكذلك يسن أن يدعو في سجوده بأدعية، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء». وأيضاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره».
وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش، فالتمست فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبان، وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».
هنا عائشة تقول: وقعت يدي على بطن قدميه؛ بعض أهل العلم يستنتج من هذا الحديث أن القدمين ملتصقتان. والحقيقة أن جمهور أهل العلم يذكرون أن السنة التفريج بين القدمين، وليس إلصاق القدمين، التفريج بين القدمين حال السجود كما يفرج بينهما حال القيام، وهذا استصحاب للأصل؛ لأنك وأنت قائم القدمان مفرج بينهما، فهكذا عند السجود، وهذا هو الأصل أن المصلي القائم يفرج بين قدميه، فيستصحب هذا الأصل حال سجوده، لأنه لو كان هناك اختلاف بين حال القيام وحال السجود لنقل إلينا ولذهب إليه أهل العلم، وأكثرهم بل جمهور أهل العلم على التفريج حال السجود بين الأعضاء، ومنها القدمان.
ذهب بعض أهل العلم من المعاصرين إلى أن السنة في حال السجود هي رص العقبين استشهاداً بهذا الحديث، واحتجوا أيضاً بما رواه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معي في الفراش، وهو الحديث المتقدم، إلا أنه هنا فيه زيادة قالت: فوجدته ساجداً راصاً عقبيه، مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة، فسمعته يقول: «أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك»، الحديث. قالت عائشة: فلما انصرف قال: «يا عائشة، أخذك شيطانك؟». فقالت: أمالي شيطان؟ قال: «ما من آدمي إلا له شيطان». فقلت: وأنت يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا، ولكنني دعوت الله له أو دعوته إلى الله فأسلم».
هذا الحديث الذي احتج به من احتج على رص العقبين؛ في الحقيقة أن روايته شاذة وسندها غريب؛ لأنها من رواية يحيى بن أيوب الغافقي، وهو مصري مشهور، وهو من الأئمة، ولكنه وإن كان ثقة إلا أنه يغرب ويخطئ في الحفظ، وهو أخطأ في هذا الحديث، وجمع بين حديثين: الحديث الأول الذي في صحيح مسلم وذكرته، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلاً فغارت عليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فرأى ما صنعته عائشة فقال: «مالك يا عائشة، أغرتِ؟». فقالت عائشة: ومالي لا أغار يا رسول الله، مثلي يغار على مثلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد جاءك شيطانك». قالت: يا رسول الله، أمعي شيطان؟ قال: «نعم، ومع كل إنسان». فقالت عائشة: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم». وهذا الحديث ليس فيه أنها وجدته ساجداً، وإنما فيه أنه رجع إليها في حادثة من الحوادث. والحديث الثاني التي وجدته ساجداً فيه في صحيح مسلم أيضاً من حديث عائشة قالت: فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش، فالتمست فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبان وهو يقول: «اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك»، الحديث. لكن حديث عائشة أن يده وقعت على بطن قدميه ليس فيه أنها مرصوصتان، فقد تقع اليد على قدم ثم على القدم الأخرى وهي تتحسس. ولذلك الحاكم يقول في حديث يحيى بن أيوب الغافقي: لا أعلم أحداً ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث، وهذا يدل على أن الحديث حديث فرد أو حديث شاذ. ولذلك أهل العلم من المذاهب الأربعة يستحبون التفريج بين القدمين حال السجود، والذي انتشر في هذا الزمان هو رص العقبين لأجل هذا الحديث وهو حديث غير ثابت، والله سبحانه وتعالى أعلم.
هذا ما يتعلق بالركن السادس، أما الركن السابع وهو الرفع من السجود، فهو ركن عند جماهير أهل العلم إلا الحنفية، والجمهور يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تطمئن جالساً».
الركن الثامن الجلوس بين السجدتين، وهذا ركن أيضاً عند الجمهور إلا الحنفية، وحجة الجمهور قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تطمئن جالساً». وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً.
ويسن في الجلوس بين السجدتين أن يجلس مفترشاً، والافتراش هو أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته ويجعل بطون الأصابع إلى الأرض معتمداً عليها، حتى تكون أطراف هذه الأصابع متجهة إلى القبلة، فقد ثبت ذلك في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود من حديث عائشة قالت: وكان إذا جلس يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى. وفي الخمسة أيضاً إلا النسائي من حديث أبي حميد الطويل قال: ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله اليسرى ويقعد عليها. هنا الجلسة هي الافتراش.
هناك مسألة أخرى وهي أن هناك جلسة أخرى غير الافتراش، من أهل العلم من يثبتها، وهي جلسة اختلف فيها هل هي سنة أم لا، وهي الجلوس على العقبين، يعني يضع قدماه منصوبتان وأصابعه إلى القبلة ويجلس على العقبين. وهذا الجلوس ورد فيه النهي، ورد النهي عن الإقعاء وعن عقب الشيطان في أحاديث، من أصح هذه الأحاديث ما في صحيح مسلم من حديث عائشة في صفة الصلاة قالت: وكان ينهى عن عقب الشيطان. فالجمهور ذهبوا إلى كراهة الإقعاء أو عقب الشيطان وفسروه بأن يجلس على عقبيه مستوفزاً غير مطمئن إلى الأرض، فعلى هذا التفسير تكون هذه الجلسة منهياً عنها وليست بسنة. وأما الشافعية فذهبوا إلى أنها سنة، وأنها مثل الافتراش إلا أن الافتراش أفضل منها، وأجابوا عن الجمهور وعن أحاديث الإقعاء بأن المراد بالإقعاء إقعاء الكلب، وهو جلوس الرجل على الأرض ناصباً فخذيه، واحتجوا بحديث لابن عباس أنه سئل عن الإقعاء فقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث في صحيح مسلم.
نكمل الحديث إن شاء الله في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري