دخولتسجيل الدخول

الحلقة 29

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة. كنا تكلمنا فيما مضى عن بعض الآيات التي فيها ذكر وجوب الصوم وفضله.

أما الأحاديث فكثيرة، منها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». كل الذنوب الماضية تغفر وتنتهي بصيام رمضان وبقيام ليلة القدر.

وأيضا في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم. يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق الباب عليهم، فلم يدخل منه أحد».

وكذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه». هذا الحديث في الحقيقة يدل على عظم فضل الصوم وما فيه من الخير والجزاء العظيم.

ومما ورد أيضا من الأحاديث في فضل الصوم ما في مسند أحمد وسنن الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي». ومعنى رغم أنفه أي التصق بالرغامة، لكن إذا لم يغفر له وقد عاش رمضان فهذا حصل له من الذل الشيء العظيم.

وفي مسند أحمد وغيره أيضا بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبشر أصحابه: «قد جاءكم رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم». يقول العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان، وكيف لا يهنئ المؤمن المؤمن ببلوغ شهر رمضان وهو شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران؟

أما الحكمة من الصوم فهي في الحقيقة تتجلى في بعض المعاني السامية. من تلك المعاني أن الصوم وسيلة إلى شكر المنعم سبحانه وتعالى؛ لأن الصوم فيه كف النفس عن الأكل والشرب والشهوة وهي من أجلّ النعم وأعلاها، والنعم كما يقال مجهولة فإذا افتقدت عرفت. فالصيام يحمل الصائم على قضاء حق هذه النعم بالشكر، وشكر المنعم فرض، ولذلك قال تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وفي آخر الآية قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]، فالصوم يعين على شكر الرب سبحانه وتعالى الذي أنعم بتلك النعم.

ومن المعاني السامية من حكمة الصوم أنه وسيلة إلى التقوى، قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. وكذلك من المعاني السامية في الصوم أن فيه قهرا للطبع وكسرا للشهوة، والنفس إذا جاعت امتنعت عما تهوى، وإذا شبعت خاضت فيما تهواه. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».

وكذلك من المعاني السامية في الصوم أنه يوجب الرحمة والعطف على المساكين والفقراء، فالصائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات يتذكر من كانت حاله هكذا في جميع الأوقات، فتغمره الرقة ويسارع إليه حينئذ الإحسان فيحسن إليه.

أما من يجب عليه الصوم من الناس، فرمضان يجب على كل مسلم عاقل بالغ، حتى الحائض والنفساء، إلا أنه لا يصح منهما الصوم في حال الحيض والنفاس؛ ويجب عليهما، لكن لا يجوز لهما أن يصوما، بل إذا طهرتا عليهما القضاء، وهذا ثابت في الصحيح من حديث معاذة العدوية قالت: إن امرأة سألت عائشة فقالت: أتقضي الصلاة أيام محيضها؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ (وهي فرقة من الخوارج يتشددون في دين الله). قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، ونؤمر بقضاء الصوم أو كما قالت رضي الله عنها.

ومن المسائل أيضا أنه يجوز للمرضع وللحامل أن يفطرا في نهار رمضان وعليهما القضاء باتفاق المذاهب الأربعة، لكن اختلفوا هل عليهما شيء غير القضاء؟ فذهب الشافعية والحنابله إلى أنه يجب القضاء وكذلك يجب الإطعام عليهما، وهذا إذا أفطرتا خوفا على الجنين الذي في البطن أو على الرضيع، ويستدلون بما في سنن أبي داوود من حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، قال ابن عباس: كانت رخصة للكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، وكذلك الحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا.

وذهب الحنفية إلى أنه لا إطعام عليهما، وإنما عليهما القضاء فقط، وذلك لما في الخمسة إلا النسائي من حديث أنس بن مالك (وهو ليس أنس بن مالك الأنصاري، وإنما هو من بني عبد الله بن كعب) قال: أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته وهو يتغدى، فقال: ادن فكل، فقلت: إني صائم، قال: اجلس أحدثك عن الصوم، إن الله عز وجل وضع عن المسافر شطر الصلاة، ووضع عن المسافر والحامل والمرضع الصوم. يقول هذا الصحابي: والله لقد قالهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاهما، أو إحداهما. قال: فيا لهف نفسي هلا كنت طعمت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني تندم أنه لم يترك صومه حتى يأكل مع النبي من طعامه صلى الله عليه وسلم.

أما المالكية فذهبوا إلى وجوب الإطعام بالنسبة للمرضع دون الحامل، يقولون: لأن المرضع يمكنها أن ترضع لولدها غيرها، يعني ليست مضطرة إلى الإرضاع، بخلاف الحامل فإنها مضطرة أن تفطر بسبب الحمل. وهذه الأقوال المذكورة لهؤلاء الأئمة كلها لها اعتبار، إلا أن قول الشافعية والحنابله وهو وجوب القضاء مع الإطعام أحوط، والله سبحانه وتعالى أعلم. أما الذي لا يستطيع الصوم من الناس لمرض لا يرجى برؤه، أو لكبر سنه بحيث لا يستطيع مع كبر السن الصيام أو يشق عليه جدا، فإن هذا يطعم فقط؛ لأنه لا يستطيع الصيام ولم يبق عليه إلا الإطعام.

من المسائل المهمة أيضا النية، من المسائل التي ينبغي التنبه لها في الصيام هي النية. الفقهاء اتفقوا على وجوب النية للصوم لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، ولحديث الصحيحين المشهور: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» إلى آخر الحديث. نقف هنا قليلا ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن مسألة النية، وأنه يجب في الصيام؛ لأن الصيام عبادة والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. وهذه النية العلماء اتفقوا على وجوب تبييتها، يعني أن يعزم على نية الصوم من الليل قبل الفجر؛ وذلك لأنه ثبت عن حفصة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل». والعلماء اختلفوا بعد اتفاقهم على وجوب تبييت النية، اختلفوا: هل هذا التبييت لازم في كل ليلة من ليالي رمضان أم يكفي تبييت النية في الليلة الأولى؟ على قولين: القول الأول ما ذهب إليه الجمهور وهو وجوب تبييت النية كل ليلة، والقول الثاني ما ذهب إليه المالكية وهو أن النية أول ليلة من رمضان كافية.

وأيضا مما اختلفوا فيه النية في النفل، فالجمهور ذهبوا إلى صحة صوم النفل بنية من النهار، يعني ليس هناك شرط أن يبيت النية، لكن يشترطون ألا يطعم؛ يعني أنه إذا أصبح مثلا الصباح وأراد أن يصوم نفلا (عزم بعد الضحى في وقت الضحى الساعة التاسعة وهو لم يأكل قبل ذلك من الفجر) هنا يجوز له عند الجمهور ولو نوى من النهار، والجمهور يستدلون بما في صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «يا عائشة، هل عندكم شيء؟» قالت: فقلت لا يا رسول الله، فقال: «فإني صائم». أما المالكية فيقولون بأنه لا بد من تبييت النية، لكن مذهب الجمهور فيما يبدو أرجح لهذا الحديث الذي هو في صحيح مسلم.

أما الكلام عن المفطرات التي تفطر الصائم، فالعلماء قد اتفقوا على أصولها وهي ثلاثة أصول: الأول الأكل، والثاني الشرب، والثالث الرفث إلى النساء؛ وذلك لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. فإن الله سبحانه وتعالى أذن ليلة الصيام في المباشرة للنساء وفي الأكل وفي الشرب، وهذا يقتضي أن المراد بالصيام في بداية الآيات في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]، هو الإمساك عن المباشرة وعن الأكل وعن الشرب.

لكن العلماء اختلفوا فيمن نسي فأكل أو شرب، فذهب الجمهور إلى صحة صومه مع أنه أكل وشرب لأنه نسي، وأما المالكية فإنهم يقولون إن عليه القضاء، يعني صومه فسد لكن ينبغي أن يمسك وعليه القضاء. ومذهب الجمهور يدل عليه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه».

ومن المسائل أيضا أن الفقهاء اتفقوا في الجملة على أن ما وصل إلى حلق الصائم أو إلى جوفه وهو عامد ذاكر، أن ذلك يجعله مفطرا وعليه القضاء. ومن الأدلة على ذلك ما في الخمسة من حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما»، فهذا يدل على أنه لو دخل إلى حلقه شيء من أنفه فإن ذلك يبطل صومه. ولذلك ذهب الجمهور إلى أن من استعط (أي جعل في أنفه دواء) ووصل هذا الدواء إلى دماغه أو وصل شيء منه إلى دماغه، أنه قد أفطر، ويخالف في ذلك المالكية فيقولون صومه صحيح. كما ذهب الجمهور أيضا إلى أن من تمضمض أو استنشق وسبقه الماء فوصل إلى حلقه أنه قد أفطر، والحنابلة يخالفون في ذلك ويقولون ليس مفطرا بل صيامه صحيح. كل هؤلاء يحتجون بحديث لقيط بن صبرة في الخمسة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائما». الجمهور يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة، ولولا أنه يفطر بما وصل إلى حلقه عند المبالغة لما نهى النبي عن ذلك. والحنابلة يقولون إنه وصل من غير قصد، أشبه الغبار إذا طار في حلقه أو الذباب إذا دخل في حلقه من غير قصده. لكن لا شك أن مذهب الجمهور أحوط، وبالتالي على العبد إذا تمضمض وسبقه الماء إلى جوفه أن يقضي ذلك اليوم الذي بالغ فيه في المضمضة فدخل الماء إلى حلقه.

من المسائل أيضا في هذا الباب الاكتحال، فقد اختلف العلماء فيمن اكتحل فوجد طعم الكحل في حلقه، فذهب الحنابلة والشافعية إلى عدم فطره وأنه غير مفطر واحتجوا بآثار وقياس، وذهب المالكية والحنابلة (في رواية) إلى أنه أفطر واحتجوا بالقياس، لكن لو أخرج من فمه الكحل إذا وجد طعمه، فصيامه صحيح. أما بلع الريق أو الغبار أو الذباب ونحو ذلك، فإن هذا لا يفطر باتفاق العلماء.

من المفطرات التي اختلف فيها أيضا القيء، لكن اتفق العلماء على أن من ذرعه القيء (أي لم يكن عامدا وإنما جاءه غلبة) فصيامه صحيح.

جبراً عليه أنه لا يفطر، واتفقوا أيضاً على أن من تعمد القيء أي استقاء، فمثلاً إذا أدخل يده في حلقه حتى يستقي، اتفق العلماء على أن هذا قد أفطر وعليه القضاء. وهذا ثابت في الموطأ من حديث عبد الله بن عمر، فتوى له أنه كان يقول: من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء. وهذا روي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن العلماء يقولون بأنه لا يصح رفعه.

من المسائل أيضاً الحجامة؛ اختلف العلماء في الحاجم والمحجوم هل يفطران بذلك أم لا؟ الجمهور يقولون إن الحجامة لا تفطر، واحتجوا في ذلك بما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم. وكذلك بما في صحيح البخاري من حديث ثابت البناني قال: سئل أنس بن مالك رضي الله عنه: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف؛ لأنه قد يضعف عن الصيام.

أما الحنابلة فذهبوا إلى أن الحاجم والمحجوم قد بطل صومهما أو أفطرا إذا ظهر دم بسبب الحجامة، واحتجوا بأحاديث في ذلك، وهي أحاديث «أفطر الحاجم والمحجوم»، وهي أحاديث كثيرة، أصح ثلاثة أحاديث، ومن أصح تلك الأحاديث ما رواه الخمسة إلا الترمذي من حديث ثوبان وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان مر برجل يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا الحديث صحيح، صححه جماعة من الأئمة النقاد منهم أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والبخاري رحمه الله على الجميع.

وقد روى بعض العلماء أن الإباحة هنا منسوخة، يعني الإباحة للحجامة منسوخة وأن الحجامة تفطر، وبعضهم روى أن القصد بـ «أفطر الحاجم والمحجوم» أنهما سيفطران بسبب الضعف الذي سيطرأ. لكن من باب الاحتياط؛ فمذهب الحنابلة هو الأحوط، وقد كان يفعله بعض الصحابة كأبي موسى الأشعري، فالأمر في هذا محتمل، لكن تجنبه لا شك أنه أحوط. ما ذكرته مما تقدم هو في المسائل التي تكلم عنها الفقهاء قديماً، أي الحجامة والقيء، وكذلك ذكرنا علاج المأموم وعلاج الجائفة، إذا عولجت ودخل فيها دواء، هل يفطر بذلك؟ هذه من المسائل القديمة.

أما المسائل الجديدة الحادثة فهناك مسائل كثيرة، نمر على بعضها بشكل سريع. العلماء في هذا العصر يعتبرون أن هناك مسائل ليست من المفطرات من الأدوية، وهذا في قول أكثر العلم في هذا العصر. منها مثلاً قطرة العين أو قطرة الأذن أو قطرة الأنف أو غسول الأذن أو بخاخ الأنف، فكل ذلك عند أكثر العلماء في هذا العصر أنه لا يفطر، إذا اجتنب الصائم ابتلاع ما نفذ منه إلى حلقه. من الأشياء أيضاً التي لا تفطر الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان مثلاً لعلاج الذبحة الصدرية أو غيرها، وهذا بشرط أن يجتنب الصائم ابتلاع ما نفذ منها إلى حلقه.

كذلك مما لا يعتبر مفطراً حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان، وهذا كله إذا اجتنب الصائم ابتلاع ما نفذ من ذلك إلى حلقه. ومما أيضاً لا يعد من المفطرات الغرغرة وبخاخ العلاج الموضعي للفم، كل ذلك لا بد أن يجتنب فيه الصائم ابتلاع أي شيء يحصل من ذلك العلاج إلى حلقه. وهكذا من الأشياء التي يقولون إنها لا تفطر: الحقن العلاجية الجلدية، أو حتى العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية. وكذلك غاز الأكسجين أو التخدير كل ذلك لا يفطر.

كذلك مما لا يفطر ما يمتصه الجلد من الدهونات ونحوها، فإذا كان على الجلد فالجلد يمتصه، هذا لا يعتبر مفطراً. ومما لا يعتبر مفطراً أيضاً إدخال أنبوب في الشرايين لتصوير مثلاً أو علاج لأوعية القلب أو لغير القلب من الأعضاء، هذا كله أيضاً لا يفطر. وكذلك مما لا يفطر أخذ عينات من الكبد أو غيرها من الأعضاء. ومما لا يفطر أيضاً مما ينبغي ذكره دخول أي أداة أو مواد علاجية للدماغ، هذا على خلاف ما اختلف فيه العلماء القدامى على مذهبين، وأهل العصر قد أخذوا أحد المذهبين. وكذلك دخول المنظار إلى المعدة، هذا إذا لم يصحب المنظار سوائل أو أي مواد أخرى؛ هذه مما تكلم عنها العلماء وقالوا إنها لا تفطر في هذا العصر.

بما ذكرناه مما تقدم نكون بحمد الله قد أتينا على كثير من المسائل المهمة في كتاب الصيام، مع أننا تركنا بعض المسائل الأخرى بسبب ضيق الوقت، إلا أن تلك المسائل التي ذكرتها ينبغي على المسلم أن يحرص على تجنبها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلنا، وأن ينفعكم أيها المشاهدون الكرام بما سمعتم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، واستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.