دخولتسجيل الدخول

الدرس 27 - التمذهب (القول بمنعه)

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هناك اتجاه ثالث أيها الإخوة الكرام، وهو اتجاه منع التمذهب. والمقصود بمنع التمذهب أنه يقول: لا يلزم الإنسان مذهباً واحداً، وإنما يقلد -طبعاً إذا لم يكن مؤهلاً فإنه يقلد- ولكن ليس على سبيل ملازمة مذهب بعينه. وممن شدد تشديداً كبيراً في مسألة التقليد حتى جعل في كتابه باباً اسمه «باب إبطال التقليد»، الإمام أبو محمد بن حزم الأندلسي رحمه الله تعالى في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام».

وقد قال أيضاً في هذا الكتاب، قال: فليعلم من أخذ بجميع قول أبي حنيفة أو بجميع قول مالك أو بجميع قول الشافعي أو بجميع قول أحمد، ممن يتمكن من النظر، أنه قد خالف إجماع الأمة. فهنا ابن حزم يحكي الإجماع على العكس، أنه لا يجوز إيش أن يأخذ بجميع قول أحمد. ولكن إذا دققنا النظر، وجدنا أن الإمام ابن حزم رحمه الله قد ذكر شرطاً في كلامه؛ لأنه قال: ممن يتمكن من النظر. والتمكن من النظر معناه أهلية الاجتهاد، تحصيل أهلية الاجتهاد. وهذا مسلم في أن الشخص الذي بلغ رتبه الاجتهاد، هذا لا يجوز له أن يقلد فضلاً عن أن يلزم مذهباً بعينه.

والحقيقة أن التشديد في التقليد وإن وجد في كلام الإمام ابن حزم رحمه الله وفي كلام غيره، إلا أنه في الأخير التقليد لا يمكن أن يستقيم للناس التعبد إلا به. ما يمكن أن تطالب الناس، يعني الآن الذين يسلمون من غير العرب، هل تطالب بالنظر في الكتاب والسنة والاستنباط؟ واحد حديث عهد بالإسلام أصلاً، اللغة العربية لم يتعلمها، هل هذا يمكن أن يستقل بالنظر والاجتهاد؟ لا يمكن، إلا أن يقلد. وهذا من أحد المراتب، وإلا فالتقليد أيضاً مراتب. وبمناسبة حينما نذكر التقليد، فالتقليد ليس مرتبة واحدة ولا الاجتهاد أيضاً مرتبة واحدة.

الاجتهاد يذكر العلماء رحمهم الله أن المجتهد على درجات؛ مجتهد مذهب ومجتهد مطلق، وأن الاجتهاد يتجزأ. والحقيقة أن الاجتهاد إذا كان النظر فيه إلى رتبه المجتهد في العلم، فانه تتعدد مراتب بتعدد المجتهدين. فان المجتهد الذي يحفظ ألف ألف حديث غير المجتهد الذي يحفظ تسعمائة ألف حديث، غير المجتهد الذي يحفظ ثمانمائة ألف حديث، غير المجتهد الذي يحفظ أربعمائة ألف، غير المجتهد الذي يحفظ ثلاثمائة ألف ولا ما يكون مجتهد إذا حفظ ثلاثمائة ألف.

روي عن أحمد، روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه سئل فقيل له: أيفتي الرجل وهو يحفظ مائة ألف حديث؟ قال: لا. مائة ألف حديث، طبعاً حديث عندهم ما هو مثل حديث عندنا، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». لا، الحديث عندهم: حدثنا فلان، قال حدثنا فلان، إسناد. فقيل له: أيفتي الرجل وهو يحفظ مائة ألف حديث؟ قال: لا. قيل: أيفتي الرجل وهو يحفظ ثلاثمائة ألف حديث؟ قال: لا. قيل: أيفتي الرجل وهو يحفظ أربعمائة ألف حديث؟ قال: أرجو، أرجو يعني إن شاء الله إذا كان يعني عنده ملكة. وهذا والله المستعان.

فكيف بحالنا اليوم؟ والعجيب أن بعض الناس يقول لك: يا أخي الأصوليون المتأخرون شددوا في شروط الاجتهاد وذكروا له شروطاً تعجيزية. كيف شروط تعجيزية؟ الأصوليون يذكرون إذا قارنتها بمثل هذا النقل عن الإمام أحمد، فإن الأصوليين سهلوا في الاجتهاد. لكن بعض الناس العاجزين يبغى يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه تماماً، يفتح باب الاجتهاد، ولهذا بعض أهل العلم دعا إلى إغلاب باب الاجتهاد. قال لك: انقطع الاجتهاد من القرن الرابع. ليش؟ لأنهم رأوا أن باب الاجتهاد افتح الباب أم يكسر؟ قيل: بل يكسر. رأوا أن باب الاجتهاد إما أن يكسر أو قالوا سداً للذريعة يقول بإغلاق باب الاجتهاد؛ لأنهم رأوا أن باب الاجتهاد قد يدخل فيه من ليس منه. وليس هذا تقريراً لصحة قولهم إنه باب الاجتهاد أغلق، ولكن المقصود أن للاسف الشديد أن بعض الناس يريد أن يكسر باب الاجتهاد ويخلي الباب مفتوحاً تماماً، واللي يبغى يدخل يدخل.

وصار بعض الناس يعني لا يعرف، حتى سمعت بعض المشايخ جاءه طالب فقال له: إني أجتهد وأريد وكذا. قال له: أنا أعطيك صفحة من كتاب «الأم» أو من كتاب «الرسالة» للشافعي وتقراها، إذا استطعت أن لا تتجاوز أغلاطك في اللغة عدد الأسطر فاجتهد. يقول: وأعطيته الكتاب، وفعلاً لا يمر سطر إلا ويخطئ فيه أكثر من خطأ في قراءة الكلام. فهل مثل هذا يقول عن الشافعي: هم رجال ونحن رجال؟ وهو لا يستطيع أن يقرا كلام الشافعي، لا يستطيع أن يقرأه فضلاً عن أن يفهمه، فضلاً عن أن يصير هم رجال ونحن رجال؟ والله المستعان.

فالمقصود أيها الإخوة الكرام أن أكثر اهل العلم رحمهم الله تعالى من بعد المذاهب الأربعة كانوا منتسبين إليها، وأن أكثر أهل العلم يرون جواز التمذهب بمذهب من المذاهب الفقهية.

فإن قيل: هل معنى هذا أن الإنسان الذي لزم مذهباً من المذاهب وقد قررنا معنى التمذهب هنا الذي ذهبوا إلى جوازه وهو لزوم المذهب، طيب إذا جاءه نص، إذا كان المذهب مصادماً للنص، إيش رايكم؟ إذا كان المذهب مصادماً للنص؟ ها، ما يصادم. فرض المسألة غلط، نقول: فرض المسألة بهذا الشكل على أنها مسألة يمكن أن توجد في المذاهب بشكل ظاهر وشائع فهذا غلط تماماً، وسيأتي معنا بيان أسباب اختلاف العلماء رحمهم الله تعالى وأسباب الاختلاف.

بعض الناس يتصور في بعض المسائل أنها مصادمة للنص والحقيقة أنها ليست كذلك، ليست كذلك بل ربما يكون النص الذي يظن مصادمة أقوالهم له أصلاً غير صحيح عندهم، ضعيف عندهم، يقول: صححه الشيخ فلان. طيب صححه الشيخ فلان، هل يلزمون هم بتصحيحه؟ فليتنبه إلى هذه القضية.

طيب نحن ذكرنا ما يتعلق بالتمذهب بعد ذكرنا للمذاهب من باب تتميم البحث في قضية المذاهب.