الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا عن بعض أركان الصلاة، وتكلمنا عن الركن الثامن وهو الجلوس بين السجدتين، وذكرنا جلسة الافتراش وأنها السنة. وذكرنا أن هناك جلسة أخرى اختلفت الآراء فيها هل هي سنة أم لا، وهي الجلوس على العقبين والقدمان منصوبان. هذه الجلسة ورد النهي عنها في تفسير، فقد ورد النهي عن الإقعاء أو عقب الشيطان في بعض الأحاديث، ومن أصح تلك الأحاديث ما في صحيح مسلم من حديث عائشة، وهي تصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «وكان ينهى عن عقب الشيطان».
فذهب جمهور أهل العلم إلى كراهة الإقعاء أو عقب الشيطان، وفسروا الإقعاء هنا بأن يجلس على عقبيه مستوفزاً غير مطمئن إلى الأرض، يعني يلصق القدمين ويجلس على العقبين. على هذا التفسير تكون هذه الجلسة، وهي الجلوس على العقبين، منهياً عنها ولا تكون من السنة. لكن الشافعية ذهبوا إلى أن هذه الجلسة من السنة؛ صحيح الافتراش عندهم أفضل، لكن أيضاً الإقعاء أو الجلوس على العقبين أيضاً سنة، وأجابوا عن الإقعاء المنهي عنه بأن المراد به إقعاء الكلب، وهو أن يجلس الرجل على الأرض ناصباً فخذيه كما يجلس الكلب إذا جلس وأفضى بمقعدته على الأرض.
الشافعية احتجوا على سنية الجلوس على العقبين بين السجدتين بما في صحيح مسلم من حديث طاوس بن كيسان، وهو أحد تلاميذ ابن عباس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: هي السنة. فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. والشافعية أيدوا ذلك بأن إقعاء الكلب المنهي عنه لا يشبه هذه الجلسة، بل الكلب يفضي كما ذكرت بمقعدته إلى الأرض وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض. واحتجوا أيضاً بما رواه بعض أصحاب المصنفات كعبد الرزاق، فقد روى من حديث طاوس، وكذلك ابن أبي شيبة من حديث عطية العوفي، وهذان الرجلان يذكران أنهما رأيا العبادلة ابن عمر وابن الزبير وابن عباس يقعون بين السجدتين.
لكن قول الجمهور فيما أحسب أولى وأقرب إلى الصواب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه النهي عن عقب الشيطان، وورد النهي عن الإقعاء أيضاً كقعاء السبع في عدة أحاديث يقضي مجموعها بقوتها. ومن المعلوم أن النهي عن مشابهة الحيوان وارد في الصلاة، يعني النهي عن مشابهة الحيوان في الصلاة وارد في غير حديث، هناك أحاديث كثيرة منها الحديث الذي ذكرناه عن أنس: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم يده أو يديه انبساط الكلب». فإذا كان النهي عن الإقعاء أو عن عقب الشيطان ثابتاً، وابن عباس قد يكون قال ذلك اجتهاداً منه في معرفة السنة، وأنه إنما أراد أن السنة اتباع أسهل الأمرين كما ثبت ذلك، وأن الجلوس على العقبين بين السجدتين للشخص الكبير الذي يصعب عليه الافتراش، يعني إذا جلس على عقبيه بين السجدتين هذا يكون أسهل له، فإذا كان أسهل له فهو السنة. يعني قد يكون ابن عباس أراد بقوله السنة هذا التفسير، أنه أسهل له لأنه كان كبيراً.
والجمهور على أن هذه الجلسة منهي عنها إلا في حق من كان يشتكي أو كان لا يقدر على غيرها، ومذهب الجمهور يتأيد بأشياء، منها ما في موطأ مالك من حديث المغيرة بن حكيم أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في السجدتين أو في الجلسة بين السجدتين في الصلاة على صدور قدميه، وهو الإقعاء الذي وصفه طاوس وغيره أنهم رأوا ابن عمر أو رأوا العبادلة منهم ابن عمر. فلما انصرف ابن عمر من صلاته ذكر له ذلك، فقال ابن عمر: إنها ليست سنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي. عندما يرفع رأسه الإنسان من السجدة الأولى بدلاً من أن يفترش قد يكون هذا لا يتهيأ له لأنه كبير، فيجلس على عقبيه لأنه أسرع له أن ينتقل إلى السجدة الثانية، ولذلك قال ابن عمر: ليست من سنة الصلاة. وهذا القول يعارض قول ابن عباس أنها سنة، ولذلك نوفق بين هذين القولين أن ابن عمر إنما فعله لأنه كان يشتكي، وابن عباس يخرج كلامه على هذا المعنى. هذا ما تعلق بالجلوس بين السجدتين.
وأما قول الشافعية إن الإقعاء المنهي عنه هو الإفضاء بالمقعدة إلى الأرض ونصب الساقين، يعني هذا لا يتصور أو لا يتوهم أن شخصاً يفعله بين السجدتين، يجلس على الأرض وينصب ساقيه، هذا لا يتوهم حتى ينهى عنه؛ إنما يكون النهي عن شيء يمكن حدوثه في العادة. أما كون الجلوس ليس على العقبين، يعني الجلوس على العقبين ليس من الإقعاء، ليس يشبه الإقعاء الذي هو عند الكلب تماماً، فهذا صحيح، لكن مجرد المشابهة يكفي فيها أدنى وجه للمشابهة. وقد نهى عن الانبساط، «لا ينبسط أحدكم» أو «لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب»، ونحن نعلم أن الكلب لا يبسط ذراعيه في السجود لأنه لا يسجد، وإنما يبسط ذراعيه في الجلوس، والنهي عن انبساطه في السجود، ومع ذلك هذا عدم مشابهة لم تمنع أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم «انبساط الكلب»، فأدنى مشابهة تكفي للنهي. أيضاً من السنة في هذه الجلسة إذا جلس الإنسان بين السجدتين يسن له أن يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي ثلاث مرات، كما جاء ذلك في حديث حذيفة، وكذلك جاء في الخمسة إلا سنن النسائي من حديث ابن عباس، ذكر آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني». فإن قال ذلك أو قال ذلك، كلها سنة عند جماهير أهل العلم. هذا ما يتعلق بالركن الثامن وهو الجلوس بين السجدتين.
الركن التاسع من أركان الصلاة هو الطمأنينة، وهذه الطمأنينة ركن عند الحنابلة وركن عند الشافعية، ودليل ركنيتها ما في حديث الصحيحين حديث أبي هريرة في المسيء صلاته، وهو أن فيه قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها»، فيذكر فيه الطمأنينة في جلوسه وفي قيامه. وهكذا في صحيح البخاري من حديث زيد بن وهب قال: رأى حذيفة بن اليمان رجلاً لا يتم الركوع ولا السجود، يعني لا يطمئن في ركوعه ولا في سجوده، فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً صلى الله عليه وسلم عليها.
أيضاً من المسائل التي تذكر هنا ما يسميه أهل العلم جلسة الاستراحة، وهي جلسة يجلسها المصلي قبل القيام للثانية والرابعة، وهذه الجلسة اختلف فيها أهل العلم على قولين، القول الأول أنها سنة وهو قول الشافعي، والقول الثاني أنها ليست بسنة وإنما كانت جلسة للاستراحة احتاج لها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما كبر، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. الشافعية احتجوا بما في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث الليثي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً، وهذا حديث صريح وهو في صحيح البخاري. والجمهور يحتجون بأشياء منها أن أكثر الأحاديث في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجد فيها ذكر لهذه الجلسة، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس هذه الجلسة أو أنها هيئة من هيئات الصلاة لما تركها الناس أو لنقلها الناس نقلاً لم يختلف فيه لكونها من الهيئات الظاهرة البينة. مما يحتج به الجمهور ما في الصحيحين أيضاً من حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه أنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم فسجد السجدتين وهو جالس ثم سلم.
وجه الدلالة من هذا الحديث في قوله: «ثم قام فلم يجلس»، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قام إلى الثالثة وترك السجد، يعني التشهد الأول، ولم يجلس ظناً منه أنها الركعة الأولى أو الركعة الثانية، وقد قال الراوي: فلم يجلس، مما يدل على أن الركعة الأولى والثالثة لا جلوس فيهما. أيضاً مما يحتج به الجمهور ما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح من حديث النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس. والامر في هذا واسع، فمن شاء أن يجلس جلس ولا لوم عليه، ومن شاء ألا يجلس لم يجلس ولا لوم عليه، لكن ينبغي للإمام أن يراعي المأمومين، ألا يفعل هذا مع أناس لا يجلسون لئلا يسبقونه بالقيام.
وهناك تنبيه آخر وهو أن بعض الأئمة يحرص على هذه الجلسة، جلسة الاستراحة، رغم مخالفته للمأمومين، المأمومون لا يجلسون، فهو لكي يتفادى سبقهم له يرفع رأسه ثم يجلس دون تكبير ثم يكبر للقيام. إذا رفع رأسه للجلسة لا يكبر، فإذا أراد أن يقوم كبر، وهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وصاحب هذا الفعل يكون قد ارتكب مخالفة للسنة بالاتفاق، وهو يريد في الحقيقة أن يفعل سنة أخرى؛ لأن السنة المتفق عليها أن يكون التكبير مصاحباً للرفع من السجود، وأما القيام من جلسة الاستراحة فلا تكبير يصاحبه، فالإمام الذي يرفع رأسه بدون تكبير يكون قد ترك سنة، فإذا كبر عند قيامه من جلسة الاستراحة يكون قد خالف السنة، وهذا من قلة الفقه، فهو يقع في مخالفتين للسنة لتطبيق هيئة مختلف في سنيتها. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن ركن الطمأنينة. وأما الركن العاشر وهو التشهد الأخير فهذا ركن عند الشافعية وعند الحنابلة، وليس ركناً عند الحنفية ولا المالكية. وألفاظ التشهد اختلف فيها العلماء وتعددت فيها الروايات، وأشهر ما اختاره الفقهاء ثلاثة ألفاظ، اتفقوا جميعاً على جواز التشهد بأي من هذه الألفاظ، إلا أنهم اختلفوا في الأفضلية.
فأول هذه التشهدات تشهد ابن مسعود وهو اختيار الحنفية والحنابلة، وهو ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: «علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله». هذا التشهد الأول. أما الثاني فهو تشهد عمر بن الخطاب وهو اختيار المالكية، واختاروه لأن عمر كان يعلم الناس هذا التشهد على المنبر، ففي موطأ مالك من حديث عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: «قولوا التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله». التشهد الثالث هو تشهد عبد الله بن عباس وهو اختيار الشافعية، وهو في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس أنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمني التشهد كما يعلمني السورة من القرآن» أو «يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله». أي نوع من هذه التشهدات يقوله المسلم فهو مجزئ في صلاته بلا شك، وإنما العلماء منهم من اختار تشهد ابن مسعود، ومنهم من اختار تشهد ابن عباس، ومنهم من اختار تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الركن الحادي عشر هو الجلوس للتشهد الأخير، يعني التشهد ركن والجلوس له أيضاً ركن، هذا ركن عند جماهير أهل العلم. لكن المالكية يقولون الجلوس، الركن عندهم هو الجلوس للسلام، فلو سلم في غير جلوس تبطل صلاته، فلو تشهد في غير جلوس تبطل صلاته، إذاً الجلوس للتشهد أيضاً ركن. هذا الجلوس يسن فيه، من السنة فيه أن يبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، أن تكون مبسوطة هكذا، ويقبض أصابع يده اليمنى الثلاث، يقبض أصابع يده اليمنى ويقبض الإبهام بجنبها، أما أن يقول بالإبهام هكذا بجنبها، أو يحلق حلقة بالوسطى والإبهام، ويشير بسبابته، والاشارة معناها أن يرفعها هكذا، هذا معنى الإشارة وليست هي الحركة، الحركة هكذا، وأما الإشارة أن يرفع السبابة فقط. والإشارة بالسبابة في التشهد سنة عند جماهير الفقهاء، لكنهم اختلفوا في هذه الإشارة، يعني في كيفية الإشارة، هل يحرك يده عند الإشارة أم لا يحركها؟ كما أنهم اختلفوا في أشياء أخرى، وهي متى يحركها؟ هل من بداية التشهد أم عند قوله أشهد أن لا إله إلا الله؟ والامر في ذلك واسع. اختلافهم في التحريك وعدمه هو على قولين، القول الأول وهو قول المالكية أن المصلي يحرك يده، والقول الثاني عدم التحريك وهو قول الجمهور، يعني الحنفية.
يقول الشافعية: يشير بها في طول التشهد. والحنابلة يقولون: عند التوحيد، أي عندما يذكر الله، يشير بها ثم ينزلها، ثم يقول في كلما ذكر الله يشير بها، وإن كان هناك رواية أنه يشير بها ولا ينزلها عند الحنابلة.
وفي الحركة وعدمها حديثان مشهوران: الحديث الأول هو ما في مسند أحمد وسنن النسائي من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الحديث قال: «ثم قبض أصابعه فحلق حلقة، ثم رفع إصبعه يعني السبابة، فرأيته يحركها يدعو بها»، هكذا في رواية وائل بن حجر هذه، لكن هذه الكلمة يحركها فيها مشكلة وفيها انتقاد، فإنه تفرد بها زائدة بن قدامة وهو أحد الثقات، يرويها عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر. لكن عاصم بن كليب روى هذا الحديث عنه جماعة من الحفاظ منهم سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة أكثر من عشرة، ولم يقل أحد منهم يحركها، هذا يدل على أن قول زائدة بن قدامة يحركها كلمة شاذة، والصواب يشير بها، وذكرنا أن الإشارة غير التحريك.
الحديث الثاني الذي يحتج به من يقول لا يحركها وهم الجمهور، ما في سنن أبي داوود وسنن النسائي من حديث عبد الله بن الزبير أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها. إذاً كلمة يشير تحتمل التحريك وعدمها، فالحديث الأول يقول يحركها، والحديث الثاني يقول لا يحركها، لكن هذه الكلمة أيضاً كما أن كلمة يحركها منتقدة، كلمة لا يحركها أيضاً منتقدة؛ فقد تفرد بها زياد بن سعد عن المقبري، وقد خالفه جماعة فلم يقولوا هذه الكلمة، بل الأصح في روايات هذه الأحاديث حول الإشارة هي قولهم أنه كان يشير بها.
والإشارة كما ذكرت لا تقتضي التحريك ولا تقتضي عدم التحريك، مع أن التحريك أمر ملفت للانتباه ينبغي أن يكون منقولاً، فيظهر أن الظاهر عدم التحريك وإنما إشارة. لكن بعض أهل العلم من المعاصرين ذهبوا إلى التحريك الشديد، وهذا بسبب ما فهموه من إجابة الإمام أحمد لما سئل عن الرجل يشير بإصبعه فقال أحمد: نعم شديداً، فكلمة شديداً هي من وصف الراوي لإجابة أحمد وليست كلمة من أحمد، إنما الراوي الذي يسأل أحمد يقول إن الإمام أحمد قال نعم شديداً، يعني نعم وشدد عليه لأنها سنة، فظن بعض العلماء من المعاصرين أن المقصود بشديد تحريكها بشدة، وهذا مخالف لما عليه جمهور أهل العلم.
هذا هو الركن الحادي عشر. الركن الثاني عشر هو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، وهذا ركن عند الحنابلة وعند الشافعية لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. وكذلك لما في الصحيحين من حديث الصحابة أنهم قالوا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
الركن الثالث عشر هو التسليم، وهذا ورد في السنن إلا سنن النسائي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». والتسليم ركن عند جماهير أهل العلم، لكنه ليس بركن عند الحنفية بل هو واجب، فهم يقولون لو أنهى صلاته بكلام لكانت صلاته صحيحة وكان آثماً. الركن الرابع عشر هو الترتيب، ترتيب هذه الأركان، فإذا أخل بترتيب الأركان فقد بطلت صلاته.
هذه الأربعة عشر ركناً هي أركان الصلاة التي من ترك شيئاً منها بطلت صلاته، وقد جمعتها في ثلاثة أبيات في قولي: لأركان إحرام قيام حمد ركوعه رفع سجود بعد فالرفع والجلوس بعد الأول ثم طمأنينة في الكل تشهد صلاته الجلوس ثم تسليمة والعد بالترتيب تم
هذا الكلام الذي كلمناه عن الصلاة، بقي هناك عدة أبواب كمكروهات الصلاة ومبطلات الصلاة وصلاة التطوع وصلاة الجماعة وصلاة الإمامة والاقتداء وصلاة أهل الأعذار والقصر، هناك أبواب كثيرة تركناها لضيق الوقت ونكتفي بما ذكرناه بإذن الله، ونتكلم عن باب آخر من أبواب الفقه بإذن الله في الحلقة القادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري