دخولتسجيل الدخول

الحلقة 26

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام. تكلمنا في الحلقة الماضية في كتاب الزكاة عن بعض أحكام الزكاة، وذكرنا بعض الأموال التي تجب فيها الزكاة، ذكرنا النقدين وهي الذهب والفضة، وذكرنا من الأموال أيضا الأنعام. ونذكر في هذه الحلقة ما تبقى من الأموال، ونذكر كيفية زكاة بهيمة الأنعام.

بهيمة الأنعام منها الإبل، وزكاة الإبل أو طريقة تزكية الإبل، هناك أربعة أنصبة في الإبل تحتاج إلى حفظ، والواجب فيها من الأسنان أربعة، وبعد ذلك تتكرر هذه الأسنان. فمثلا أول ما يجب في الإبل إذا بلغت خمسا من الإبل وجب فيها شاة، إلى أن تصل إلى 25؛ في كل خمس شاة إلى 25. فإذا وصلت إلى 25 كان فيها بنت مخاض، هذا هو السن الأول، بنت مخاض معناه ذات سنة واحدة. ثم تبقى بنت مخاض في عدد الإبل إلى أن تصل 35، فإذا تجاوزت الـ 35 إلى 36 صار فيها بنت لبون، وهي ذات سنتين. إذا في الـ 5 بنت مخاض، وفي الـ 26 بنت لبون وهي ذات سنتين، وفي 46 حقة وهي ذات ثلاث سنين، وفي 61 جذعة وهي ذات 4 سنين. هذه الأربعة الأنصبة: 25 و36 و46 و61، في كل منها نوع واحد: بنت مخاض، بنت لبون، حقة، جذعة.

ثم إذا صارت الإبل 76، بعد الـ 61 صارت 76، صار فيها بنتا لبون، إذا أخذنا السن الثاني وهو بنت اللبون، أخذنا منها اثنتان إلى أن تصل إلى 91. فإذا صارت 91 صار فيها حقتان إلى أن تصل 120. ثم إذا تجاوزت إلى الـ 120 بـ 121، أصبح هناك شيء مضطرد: في كل 40 ابنة لبون، وفي كل 50 حقة. معناه 121 فيها ثلاث أربعينات، إذا فيها ثلاث بنات لبون.

وقد جمعت هذه الأنصبة في أبيات فقلت فيها: ففرض كل خمس ذود شاة، وليس فيما دونها زكاة والـ 25، والشرط فيها من إبل بنت مخاض، ذات حول مكتمل وفي الثلاثين ومعها ست، أكبر وهي لبون بنت، وحقة في 46، وهي ثلاثا أكملت من السنين فإن تفُق 60 فيها جذعة، وهي من الأعوام وفت أربعة ثم ابنتا لبون إن أردت زكاة 70 تزيد ستة ثم إذا ما زادت التسعون، فالحقتان الفرض أن تكونا وهكذا ما لم تكن هذه الفئة تزيد عن 20 من بعد المئة، فإذا زادت عن 20 من بعد المئة، أي 121، أصبح هناك أمر مضطرد؛ فيقول: فذات حولين لأربعين تكون، والحقة للخمس. هذا هو كيفية زكاة الإبل.

أما البقر فإنه لا شيء في البقر حتى تبلغ 30 بقرة، فإذا بلغت 30 ففيها تبيع أو تبيعة، وهي ما له سنة واحدة، ولا شيء فيها إلى أن تبلغ 40؛ يعني يبقى فيها تبيع إلى أن تبلغ 40، فإذا بلغت 40 أصبح فيها مسنة وهي ما له سنتان. ثم يطرد الأمر، يكون في كل 30 تبيع أو تبيعة، وفي كل 40 مسنة؛ فمعناه هذا في الـ 60 تبيعان أو تبيعتان، وفي الـ 70 تبيع ومسنة. التبيع هو ما له سنة، والمسنة ما له سنتان. وقد جمعت ذلك في بيتين أيضا فقلت: والفرض إن تصل 30 البقر، تبيعة أي ذات حول أو ذكر وهكذا فـ 40 مسنة، في كل 30 تبيعة معينة.

أما الغنم فلا زكاة فيها حتى تبلغ 40 شاة، فإذا بلغت 40 ففيها شاة واحدة إلى 120، فإذا زادت عن 120 بلغت 121 ففيها شاتان إلى 200، فإذا بلغت 200 وواحدة ففيها ثلاث شياه إلى 400. ثم بعد إذا وصلت الـ 400 اضطرد الأمر، إذا صارت 399 هذه فيها ثلاث شياه إلى 400، فإذا صارت 400 أصبح فيها أربع شياه، وهنا كل 100 يكون فيها شاة، فالـ 500 فيها 5 شياه، والـ 600 فيها 6 شياه، والـ 700 فيها 7 شياه، وهكذا. وقد جمعت ذلك أيضا في أبيات فقلت: والفرض في غنم 40 شاة إلى 120 والفرض إن تزد يكن شاتين أو 200، والفرض إن تزد يكن شاتين حتى تكون اثنتين والفرض زد إن النصاب ارتفع، ما لم تكن مئون منه أربعا فإن تكن فالفرض ثم شاة، في 100 ما زادت المئات.

وهنا يجب مراعاة حق أرباب الأموال عند أخذ السعاة للزكاة؛ فلا يأخذ من كرائم الأموال ومن خيارها إلا إذا سمحت نفوسهم بذلك، كما يجب مراعاة أيضا حق الفقير؛ فلا يجوز أخذ الحيوان المعيب إذا كان معيبا، يعتبر معيبا عند أهل الخبرة إلا إذا كانت كلها معيبة، وإنما تخرج الزكاة من وسط المال، ليس من كرائم الأموال ولا من المال المعيب.

وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو ما في صحيح البخاري من حديث أنس أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فرض الزكاة الذي فرضه رسول الله ﷺ، وفيها: «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة». هذا أمر يفعله بعض الناس، إما احتيالا منهم أو ظنا منهم أنه جائز؛ فيفرق بين الإبل أو الغنم المجتمعة ليقل الواجب فيها، أو يجمعون بين المتفرقة أيضا ليقل الواجب فيها.

فمثلا 150 ناقة عليها ثلاث حقاق، لأن كل 50 فيها حقة، فيأتون ويقسمون الـ 150 قسمين فيقولون كل قسم 75، فيزكون زكاة 75 و75، فيكون على كل قسم جذعة، فيكون الواجب عليهم جذعتان بدل من ثلاث حقاق، ومن المعلوم أن ثلاث حقاق أغلى من جذعتين. أو مثلا يكون هناك أخوان كل واحد منهما عنده 76 ناقة، فيكون على كل واحد منهما بنت لبون، فيجمعون الإبل فيصبح عددها 152 وفيها ثلاث حقاق، فتكون الثلاث حقاق عليهم أخف من أربع بنات لبون، وهكذا. وقد يفعل هذا أهل الغنم، فمثلا مثال الجمع المتفرق في الغنم أن يكون هناك شخصان عند كل واحد منهما 40 شاة، أو ثلاثة أشخاص كل واحد منهم عنده 40 شاة، فيكون على كل واحد منهم متفرقين شاة واحدة، فيكون الواجب عليهم متفرقين ثلاث شياه، فإذا جمعوا الغنم وأصبح عددها 120 يكون فيها شاة واحدة، فتكون الشاة أخف عليهم، وهذا أيضا مما لا يجوز. ومثال التفريق المجتمع مثلا أن يكون هناك أخوان هذا في الغنم لهما 201 شاة، هذه فيها ثلاث شياه، فإذا قسموها قسمين فجعلوا 100 و101، يكون على كل قسم شاة واحدة، وهذا يكون أخف عليهم من ثلاث شياه، وهذا أيضا لا يجوز.

ومن الأمور العجيبة وحصلت معي هذه الأيام أنه سألني صاحب إبل فقال لي: يا شيخ إذا زكيت بعض إبلي، ونسيت بعضها الآخر وأريد أن أزكيها، فهل إذا دفعتها للفقراء تبرأ ذمتي؟ كان سؤاله ليس عن جواز فعله، وإنما عن إجزاء هذا الفعل. فقلت له: والتي زكيت سابقا كم عددها؟ فقال: 75، فأنا علمت هنا أنه أراد التفريق هروبا من الصدقة، لأنه زكى ما دون النصاب بواحدة، لأن الـ 75 عليها جذعة وسعرها تقريبا 5000، والتي تركها 18 ناقة عليها ثلاث شياه سعر كل شاة 1000، ولو أنه زكى 76 لكان عليه بنت لبون وقيمة بنت اللبون 8000، فهو دفع 5000 وأراد أن يدفع الباقي بالشياه ثلاث شياه وقيمته 3000 تقريبا، فيكون قد زكى إبله مفرقة بـ 8000، بينما لو زكاها مجتمعة لكان عددها 93 ناقة، وسيكون عليها حقة أي ما يقرب من 9500 أو 10000، فهو بصنعه هذا قد وفر 2000 ريال أو 1500 ريال، وهذا احتيال واضح، لذلك كان جوابي له عندما سألته غير مرض له، فقد قلت له: إنك فعلت ما فعلت عمدا، يعني أنت متعمد لهذا الفعل تريد الهروب ولا تبرأ ذمتك بذلك، فسكت الرجل. فهذا مما يفعله الناس.

هذه الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم هي التي فيها الزكاة، ولا زكاة في شيء من الحيوانات غيرها، فلا زكاة في الخيل ولا زكاة في البغال ولا زكاة في الحمير، إلا إذا كانت من عروض التجارة. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه».

ثم هناك مسألة يحتاج إلى التنبيه إليها وهي نتاج الإبل والغنم والبقر، وهذا مما يسأل فيه الناس كثيرا. النتائج هي الصغار أولادها، هل حولها حول أمهاتها؟ هذا الذي قاله الفقهاء بالإجماع، فمن ملك نصابا من الإبل أو نصابا من البقر أو الغنم، فنتجت في أثناء الحول وجبت زكاة الجميع عند تمام حول الكبار، ويخرج عن الأصل وعن النتاج زكاة المال الواحد، وهذا قول أهل العلم. بعض الناس يزكي إبله ويترك الصغار يظن أنه ليس عليها زكاة لأنها مولودة حديثا، والحقيقة أن حولها حول أمهاتها.

النوع الثالث من الأموال التي تجب فيها الزكاة: عروض التجارة. والعروض جمع عَرَض، وهو ما عدا النقدين من الأمتعة والعقارات والثياب والزروع والحيوانات مما هو معد للتجارة، يعني يريد الإنسان أن يتاجر به. فقد ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى وجوب الزكاة في عروض التجارة، وذلك لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]. فقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن المراد بـ ﴿مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ المراد به التجارة. نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا ذكرنا قبل الفاصل النوع الثالث من أنواع الأموال التي فيها الزكاة وهي عروض التجارة، وذكرنا أن العلماء متفقون على أن في عروض التجارة الزكاة. نعم، خالف بعض أهل الظاهر ولكن خلافهم غير معتبر هنا، فأغلب الأئمة أو العلماء على أن عروض التجارة فيها الزكاة، وذلك للآيات والأحاديث الصحيحة. فالآيات من ضمنها قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، ما كسبتم يدخل فيها التجارة، ولذلك ذكر غير واحد من أهل العلم أن المراد بها التجارة. هناك عدد من الآثار الصحيحة، منها ما صح عند ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث ابن عمر قال: "ليس في العروض زكاة إلا في عرض في تجارة فإن فيه زكاة".

أما كيفية تزكية مال التجارة، وهذا في قول جمهور أهل العلم، هو أن من ملك من عروض التجارة قدر نصاب وحال عليه الحول فعليه أن يقومه آخر الحول ويخرج زكاته وهو ربع عشر قيمته، يعني بمقدار 2 ونصف بالمئة.

النوع الرابع من الأموال التي تجب فيها الزكاة هي الزروع والثمار. والدليل على ذلك أو على وجوب الزكاة في الزروع والثمار قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ -هذا في عروض التجارة- ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾، وقول الله تبارك وتعالى أيضا: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. وقد اتفق العلماء على وجوب الزكاة في الزروع والثمار، وإنما اختلفوا في الأصناف التي تجب فيها الزكاة.

وهناك آراء كثيرة للعلماء، ومن هذه الآراء رأي الحنابلة وهو أن الزكاة في الحبوب والثمار إنما تجب فيما يجمع بين وصفين: الكيل والادخار، أن يكون مما يدخر كالأرز مثلا والذرة والفول والعدس والحمص ونحو ذلك، ولا تجب الزكاة عندهم في الخضروات كثمار التفاح والتين والموز والرمان والبرتقال لأنه لا يدخر، وهكذا بقية الفواكه.

والنصاب المقدر في الزروع وفي الثمار هو خمسة أوسق، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». والوسق هو كيل قديم 60 صاعا، الوسق 60 صاعا بالإجماع، إذا خمسة أوسق معناها 300 صاع. والصاع هو كيل وليس وزنا، يعني حجم، واعتباره بالوزن في المشهور هذه الأيام أنه يعتبر بمقدار كيلوين و40 جراما من البر الجيد، وهذا يعني أن الإناء الذي يمكن أن يكال به خمسة أوسق هو الإناء الذي يتسع لـ 720 كيلو من البر الجيد، حاصل ضرب هذه الكيلووات اللي هو الصاع في 300 صاع يكون العدد 720 كيلو من البر الجيد.

أما القدر الواجب إخراجه من زكاة الزروع والثمار فقد ثبت بالسنة، وذلك في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: «فيما سقت السماء والعيون العشر»، يعني إذا كان السقي يكون من السماء ومن العيون فهذا فيه العشر، وما سقي بالنضح -يعني يحتاج إلى كلفة وإلى ساقية- وما سقي بالنضح نصف العشر. وأيضا في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «فيما سقت الأنهار والغيم العشور» -يعني العشر- «وفيما سقي بالسانية نصف العشر». فإذا كانت الزروع تسقى بكلفة ففيها نصف العشر، نصف العشر أي واحد من 20، أي 5%، وما سقي بغير كلفة -يعني بالمطر- ففيه العشر، أي 10%.

هذا النوع الرابع، وأما النوع الخامس من الأموال التي تجب فيها الزكاة فهو المعدن، والمعدن مشتق من عدن في المكان، يعني إذا أقام، ومنه قول الله تبارك وتعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ لأنها دار إقامة وخلود. والدليل...

على وجوب الزكاة في المعدن قول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]. وقد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعدن، ولكنهم اختلفوا في صفة المعدن التي تجب فيه الزكاة. فاتفق الجمهور على وجوب الزكاة في الذهب والفضة إذا أخرج من الأرض، واختلفوا في غيرها من المعادن؛ فالحنفية يقولون بوجوب الزكاة في المعادن الجامدة فقط التي تنطبع بالنار، والحنابلة يقولون بوجوب الزكاة في جميع أنواع المعادن سواء كانت سائلة أو جامدة.

أما ما يستخرج من البحر كاللؤلؤ مثلاً والعنبر، فهذه الأشياء لا زكاة فيها عند جماهير العلماء. أما نصاب المعدن، أي القدر الواجب فيه، فقد ذهب الجمهور إلى أن نصابه نصاب النقود، والواجب في النقود كما هو معلوم ربع العشر، وهو واحد من أربعين، أو 2.5% كما يقول أهل العلم.

بقي من مسائل الزكاة المهمة مصارف الزكاة، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]. إذاً هنا ثمانية مصارف، وهذه الآية من أهم الآيات وفيها مصارف الزكاة، والله سبحانه وتعالى تكفل بذلك، ولم يترك بيان مصارف الزكاة لأحد من الناس، بل بينها سبحانه وتعالى بنفسه حتى لا يتقول متقول، وقد حددها الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بثمانية مصارف، وأجمع العلماء قاطبة على أن الزكاة لا تخرج عن هذه المصارف، فما خرج عن هذه المصارف الثمانية لا يجوز أن يعطى فيه الزكاة.

فمثلاً الجسور والبناء والعمارة في البلدان وإصلاح الشوارع وحفر الآبار لسقاية الناس والوقف، كل ذلك لا يجوز دفع الزكاة فيه؛ لأنه غير داخل في هذه الأصناف الثمانية. وقد توسع بعض المعاصرين فجوز دفع الزكاة في الطرق والجسور وإصلاح البنية التحتية وفي أشياء كثيرة بحجة أنها داخلة في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والحقيقة أن عامة العلماء على خلاف ذلك؛ بل المقصود بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو الجهاد في سبيل الله، يعني الغزاة؛ لأن سبيل الله إذا أطلق فالمراد به الجهاد، وسياق الآية يدل على ذلك، فإن الآية فصلت المصارف: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، فكل هؤلاء يعتبرون في سبيل الله، ولو كان المراد بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عموم ما يكون لوجه الله تعالى لما كان هناك داعٍ لذكر الفقراء ولا لذكر المساكين ولا لذكر ابن السبيل؛ فإن كل ذلك داخل في سبيل الله، إلا أن الآية لما فصلت هذه الأصناف دل ذلك على أن المراد بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نوع خاص وهو ما ينصرف إليه ذلك الاسم عند الإطلاق، وهو الجهاد فقط.

المصرف الأول والثاني هما الفقراء والمساكين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وإذا قيل الفقراء بشكل عام يدخل فيه المساكين، وإذا قيل المساكين يدخل فيه الفقراء، لكن إذا جمعوا هكذا الفقراء والمساكين فلكل منهما معنى، وقد اختلف أهل العلم من المذاهب الأربعة في معنى الفقراء والمساكين على قولين؛ الشافعية والحنابلة يقولون: الفقير من لم يجد كفايته، والمسكين من يجد بعض كفايته، دون أن يحددوا ذلك. والحنفية والمالكية عكسوا، فقالوا: المسكين من لم يجد كفايته، والفقير من يجد بعض كفايته.

المصرف الثالث هم العاملون عليها، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، والعاملون هم السعاة والجباة الذين يجلبون الزكاة من الناس، هؤلاء يعطون أيضاً من الزكاة جزءاً منها بنص الكتاب وكذلك باتفاق أهل العلم.

المصرف الرابع المؤلفة قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، ومن المؤلفة قلوبهم الرؤساء في أقوامهم إذا كان إعطاؤهم من الزكاة سبباً لإسلام بعض أقوامهم، أو كانت سبباً لرفعة الإسلام، أو سبباً في اتقاء شر الغير. لكن قال بعض أهل العلم بأن هذا الصنف لم يعد موجوداً اليوم، وإنما كان ذلك في بداية الإسلام، فإما اليوم فلا يوجد مصرف اسمه المؤلفة قلوبهم، وبالتالي تكون المصارف سبعة فقط. والجمهور على أن الكفار يدخلون في مسمى المؤلفة قلوبهم إذا كان في ذلك استجلاب لهم إلى الإسلام أو لأقوامهم إلى الإسلام.

المصرف الخامس هو فكاك الرقاب، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، والمقصود بالرقاب هم المكاتبون عند أهل العلم، يعني المملوك الذي يكاتبه سيده، بمعنى يقول لسيده: أريد رقبتي أريد حريتي، فيقول: أعطيك حريتك بكيت وكيت من المال، وهذه تسمى المكاتبة، فيعمل ويأتي له بالمال إلى أن يشتري حريته؛ فيقول الأئمة: المكاتبون هم المقصودون بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، يعني شخص يحاول فكاك رقبته بالمكاتبة، فإذا دفع جزءاً منها وعجز عن الباقي يدفع له من مصرف الزكاة حتى تتحرر رقبته. وذهب الإمام مالك إلى أن المقصود المكاتبون والمملوكين فقط، أما الجمهور فيقولون المكاتبين.

المصرف السادس هم الغارمون، قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، والغارمون هم الذين تحملوا الدين، وهم صنفان: صنف تحمل الدين لمصلحة نفسه، وصنف تحمل الدين لمصلحة غيره للإصلاح بين ذات البين. فهذا الذي تحمل الدين لمصلحة نفسه يجوز إعطاؤه الزكاة لكن بشرطين: ألا يكون عنده وفاء لدينه، وألا يكون في سرف أو في معصية. وأما الصنف الثاني الذين تدينوا لمصلحة غيرهم، أي للإصلاح بين ذات البين، فهذا يعطى من الزكاة ولو كان غنياً ولو كان عنده وفاء، في قول جمهور أهل العلم، لأنه أصلح بين فريقين من المسلمين وتحمل حمالة، فينبغي أن يساعد فيها.

المصرف السابع هم المجاهدون كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقد ذكرنا المقصود بهم، فالمجاهد يعطى من مصرف الزكاة لكي يجاهد في سبيل الله. وهنا شيء، قال بعض العلماء بأن من أهل المصارف من يعطى من الزكاة ولو لم يكن فقيراً ولو كان غنياً، وهم: العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل؛ فالغازي ولو كان غنياً يعطى من مال الزكاة لأنه مصرف؛ لأن في ذلك تشجيعاً له وحثاً للناس على الجهاد في سبيل الله. وهناك قول للحنابلة أن أهل الحج أو الحجاج يعطون أيضاً من مصرف الزكاة لأنهم يعتبرون في سبيل الله، والحج جهاد.

المصرف الثامن والأخير هو ابن السبيل، والمقصود به المسافر أو المجتاز من بلده ومر على بلد آخر دون المنشئ للسفر، فإذا أنشأ رجل للسفر من بلده ومر على بلد من البلدان وليس معه مال في ذلك الوقت ولو كان ماله في بلده، فهذا يعطى من المال ما يبلغه؛ لأنه ابن سبيل ولا مال معه. لكن اختلف الفقهاء في المنشئ للسفر، فجوز الشافعي والجمهور يقولون لا، المنشئ لسفره ليس من أهل الزكاة.

هذه المصارف الثمانية التي ذكرها الله في كتابه، وفي آخر الآية يقول تبارك وتعالى: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾، أي أن الله فرض هذه الأصناف الثمانية في الزكاة فلا يعطى أحد غيرها، فالله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل بمعرفة أصحاب الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.