الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. في هذه الحلقة معنا كتاب جديد أو باب من أبواب الفقه جديد، وهو كتاب الزكاة. الزكاة اسم لما يخرجه الإنسان من حق الله تعالى للفقراء. سميت الزكاة زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة وتزكية النفوس وتنميتها بالخيرات؛ فهي مأخوذة من كلمة الزكاة، وكلمة الزكاة تعني النماء والطهارة والبركة. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].
والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وقد قرنت بالصلاة في اثنتين وعشرين آية. وفرض الزكاة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5]. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو الحديث المشهور في الأركان الخمسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان».
وأيضاً في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذ بن جبل إلى اليمن فقال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم».
وفريضة الزكاة كانت في مكة في بداية الإسلام، لكنها كانت مطلقة، لم يحدد المال الذي تجب فيه الزكاة ولا المقدار الذي ينفق منه، وإنما ترد لشعور المسلمين في ذلك الوقت ولكرمهم. أما في السنة الثانية من الهجرة، وهذا على المشهور عند أهل العلم، فقد فرضت الزكاة وفرضت مقاديرها من كل نوع من أنواع المال وبينت بياناً مفصلاً. والشارع الحكيم قد رغب في الزكاة في آيات كثيرة وأحاديث. قال تبارك وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]؛ أي خذ يا أيها الرسول الكريم من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة أو غير معينة كالتطوع.
وفي هذه الآيات جعل الله أخص صفات المتقين الذين هم أهل الجنة الإحسان، أنهم كانوا قبل ذلك محسنين. وهذا الإحسان يتجلى في قيام الليل، ويتجلى في الاستغفار بالأسحار، ويتجلى في إعطاء الفقير حقه في أموالهم: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل».
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي -وهو حديث حسن صحيح كما قال الترمذي- من حديث أبي كبشة الأنماري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر»، أو كلمة نحو هذه. ثم قال: «وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم فيه لله حقاً، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان؛ فهو بنيته فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله خبط عشواء بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان؛ فهو بنيته فأجرهما سواء».
وهكذا رغب الشارع، وأيضاً رهب الشارع من ترك الزكاة. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35]. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -حديث طويل- قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: «ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها -ومن حقها حلبها يوم ورودها- إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». ثم قيل: يا رسول الله، فالبقر؟ قال: «ولا صاحب بقر لا يؤدي منها حقها إلا جاءت يوم القيامة بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار».
والأحاديث في هذا كثيرة، منها ما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني بشدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك». ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۙ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: 180].
والآيات والأحاديث والأخبار في فضل الزكاة وفي الترهيب منها، في أنها نماء للمال وبركة؛ أشياء وأحاديث كثيرة، لكن لو استرسلنا راحت معظم الحلقة في الأحاديث والآيات المحذرة والمرغبة، لننتقل إلى الأحكام. سنتكلم على أحكام الزكاة بشيء من الاختصار لضيق الوقت. أول الأمور التي ينبغي أن نتكلم فيها: على من تجب الزكاة؟ هذه الزكاة نعلم أنها فريضة، لكن على من؟ الفقهاء اتفقوا على أن الزكاة تجب على كل مسلم حر بالغ عاقل، مالك للنصاب ملكاً تاماً. إذاً لا بد أن يكون مالكاً للنصاب وملكه تام، وأن يكون عاقلاً بالغاً.
والصغير والمجنون هل تجب فيه الزكاة؟ اختلف العلماء في وجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون، لكن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى وجوب الزكاة في مالهما للنصوص العامة، وفي أن الزكاة واجبة مطلقاً فإنها لم تستثنِ لا صغيراً ولا مجنوناً، ولأن الصحابة أيضاً أخرجوا الزكاة في أموال الصغار، ولأن الزكاة وإن كانت عبادة كالصلاة والصيام إلا أنها حق واجب في المال، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، هنا الأخذ من الأموال، فهي حق للفقراء على الأغنياء، فلا يعتبر لذلك التكليف. ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: 25].
أيضاً اختلفوا في من عليه دين: هل تجب الزكاة عليه أم لا؟ جمهور أهل العلم على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة. الأموال الظاهرة ما معناها؟ هي السائمة من الإبل والبقر والغنم، وكذلك الحبوب والثمار والزروع، هذه أموال ظاهرة، فهذه الأموال الظاهرة تجب فيها الزكاة ولو كان الإنسان مديوناً. طيب، الأموال الباطنة وهي الأثمان، يعني النقد وعروض التجارة، الجمهور يقولون لا زكاة في الأموال الباطنة على من عليه دين ينقص النصاب، لكن الأحوط ما ذهب إليه بعض أهل العلم من المتأخرين من المحققين، وكذلك من الكبار كالشافعي، من أن الدين لا يمنع الزكاة مطلقاً، وذلك لأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة ليس فيها ما يدل على مراعاة الدين، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يرسلون السعاة لأخذ الزكاة دون استفسار: هل على أهلها دين أم لا؟ ولذلك الأحوط أن الإنسان يخرج زكاته ولو كان عليه دين. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الدين: هل هو يمنع الزكاة أم لا يمنع الزكاة؟ وأن مذهب الجمهور أنه لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، ويمنعها في الأموال الباطنة. إلا أن بعض المحققين، وكذلك هو مذهب الشافعي، أن الدين لا يمنع الزكاة مطلقاً، لا في الأموال الظاهرة ولا في الأموال الباطنة. ولذلك من مات وعليه زكاة، العلماء يقولون: من مات وعليه زكاة، يجب دفع هذه الزكاة من ماله وتقدم على الغرماء وعلى الوصية وعلى الورثة، لقول الله تبارك وتعالى في آية المواريث: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]، فهو الدين، الزكاة دين لله سبحانه وتعالى. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى». والزكاة عبادة وهي دين، يعني إذا مات الإنسان وعليه زكاة ينبغي أن يخرج ذلك من تركته قبل قسمة التركة وقبل الوصية.
ثم هل تشترط النية للزكاة؟ العلماء يقولون: يشترط لصحة أداء الزكاة النية، وذلك بأن يقصد المزكي عند أدائها وجه الله سبحانه وتعالى ويطلب بها الثواب، ويجزم بقلبه أنها الزكاة المفروضة عليه. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحديث المشهور: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، إلى آخر الحديث.
والزكاة أيضاً يجب إخراجها فوراً عند وجوبها، يعني لا يجوز تأخيرها، يحرم تأخير الزكاة، يعني إذا وجب أو جاء وقت الوجوب يحرم أن يؤخر العبد الزكاة، إلا إذا لم يتمكن من الأداء فيجوز له التأخير حتى يتمكن. وذلك لما في صحيح البخاري من حديث عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، فلما سلم قام سريعاً ودخل على بعض نسائه، ثم خرج فرأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذكرت وأنا في الصلاة تبراً عندنا» -التبر هو نوع من الذهب- «فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرت بقسمته»، وهو كان من الزكاة.
ويشترط في المال الذي يزكى أن يبلغ النصاب. من شروط وجوب الزكاة أن يبلغ المال النصاب، وسيأتي بيان النصاب في كل نوع من أنواع المال التي تجب فيها الزكاة. لكن يشترط في هذا النصاب أيضاً أن يحول عليه الحول الهجري، ويعتبر ابتداء الحول من يوم ملك النصاب، ولا بد من كماله في الحول كله، يعني أن يكون النصاب متوفراً في كل الحول، فلو نقص في مدة من الحول لم تجب الزكاة، وهذا عند جمهور أهل العلم.
ثم هناك شرط أيضاً، هذا الشرط الذي هو الحول لا يشترط في زكاة الزروع والثمار؛ لأن زكاة الزروع والثمار إنما تجب يوم الحصاد، فشرط الحصاد، ولذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. فالزرع والثمار إنما يجب وقت حصادها، وغيرها من الأموال إذا حال عليها الحول. وإذا أردنا أن نذكر الأموال التي تجب فيها الزكاة فهي متعددة. الأموال التي تجب فيها الزكاة أنواع:
النوع الأول من هذه الأموال: الذهب والفضة. الذهب والفضة اتفق العلماء على وجوب الزكاة فيهما، سواء كانت الذهب والفضة نقوداً أم سبائك أم تبراً، متى ما بلغ الذهب أو الفضة -المملوك عند الشخص- بلغ النصاب، إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة. وذلك لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]، إذاً عدم كنز الذهب والفضة هو بزكاتها. ولحديث الصحيحين أيضاً المتقدم، وقد ذكرناه في بدايته: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». وقد ذكرنا هذا الحديث إذاً الزكاة واجبة في الذهب والفضة. طيب، ما هو نصاب الذهب والفضة؟ نصاب الذهب يقول العلماء عشرون مثقالاً. طبعاً هذا العشرين مثقالاً هو تقدير قديم منذ القدم، وفي هذا العصر المشهور عند العلماء أن العشرين مثقالاً يعادل خمسة وثمانين جراماً، يعني الذي يبلغ عنده الذهب وزن خمسة وثمانين.
جرام، فهذا تجب فيه الزكاة. وقد حصل هذا الشخص على نصاب الذهب. وأما نصاب الفضة فهي 200 درهم، وهذا أيضاً في العصر القديم، والمشهور في هذا العصر أن الـ 200 درهم تعادل 595 جراماً؛ فمن كان عنده من الفضة 595 جراماً فما فوق فإنه تجب في فضته الزكاة. وهكذا الذهب، من كان عنده 85 جراماً من الذهب فإنه يجب فيها الزكاة.
ما هو القدر الواجب الذي نخرجه من زكاة الذهب والفضة إذا كان عنده النصاب؟ كم يخرج؟ العلماء يقولون: يخرج واحد من 40، أي نسبة 2 ونصف في المئة؛ فإذا كان عنده مبلغ من المال أو الذهب أو غيره، إذا قسمه على 40 خرجت له الزكاة. فالـ 1000 إذا قسمت على 40 خرجت 25، فأي مبلغ عند المسلم إذا قسمه على 40 خرج المقدار الواجب له في زكاته.
اختلف الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم في مسألة مما تتعلق بالذهب، وهي زكاة الحلي. هل الحلي عليها زكاة؟ الحلي من الذهب أو الفضة الذي تتحلى به النساء هل عليه زكاة؟ مع أنهم اتفقوا على أن الحلي من غير الذهب والفضة لا زكاة فيها، فالحلي من الألماس والحلي من الدر والحلي من الياقوت واللؤلؤ والمرجان والزبرجد ونحو ذلك ليست فيها زكاة. أما الحلي من الذهب فالعلماء مختلفون فيها على قولين: الجمهور ذهبوا إلى أنه لا زكاة في الحلي من الذهب، واستدلوا بآثار عن الصحابة، منها ما في الموطأ، موطأ الإمام مالك، عن القاسم بن محمد أن عائشة -قاسم بن محمد هو ابن محمد بن أبي بكر، وعائشة عمته- أن عائشة الصديقة بنت الصديق زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها ولهن حلي، فكانت عائشة لا تخرج من تلك الحلي الزكاة. وهكذا في الموطأ أيضاً من حديث نافع أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه من الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. هذا هو مذهب الجمهور.
أما الحنفية فذهبوا إلى أن الحلي من الذهب والفضة فيها الزكاة، واحتج الحنفية بأحاديث واحتجوا أيضاً بآثار. من هذه الأحاديث ما في المسند وسنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأتين أتتا النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: «أتؤديان زكاته؟» قالت: لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: «أتحبان أن يسوركما الله بسوار من نار؟» فقالت: لا. قال: «فأديا زكاته». لكن هذا الحديث ذهب غير واحد من النقاد إلى أنه لا يصح، وأن هذا الباب لا يصح فيه شيء. الترمذي يقول: لا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء.
هناك أيضاً النقود الورقية، وهي أثمان كالذهب والفضة، ولم تعرف في الوقت المتقدم، وإنما عرفت في الوقت الحاضر، فهي بمنزلة النقد أو بمنزلة الأثمان، وهي الذهب والفضة في كونها تجب فيها الزكاة؛ لأنها رؤوس أموال التجارات والشركات، بل هي عامة أموال الناس هذه الأيام. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25].
النوع الثاني من الأموال التي تجب فيها الزكاة هي الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة مصرحة بإيجاب الزكاة في الإبل والبقر والغنم، وأجمعت الأمة على ذلك. ولكن يشترط لإيجاب الزكاة فيها أن تبلغ نصاباً، وأن يحول عليها الحول، وأن تكون سائمة؛ أي راعية من الكلأ المباح أكثر العام. وهذا هو قول الجمهور؛ يعتبرون السوم هذا الشرط ذهب إليه الجمهور، وذهب المالكية إلى أن الزكاة واجبة في الأنعام مطلقاً، سواء كانت سائمة أو غير سائمة؛ سائمة معناها ترعى، وغير سائمة معناها تعلف. لكن قول المالكية هذه الأيام ينبغي العمل به؛ لأن هذه المسألة حصل فيها لبس كثير في هذه الأيام؛ وذلك أن كثيراً من الناس عندهم أنعام لا تسوم هذه الأيام إلا قليلاً، وأهلها يعلفونها.
على كل حال، فالوضع اختلف؛ يعلفونها لأنهم عندهم الأموال. قديماً كان الناس ليس لهم مدخول إلا إبلهم، فكانوا يتتبعون بها مواقع القطر والعشب، فكانت إبلهم تسوم، وكانت الزكاة تجب عليهم لذلك، وإنما وجبت عليهم الزكاة لكون الإبل مالاً نامياً عندهم. لكن إذا أجدبت الأرض وانقطع المطر واضطروا إلى علفها فهم يعلفون منها، فيقف النماء بسبب أنهم يصرفون عليها منها، ولذلك لم يوجب الفقهاء الزكاة فيها إذا كانت غير سائمة.
أما اليوم فالذين يملكون هذه الأنعام لا يتركون علفها مهما كان، ولا يتتبعون بها مواقع القطر دائماً، بل بحسب حالهم؛ فإبلهم ليست هي مدخولهم في الحقيقة، بل لهم رواتب ومصادر أخرى، وبالتالي فهم يعلفون لا منها بل من رواتبهم، فتبقى هي نامية، تبقى مالاً نامياً، وهم ينمونها من السعة من الخير من الرزق من سعة الأمر. وعليه فالأولى والأحوط الأخذ هنا بمذهب المالكية دون مذهب الجمهور؛ بل لو أن الجمهور يقولون: علفها إذا كان يسبب عدم النماء فيها فلا زكاة فيها، لكن العلف في هذا الوقت إنما هو من سعة الرزق، ولذلك فمذهب المالكية الأولى الأخذ به، وذلك لأسباب: الأول أن السوم ليس أمراً متفقاً عليه، مختلفين فيه، وليست الأدلة فيه صريحة. الثاني أن السوم إنما اشترط لكونه علامة على النماء. الثالث أن حال الناس اليوم أفضل من حالهم قديماً، فنحن قديماً نوجب عليهم الزكاة، واليوم لا نوجب عليهم الزكاة مع أنهم اليوم أغنى، وهذا فيه تضييع لحق الفقراء فيما أحسب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
نأتي هنا إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري