دخولتسجيل الدخول

الدرس 28 - العصر الحاضر (طباعة الكتب)

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. مرت معنا بفضل من الله عز وجل جملة من مفردات هذا المقرر، ونسأل الله أن تكون قد حققت شيئاً من الأهداف التي نصبو إليها، سواء الأهداف المعرفية أو الأهداف الوجدانية.

في هذا الدرس بإذن الله عز وجل نواصل الكلام في هذا المقرر، تفضلوا باستماع الدرس وأرحب بما تسألون عنه أو ما يشكل عليكم.

الآن أيها الأخوة الكرام، ننتقل إلى المرحلة الرابعة، لأننا ذكرنا في أول الدورة أن المراحل التي مر بها الفقه أربع مراحل؛ من يتذكرها؟ طبعا قلنا إنه اختلف العلماء أو الباحثون اختلفوا في طريقة تقسيم المراحل، لكن نحن قسمناه إلى أربع مراحل: الأولى زمن التشريع، والثانية الصحابة ما قبل المذاهب الفقهية، والثالثة ما بعد المذاهب الفقهية أو مرحلة المذاهب الفقهية، والرابعة العصر الحاضر. العصر الحاضر قربناه يعني تقريبا في 1300، وقلنا إن هذه الأمور لا يمكن أن تحدد بتاريخ محدد ما هو مثل تاريخ الوفاة والميلاد، تمام، وإنما يوضع لها تاريخ تقريبي، بخلاف مرحلة التشريع؛ فإننا نقول مرحلة التشريع انتهت في اليوم أو في اللحظة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طيب، في العصر الحاضر أيها الأخوة الكرام، طبعا في هذا العصر بدأت دعوات -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- تدعو إلى ترك المذهبية، حتى وجد من يسمي مئات السنين أو عدة قرون قبل 1300 وقبل بدايات الاستعمار في العالم الإسلامي، يسمي المراحل السابقة لذلك يسميها عصر الجمود والتقليد؛ عصور يعني قرون متطاولة فيها جهود فقهية.

وطبعا أصلاً فكرة تصور الجمود غلط، يعني أنت إذا كان عندك تراث فقهي مكتمل يخدم جل احتياجاتك في الحياة، وتعرفون أصلاً المدد يعني إذا جئت ونظرت في عصرنا الحاضر ارجع 150 سنة إلى الخلف، خليها 200 سنة إلى الخلف قبل 200 سنة ستجد أنه لا يوجد فرق بين حياة قبل 200 سنة وبين حياة الناس في زمن التابعين إلا أشياء ليست كثيرة، صح ولا لا؟

لكن إذا جيت نظرت قبل 50 سنة وبين اليوم، الفروق التي حصلت في حياة الناس بسبب الثورة الصناعية أكثر بأضعاف مضاعفة من الفروق التي حصلت قبل ذلك بـ500 سنة، صح ولا لا؟

طيب، إذا كان التراث الفقهي والمدونات الفقهية والمذاهب الفقهية تلبي الاحتياج، فما هو الحاجة أصلاً إلى أن نصنف كتباً جديدة تماماً ما دام هذا يلبي الاحتياج؟ وما الحاجة إلى أن نبدأ -يعني بعض الناس يتصور أن النقد في حد ذاته وأن إعادة البناء مطلب في حد ذاته- ليس الأمر كذلك، إذا كان عندك بناء واحد عنده عمارة ما شاء الله ممتازة وشامخة وباقية لمدة ألف سنة، جاء يوم من الأيام قال بكسرها وأنقضها ليش؟ يقول لك من باب التجديد! هذا عبث، أليس كذلك؟ هل هذا أمر مطلب يعتبر؟ ليس مطلباً. إذا فيه مشكلة رمم يا أخي، فناتي نصف مراحل وقرون متطاولة بأنها زمن الجمود ليش؟ قال لك لأنهم اقتصروا على الشرح والتخريج على الكتب والمدونات الفقهية، يا أخي تلبي احتياجاتهم؛ لما وجدت نوازل، النوازل كانت قليلة وخدمها وكتبوا فيها وصنفوا فيها، صح ولا لا؟ فلا يصح أن توصف هذه الأزمنة بوصف التقليد والجمود هكذا على جهة الإطلاق، ثم يقال بعد ذلك في العصر الحاضر عصر النهضه الحديثة كذا.

بعضهم من صنف في تاريخ الفقه أو كذا يقول: عصر النهضة الحديثة. طيب، وين النهضة الحديثة؟ هل فعلاً نحن نعيش نهضة فقهية؟ يعني هل إنه مطلوب فعلاً أن نبدأ ننقض هذا البناء المتكامل الشامخ ونعيده من جديد؟ نقول: عندنا مسائل نوازل يحتاج فيها إلى كتابات مستقلة ويحتاج فيها إلى نظر مستقل، واما هذه الأبنية الشامخه وهذه المدارس العلمية فلا حاجة إلى أن -كما يدعي بعض الناس- أن يعاد النظر فيها، يقول لك: نحن ندعو إلى إعادة النظر أو إلى تنقية التراث أو إلى تصفية الكتب الفقهية، أو غير ذلك من هذه الدعوات التي لا تصدر غالباً إلا من شخص أصلاً ما يعرف المذاهب الفقهية ولم يدرسها دراسة تستحق أن توصف بأنها دراسة.

طيب، في العصر الحاضر مع الثورة الصناعية ظهرت يعني مخترعات وأشياء، ومن الأشياء التي ظهرت وكان لها اثر كبير في موضوع الفقه؛ مسألة الطباعة، فظهور الطباعة لا شك أنه كان له أثر كبير في طباعة الكتب الفقهية، كما كان الأثر كبيراً عند اكتشاف مادة الكاغد في زمن العباسيين تقريباً، فكان لها أثر في التصنيف والتأليف والطباعة، الآن صار لها أثر كبير جداً في انتشار العلم وانتشار الكتب، وطباعة الكتب الفقهية التي وجدت في عصرنا الحاضر تتمثل في نوعين من الطباعة.

النوع الأول: طباعة كتب العلماء التي صنفها العلماء في القديم وإعادة نشرها وتحقيقها، وتحويلها من النسخ الخطية قليلة التداول إلى النسخ المطبوعة التي يمكن -يعني في أيام معدودات- يطبع لك ألف نسخة من حاشية ابن عابدين ولا من المغني، وكان في السابق الحصول على نسخه واحده من هذا الكتاب تحتاج إلى أشهر، واضح؟

فصار اليوم حتى طالب العلم يصير عنده مكتبة ما شاء الله عشرون دولاباً في بيت الشيخ، كتب قد شراها وجمعها ولكن ما دراها وطابت نفسه منها بسلوى إذا دخل المكان بأن يراها، أما في السابق طالب العلم حتى يكون مكتبة في دولابين يحتاج إلى أشهر، أصلاً هو أثناء تكوينه للمكتبة هو ينسخ أصلاً، فنسخ لهذه الكتب تحصيل للعلم ولا لا؟ نسخ الكتب أعظم تحصيلا من قراءتها، وهو يكفيه أنه نسخ الكتاب بعد ذلك لو لم يضعه في المكتبة لكان كافياً، وكان بعضهم ينسخ الكتاب الواحد عدة مرات.

ومما يروى في هذا أن رجلاً من أهل العلم اسمه ابن الخاضبة؛ نسخ في سنة واحدة صحيح مسلم سبع مرات في سنة واحدة، ترى يقابلون النسخ، ما يكتفي أنه عندي نسخة واحدة لا يقابل يقول لك: انسخ وقابل، تمام، فينسخ سبع مرات ومن شدة التعب والإعياء وهو ينسخ نام، وفي أثناء نومه رأى في المنام أنه دخل الجنة، فلما دخل الجنة استلقى على ظهره وبدا يلعب برجله وقال: الحمد لله استرحنا من النسخ، من شدة التعب، فنسأل الله أن يجمعنا في الجنة.

المقصود؛ طباعة الكتب الفقهية أيها الأخوة الكرام لا شك أنها أدت إلى انتشار كبير للكتب، وصار طالب العلم العادي عنده مكتبة يمكن ما كانت عند بعض العلماء، تمام.

ومن هذه الكتب ما هو تحقيق لكتب من كتب المتقدمين، وهذا موجود في المذاهب الأربعة، يعني إذا جئنا نستعرض المكتبة الإسلامية الكتب الفقهية التي صنفها العلماء نجدها على أنواع؛ فمنها كتب صنفها في مسائل الاجماع فقط، وطبع منها عدد -يعني نحن نتكلم عن طباعة الكتب الفقهية- طبع عدد من الكتب التي تتكلم عن قضية الإجماع، مثل ايش؟

التمهيد لابن عبد البر ما يتكلم عن مسألة الإجماع فقط، نحن نريد الكتب التي تذكر المسائل الفقهية المجمع عليها، مثل الإجماع لابن المنذر فقد طبع بتحقيق، لا ما هو تحقيق التركي، الإقناع لابن المنذر كتاب آخر لكن الإجماع لابن المنذر تحقيق صغير شاغف الباكستاني، نعم.

أيضا من الكتب التي طبعت في الإجماع من يعطينا كتاب آخر؟ ابن حزم له كتاب اسمه مراتب الإجماع، وفي كتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية نقد لهذا الكتاب؛ نقد مراتب الإجماع.

وبالمناسبة ترى أهل العلم في المسائل الفقهية من قديم الزمان بينهم مناقشات ومناظرات وردود، حتى قال الخطيب البغدادي وذكر أيضا نحوه ابن عبد البر: إن الأمة مجمعة على الجدال والمناظرة في مسائل الفقه، هذا أمر مجمع عليه بين العلماء، تمام.

كان بينهم مناظرات وردود، وحتى كانوا يكتبون في الرد؛ محمد بن الحسن تناظر مع مالك، وأبو يوسف تناظر مع مالك، والشافعي تناظر مع محمد بن الحسن وكتب الرد على محمد بن الحسن، وكتب أيضا -يعني العلماء المتقدمون- كتبوا الرد على سير الأوزاعي، الردود هذه طبعا ردود بأدب العلم حدثنا وأخبرنا، ما هي ردود سفاهة ومهاترات، هذه الردود وهذه المناقشات وهذه المناظرات تحيي الحركة العلمية وتحيي العلم، طبعا إذا كانت بأدب العلم هذا الذي كان داب عليه، ما تلقى فيها يعني كلام يعني عنيف أو جارح، ولهذا العلماء شنّع على بعض من يعني تكلم كلاماً غير لائق في مسائل الفقه، مثل الإمام ابن حزم رحمه الله، فانه في مسائل مناقشة المسائل الفقهية في كتابه المحلى لم يكن بالأسلوب المرتضى عند العلماء في مناقشة المسائل الفقهية، ولهذا كتاب المحلى لابن حزم لا يصلح أبداً أن يقرأ فيه طالب العلم المبتدي، وإنما يقرأه العلماء بعد ما يتربى ويتدرب ويحصل العلم بعدين يقرا في المحلى لابن حزم، وأما أن يبدأ طالب العلم بالقراءة في المحلى لابن حزم كتاب فيه علم كثير بلا شك ولكنه قد يفسد الطالب المتفقه في البدايات، نعم، ولولا يعني أن الإنسان لا ينبغي أن ينظر في مساوئ أهل العلم وأن يتكلم عن شيء من مثالبهم وإلا كنت ذكرت لكم بعض النماذج من كتاب المحلى أشياء تستغرب، ولكنه رحمه الله عالم، فالعلماء يحذر في بداية طلبه للعلم أن يقرأ في هذا الكتاب حتى لا يعني يأخذ شيئا من هذا.

أيضا من الكتب التي كتبت في... عندنا كتاب وهو مهم، كتاب مهم في الاجماع، ترى معرفة مسائل الإجماع من المسائل المهمة، وطلبة العلم اليوم كثير منهم مقصر في هذا، فربما ياتي إلى مسألة إجماع يظن أنها من المفردات عند الحنابله، بعض مسائل إجماع يظن واحد يقول هذا المذهب، تقول: هذا إجماع الأمة على ذلك.

من كتب الاجماع كتاب الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي، وميزة هذا الكتاب أنه جامع ونظر في نقد ونظر في مراتب الإجماع لابن حزم، وكذلك في الإجماع لابن المنذر، وفي إجماعات حكاها عدد من أهل العلم وجمعها كلها في كتاب واحد اسمه الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي وهو مطبوع بتحقيق الدكتور فاروق حمادة، وأيضاً هناك كتاب معاصر جميل جداً وسهل من مطبوعات مؤسسة الدرر السنية اسمه إجماعات العبادات، وهو كتاب مفيد ونافع لطالب العلم.

طيب، هذا بالنسبة لكتب الاجماع، عندنا كتب أيضاً طبعت في المذاهب الأربعة، ويحسن أن نذكر في كل مذهب كتاباً.

فنبدأ بالحنفية؛ من الكتب المفيدة التي طبعت في مذهب الحنفية كتاب بدائع الصنائع للكاساني وهو مطبوع، كذلك حاشية ابن عابدين، فمثل هذين الكتابين من الكتب التي تصلح أن تكون مرجعاً يرجع إليه طالب العلم إذا أراد أن يعرف مسألة على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

مذهب الإمام مالك؛ من الكتب الجليلة التي طبعت في مذهب الإمام مالك شروح خليل، ومن أجلّها مواهب الجليل للحطاب، نعم مطبوع، والمدونة مطبوعة، غيرها كذلك.

في مذهب الإمام الشافعي رحمه الله؛ من الكتب الأم، الأم للإمام الشافعي مطبوع محقق حققه الشيخ رفعة فوزي عبد المطلب، وأما كتاب... هذا يصلح كتاب كذلك، عندك تحفه المحتاج لابن حجر الهيتمي، وعندك كتاب روضه الطالبين للنووي، والحاوي للماوردي، هذه كلها كتب مطبوعة.

أما الحنابلة؛ فمن الكتب المطبوعة التي تصلح أن تكون مرجعاً يستغنى به في معرفة الصحيح من المذهب مع أدلة المسائل؛ كشاف القناع للبهوتي، وانضم إليه الشرح الكبير لابن أبي عمر، وهو مطبوع بتحقيق التركي، أما كشاف القناع فمطبوع بلجنة في وزارة العدل، وهذه أفضل طبعة كشاف القناع طبعة وزارة العدل، وأيضاً الشرح الكبير مطبوع مع الإنصاف ومع المقنع بتحقيق الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي، والشيخ عبد الله التركي ممن لهم جهود كبيرة في طباعة كتب المذهب الحنبلي، وممن لهم جهود أيضاً في هذا الشيخ ابن دحيش، الشيخ عبد الملك بن دحيش رحمه الله فقد طبع عدد من كتب... الشيخ التركي طبع عدد كبير من كتب الحنابلة منها الفروع والمغني والشرح الكبير والكافي والإقناع وغير ذلك، وأما الشيخ ابن دحيش أيضاً طبع عدداً من الكتب في هذا الباب.

هذا ذكر لبعض الكتب المطبوعة في المذاهب الفقهية الأربعة، وباذن الله عز وجل في الدرس القادم نستكمل الكلام عن طباعة الكتب الفقهية، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما تعلمناه علماً نافعاً ووجهه خالصاً، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.