الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فكنا تكلمنا في آخر الحلقة الماضية عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [البقرة: 183-184]. فسرنا هذه الآيات السابقة، وجئنا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾.
هنا قيل في معنى فمن تطوع خيرا فهو خير له: معناه فمن تطوع فزاد في إطعام المساكين؛ إما زاد في عددهم، أو بدلاً من أن يطعم لليوم مسكيناً يطعم مسكيناً وأكثر، أو زاد في الإطعام نفسه فهو خير له، فمن تطوع خيراً في الإطعام فهو خير له. وقيل معناه: فمن تطوع وصام مع الفدية فهو خير له، وهذا على القول بالنسخ. وقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ معناه أي خير لكم من الفدية، وهذا على القول بالنسخ أيضاً.
وقيل إن معناه الصوم أفضل في حق المسافر والمريض إلا أن يجهده الصوم، فالمسافر إذا أجهده الصوم وهكذا المريض إذا أجهده الصوم فالفطر أفضل، وإلا فإن الصوم أفضل، وهذا هو قول جماهير أهل العلم.
وقوله تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، هذه الآية تدل على عظيم فضل شهر رمضان لأنه أنزل فيه القرآن، ولذلك كان هذا الشهر سيد الشهور كما يقول عبد الله بن مسعود، كما أن الليلة التي ابتدأ فيها نزول القرآن في هذا الشهر وهي ليلة القدر، وهي أعظم الليالي. ولذلك قول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3-4]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] إلى آخر الآيات.
العلماء يقولون في معنى الإنزال هنا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، هناك معنيان: المعنى الأول أن الله أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك القرآن مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه. المعنى الثاني أن الله ابتدأ تنزيل القرآن في ليلة القدر في رمضان لأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في رمضان. إذاً ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، إما أن يكون المعنى أو كلاهما مراد: أن الله أنزله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة جملة واحدة، أو المعنى أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر وهي في رمضان.
ثم الله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، قال بعد ذلك: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 2]، وهذا أسلوب غاية في تعظيم هذه الليلة؛ فإنه سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم مبيناً عظم هذه الليلة: وأي علم لك يا محمد بهذه الليلة؟ وأي علم لك بعظم فضلها وعلو قدرها؟ علم فضلها وعلو قدرها أعظم وأعظم بما لا تعلمه. ثم بين الله سبحانه وتعالى وجه عظم هذه الليلة، أو الوجوه التي من أجلها عظمت هذه الليلة.
الوجه الأول في قوله تبارك وتعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، يعني هذا فضل عظيم، العبادة في هذه الليلة خير من عبادة في ألف شهر، فكان من عبد الله في هذه الليلة، ليلة واحدة، قد عبد الله في أكثر من ألف شهر، وألف شهر معناه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فكان الذي صلى تلك الليلة أو عبد الله تلك الليلة قد صلى أو عبد الله في ثلاث وثمانين سنة بل في أكثر من ثلاث وثمانين سنة.
الوجه الثاني في عظم هذه الليلة التي قال الله فيها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، أن الله سبحانه وتعالى بين ذلك فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ [القدر: 4]، فالملائكة والسلام يكثر تنزلهم في هذه الليلة إلى الأرض أفواجاً أفواجاً، وذلك يدل على عظم شأن هذه الليلة وعظم ما فيها من البركات والخير.
الوجه الثالث الدال على عظم هذه الليلة أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]، أي أنها سالمة من كل أمر، أي من كل سوء وكل أذى حتى مطلع الفجر، وهذا أيضاً من الدلائل على عظيم فضل هذه الليلة. إذاً الله سبحانه وتعالى قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وبين سبحانه وتعالى إنزال القرآن في سورة القدر، بعد ذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، يعني من كان حاضراً أو شهد الشهر فيجب عليه صيامه، وهذه الآية قالوا إنها نسخت الآية التي قبلها وهي التي كانت تخير بين الصيام والفدية.
شهود الشهر، كيف نشهد الشهر؟ يعني بأي وسيلة يثبت الشهر؟ العلماء يقولون هناك ثلاث طرق أو ثلاثة طرائق في معرفة ثبوت الشهر أو في شهود الشهر. الطريق الأول: الرؤية المباشرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». لكن هنا مسألتان متشابهتان في المعنى، وفي الحقيقة في الحكم مختلفتان بالنسبة للرؤية.
المسألة الأولى: في من رأى هلال رمضان وحده ولم تقبل شهادته؛ يعني هو وحده الذي رأى هلال رمضان والناس كلهم لم يروه وبالتالي لم تقبل شهادته لسبب من الأسباب، إما لأنهم يشترطون اثنين أو لأنهم شكوا في عدالته، فإذا رأى الهلال ولم تقبل شهادته، هل يصوم برؤية نفسه أم يبقى مفطراً ولا يخالف الناس؟ جماهير العلماء ذهبوا إلى أنه يعتبر برؤية نفسه ويصوم، يجب عليه الصيام، عللوا هذا الوجوب أو هذا الحكم، قالوا: بأنه متيقن من رؤية هلال رمضان وهو متعبد بنفسه لا بغيره، الثاني: أنه لا يتهم على رؤية هلال الصوم لأنه ليس له غرض في ادعائه رؤية الهلال، يعني هو ما غرضه في أن يدعي أن الصيام قد جاء؟ ليس له غرض، الصيام عبادة فيها شيء من المشقة، فإذا أثبت أن الصيام قد ثبت معناه أنه سيتحمل مشقة، فهو بعيد من التهمة من هذه الحيثية.
المسألة الثانية: إذا رأى هلال العيد أو هلال شوال وحده ولم تقبل شهادته؛ هنا، إذا الأولى إذا رأى هلال رمضان وحده نقول له يصوم، هنا إذا رأى هلال العيد وحده هل يفطر؟ هل يعتبر برؤية نفسه أم يبقى صائماً ولا يخالف الناس؟ الجمهور عكسوا هذه المسألة وقالوا له: لا يعتبر برؤية نفسه، لا يجوز له أن يعتبر برؤية نفسه وعليه أن يبقى صائماً ولا يخالف الناس. والشافعي رحمه الله عليه ذهب إلى أنه يعتبر برؤية نفسه فيفطر، واحتج الشافعي بأن دليل المسألتين هو حديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فقد أوجب الصوم بالرؤية وأوجب الفطر أيضاً بالرؤية.
لكن الجمهور يعللون بتعليلين؛ يقولون: إن رمضان ثابت فلا نخرج عنه إلا بيقين، ورؤيته للهلال وحده ليست يقيناً أو يكتنفها الشك لأنها عبادة لا بد من الاحتياط لها، فلا نكتفي بواحد، لا بد أن يكون معه آخر. التعليل الثاني: أنه يتهم على رؤية الهلال لأن له غرضاً، يعني هلال العيد، هو عنده يريد استعجال العيد مثلاً أو استعجال الفطر، فمن أجل سد الذريعة لئلا يدعي الفساق مثلاً أنهم رأوا الهلال فيفطروا وهم في الحقيقة لم يروا، من أجل هذا الجمهور قالوا: لا يفطر، بل يبقى صائماً ولا يخالف الناس.
قد جاء في سنن سعيد بن منصور رحمه الله عليه بسند صحيح عن أبي قلابة الجرمي البصري المشهور: أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال، يعني هلال شوال، يعني هلال العيد، هما اثنان، كل واحد منهما رأى الهلال، رجلان يكفيان في رؤية الهلال، ثم جاءا وقد أصبح الناس صياماً، فأتى عمر، فذكر له ذلك أنهما رأيا الهلال، فقال عمر لأحد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أصائم أنت أم مفطر؟ قال: ما حملك على الفطر؟ قال: لم أكن لأصومن وقد رأيت الهلال، وقال عمر للآخر: أصائم أنت؟ قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم لأفطار، وكلاهما قد رأيا هلال العيد، أحدهما صام والثاني أفطر، فماذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للذي أفطر؟ قال: لولا مكان هذا، يعني لولا وجود الشاهد الثاني أنه رأى هلال العيد معك، لولا مكان هذا لأوجعت رأسك، ثم نودي في الناس أن يخرجوا، يعني للصلاة للعيد.
الشاهد من هذا النص هو يؤيد ما ذهب إليه الجمهور من أن رؤية هلال العيد لا تكفي فيها واحد، وأنه إذا رأى هلال العيد لا بد عليه أن يبقى صائماً حتى يفطر الناس، هذه من المسائل المهمة. إذاً من رأى هلال رمضان أو هلال شوال وحده ولم يقبل قوله، فإنه يصوم في كلا الحالين، يصوم عند رؤية هلال رمضان ولو خالف الناس لعدم وجود التهمة على الصيام، ولا يفطر عند رؤية هلال العيد بل يبقى صائماً مع الناس لوجود التهمة على الإفطار وذلك سداً للذريعة كما ذكرت.
أما الطريق الثاني، هذا هو الطريق الأول وهو الرؤية، الطريق الثاني الذي يدل على ثبوت الشهر أو أن الناس شهدوا الشهر هو العلم بالرؤية بشهادة العدول، فالعلماء متفقون على أنه لا يقبل الفطر، في الفطر، أقل من شهادة رجلين، وأما الصوم فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول وهو قول الحنفية: أنه لا يثبت دخول شهر رمضان أو شهر الصوم والسماء صافية إلا برؤية جمع، لا بد من جماعة، وبعضهم يقول جمع غفير، واحتجوا بالنظر وهو أنه لا يجوز أن تنظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة والسماء صافية وليس هناك موانع، فيراه واحد دون الناس.
القول الثاني: أنه يثبت دخول شهر الصوم برؤية عدلين، يعني لا يثبت إلا برؤية عدلين كبقية الشهور، وهو قول المالكية، واحتجوا بالأثر وهو في مسند أحمد وسنن النسائي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها» يعني للرؤية، «فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا ذكرنا قبل الفاصل بعض الطرق التي يثبت بها الشهر عند قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فذكرنا أن ثبوت الشهر يكون بالرؤية وبخبر العدول، وذكرنا أن خبر العدول اختلف العلماء فيه، وذكرنا المذهب الثاني وهو مذهب المالكية: أنه لا يثبت دخول شهر رمضان إلا بما يثبت به دخول الشهور الأخرى، وهو شاهدان. وذكرنا حجتهم وهو من الأثر حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وفي آخره: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». واحتجوا أيضاً بالنظر وهو القياس، وهو أن هذه شهادة على رؤية، والشهادة على الرؤية ينبغي أن تستوي، كأنها شهادة على شوال، إذا قياس رمضان على شوال وعلى باقي الشهور.
القول الثالث: أنه يثبت دخول شهر الصوم بعدل واحد، إذاً: قول الحنفية لا بد من جمع، قول المالكية يثبت بعدل، قول الحنابلة والشافعية يثبت بعدل واحد. والحنابلة والشافعية احتجوا بالأثر، وهو في السنن الأربعة من حديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال، قال (يعني الحسن البصري في حديثه): فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟»، قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمداً رسول الله؟»، قال: نعم. قال: «يا بلال، أذِّن في الناس فليصوموا غداً». إذاً اعتبر برؤية واحد في ثبوت شهر رمضان، وكذلك في سنن أبي داود من حديث ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه. وأيضاً عللوا بأنه دخول في عبادة بخلاف شهر شوال فهو خروج من العبادة، ومقتضى الاحتياط التفريق بينهما، يعني الاحتياط للعبادة في دخولها بالواحد يكفي فيها، والخروج منها لا بد من اثنين.
هذه كل ما مضى من الأقوال في الحقيقة له اعتباره، إلا أن قول المالكية قول وسط وقياسه أظهر، وقول الحنابلة والشافعية واستشهادهم بالأحاديث، هذه الأحاديث ليست من القوة بالمكان الذي يمكن أن يحتج به، وقد يحتج به بعض العلماء ولا يحتج به بعض العلماء الآخرين.
هذه المسألة لها فروع، من فروع هذه المسألة وهي رؤية الهلال: مسألة المطالع، وهي هل تكفي رؤية بلد واحد لجميع البلدان أم لكل بلد رؤيته؟ هذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم، وهذا الخلاف على قولين: القول الأول: أن رؤية البلد الواحد رؤية لجميع البلدان، والقول الثاني: أن الأمر يعود على اعتبار المطالع، فإن اتحدت المطالع كانت الرؤية واحدة، وإلا فإن لكل بلد رؤيته. القول الأول قول الجمهور أو قول الحنفية والحنابلة، والقول الثاني هو قول الشافعية وكذلك المالكية إذا تباعدت الأقطار، لكن هؤلاء العلماء الذين قالوا هذين القولين متفقون، أو من المتفق عندهم أنه إذا رؤي الهلال في بلد فإن تلك الرؤية تعتبر رؤية للبلد المشابه له في المطلع، وكذلك للبلد الذي يكون في جهة الغرب منه من باب.
تكون الرؤية أولى لأن الهلال كلما اتجهنا للغرب تأخر عن الشمس، فتكون رؤيته أوضح وأولى، وذلك لأن القمر في مسيره أبطأ من الشمس. فكلما اتجهنا إلى الغرب تأخر وقت الغروب، وكلما تأخر وقت الغروب سبقت الشمس القمر لجهة الغروب، وبالتالي ينفصل الهلال منها أكثر فأكثر.
الذي أريد أن أنبه عليه هنا هو أن بداية الشهر قد تختلف من قطر إلى قطر، وكذلك سائر الشهور، كما تختلف بدايات ساعات الأيام؛ فليست بداية النهار في الشرق كبداية النهار في الغرب، فبينهما ساعات. وسبب الاختلاف أيضاً في الشهور أن ولادة القمر تكون في ساعة معينة، وهي الساعة التي تسبق فيها الشمس القمر في بداية الشهر، فتسبقه إلى الغروب، ويكون القمر متأخراً ومنفصلاً عنها. وهذا لا يكون إلا في وقت واحد وفي مكان معين من الأرض، لا يكون في كل الأرض. الوقت الذي تسبق الشمس فيه القمر وينفصل عنها بحيث يمكن رؤيته، هذا لا يكون إلا في مكان واحد، ثم يزداد الانفصال بينهما شيئاً فشيئاً كلما اتجهت الشمس إلى الغرب. فحينئذ عند انفصال القمر من الشمس يكون بداية الشهر، وهذه البداية تكون في ذلك الموضع، وهكذا في كل موضع في جهة الغرب منه، بخلاف المواقع التي كانت قبله في جهة الشرق، أو لم تكن على نفس المطلع.
ومن هنا يأتي الخلاف بين البلدان، والذي عليه المحققون هو اعتبار المطالع، وأن رؤية الهلال في بلد تعتبر رؤية للبلد القريب منه أو المشابه له في المطلع، وكذلك لكل بلد في جهة الغرب منه، أو في مطلع بعد مطلعه. وقد ثبت هذا المعنى في صحيح مسلم من حديث كريب مولى ابن عباس، أن أم الفضل بنت الحارث وهي أم عبد الله بن عباس بعثته إلى معاوية، وكان معاوية في الشام. فقدم الشام فقضى حاجتها، واستهل عليه هلال رمضان وهو بالشام. يقول هذا التابعي: فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. قال كريب: فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه المسألة هي مسألة المطالع، وهي في الحقيقة مسألة اجتهادية يحتملها النظر؛ فمن اعتبر البلدان كلها تصوم بصيام بلد واحد فله وجه من النظر، ومن اعتبر المطالع وهو الأقرب فله وجه من النظر. وقد اختلف فيها العلماء الكبار منذ القدم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر».
هذا هو الطريق الثاني وهو الرؤية. الطريق الثالث وهو الطريق الأخير الدال على ثبوت الشهر هو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً إذا لم يروا الهلال ولم يشهد شهود برؤية الهلال، واكتملت عدة شعبان ثلاثين يوماً، هنا دخل رمضان بعد شعبان، وهذا أمر لا خلاف فيه.
أما قول الله تبارك وتعالى في الآيات التي ذكرناها ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، فهذه الآية تدل على أن المريض والمسافر يجوز لهما الفطر ويقضيان، ولكن ليس المراد بالمرض أي مرض أو أي وجع ولو كان شيئاً يسيراً، وكذلك ليس المراد بالسفر أي سفر ولو كان قصيراً، بل المراد بالمرض المرض الذي يشق معه الصوم، والمراد بالسفر السفر الشاق وهو السفر الذي تقصر فيه الصلاة. والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى في آخر الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وهذا يعني أن جواز الإفطار للمريض والمسافر إنما هو لنفي العسر والحرج عنه. فإذا لم يكن في الصوم مع المرض عسر ولا حرج كالصوم مثلاً مع الزكام، فهنا لا يجوز له الفطر إذا كان المرض لا يشق معه الصوم، أو لا يسمى مرضاً أصلاً.
والمسافر الذي يجوز له الفطر له ثلاث حالات؛ الحالة الأولى هي أن يدخل عليه شهر رمضان وهو في السفر، كأن يكون مسافراً فاستهل الشهر عليه وهو مسافر، فهذا لا يعلم بين العلماء اختلاف أنه يجوز له الفطر إلى أن يأتي بلده.
الحالة الثانية هي أن يسافر في أثناء الشهر ليلاً، مثلاً دخل عليه الشهر عشرة أيام، ففي الليلة الحادية عشرة سافر، لم يسافر في النهار وإنما سافر ليلاً، فهذا أيضاً له الفطر في اليوم الذي يتلو الليلة التي خرج فيها وهكذا فيما بعدها، وهذا قول عامة أهل العلم وشذ بعض العلماء فقالوا لا يفطر.
الحالة الثالثة للمسافر هي أن يسافر في أثناء يوم من رمضان، أي في النهار، يكون بدأ الصيام ثم أنشأ السفر، فهذا اختلف العلماء هل يجوز له الفطر أم لا؟ الجمهور يقولون لا يجوز له الفطر، وعللوا ذلك بقولهم إن الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمع فيها الحضر والسفر غلب حكم الحضر. وما معنى هذا الكلام؟ يشبهونها بالصلاة، يقولون الصلاة إذا ابتدأها في الحضر ثم سافر، كمن كان في سفينة وهذه السفينة راسية في بلده، فلما جلس على هذه السفينة وحانت الصلاة صلى الظهر أو العصر ثم أبحرت السفينة، فبدأ السفر في أثناء الصلاة؛ هنا العلماء يقولون يتم صلاته صلاة حضر ولا يجوز له القصر. وهكذا الصوم، هذا كلام الجمهور أنه ما دام أنه بدأ الصوم في الحضر فلا يجوز له أن يفطر في السفر.
أما الحنابلة فإنهم يجوزون الفطر في نهار رمضان الذي خرج فيه، وحجتهم الآية لأن الآية عامة ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، ولم يقل ابتداء ذهابه في الليل أو في النهار. واستدلوا بحديث في مسند أحمد وفي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث عبيد بن جبر قال: ركبت مع أبي بصرة، وأبو بصرة صحابي جليل، قال: ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية وهو في سفينة، قال: فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء وذلك في رمضان، فقلت يا أبا بصرة، والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد، يعني ما زلنا نرى البيوت لكنهم تحركوا في سفرهم، فقال: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، قال: فكل، فلم نزل مفطرين حتى بلغنا محوزنا، والمحوز بلغة أهل الشام معناه المكان الذي بينهم وبين العدو.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري