دخولتسجيل الدخول

الحلقة 30

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الأخيرة من هذا البرنامج المبارك. وفي هذه الحلقة أود أن أعرج على ما وعدتكم به؛ وهو التنبيه على كلام بعض المعاصرين حول حديث تقدم معنا في الصحيحين، وهو ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به» إلى آخر الحديث الذي مر معنا.

هذا الحديث تكلم فيه بعض المعاصرين، أو تكلم في فهم معناه بعض المعاصرين، واستدل به على شيء عجيب لم يقل به غيره من الناس، وهذا الشخص في الحقيقة دائماً ما يأتي بغرائب لا حقائق لها، وبمفاهيم عقيمة لا تعدو أن تكون أوهاماً غريبة. فمثلاً يقول في هذا الحديث: إنه ورد بلفظ الصوم بالواو دون لفظة الصيام بالياء، وهذا يعني -حسب قوله- أن الغاية من الصيام في شهر رمضان أن يصل المسلمون في نهايته إلى الصوم، فإذا وصلت هذه الأمة إلى الصوم تنتهي كل المشاكل، هكذا قال وهكذا يقول.

ثم يأتي إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، وإلى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]، فيذكر أن هذه الآيات وردت بلفظ الصيام بالياء دون الصوم بالواو، ثم يقول: من حسن حظنا أن الله كتب علينا الصيام ولم يكتب علينا الصوم، ما معنى هذا الكلام؟

في الحقيقة هو وجد لفظة الصيام في القرآن كثيرة، ولم يجد لفظة الصوم إلا مرة واحدة؛ وهي في قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26]، ووجد لفظة الصوم في بعض الأحاديث، فظن أن بين اللفظتين فرقاً، فأخذ يبحث عن ذلك الفرق، ويبدو أنه بعد جهيد وصل إلى فرق عنده بين اللفظتين. ما هو هذا الفرق حسب زعمه؟ هذا الفرق هو أن الصيام بالياء الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة، وأما الصوم بالواو فهو التحلي بالأخلاق الفاضلة، وعبر عنه مرة بأنه قول الحق؛ فالصوم قول الحق، والصيام هو الصيام المعروف.

وبالتالي بنى على ذلك أن الذي فرضه الله علينا هو الصيام؛ وهو الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة لكي تصل الأمة إلى الصوم بالواو الذي هو قول الحق كما يذكر هو. وهذا التفريق في الحقيقة لا أصل له لا في لغة ولا في شرع، ولم يسبقه إليه أحد من أهل العلم. أما اللغة فلم يفرق بينهما أحد من علماء اللغة على كثرتهم، وهذه معاجم اللغة بين أيدينا؛ فعندنا كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، وجمهرة اللغة لابن دريد، وتهذيب اللغة للأزهري الهروي، وكذلك الصحاح للجوهري، وهؤلاء من القدماء.

وكذلك مجمل اللغة ومقاييس اللغة لابن فارس، والمحكم لابن سيده، وهكذا إلى أن نصل إلى وسط القرون وهو القرن السابع أو الثامن الهجري؛ وهو الكتاب المشهور لسان العرب لابن منظور، ثم إلى تاج العروس للزبيدي، وآخر هذه الكتب الوسيط من الكتب المشهورة لمجمع اللغة العربية بالقاهرة. ليس في شيء من هذه الكتب التفريق بين تينك اللفظتين، بل فيها جميعاً أنهما مصدران للفعل صام؛ تقول: صام يصوم صوماً وصياماً، كما تقول: قام يقوم قوماً وقياماً، وناح ينوح نوحاً ونياحة، وهكذا.

بل نص ابن فارس في مقاييس اللغة على أن الصاد والواو والميم -أي الصوم- أصل واحد؛ ما معنى أصل واحد؟ يعني أن له معنى واحداً تعود كل المعاني إليه. وهذا الكتاب بالمناسبة -مقاييس اللغة- من أنفع الكتب؛ حيث إنه يأتي باللفظ ويبين ما فيها من المعاني، فإن كانت معانيها ترجع إلى معنى واحد بين ذلك وقال: لها أصل واحد، وإن كانت ترجع إلى معنيين قال: لها أصلان، وهكذا. وقد ذكر في مادة الصوم أن الصاد والواو والميم أصل واحد يدل على إمساك وركود في مكان، من ذلك صوم الصائم وهو إمساكه عن مطعمه ومشربه وسائر ما منع منه، وكذلك الإمساك عن الكلام يعتبر صوماً لقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا﴾ أي إمساكاً.

وهذا من حيث اللغة؛ يعني أنه لا فرق بينهما. أما من حيث الشرع فالأحاديث التي ترد لفظ الصوم أكثر من أن تحصر، فمثلاً في قوله تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، هو يقول: من حسن حظنا أن الله كتب علينا الصيام ولم يكتب علينا الصوم؛ أي الصوم بالواو لم يكتب. طيب، ماذا تقول في الأحاديث المشهورة الصحيحة؛ كالذي في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان»؟ إذاً صوم رمضان واجب علينا؛ صوم بالواو. العجيب أنه يقول الصوم بالواو معناه قول الحق، فهل هو يقول ليس مفروضاً علينا؟ فهل قول الحق ليس مكتوباً علينا؟ هل يعقل أن يقول أحد أن قول الباطل جائز لو كان هو قول؟

ثم إنه قد ثبت إطلاق لفظة الصوم بالواو على ترك الطعام والشراب في عدة أحاديث، منها مثلاً ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نسي أحدكم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقى». فالصوم يطلق على ترك الطعام والشراب، ولم يقل صيامه، مع أن المقصود واضح في هذا الحديث.

والأعجب مما تقدم أنه يستدل على التفريق بين لفظتي الصوم والصيام بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]. فهو يقول: إن الرب سبحانه وتعالى قال هنا صوماً ولم يقل صياماً، ومعناه عنده قول الحق، وهذا مما لم يقل به أحد. بل الآية واضحة لكل أحد أن المراد بالصوم هنا الإمساك عن الكلام؛ ففي آخر الآية قال تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾. وعندما رأها الناس تحمل طفلاً سألوها كما قال تبارك وتعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 27-29]. فهي لم تكلمهم أصلاً، وإنما أشارت إليه مما يدل على أنها ممنوعة من الكلام؛ فالصوم في هذه الآية هو الإمساك عن الكلام، وهذا هو الصوم الذي أمرت به، وليس هو قول الحق كما يقول.

وهذا الصوم -وهو الإمساك عن الكلام- هو صوم لغوي، وأما الصوم الشرعي فهو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة. وهذا معروف عند أهل العربية وعلماء الشريعة أنه لا بد أن يكون هناك رابط أو معنى مشترك بين المعنى اللغوي للكلمة والمعنى الشرعي. فمثلاً الصلاة معناها في اللغة الدعاء، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي ادعُ لهم، وأما معناها في الشرع فمعروف وهو هذه الصلاة التي فيها الركوع والسجود، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]. وإنما سميت ذات الركوع والسجود صلاة لما فيها من الدعاء في الفاتحة وفي السجود والتشهد، فهناك رابط بين الصلاة الشرعية والصلاة اللغوية، لا بد أن يكون هناك رابط.

ومن الأمثلة أيضاً الأذان؛ فالأذان في اللغة معناه الإعلام، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]. وأما المعنى الشرعي للأذان فهو الأذان المعروف الذي يبدأ بالتكبير وينتهي بالتهليل، وسميت هذه الألفاظ التي يقولها المؤذنون في المساجد أذاناً لأن فيها إعلاماً بدخول وقت الصلاة، فهناك رابط بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.

وهكذا يقال في الصوم؛ الصوم اللغوي والصوم الشرعي؛ فالصوم اللغوي هو مطلق الإمساك، ومنه قوله تبارك وتعالى عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا﴾، والشرعي هو الإمساك عن المفطرات، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. المهم أنه لا فرق بين اللفظتين من حيث المعنى الشرعي؛ أما الآيتان السابقتان فإحداهما على المعنى الشرعي والأخرى على المعنى اللغوي. أما تفسير الصوم بقول الحق أو الأخلاق الفاضلة فهذا لا رابط بينه وبين المعنى اللغوي أصلاً، وهذا مما يدل على بطلانه.

ومن العجائب أيضاً أن هذا الشخص الذي ابتكر هذا الفرق بين الصوم والصيام إنما وقف على لفظ الصوم في الحديث الذي تكلمنا عنه أو في بعض الأحاديث؛ فمثلاً روي في الصحيحين بلفظ الصوم بالواو، قال عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». وهذا اللفظ هو الذي وقف عليه صاحبنا، فأخذ يفسره على المعنى الذي ظنه للصوم، فذكر أن هذا الحديث يطلب من الأمة الوصول إلى الصوم الذي هو قول الحق عنده، وهو الغاية من الصيام الذي هو ترك الطعام والشراب، مع أن آخر الحديث يفسر الصوم بخلاف ما ذهب إليه؛ ففي لفظ في الصحيحين: «الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي»، إذاً قال الصوم ثم قال: شهوته وأكله وشربه من أجلي، ففسر الصوم بترك الشهوة والأكل والشرب. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يمكن أن نضرب مثالاً آخر لكلامه من باب الفائدة؛ فمثلاً تجده يفرق بين معنى القرية والمدينة، مع أن المشهور بين أهل اللغة في الفرق بين المدينة والقرية أن المدينة أكبر من القرية، إلا أن كل مدينة يمكن أن يطلق عليها قرية وليس كل قرية يطلق عليها مدينة. الفرق الذي ذكره بعض الناس أو ذكره صاحبنا أن لفظ القرية تطلق على الناس الذين يسكنون في مكان واحد وفكرهم أو صفتهم واحدة، والمدينة هي التي تجمع المختلفين في الفكر أو في الصفات، وبالتالي فالعذاب لا يقع على المدن؛ لأن المدن يكون فيها أناس مختلفون مؤمنون وكافرون، وبالتالي لا يعذب الله أهل المدن، وإنما يعذب أهل القرى؛ لأن القرى على فكر واحد، فإما أن يكونوا مؤمنين وإما أن يكونوا كافرين، فلا ينزل العذاب إلا على القرى التي أهلها غير مؤمنين. هكذا يفرق بين القرية وهذا تفريق عجيب في الحقيقة لم يسبق صاحبه إليه، ولم يستند إلى لغة ولا إلى أدلة.

وإنما حمله على ذلك أن الله سبحانه وتعالى كلما ذكر نزول العذاب ربطه بلفظة القرية أو القرى، فظن أن هذا هو الفرق مع أنه فرق لا دليل عليه، بل الأدلة على خلافه، ومن ذلك ما يلي: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]. فسمى الله سبحانه وتعالى مكة قرية، وبين أن فيها مؤمنين وكافرين، وهي سماها قرية مع أن فيها مؤمنين وكافرين.

وهكذا قال سبحانه وتعالى في آية أخرى؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: 88]، فدلت هذه الآية أيضاً على أن القرية يجتمع فيها المؤمنون والكافرون. وقال سبحانه وتعالى عن قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82]، بمعنى اسأل أهل القرية، وأهل القرية فيهم الكفار وفيهم المؤمنون، ومن المؤمنين يوسف عليه الصلاة والسلام.

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48]، وهي مدينة ثمود قوم نبي الله صالح، ثم ذكر سبحانه بعد ذلك أنه عذب أهلها مع أنه سماها مدينة، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: 50-51]. فالعذاب ليس مقصوراً على القرى كما توهمه من توهمه، بل إن الله سبحانه وتعالى قد سمى محلة واحدة معينة سماها مدينة وقرية في سياق واحد؛ فسماها أولاً قرية، وذلك في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف: 77] إلى آخر الآيات، ثم بعدها بآيات سماها مدينة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ [الكهف: 82]، وهي نفس القرية، وفيها نفس الناس، وفيها اليتيمان، ففيها أناس على أفكار متعددة، ففيهما صالحون وفيها غير الصالحين، وسماها مدينة وسماها قرية سبحانه وتعالى، فهذا مما يدل على بطلان ما ذهب إليه من ذهب إلى ذلك.

إن التفريق بين القرية والمدينة هو أن القرية على فكر واحد، والمدينة على أفكار متعددة. وإنما بينت هذا الكلام واستطردت فيه من باب النصيحة؛ لأن أغلب العوام لا يميزون بين ما هو صحيح وما ليس بصحيح. فمثلاً تجدهم يسمعون الكلام عن الإعجاز العلمي في القرآن من غير المتخصص في الشريعة، فيلقي لهم المعاني العلمية البحتة ويظنون أنه جاء بشيء عجيب، وقد يكون هذا الشخص في الحقيقة معول هدم للشريعة في نفوس العوام من حيث لا يشعر.

عوام الناس إذا سمعوا منه معنى معيناً وظنوا أنه علم إلهي وأنه من الشريعة ومن الإسلام، ثم تبين لهم أن الواقع يخالف ذلك العلم، تشككوا في صحة الإسلام نفسه؛ لأنهم يظنون أن تلك المعلومة التي سمعوها من ذلك الشخص معلومة صحيحة في الإسلام، ولا يتبادر لأذهانهم أنها قد تكون فهماً خاطئاً ممن سمعها منه.

سأضع مثالاً على هذا المعنى من كلام بعض المعاصرين، وهو من كلام الشخص ذاته؛ فإنه يقول مثلاً إن عنده علاجاً للسرطان ووقاية منه في القرآن، فيذكر أن الوقاية من السرطان مثلاً هي بالنوم في الليل والاستيقاظ في النهار، ويستدل على ذلك بآيات. إذا نمت في الليل واستيقظت في النهار، فهذا وقاية من السرطان. ما الدليل؟ يستدل بآيات لكنه لا يستطيع أن يأتي بوجه الشاهد. فمن الآيات التي يستدل بها قوله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: 61]، ثم هو يقول: ولم يقل لتسهروا فيه. فهذه الآية نعم تدل على أن الليل هو وقت النوم، لكن أين الدليل في هذه الآية على عدم إصابة من داوم على النوم ليلاً بالسرطان؟ أين وجه الاستشهاد؟ في الحقيقة الواقع يكذب هذا المعنى؛ لأننا نجد من أهل البادية، وهم أناس لا يسهرون مطلقاً، نجد منهم من يصاب بالسرطان.

فالشخص العامي إذا أخذ هذه المعلومة على أنها إعجاز علمي وأن القرآن يقررها، ثم رأى شخصاً لم يسهر قط في حياته أنه أصيب بالسرطان، فإن هذا العامي قد يكتنفه الشك في القرآن، والقرآن أصل الإسلام، فإذا شك في القرآن شك في الإسلام ولعله يكفر بذلك. فهذا بالنسبة للوقاية.

أما ما يذكره من العلاج للسرطان، فهو يذكره في خمس نصائح مثلاً؛ يقول النصيحة الأولى: تجنب السكريات واستبدالها بالتين، ثم يحتج لهذه النصيحة بقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: 1]، فيقول إن الله سمى السورة سورة التين. هذه النصيحة قد تكون صحيحة -يعني أنه لو أكل التين لم يصبه السرطان- وقد تكون خاطئة، لكن المجزوم به أن القرآن لا يدل على هذه النصيحة مطلقاً، فليس قسم الله بالتين ولا تسميته للسورة بهذا الاسم يدل على أن التين علاج للسرطان، وليس هناك أي رابط في القرآن بين التين وعلاج السرطان. وهذا إذا سمعه العامي وصدقه ثم استعمله مريض ولم يشفَ من ذلك المرض، قد يكون ذلك سبباً في تشككه في القرآن كما ذكرت، مع أن الخلل إنما جاء من هذا الذي ذكر هذا المعنى، أو ظن أنه ابتكر معنى لم يسبق إليه. وهو في الحقيقة إذا ابتكر الإنسان معنى لم يسبق إليه، فلا بد أن يتأنى ويسأل فيه العلماء.

النصيحة الثانية هي أنه قال: مما يعالج السرطان أكل لحم الطيور. طيب ما الدليل أنه يعالج من السرطان؟ قال قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21]، يعني لحم الطير هذا مما يمتن الله به على أهل الجنة. فهذا من الغرائب، كيف يكون هذا علاجاً؟ لماذا لا يكون علاجاً لمرض آخر مثل الوباء الكبدي أو مثل الإيدز أو مثل الجلطة الدماغية؟ ما معنى أن نقصره على السرطان؟ هذا مما يدل على عدم وضوح الاستشهاد والحجة.

النصيحة الثالثة التي ذكرها هي الإكثار من أكل الأشياء النباتية. طيب ما الدليل على ذلك؟ قال يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]. طيب الله أنبتنا من الأرض، هل يدل على أننا لا بد أن نأكل النبات؟ ويقول: كأن الله يقول كونوا نباتيين، وهذا من أعجب الاستدلال. والعجيب أنه طلب في النصيحة الثانية من مرضى السرطان الإكثار من أكل لحم الطير، وهنا يطلب منهم أن يكونوا نباتيين، وهذا في الحقيقة تناقض.

النصيحة الرابعة التي ذكرها قال: الإكثار من استنشاق الأكسجين، وأفضل طريقة لذلك هو المشي السريع جداً. طيب ما هو الدليل؟ قال قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: 19]، فهو يفسر القصد في المشي بسرعة المشي، ويحتج بأن أهل الماراثون عندهم أيضاً سرعة في المشي، مع أن القصد في اللغة معروف وهو التوسط، وقد فسر أهل العلم ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ بأنه المشي المقتصد، فليس بالبطيء المتثبت ولا بالسريع المفرط، بل هو عدل وسط بين بين.

النصيحة الخامسة التي ذكرها يقول: الحالة النفسية للمريض، أي أنه ينبغي أن يحمل حقداً لكي يكون ذلك علاجاً له من السرطان. طيب ما هو الدليل على ذلك؟ قال قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17]. طيب هذه آية ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، أين وجه الشاهد من هذا؟ قال: استوقد معناها نار الحقد. كيف قال؟ لأن هناك فرقاً بين أوقد واستوقد. اللغة العربية لا بد أن تُدرس من المعاجم، لا بد أن تُدرس على أهل اللغة؛ يقول أوقد يعني أوقد ناراً حقيقية، واستوقد نار الحقد في صدره.

طيب سلمنا أن استوقد معناها نار الحقد، فأين في الآية أن ذلك علاج من السرطان؟ لم يذكر في الحقيقة وجه الاستشهاد، فكأنه قال: أنا أزعم، والزعم ليس بدليل. بإمكان شخص آخر يقول: لا، هذا علاج للربو، ما الفرق بين هذا وهذا؟ العجيب أنه يقرأ الآية وفيها ما يبطل فهمه وكأنه لم يقرأه؛ ففي الآية ما يدل على أن المقصود إيقاد النار الحقيقية لقوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، ونار الحقد في الحقيقة لا تضيء بل تظلم، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾، يعني لما انطفأت النار تركهم في ظلمات لا يبصرون، والحقيقة هذه صفة النار الحقيقية أن الظلام يعم إذا انطفأت، بخلاف نار الحقد؛ فإنها إذا انطفأت ذهب الظلام وجاء النور.

ثم المعروف في اللغة أنه لا فرق بين أوقد واستوقد، أحياناً يكون بمعنى فعل وأحياناً يكون بمعنى طلب الفعل، فهناك أفعال يكون فيها حرف السين معناها الطلب، وأحياناً لا يكون معناها الطلب وإنما يكون بنفس المعنى، فأوقد واستوقد في اللغة بنفس المعنى كما قال أهل العلم، ويدل على ذلك حديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً»؛ معناه أوقد ناراً، «فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنني، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها» أو «وهم يتفلتون مني فيها». فهذا الحديث دليل قاطع على أن استوقد معناه أوقد وليس معناه أوقد نار الحقد.

والآية واضحة. أيها المشاهدون الكرام، إنما استطردت في هذه المسألة من باب النصيحة، وأنه لا ينبغي أن يؤخذ العلم الشرعي إلا من أهله الذين درسوه وتخصصوا فيه؛ فإن كل علم لا يؤخذ إلا من أهل التخصص، فمثلاً لا نجد أحداً يريد الطب ويأخذه من المهندسين، أو يريد الهندسة ويأخذه من الأطباء، وهكذا الشريعة لا ينبغي أن تؤخذ إلا ممن درس العلم الشرعي على العلماء وثنى الركب.

بهذا أيها المشاهدون الكرام نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا البرنامج المبارك، وأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.