الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، سنتكلم في هذه الحلقة وفي الحلقات بعدها عن كتاب الصيام. الصيام في اللغة يطلق على الإمساك؛ يقولون صام أي أمسك، ومنه قول الله تبارك وتعالى عن مريم عليها الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أي إمساكاً.
وغير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما؛ فقوله خيل صيام أي واقفة ممسكة عن الحركة. ومن ذلك أيضاً قولهم صام النهار، ومعناه إذا قام قائم الظهيرة، يعني إذا كانت الشمس في كبد السماء فإنهم يتطاولون بقائها لأنها حارة، فيقولون كأنها أمسكت عن المسير، فيقولون صام النهار وذلك لشدة الحر.
هذا من حيث اللغة، أما من حيث الشرع فإن الصيام المقصود به هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر، والمقصود بالفجر الفجر الثاني أو الصادق، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لكن مع النية؛ لابد أن يكون هناك نية وإلا لا يكون صياماً. وهناك إمساك عن المفطرات وهو واجب أيضاً، لكنه لا يعد صياماً بالمعنى الشرعي، وذلك في بعض الأحوال.
من تلك الأحوال إذا مثلاً أفطر الشخص لاعتقاده أن اليوم من شعبان، يعني هو في يوم الثلاثين من شعبان وكان مفطراً يظن أنه يوم الثلاثين من شعبان، فتبين له بالخبر، وصله خبر أن هذا اليوم من رمضان وأن شعبان كان تسعة وعشرين يوماً، فهذا الشخص يلزمه الإمساك عن جميع المفطرات وذلك لحرمة الشهر، مع أنه لا يحتسب إمساكه هذا صوماً لأنه قد أفطر أو لم ينو الصيام من الليل كما سيأتي.
ومن الإمساك عن المفطرات مما لا يعد صياماً أيضاً، إذا أفطر في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه، مثلاً كالذي يفطر بغير عذر، والذي يفطر يظن أن الفجر قد طلع وأن الفجر لم يطلع والحقيقة أنه قد طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت وهي لم تغب، فهذا أيضاً يلزمه أن يمسك بقية اليوم مع وجوب القضاء عليه، فإمساكه ليس صياماً وإنما هو لحرمة الشهر، وهذا عند عامة العلماء، أي متفقون على هذه المسألة.
أما من يباح له الفطر بسبب عذر من الأعذار ثم زال عذره في نهار رمضان؛ كمن مثلاً الصبي إذا بلغ، فالصبي معذور لا يجب عليه الصوم فإذا بلغ وجب عليه الصوم، أو المجنون إذا أفاق، أو الكافر إذا أسلم، أو المريض إذا سلم من مرضه أو صح من مرضه، أو المسافر المسافر معذور في الفطر إذا أقام ورجع من سفره وأقام، أو الحائض والنفساء إذا طهرتا؛ هؤلاء الناس الذين كان عندهم عذر للفطر ثم زال العذر، اختلف العلماء فيهم على قولين.
القول الأول أنه يلزمهم الإمساك ما دام أن العذر قد ذهب، فيلزمهم إمساك بقية اليوم، وهذا قول الحنفية والحنابلة. واحتجوا بأن زوال العذر معنى من المعاني، لو وجد قبل الفجر لوجب بسببه الصيام، فإذا طرأ، يعني جاء طارئاً في أثناء النهار، فإذا طرأ أوجب الإمساك في أثناء النهار، كمن كان مفطراً يظنه شعبان كما ذكرنا فبان أنه رمضان، فإن الجميع متفقون على أنه يمسك بقية اليوم. هذا القول الأول وهو قول الحنفية وقول الحنابلة.
القول الثاني أنه لا يلزم هؤلاء الناس الذين كان عندهم عذر الإمساك، فالمسافر إذا قدم لا يلزمه أن يمسك بقية اليوم، هذا عند المالكية والشافعية. واحتجوا بأنه قد أبيح له الفطر في أول النهار، فإذا أفطر فله أن يستديم هذا الفطر إلى آخر النهار كما لو دام العذر. ومما لا شك فيه أن الإمساك أولى وأحوط، فإن فيه مراعاة لحرمة الشهر وفيه عدم مخالفة الناس.
وأما وقت الإمساك فهو من طلوع الفجر الصادق، أو الفجر الثاني، وهو المعترض في الأفق وليس المستطيل، إلى غروب الشمس. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. وعليه فإذا تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أي إذا طلع الفجر، امتنع تناول جميع المفطرات.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر، وكذلك من حديث عائشة، أن النبي ﷺ قال: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». وفي بعض الروايات في صحيح البخاري: «إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». فإنه يمكن أن يستمر إلى الأكل إلى أن يطلع الفجر، فهذا أول الوقت الذي يشرع فيه أو يمنع فيه الأكل والشرب ويجب فيه الإمساك.
وهنا مسألة مشهورة، وهي: هل يمتنع الصائم من الأكل والشرب بمجرد سماع الأذان، أو بإمكانية استمراره في الأكل أثناء الأذان؟ هذه مسألة تقع عند الناس والناس يختلفون فيها. الحديث الذي تقدم وهو حديث: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، هذا الحديث محتمل للمعنيين؛ فقوله ﷺ: «حتى يؤذن» يحتمل أن يكون معناه أن الأكل ونحوه يجوز إلى أن يشرع المؤذن في الأذان، إلى أن يبدأ في الأذان، وهذا هو ظاهر النص.
ويحتمل أن يكون معنى هذا الحديث: إلى أن يفرغ من الأذان، لكن جماهير أهل العلم على أن المقصود هو: إلى أن يشرع في الأذان، فإذا شرع في الأذان بمجرد أن يقول الله أكبر يجب الإمساك. هذا إذا كان الأذان علامة على طلوع الفجر الثاني، بمعنى إذا كان المؤذن لا يؤذن قبل طلوع الفجر وإنما يؤذن بعد طلوع الفجر كحال ابن أم مكتوم؛ لأن العبرة في الحقيقة ليست بالأذان، وإنما العبرة بطلوع الفجر. ولذلك إذا كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر فإن أذانه لا يمنع الأكل ولا يمنع الشرب، بخلاف ما إذا كان أذانه بعد طلوع الفجر بيقين.
أما ما ورد من الحديث الذي يذكره بعض أهل العلم، وهو في مسند أحمد وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي منه نهمته أو حتى يقضي حاجته منه»؛ هذا الحديث في الحقيقة مختلف في تصحيحه، صححه الحاكم وغيره ممن تبع الحاكم، كالبيهقي، سكت على تصحيحه أو قال إن صح فمعناه كذا وكذا. لكن هذا الحديث أعله من هو أبصر بالحديث من الحاكم ومن هو من أئمة النقد وأئمة العلل، وهو أبو حاتم الرازي رحمه الله عليه. وهذا الإمام من الأئمة الكبار الذين يضارع أو يشابه البخاري، ويشابه الإمام أحمد، وهو أحد الأئمة الكبار. هذا الإمام أبو حاتم الرازي حكم على هذا الحديث، الحديث له طريقان، حكم...
على أحد الطرق بأنه موقوف على أبي هريرة، يعني أنه من قول أبي هريرة، وحكم على الطريق الثاني بأنه غير صحيح. ولذلك نجد الأئمة على خلاف هذا الحديث، والأئمة أيضاً أهل حديث، قد لا يتكلمون على هذا الحديث لكنهم لا يعملون به، وعدم عملهم به يدل على أن فيه شيئاً.
والسبب أن الأئمة على خلاف هذا الحديث هو أن هذا الحديث إما أن يكون الأذان المقصود فيه قبل طلوع الفجر، فيجوز الأكل والشرب مطلقاً سواء كان الإناء على يده أو كان الإناء على الأرض، كأذان بلال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم»، ولقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. إذاً يجوز الأكل ما دام أن الفجر لم يطلع.
وأما إذا كان هذا الأذان قد وقع بعد طلوع الفجر فحينئذ يمتنع الأكل والشرب مطلقاً، سواء كان الإناء على يده أو كان الإناء على الأرض، لهذه الآية التي قرأتها، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. فإذا تبين لا يجوز الأكل بعد ذلك، فالحديث في ظاهره يخالف الآية لو اعتبرنا أن المقصود منه أنه يأكل ويشرب وهو يسمع الأذان الذي بعد طلوع الفجر.
إن أكثر المؤذنين في هذه الأيام إنما يعتمدون في أذانهم على التقويم لا على رؤية الفجر وعلى طلوعه، فهم ليسوا متيقنين من طلوع الفجر حقيقة، وإنما يعتمدون على بعض التقاويم. وبعض المتخصصين يقولون بأن هذه التقاويم التي بين أيدينا متقدمة على طلوع الفجر بقليل، يعني أهلها الذين وضعوها احتاطوا لأجل طلوع الفجر فقدموا الوقت قليلاً. وعلى هذا، إذا كان هذا المعنى صحيحاً، فمن أكل في هذا الوقت الذي يؤذن فيه المؤذن على التقويم فصومه صحيح، لا يمكن أن نقول له إن صومه باطل لأنه لم يتيقن في الحقيقة طلوع الفجر. وهذا القول قول جماهير العلماء، لكن المالكية يقولون من أكل بناءً على الظن أن الفجر لم يطلع فعليه الإمساك والقضاء.
ولذلك فالأحوط والأولى أن يمسك المسلم عن الأكل ونحوه عند سماع الأذان مباشرة إلا إذا كان متيقناً من أن الفجر لم يطلع. وهذا في الحقيقة يجرنا إلى كلام عن مسائل الظن والشك والتوهم، والفرق بين الظن والشك والتوهم عند أهل العلم هو أن يوجد احتمالان؛ هذان الاحتمالان إما أن يتساويا أو يكون أحدهما أرجح من الآخر. فإن تساويا فكل واحد منهما يسمى شكاً، وإن اختلفا فالراجح يسمى ظناً والمرجوح يسمى وهماً. فالفقهاء اتفقوا على هذه المعاني أو يذكرون هذه المعاني للشك والوهم والظن، والكلام فيها قد يطول، ولذلك نرجئه إلى بعد الفاصل بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن مسائل أو ابتدأنا في الكلام عن مسائل الظن والشك والتوهم بالنسبة لطلوع الفجر وبالنسبة لغروب الشمس. وذكرنا أن الظن هو أرجح الاحتمالين إذا كان هناك احتمالان، فالظن هو الراجح، والوهم أو التوهم هو المرجوح، فإذا استوى الاحتمالان فكل واحد منهما يسمى شكاً.
الفقهاء اتفقوا على أن من ظن أو شك أو وهم أن الشمس غربت فأفطر، يعني هو يظن أن الشمس غربت فأفطر، أو يشك -يشك بمعنى عنده 50% أنها غربت و50% أنها لم تغرب- أو توهم هنا يعني قد نقول 40% أو 30% أنها غربت في ظنه و70% أنها لم تغرب. إذاً هو أفطر بناء على الظن الذي هو الراجح أنها غربت، أو الشك الذي هو مستوي الطرفين، أو التوهم الذي هو الراجح أنها لم تغرب، إذا أفطر بناء على هذه الثلاثة ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فهنا عليه القضاء.
وهكذا إذا أكل شاكاً أو ظاناً أو متوهماً أن الليل ما زال باقياً، يعني في أول، في آخر الليل، هو يظن أن الليل ما زال باقياً، أو يشك أن الليل ما زال باقياً، أو يتوهم أن الليل ما زال باقياً، فأكل ثم تبين له خلاف ظنه وخلاف شكه وخلاف توهمه أن الليل أو أن الفجر قد طلع، فهنا عليه القضاء. هذه المسألة الأولى.
لكن إذا لم يتبين له شيء، أي إذا لم يتبين ما يوافق ظنه أو شكه وتوهمه، ولا ما يخالفه، فهنا قد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال. القول الأول: أن عليه القضاء إن توهم أو شك أو ظن غروب الشمس إذا أفطر، فهنا عليه القضاء بخلاف ظنه أو شكه أو توهمه بقاء الليل، وهذا مذهب الشافعية. القول الثاني: أن عليه القضاء مطلقاً، سواء أفطر بناء على توهم أو شك أو ظن، أو تسحر يعني أكل قبل الفجر بناء على توهم أو شك أو ظن، وهذا قول المالكية أن عليه القضاء.
القول الثالث وهو قول الحنابلة والحنفية: أن عليه القضاء إن توهم أو شك غروب الشمس إذا كان غروب الشمس مبنياً على توهم أو شك، وليس مبنياً على ظن. وهنا إذا كان مبنياً على ظن، إذا ظن غروب الشمس فأفطر، هنا لا قضاء عليه، وهكذا لا قضاء عليه إذا ظن أو شك أو توهم أن الليل ما زال باقياً فأكل. وهذا كما ذكرت قول الحنفية والحنابلة.
يترتب على ما تقدم من هذه المذاهب في مسألة الظن والشك والتوهم أن هناك ثماني عشرة مسألة؛ قد اتفقوا على اثنتي عشرة صورة واختلفوا في ست صور. فست صور يجب فيها القضاء وهي إذا تبين خطأ الصائم فيما ظنه أو فيما فعله بسبب ظنه ونحو ظنه، وهي إذا أكل أو شرب آخر النهار ظاناً أو شاكاً أو متوهماً أن الشمس غربت ولم تغرب، وكذا إذا أكل أول النهار، اللي هو قبل الفجر، ظاناً أو شاكاً أو متوهماً أن الليل باقي والحقيقة أن الفجر قد طلع، هذا متفقين عليها، ست مسائل أو ست صور أن عليه القضاء.
هناك ست صور أخرى لا قضاء عليه فيها، وهي إذا تبين صواب فعله في تلك الصور الست، فإذا تبين يعني أنه لما أكل ظاناً أن الشمس غربت تبين أنها فعلاً غربت، هنا لا قضاء عليه. هناك ست صور أخرى، بعضها مختلف فيها وبعضها متفق عليها أو بعضها اتفقوا عليه وبعضها اختلفوا فيها. هذه الصور الأخرى ثلاث منها متعلقة بأول النهار، وهي إذا أكل ظاناً أو شاكاً أو متوهماً أن الليل باقي ولم يتبين له شيء، إذا هو قبل الفجر فيظن أن الليل ما زال باقياً أو يشك أن الليل باقٍ أو يتوهم أن الليل باقٍ، فأكل لكنه لم يتبين له هل طلع الفجر أو لم يطلع، هذا الجمهور على أنه لا يقضي. طيب ما حجتهم أو ما تعليل لذلك؟ يقولون أن الأصل بقاء الليل، فلا يجب القضاء إلا بيقين؛ لأن أكله كان موافقاً للأصل الذي هو بقاء الليل. وخالف في هذه المسألة المالكية فقالوا بالقضاء، ولعلهم يعللون معنى قولهم بأنه مراعاة للاحتياط في جانب العبادة.
أما الصور الثلاث الأخرى وهي المتعلقة بآخر النهار، يعني قبل غروب الشمس، وهي إذا أكل مثلاً ظاناً أو شاكاً أو متوهماً أن الشمس قد غربت، هذه ثلاث صور ولم يتبين له هل غربت الشمس أم لا، في هذه الصور الثلاث ذهب مالك والشافعي إلى أن هذا الذي فعل ذلك يقضي؛ لأن الأصل بقاء النهار فلا ينتقل عنه إلا بيقين أن الشمس قد غربت. وأما الحنفية والحنابلة ففرقوا بين الظن وما سواه، فقالوا لا يقضي في حالة الظن، يعني إذا أفطر قبل غروب الشمس يظن أن الشمس غربت ولم يتبين له هل غربت أم لا فهذا لا قضاء عليه، لأننا متعبدون بالظن في كثير من الأحكام، وقد كان الصحابة يفطرون بالظن. في صحيح البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت: أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس، قيل لهشام وهو الراوي: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء. إذاً هم إفطارهم دليل على أنهم، أو طلوع الشمس دليل على أن فطرهم كان مبنياً على الظن، إذاً يجوز أن نفطر بناء على الظن أن الشمس قد غربت. بينما قالوا، اللي هم الحنفية والحنابلة، بالنسبة لحالتي الشك والتوهم قالوا لمن فعل ذلك أنه يقضي، قالوا لأننا غير متعبدين بالشك والتوهم، وهو مخالف للأصل؛ لأن الأصل أن تبقى صائماً، فأنت خالفت هذا الأصل بناء على شك وتوهم ونحن لسنا متعبدين بالشك ولا التوهم.
هذا ما يتعلق بمسألة الظن والشك والتوهم، أما وجوب صوم رمضان وكذلك فضله ففيه آيات وفيه أحاديث، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 183-185].
هذه الآيات في الحقيقة فيها كثير من المعاني، فمثلاً قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] هذا يدل على أن الصيام فريضة فرضها الله على عباده المؤمنين، وقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] أيضاً يدل على أن الصيام كان مكتوباً على من كان قبلنا من الأمم. لكن هذه الكاف في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ [البقرة: 183] هل تعني أن الصيام الذي كتب علينا هو نفس الصيام الذي كتب عليهم؟ الجمهور أو جمهور أهل العلم يقولون أن التشبيه إنما هو تشبيه في أصل الصيام وهو الإمساك عن المفطرات، وليس تشبيهاً في قدر الصيام ولا في نوعه.
وقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] يدل على أن الصيام سبب عظيم للحصول على التقوى، وهذا إما لأنه، لأن الصيام يضعف مجاري الشيطان في الدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم والجوع يضعف هذا المجرى، وإما لأن الصائم إذا بدأ الصوم أصبح عنده روحانية وإيمان بهذا العمل بحيث يتورع من أن يأتي ما كان يفعله في السابق من المنكرات. ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».
وقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] يدل على أن الصيام الذي كتب على المؤمنين كان أياماً معدودات، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بهذه الأيام المعدودات هي شهر رمضان، ولذلك جاء في آخر الآيات شهر رمضان.
وقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] يدل على جواز الفطر للمريض والمسافر، لأن هناك تقديراً، التقدير: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أُخر، لأن الفطر للمريض والمسافر رخصة، فإذا صام لا نلزمه بالقضاء، يعني هو قد يفطر لأجل الرخصة وقد يصوم، فإذا تكلف الصوم لا يمكن أن نلزمه بذلك القضاء. وهذا النوع من التقدير الذي هو (فأفطر) هذا النوع من التقدير معروف في لغة العرب وهو من بلاغة القرآن ويسمى فحوى الخطاب، وهو أن يكون الكلام، يعني يكون في كلام شيء مقدر لا يستغني المعنى عنه. والأمثلة كما ذكرت في القرآن كثيرة وفي اللغة أيضاً كثيرة. ومن أمثلته في القرآن قوله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]؛ فمن كان منكم مريضاً يعني في الحج، أو به أذى من رأسه فحلق رأسه أو قصره ففدية، يعني هناك تقدير فحلق.
وأما قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] هذه الجملة فيها قولان مشهوران لأهل العلم. القول الأول أن هذا الحكم في الآية هو في أول ما فرض الصوم، فكان من أطاقه من المقيمين الأصحاء صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وإذا أفطر يطعم لكل يوم أفطره مسكيناً، ثم نسخ هذا الحكم بالآية التي بعدها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، هذا القول الأول، وبقي حكم الإطعام في حق الشيخ الكبير والمرأة العجوز الذين لا يستطيعان الصيام. القول الثاني: أن هذا الحكم خاص بالشيخ الكبير والعجوز الذين يطيقان الصيام، فإنه كان مرخصاً لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطر، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] فلزمهما من الصوم ما يلزم الشاب، إلا إذا لم يقدرا فعند ذلك يطعمان. فهذان قولان مشهوران في معنى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184].
هنا جئنا إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري