دخولتسجيل الدخول

ننتقل الآن أيها الإخوة الكرام إلى مبحث مهم جداً، وهو أسباب اختلاف العلماء. وهذا جاء فيه سؤال هنا، أرسلت إحدى الأخوات تقول: الكتاب واحد، والأحاديث مصدرها واحد، فلماذا كانت هناك مذاهب؟ القرآن الذي عند مالك هو القرآن الذي عند أحمد، صح ولا لا؟ ورأي النبي الذي يتعبد مالك بن انس بطاعته واتباعه، هو نفس النبي الذي يتعبد الإام أحمد رحمه الله بطاعته واتباعه صلى الله على نبينا محمد. فإذا كان القرآن واحد، والآيات واحدة، والأحاديث هو حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ما هو حديث شخص آخر، كيف يحصل هناك مذاهب وخلاف؟

طبعاً بالنسبة لتكون المذاهب، نحن ذكرنا أن هذه المذاهب هي مدارس علمية. يعني واحد يقول: أخي القرآن واحد والسنة واحدة، ليش عندكم في السعودية جامعة إسلامية وجامعة أم القرى؟ تمام؟ نقول: هذه مدارس علمية، هذه مدرسة لها -يعني مدرسة علمية- لها مديرها، ولها مناهجها ومقرراتها. تمام؟ إذاً، تكون المذاهب هي مدارس فقهية. طيب، لماذا اختلفت هذه المذاهب وهذه المدارس الفقهية؟ فتجد أن مالكاً رحمه الله تعالى يقول في مسألة إنها واجبة، فنجد الإمام أحمد يقول في نفس المسألة إنها مثلاً مستحبة! بل ربما نجد في الخلاف ما هو أبعد من ذلك، فنجد في بعض المسائل من يقول أنها واجبة لا تصح الصلاة إلا به، ومن يقول أنها من المكروهات، تمام؟ فما هو سبب ذلك؟

نقول أول مسألة لابد أن نعرف أن بداية الخلاف الفقهي ظهر في زمن النبوة، والنبي عليه الصلاة والسلام موجود، وفي زمن الصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم، وذلك في القصة المعروفة، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة». اختلف الصحابه اختلافا فقهيا، الحديث بلغ الجميع، ولا في واحد ما بلغه الحديث؟ الحديث بلغ الجميع، الجميع يدين بالطاعة والامتثال لكلام النبي صلى الله عليه وسلم. اختلفوا فيه؛ هل بعضهم يصحح الحديث وبعضهم يضعفه؟ الجميع مسلم بأن هذا الحديث حديث ثابت نطق به النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم اختلفوا في فهم هذا الحديث.

فطائفة: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة، يعني استعجل، لا تتاخر. مثل ما لو قلت لكم -يعني افترضوا أن في نهاية الدرس البارحه قلت: اسمعوا يا شباب، بكره ما أحد يصلي العصر إلا في مسجد الملك سعود، نبغى نبدا الدرس بعد الصلاة على طول، فلا أحد يصلي إلا في مسجد الملك سعود- واحد حصل له ظرف وتأخر، يصلي ويجي، ولا خلاص يصليها مع المغرب؟ يصلي ويجي. طبعاً لما يكون الكلام صادر من عامر بهجت، هنا لا معنى أن تخصص به النص الشرعي، تقول: والله ما راح اصلي العصر في وقته! لا، طبعاً ستصلي العصر في وقته، لأن هذا أمر شرعي لا اشكال فيه. لكن النص ذاك صادر من المعصوم صلى الله عليه وسلم المشرع، فهذا النص يمكن أن يخصص النصوص التي تدل على أن وقت العصر ينتهي بكذا، واضح؟ والنصوص التي تدل على أداء الصلاة في أول وقتها، واضح؟

اختلف الصحابة، منهم من قال: نصلي العصر في بني قريظة ولو تأخرنا. ومنهم من قال: نصلي ونستعجل في السير. فلما رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هل أنكر عليهم؟ قال: كيف تختلفون في الشريعه؟ لا، لم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم أياً من الطائفتين. المصيب واحد؟ نعم، المصيب واحد، ولكن المخطئ هنا معذور باجتهاده. الإنسان المجتهد إذا كان أهلاً لذلك، هو بين الأجر والأجرين.

طيب، ما هي أسباب اختلاف العلماء رحمهم الله تعالى في المسائل؟ نقول: أسباب الاختلاف ترجع إلى أحد أمري؛ هناك أسباب ترجع إلى الخلاف في ثبوت الدليل، وعندنا أسباب ترجع إلى الخلاف في الدلالة وفهم الدليل. أما بالنسبة لما يرجع لثبوت الدليل، فأول سبب من أسباب الاختلاف بهذا الأمر هو عدم بلوغ الدليل. تجد أن الحديث بلغ عالماً من العلماء، مثل ما قلنا مثلاً في المدينة وفي الكوفه -هذا الكلام طبعاً متقدم في صدر الإسلام، الذين ذهبوا إلى الكوفة مثلاً من الصحابة ابن مسعود ذهب، وروى ابن مسعود، لا يمكن أن نقول أنه سمع كل الأحاديث من النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟- فالأحاديث التي بلغتهم هناك أحاديث لم تبلغهم، فعملوا على خلاف الحديث وأفتوا بخلاف الحديث، وهم في ذلك معذورون، ولا لا؟ نقول معذورون بل مأجورون، واضح؟

ومن أمثلة هذا -هذا حتى حصل في زمن الصحابة- فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما سئل عن ميراث الجده، قال للجده: مالك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولكن أسأل الناس. فسألهم فأخبروه بأن الجدة النبي صلى الله عليه وسلم قضى للجدة بايش؟ بالسدس. فرجع إلى هذا الحديث.

كذلك المتعة؛ النبي صلى الله عليه وسلم رخص في المتعة، زواج المتعة، تمام؟ ثم نهى عن ذلك. بعض الصحابة لم يبلغه النهي، بلغه الترخيص ولم يبلغه النهي، فأفتى بجواز المتعة، فلما بلغه النهي ايش؟ رجع عن قوله. واضح؟ فكون الإنسان من العلماء لا يبلغه دليل من الأدلة -لأنه لا يوجد عالم من العلماء أحاط بالشريعه كلها، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كلها- ولكن يتنبه طالب العلم إلى تمييز المسائل.

بعض الناس يستعجل فيقول: يا اخي المساله هذه ما بلغ الامام احمد فيها الحديث، أو ما بلغ العالم الفلاني فيها الحديث؟ وقد حصل هذا للإمام مالك، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، هل عرفتم حديث البيعان بالخيار؟ تعرفون أن الإمام مالك لا يقول بخيار المجلس، لا يرى أن ما في شيء عنده اسمه خيار المجلس، البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. فقال له رجل: يا أبا عبد الله، هل عرفتم حديث البيعان بالخيار؟ فقال له الإمام مالك: نعم، وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع! أنت وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع، نحن قد بلغنا هذا الحديث ورويناه. واضح؟

نعم، وقال له رجل: لم رويتم حديث البيعان بالخيار في الموطأ ولم تعملوا به؟ فقال له: ليعلم الجاهل مثلك أني على علم تركته. يعني ما هي مسألة أنه يعرض عن السنة النبوية ويتركها، وإنما المسألة أيها الإخوة الكرام هي ايش؟ أنه تأول الحديث. وهذا الحديث، حديث البيعان بالخيار، رواه الإمام مالك، رواه الإمام مالك عن نافع عن، لا، نافع عن ابن عمر، يعني بأصح الأسانيد. رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى بأصح الأسانيد. فلماذا تركه؟ نقل تأوله ولم يتركه، تأوله وحمله على التفرق بايش؟ بالاقوال، واستدل على ذلك بأن عمل أهل المدينة على عدم إثبات خيار المجلس.

كذلك من أسباب الخلاف التي ترجع إلى ثبوت الدليل: أن الحديث قد يبلغ العالم ويصل إليه، لكنه لا يثبته ويقول: هذا حديث ضعيف، ويخالفه العالم الآخر، العالم الآخر فيصحح الحديث، تمام؟ فحينئذ يختلفان. من أمثلة ذلك: الخلاف في طهارة جلود الميته بالدباغ. الإمام احمد رحمه الله تعالى يرى أن جلد الميته لا يطهر بالدباغ، وهذه هي الرواية المشهورة والمعتمدة في مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله؛ أن جلد الميته لا يطهر بالدباغ. طيب، حديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، بلغه؟ بلغه ومسنداً، لكنه يقول: هذا حديث معلول! فقال بأن جلد الميته لا يطهر بالدباغ.

طيب، حديث عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب قبل أن يموت بشهر: «ألا تنتفعوا من الميته بإهاب ولا عصب». بلغ العلماء الذين يقولون بأن جلد الميته يطهر بالدباغ، بلغهم هذا الحديث، بلغهم، ولكنه لم يصح عندهم. الإمام أحمد صححه، يقول: ها، ما أجود إسناده! إذاً هذه مسألة اختلف فيها العلماء مع أنه قد بلغ الدليل لكل منهم.

والإمام الشافعي رحمه الله يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقد كان يقول للإمام أحمد: إذا صح الحديث عندكم فأخبرنا لنأخذ به. ولهذا بعض علماء الشافعي إذا أتوا إلى مسائل توقف فيها الشافعي أو علق القول فيها على صحة الحديث، فنسبوا القول فيها إلى الشافعي مع أنه لم ينطق به، قالوا: لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. لكن هذا شرطه، كما يقول الإمام النووي، وقال: وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته، وهذا إنما يكون بعد مطالعه كتب الشافعي كلها، ونحوها من كتب اصحابه الأخذين عنه، وما أشبهها. وهذا شرط صعب، قل من ينصف به! وإنما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأن الشافعي رحمه الله ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة راها وعلمها، لكن قام الدليل عنده على طعن في صحتها، أو نسخها -يعني يقول: حديث صحيح لكنه منسوخ- أو تخصيصها أو تأويلها، أو نحو ذلك، واضح؟

نعم، هذا بالنسبة لمسألة عدم ثبوت الدليل عند العالم. الأمر الثالث الذي قد يكون سبباً للاختلاف فيما يرجع إلى ثبوت الدليل: أن يكون الدليل ليس حجة أصلاً، يعني جنس هذه الأدلة ليس حجة عند هذا العالم، وهذا إن شاء الله نتناوله في الدرس القادم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.