دخولتسجيل الدخول

الدرس 34 - أهل الحديث وأهل الرأي

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم في هذا الدرس الحادي عشر من مقرر المدخل إلى الفقه الإسلامي، أهلاً وسهلاً بكم.

سأكرر هذا الدرس، وأي إشكال يمر عليكم فاطرحوا تساؤلاتكم؛ فهي محل ترحاب ومحل نقاش. ونحب في هذا الدرس أن نتناول قضية، وهي قضية الاتجاهات الفقهية؛ تسمعون كثيراً مدرسة أهل الرأي وأهل الحديث. ما الفرق بين أهل الرأي وأهل الحديث ومتى نشأت هذه القضية؟

أول أمر لابد أن نعرفه، أن جميع فقهاء الاسلام بلا استثناء يجعلون الحديث النبوي مصدراً أساسياً من مصادر التشريع ومن مصادر الفقه، وهذا أمر لا خلاف فيه ولا جدال عليه. ولكن نصيب العلماء رحمهم الله تعالى وحفظهم للسنة متفاوت؛ فعندنا بعضهم قد يكون أكثر حفظاً للسنة من البعض الآخر. وفي زمن التابعين كما ذكرنا سابقاً، كان هناك مدرستان أساسيتان: مدرسة أهل الحجاز (سواء مكة أو المدينة)، ومدرسة أهل العراق التي تتمثل في الكوفة بشكل أساسي.

ومدرسة الحجاز كان فيها عدد الصحابة أوفر بلا شك؛ فإن الصحابة الذين كانوا في المدينة أكثر بكثير من الصحابة الذين انتقلوا إلى الكوفة. الأمر الثاني: أن الأسانيد التي كانت عندهم كانت أصَحّ وأدق، حتى قال بعضهم: أصَحّ الأسانيد أسانيد أهل المدينة. فما كانوا يحتاجون كثيراً إلى اللجوء إلى القياس، ليش؟ لوفرة الحديث عندهم، ووفرة الصحابة بينهم، والأحاديث عندهم وصلتهم بأسانيد صحيحة وعالية وجيدة.

وبخلاف ما كانت عليه المدرسة الكوفية، فقد كانت الأحاديث فيها أقل؛ لا شك أن الكوفة كان فيها علماء ومحدثون وهذا أمر لا نزاع فيه، ولكن إذا ما قارنت وجدت أن الحديث عند أهل الكوفة أقل منه عند أهل المدينة. وهذا الأمر جعل كثير من الرأي يظهر في المدرسة الكوفية أكثر من ظهوره في المدرسة الحجازية، والسبب في ذلك أن أهل الحجاز تأتي المسألة يجد فيها مثلاً حديثاً فيعملون به، وأهل الكوفة الحديث هذا ما وصلهم إلا بإسناد ضعيف. طبعاً المسألة أنت لا تتصور مثل ما هي عليه اليوم، الكتب مدونة ومطبوعة ومتداولة، لا! المسألة كل الأحاديث تنقل عن طريق التلقي والسماع. فمن الذي أوصل الأحاديث إليهم في الكوفة؟ قال: جاءهم واحد كذاب وقال لهم: حدثنا فلان، هل يقبلون حديثه؟ أو رجل سيئ الحفظ، هل سيقبلون حديثه؟ ربما ما يقبلون حديثه، واضح! فأحتاج حينئذ إلى إعمال القياس بشكل أكبر مما عليه أهل المدنية.

صارت تصل الأخبار إلى المدرسة المدنية أن أهل الكوفة يقولون في المسألة الفلانية كذا، يقول أهل المدينة: ايش يا أخي، هذا خلاف الحديث النبوي! النبي عليه الصلاة والسلام قال كذا وكذا، وهذا خلاف الحديث. طيب، هؤلاء الكوفيون أو هؤلاء العلماء الذين قالوا بهذا القول هل بلغهم الحديث؟ ربما بلغهم بإسناد ضعيف فلم يقولوا بمقتضاه. بسبب هذا الأمر بدأت تظهر معالم التمايز بين المدرستين.

وهاتان المدرستان كما سبقت الإشارة إليه، كان بينهما شيء من المنافسة؛ حتى إن أهل الحجاز يعدون أنفسهم هم المدرسة الأساسية للفقه الإسلامي، وأن فقه أهل المدينة وفقه أهل مكة وفقه أهل الحجاز هو الفقه الأقرب إلى الحديث النبوي بسبب كثرة ما عندهم من السنة والحديث. وصاروا يردون، وبدأت هنا تنشا الردود إلى أن وجد بعد ذلك لما صار التقاء مثلاً بين محمد بن الحسن الشيباني والإمام مالك، وكذلك القاضي أبو يوسف وغير ذلك، والامام الشافعي أيضاً اخذ عن فقهاء اهل المدينة فأخذ عن الإمام مالك وأخذ عن فقهاء أهل مكة فأخذ عن مسلم بن خالد الزنجي وكذلك اخذ عن تلاميذ الإمام أبي حنيفة كمحمد بن الحسن الشيباني، بدأت تزول هذه الإشكالات التي كانت موجودة بين المدرستين.

فما هي طبعاً في مدرسه ثالثة ظهرت أيضاً للمسلمين عندما دخل الفكر المعتزلي إلى المسلمين وذلك عندما ترجمت الكتب اليونانية إلى اللغة العربية وقراها بعض المسلمين فتاثر بها ظهرت مدرسه ثالثة ليست من المدارس الفقهية المعتبرة، وهي طريقة المعتزلة. المعتزلة كانوا يردون على أهل الحديث ويرون تقديم العقل على النص الشرعي وعلى الحديث. طبعاً المعتزلة ليس لهم فقه منقول، يعني ما تقدر تاخذ كتاب الآن تقول هذا فقه على مذهب المعتزلة، ولكن كانت لهم تنظيرات في اصول الفقه ورد عليها العلماء. ولهذا إذا قرأتم في كتب اصول الفقه كثيراً ما تجدون الكلام على المعتزلة والرد، وقالت المعتزلة كذا ثم الرد عليهم. يستغرب أحياناً طالب العلم يقول: ليش يا أخي تذكر أقوال المعتزلة في اصول الفقه؟ نقول: تذكر لأنها كانت في ذلك الزمان شائعة وكتبوا وألفوا في اصول الفقه فاحتاج العلماء أن يذكروا هذه الاقوال ويفندوها ويردوا عليها.

في كلام هنا لبعض العلماء يقول: ولا بد على التحقيق الذي لا شك فيه أنه ما من إمام إلا وقد قال بالرأي. حينما نقول مدرسة أهل الرأي ليس معنى هذا أن علماء الحديث أو مدرسة أهل الحديث لا يقولون بالرأي، وما من إمام منهم إلا وقد قال بالرأي وما من إمام منهم إلا وقد تبع الحديث. إلا أن الخلاف وإن كان ظاهره في المبدأ، لكنه في التحقيق إنما هو في بعض الجزئيات يثبت فيها الأثر عند الحجازيين دون العراقيين فيأخذ به الأولون ويتركه الآخرون لعدم اطلاعهم عليه أو وجود قادح عندهم. فمن الأشياء مثلاً التي كانت موجودة عند بعض علماء الكوفة من أهل الرأي أنهم كانوا لا يقبلون حديث الآحاد الذي جاءهم من طريق شخص واحد ولكنه مخالف للقياس، والقياس هذا القياس ترى بالمناسبة القياس قد يكون قياس على نص قراني صح ولا لا؟ فهو يقول لك هذا الحديث مخالف لقياس آية من القرآن وهو حديث لم ينقل إلا عن طريق واحد ممكن يكون أخطأ ممكن يكون وهم فلا يقبلون ذلك في بعض المواضع. كذلك قد يتوقفون ويشددون في الحديث في خبر الواحد في المسائل التي تعم بها البلوى وتشتهر، يقول: مسألة مشهورة ومعروفة ما يجي نقل فيها إلا عن واحد فيتوقف كثيراً في قبول ذلك. وأما أهل الحديث فقد كانوا يقبلون الحديث إذا صح دون نظر آخر.

فيوكن أن نلخص ذلك فنقول: أهل الحديث يتميزون بقوة عنايتهم بالحديث والآثار وتاتي عنايتهم بالقياس في الدرجة الثانية، وأهل الحديث يتميزون بتقديم الحديث على القياس مطلقاً سواء كان الحديث آحاداً أم مستفيضاً وسواء كانت المسألة مما تعم به البلوى أو غير ذلك. وأما أهل الرأي فكانت لهم عناية بالحديث أقل من أهل الحديث وعنايتهم بالقياس قوية ثم تقديم القياس على خبر الواحد في بعض الأحوال ما هو على الإطلاق. وأهل الرأي يقبلون خبر الواحد، ولا يوجد أي من المدارس الفقهية المعتبرة إلا وهم يقبلون خبر الآحاد إلا أنهم يختلفون في شروط القبول، وكان جمهور -يعني أكثر علماء الإسلام- كانوا تبعاً لمدرسة أهل الحديث.