بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم إلى مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية لشيخنا ودكتورنا الراقي المعلم الفاضل الشيخ أيمن الحبشي، متعه الله بالصحة والعافية. نحن الآن في نهايات هذا الكتاب الطيب المبارك السهل في متناول اليد عموماً، ولكنه مفيد للطالب المبتدئ في علم القواعد الفقهية.
وصلنا إلى القاعدة السادسة عشرة من القواعد الكلية غير الكبرى، وهي قوله: لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن. هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، لكنها وردت في مجلة الأحكام العدلية بلفظ «بلا إذنه»، وسنعرف أن «بلا إذن» أعلى من «بلا إذنه» وأفضل وأشمل، وذكرها الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله عليه بلفظ «بلا إذن» وأطلق، وهذا أفضل.
ومعنى هذه القاعدة المنع من أن يتصرف أي إنسان في ملك الآخرين بأي تصرف كان، سواء بإتلاف أملاك الآخرين أو بإجراء عقود من بيع أو غيرها عليها، ولا يكون ذلك جائزاً إلا بالإذن. وأضيف هنا حقيقة أيضاً أنه من أشكال التصرف في أملاك الآخرين الدخول إليها لأخذ شيء يجوز لك أن تأخذه منها بلا إذن. مثل ماذا؟ لو كان هناك خلية نحل برية موجودة على أشجار داخل مزرعة، الآن هذه خلايا النحل البرية التي ليست من صنع الناس هذه ملك لمن اجتناها، هذا من مثل الكلأ المباح، ملك لمن اجتناه. فلو أنا رأيت في مزرعة أن هناك شجرة عليها خلية برية، هل يجوز أن أقفز على سور المزرعة دون أن أستأذن صاحبها لأجتني هذه الخلية؟ لا. فإن قلت له: يا شيخ هذه ليست ملكاً له، يقول: ليست ملكاً له ما دام لم يحزها، طبعاً، لكنها في دائرة ملكه، فحتى تصل إليها لا بد وأن تستأذنه.
فدخولك إلى المزرعة بلا إذن هو نوع من أنواع التصرف في أملاك الآخرين بدون إذنه. وقس على ذلك الكلأ المباح وغيرها من الأمور التي في أملاك الآخرين وليست ملكاً لهم، لا يحق لك أن تدخل لتأخذ هذا الشيء وإن لم يكن ملكاً لهم ما دام في مساحة ملكهم إلا بإذنهم، فإن أبوا سعيت، نذهب نبحث عن البديل. يعني إن أبوا أن يأذنوا لك عندئذ قد يدبرهم الحاكم، قد تحصل طرق معينة، قد يكون هناك في بعض الصور إذن من الشرع، خلاص إذا استأذنت ورفض الإذن أنت ادخل وخذها.
فرضا أنا عندي مثلاً محفظتي سقطت في ملك الآخرين أو في داخل بيت جاري، هل بصير أدخل على بيت جاري وآخذها وأخرج؟ والله هذه محفظتي! لا، لازم تستأذن، له حرمة في المنزل، له نساء في المنزل، فوجود حق لك داخل أملاك الآخرين لا يعني أيضاً أنك معفو من أن تستأذنهم، لا بد تستأذنهم، فإن أبى من الإذن سعيت أنت، مثلاً ستذهب إلى القضاء وتطلب من المسؤول الأمني أو كذا أن يتدخل أنه محفظتي داخل منزله، استأذنته فرفض أن يأذن لي، طيب بدي آخذ حقي، فهناك حلول وبدائل إما باللجوء إلى الجهات القضائية أو الأمنية، أو أن الشرع يعطيك خلاص تفويض في حال أن صاحب الملك لم يأذن لك تأخذ إذن من الشرع غصباً عنه.
وهذا مثله مثل قضية الضيافة، ألم نقل إن من نزل في قرية من القرى -ليس في الأمصار، في القرى- فعليهم أن يضيفوه؟ حقه من الضيافة يوم وليلة، هذا واجب عند الحنابلة، فإن امتنعوا قالوا: فله أن يأخذ حقه منهم، له أن يأخذ حق الضيافة منهم وينتزعه انتزاعاً، طبعاً ما لم يؤد إلى مفسدة، ساعتها يرفع إلى الحاكم. لكن هنا أنت ابتداءً إذا نزلت في قرية ما بصير أنك تأخذ منهم حق الضيافة غصباً، وإنما من خلال إذنهم، تطرق الباب وتسأل كذا ويقول لك تفضل كذا نعطيك حق الضيافة. طب إن أبوا أن يعطوك حق الضيافة؟ قالوا في بعض الأحاديث فله أن ينتزع، خلاص سقط إذنهم، لأنهم أنت استأذنت فلم يأذنوا لك بالضيافة، هنا الشرع خلاص يعطيك أنت الأحقية أن تأخذها جبراً عنهم، والظاهر في بعضها أنها لا تحتاج أصلاً إلى إذن القاضي، لا أنا إذا استطعت أخذ الضيافة منهم وأذهب على مقدار حقي أنا معذور في ذلك. طب من أين أخذت الإذن؟ من الشرع، كان المطلوب أن آخذ إذن منكم، فاستأذنتكم فرفضتم وامتنعتم، فهنا سآخذ إذني من أين؟ من الشرع، هو الذي أعطاني أنه إذا ما أعطوك خذ منهم. ممتاز، فهذه فكرة ينبغي أيضاً إضافتها لهذا المساق.
قال: والإذن تارة، ها الإذن إخواني أيها الكرام تارة يكون من المالك، كان مثلاً أذن لك أن تبيع سيارتي هذا توكيل، فالوكالة ما هي في الحقيقة؟ هي إذن في ملكه، كتوكيله غيره في بيع، أو وكلك أنك تأجر بيتي، أو وكلك في أن تقرض أموالي، أو وكلك في أن تهب شيئاً، أو إذنه لغيره بأكل طعام ونحوه. مش أنا مثلاً بجيب لكم طعام؟ هنا أنتم من الذي أذن لكم أن تمدوا أيديكم؟ أنا الذي أذن لكم أن تمدوا أيديكم إذا كان الطعام لي. الحالة الأولى أن يكون الإذن من المالك للشيء، الحالة الثانية أن يكون الإذن من الشارع، أنت مأخذ التفويض من الشارع كإذنه سبحانه وتعالى للولي أن يتصرف في مال اليتيم بالتي هي أحسن، فالولي من أين أخذ سلطته على التصرف في أملاك الأيتام؟ من الله سبحانه وتعالى.
فمثلاً الأب من أين أخذ سلطة على أن يتصرف في مال أولاده كذلك إذا كانوا سفهاء؟ من الله سبحانه وتعالى، فمثلاً ليس في الحجر على السفيه، وهناك أيضاً حجر على الصغير والمجنون، فالأب لما يريد أن يحجر على ابنه الصغير ويتصرف في ماله لمصلحته أو يريد يحجر على ابنه المجنون، من أين أخذ الإذن بأن يتصرف في أموال ابنه أو في أموال مجنونه؟ الإذن من الشارع. ولذلك كان التعبير بالقاعدة بلفظ «بلا إذن» أعم من تعبير مجلة الأحكام العدلية «بلا إذنه»؛ لأن التعبير «بلا إذنه» يعود على المالك فقط، لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذنه، هذا يعود على الغير وهو الإذن البشري، لكن لو قلنا لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن، هذا يشمل إذن الله وإذن الشرع وإذن البشر، فلفظة «بلا إذن» أشمل.
ذكر أدلة القاعدة، أولاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. فمن أخذ مال الغير بلا رضاه، يعني بلا إذنه، فقد أكله بالباطل. وحديث حكيم بن حزام أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تبع ما ليس عندك». قال الإمام الماوردي: لا تبع ما ليس عندك يعني لا تبع ما ليس في ملكك؛ باعتبارك أنه ليس مأذوناً لك أن تتصرف في أموال وأملاك الآخرين، فإذا بعت أنا شيئاً لا أملكه، وإنما يملكه غيري، أنا ممن باع ما ليس عنده. صحيح، فهذه تشير أيضاً إلى قضية أنه لا يجوز أن تبيع أملاك الآخرين التي ليست ملكاً لك إلا بإذن وتفويض منهم.
الجهة الثالثة في ذكر بعض فروع القاعدة، لا يصح لأحد أن يبيع ملك غيره، وإن فعل فالبيع باطل، فإن أجازه المالك، قال خلص سامحته، هذا اسمه بيع الفضول، فهل يصح؟ خلاف بين الفقهاء، فعند الشافعية والحنابلة بيع الفضول لا يصح ولو أجازه المالك، ولو أنا المالك الحقيقي للمال لو أنت بعت مالي بدون إذني ثم أنا صححته، عند الشافعي والحنابلة لا يصححونه. أيضاً من كان عنده وديعة لآخر، قالوا فلا يحل له أن يهبها لأحد، تمام، الشيخ وضع عندي وديعة، لا يحل لي أن أهبها لأي شخص، فإن فعلت لا تصح الهبة؛ لأنني أنا وهبت شيئاً لا أملكه. ولا يجوز لأحد أن يأخذ سيارة غيره إلا بإذنه، وإن فعل عُدَّ غاصباً فعليه ضمانها. ومن استعار من آخر كتاباً بدون إذنه فلا يحل له أن يعيره لغيره دون إذن المالك؛ لأن المستعير يملك الانتفاع لكن لا يملك المنفعة، فما دام يملك الانتفاع للمنفعة فليس له أن يعير إلا بالإذن، وقس على هذا.
القاعدة التي تليها: الجواز الشرعي ينافي الضمان. ما معنى هذه القاعدة؟ هذه قاعدة مهمة في باب المعاملات، هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، وقد ذكرها بعض الحنفية بهذا اللفظ، وأوردها الإمام السرخسي بقوله: الفعل في محل مباح لا يكون سبب وجوب الضمان، وذكرها الزركشي الشافعي فقال: المتولد من مأذون فيه لا أثر له بخلاف المتولد من منهي عنه، وذكر نحو أحوال الإمام ابن القيم وغيره من العلماء. ما معنى هذه القاعدة؟ هي قاعدة من قواعد باب الضمان، ومعناها أن من فعل ما أجاز له الشرع فعله في أموال الآخرين وأملاك الآخرين بلا تعدٍ، فنتج بسبب فعله هذا تلف شيء ما، فإنه لا يضمن هذا الشيء الذي أتلفه؛ لأن إباحة الشرع وإجازة الشرع لك أن تتصرف هذا التصرف تستلزم شرعاً رفع الحرج، وإلا لم يكن جائزاً.
إذا أنا الشرع أعطاني أتصرف تصرفاً معيناً، أجاز لي الشرع أن أربط فرسي في منطقة معينة في السوق، خلص الشارع في أماكن معينة معروفة، فأنا رحت ربطتها في الأماكن المعروفة، الآن هذا الخيل هرب وصار يضارب ودخل وكسر في السوق أشياء، هل أنا فعلت شيئاً خطأً ولا أنا فعلت ما يجوز لي؟ بيطلع يحكي له ليش نزلت فرسك على السوق يا أخي، بقول له أنا لما نزلت فرسي على السوق وربطته في المكان الصحيح هل تعديت شيئاً شرعياً؟ لا، بالتالي كل ما سينتج عن نزوله بعد ذلك وربطي له أنا غير مسؤول عنه، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والعجماء جرحها جبار» يعني البهيمة إذا كسرت أو جرحت أو ضربت بدون إهمال مني هذا جبار، يعني هدر لا يضمنه صاحبه. متى بضمن؟ إذا صار تقصير أو تعدٍ مني، والله ربطتها في مكان لا تربط فيه أو حطيتها في السوق دون أن أربطها مع أنه الصحيح واللازم ربطها فهربت وجمحت وكسرت، لا، ساعتها أنا بضمن، تمام؟ وهذا له قواعده، بس أنا ذكرت هذا كمثال تقريبي.
فإذا أباح الشرع لي التصرف، إذاً الشرع لا يريد أن يغرمنا النتائج، لا يريد أن يغرمنا النتائج ما دمت ضمن المساحة الصحيحة. وقيد الشيخ أحمد الزرقا هذه القاعدة بقيدين، أولاً: أن يكون ذلك الأمر الجائز مقيداً بقيد السلامة، الآن بعض الأمور التي أجازت الشريعة فعلها أجازت الشريعة فعلها بشرط أن تفعلها بقيد السلامة، فإذا لم يكن قيد السلامة حاضراً وأنت فعلتها دون القيد أنت تتحمل النتائج، تمام؟ حتى لو كان بالخطأ، فإذا الأمر الجائز شرعاً أحياناً قد تكون الشريعة تجيز لك أن تفعله مقيداً بقيد السلامة، فإذا فعلته دون القيد أنت في الحقيقة أستطيع أقول لم تفعل الصورة الجائزة شرعاً، هي متى تكون جائزة شرعاً؟ إذا كانت مقيدة بالسلامة من مآلاتها.
القيد الثاني: أن يكون عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه. ما دلالة القيدين اللذين أضافهما الشيخ الزرقا؟ أن الأشياء التي يجوز للإنسان فعلها مع آدمي أو أفعلها مع عين تأتي على نوعين: أولهما ما تشترط فيه السلامة، بمعنى أنه لو وقع تلف في العين بسبب فعله فهو غير آثم بفعله لجوازه له شرعاً، لكن يطالب بالضمان ولو لم يتعدَّ. يعني في أفعال تشترط الشريعة فيها أنه لو تلف شيء بسبب فعلك، مع أنك ما تعديت وأنت غير آثم، بس سامحنا راح نضمنك، لمصلحة تراها الشريعة في هذا الموضوع، فهو يطالب بالضمان ولو لم يتعدَّ؛ لأن هذا الفعل مشروط من البداية أن يفعل بشرط السلامة، فإذا فعل ولم تحصل فيه السلامة إذاً هو لم يحصل بالطريقة المطلوبة، أنت غير آثم ما دام لم تتعدَّ، أنت غير آثم، لكن هذا الفعل طبيعته أن الشارع أراد حصوله على سلامة النتائج، فإذا لم تحصل سلامة النتائج فأنت مش آثم لأنك لم تتعدَّ، برجع أقول لك بس بدك تضمن. في المقابل هناك أمور أباح الشارع لك أن تفعلها سواء حصلت السلامة في النتائج أو لم تحصل، المهم أنك ما تتعدى فيها، ما لا تشترط فيه السلامة بمعنى لو وقع تلف في العين بسبب الفعل فأنت غير آثم شرعاً ولا ضمان عليك ما دمت لم تتعدَّ.
اعطونا أمثلة يا مشايخ، فإني أقول لك: فمما اشترطت فيه الشريعة مثلاً السلامة؛ تأديب الزوجة الناشز بضرب غير مبرح بعد الوعظ والهجر؛ فإن تأديب الإنسان لزوجته الناشز بضرب غير مبرح بعد الخطوات والإجراءات مقيد بشرط السلامة عند الحنفية والشافعية، وبناءً عليه إذا ماتت بسبب الضرب غير المبرح فأنت ضامن عندهم.
طيب يا شيخ، كيف ضمنتموني مع أني ضربت ضرباً غير مبرح؟ وفعلاً ثبت أمام القضاء أنه هو عملها هكذا بس ماتت، شكلها حساسة كثيراً! المهم لو فرضاً عملها ضربة هكذا أو قرصها، وقدر الله لما قرصها قرصة خفيفة طلع هون في مادة فيروسية، ضغط عليها فقتلتها؛ المهم هنا عند الحنفية والشافعية بدك تضمن. طيب يا شيخ، أنا ضربت ضرباً غير مبرح بعد الهجر والزجر، وأعطيتوني أنه مباح، ليش ضمنتموني؟ يقول لك: والله عند الحنفية والشافعية هذا الفعل هكذا طبيعته، رأوا أنه مشروط بشرط السلامة، وهذا قد يكون من باب سد الذرائع أحياناً أو باعتبارات معينة، فإذا حصل منه تلف أنت غير آثم، بس بدك تضمن ضمان قتل الخطأ. بس عند الحنابلة مثلاً لا، ليس شرطاً عندنا، ليس هذا الفعل مشروطاً بشرط السلامة، فإذا ضربت زوجتك ضرباً غير مبرح قالوا: هذا داخل تحت قاعدة الجواز الشرعي ينافي الضمان، فإذا ضربت غير مبرح فماتت أنا غير مسؤول.
المسألة الثانية مثلاً جواز ركوب الهدي، إذا أنت قديماً كانوا يأتون بالهدي بالجمال والأبقار معهم من المدينة ومن الطائف ومن مناطق الجزيرة، ويسوقونها من بلدانهم إلى مكة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يرى أحياناً بعضهم وهو في الطريق فقير وما عنده شيء يركبه إلا هذا الهدي، وهو متحرج يركبه لأنه هدي لله، فهو معتبر أنه هذا طلع لله، ما بصير أركبه. تمام، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول لبعض الصحابة الذين يراهم: اركب هديك، فيقول: لا أفعل يا رسول الله، إنه هدي، قال: اركبه ولو كان هدياً، أنت ما عندك حل آخر. طب الآن ركوب الهدي قيده المالكية بشرط السلامة في مثابته، فقال الحطاب: وندب عدم ركوبها بلا عذر، قال سند: تمام، قال سند: وهو مقيد بشرط سلامتها، فإن تلفت بركوبه بدك تضمن، ما تقوليش يا جماعة ضمنتموني إياها وأنتم قلتم لي يجوز أن تركبها، بقول لك: نعم، يجوز أن تركبها عند العذر، لكن بدك تكون فاهم، إذا تلفت بدك تضمن. فهذا أمثلة على أمور يجوز للإنسان أن يفعلها، ولكن إذا فعلها بده يكون عارف أنه طبيعتها على شرط السلامة، يعني أنت داخل فيها على هذا الموضوع.
طيب القيد الثاني أن هناك أفعالاً للغير، هي القيد الثاني تبع الشيخ الزرقاء وهي قضية ألا يكون إتلافاً لمال الغير لأجل نفسه، أنه هناك أفعال يجوز للإنسان فعلها. بس هنا قبل ما أدخل في القيد الثاني خطر في ذهني مثال ممكن يكون منطقياً حتى عند الحنابلة، مسألة ضمان الأجير المشترك، عند الجمهور من الحنابلة والمالكية والحنفية، الأجير المشترك إذا شخص وضع سيارته عنده أو الثوب وحطيت له المكيف عنده أو الغسالة وتلفت، هو ضامن، هو ضامن سواء تعدى أو لم يتعد، اللهم قالوا: إلا إذا هلكت بأمر عام حصل في القرية، زلزال، حريق، الأمور العامة، لكن غير كذا أنا حطيت عندك سيارتي وأنت أجير مشترك أنت ضامن. تمام ما دام لم يحصل شيء في البلدة والقرية أنت ضامن، فهنا قد نقول: إنه هذا بقول لك يا شيخ، أنتم قلتم لي بصير إني أستقبل البضائع في محلي، بعدين إذا استقبلتها وتلفت بدكم تضمنوني؟ آه، نقول لك الأجير المشترك شغلته مربوطة بشرط السلامة، بدك تشتغل أجير مشترك بدك تعرف شرط هي الشغلة ايش هي.
شوف لو أجير خاص ما بنضمنك إلا بتعدٍ، أما الأجير المشترك بدنا نضمنك ولو لم يثبت تعديك، خلص هيك، طبعاً ونحن عارفين شو هدفها؛ هي مش أن الموضوع اعتباطي، أنه حسم الذريعة والباب حتى لا تسول نفوس لأصحاب الأجير المشترك أن يتهاونوا في حفظ سلع الناس وأموالهم في محلهم، بتشوفوهم كيف بجيب له 20 مكيف تدخل تلاقي حاطه فوق بعضهم؛ طيب يا أخي ليش أنت عامل كذا؟ مش هيك بتخرب، بتجيب له 20 غسالة بتلاقيه زات هي هناك وحاط هي والبرغي من هي نازل تحت؛ فالشريعة قالت: اسمع، أجير مشترك على رأي الجمهور، أجير مشترك هذا مرتبط بشرط السلامة، إذا بدك تشتغل هي الشغلة فإذا تلف شيء في محلك ولو لم تتعد أنت غير آثم بس رح تضمن، إلا طبعاً كما قلنا إذا كان هلاكاً بأمر عام، فهذا ممكن يكون مثال على مذهب الحنابلة؛ مثال على مسألة مرتهن قيامك فيها بشرط السلامة. تمام، فبدك تشتغل أجير مشترك أنت بدك تكون عندك أمن السلامة، فإذا تلف الشيء تحتك فأنت ضامن ولو لم تتعد.
الحالة الثانية أو توضيح القيد الثاني، أن يكون عبارة عن إتلاف لمال الغير لأجل نفسه؛ أنه هناك أفعال يجوز للإنسان فعلها مع أن فيها تعدياً على مال الغير، فمن العدل أن يجب ضمانها، وذلك كالمضطر الذي يجد طعاماً الذي لا يجوز طعاماً ولا قيمته، فله أن يأخذ من طعام غيره بلا إذنه ما يسد به رمقه فقط؛ فهذا وإن كان جائزاً شرعاً لكن فيه إتلاف لمال الغير لأجل نفسه، فيجب ضمانه. يعني أنا بداية الكلام لم تعجبني كثيراً بس في نهاية الكلام صار واضح الفكرة؛ هو القيد الثاني ايش هو؟ إذا الشريعة أذنت لي، أنه مش فقط أخذ مالك، أن أتلف مالك، إذا الشريعة أعطتني الإذن في إتلاف مالك وكان هذا الإتلاف من أجلي من أجل مصلحتي أنا، فهنا أنا لازم أضمن هذا المال. ومثلنا لها بقضية أنه أنا إذا بدي أموت جوعاً في الصحراء وأنت معك طعام زائد عن حاجتك ومش راضي تعطيني إياه، هنا أنا بأخذ إذناً من الشرع، وهذا مثال على إذن الشرع، هذا مثال آخر على قضية إذن من الشرع، بأخذ إذناً من الشرع إني آخذ مالك اللي هو طعام غصباً عنك بس رح أضمنه. ليه؟ لأن إتلافي لهذا المال الخاص بك كان من أجل مصلحتي أنا الشخصية بالتالي لازم أضمنه لها.
بس طبعاً هنا بدنا نفرق بين هي المسألة وبمسألة إيش إخواني؟ إذا كان مالك هو اللي جاي يعتدي علي وأتلفته حماية لنفسي، ما هي برضه مصلحة شخصية، هون لا أضمن، حتى نفرق بين الأمور؛ المسألة هذه تتعلق أني أنا رحت على مالك أتلفته لمصلحتي وأخذت إذناً من الشرع، أما تلك المسألة أن مالك هو الهاجم علي، مالك هو الهاجم علي، حصانك جملك هجم علي وخفت على نفسي قتلته، هنا لا ضمان لأني دفعت شره عني، أما هي الصورة أنه أنا اضطررت أو احتجت باختصار، أخذت إذناً شرعياً، باختصار عندي إذن شرعي في المسألة أن أتلف مالك لمصلحتي الشخصية، فبنقول: ماشي عندك إذن شرعي زي مسألة المضطر في الصحراء، لكن بدك تضمن.
ويتبين من هذين القيدين إذاً أن المراد بالجواز الشرعي في القاعدة هو الجواز المطلق العاري عن التقييد، بالتالي لما نقول: الجواز الشرعي ينافي الضمان، هذا الكلام عن أصل الجواز، لكن الجواز الشرعي المقيد بأمن السلامة والجواز الشرعي المقيد بأن لا يكون فيه إتلاف لمال الغير لأجل النفس، هذا مش داخل معنا في القاعدة، هذا لا ينافي الضمان بل فيه ضمان، ها الجواز الشرعي المقيد بقيد السلامة إذا فعلته وأدى إلى تلف لا، هنا في ضمان، وكذلك الجواز الشرعي اللي فيه إتلاف لمال الغير لأجل النفس هذا فيه برضه ايش؟ ضمان، فهذا خارج عن القاعدة. ولذلك قال الشيخ مصطفى الزرقاء في المدخل الفقهي العام: وعليه كان ينبغي أن يقال في القاعدة الجواز الشرعي المطلق الذي لم يقيد بشرط السلامة ولا يوجد فيه أيضاً تقييد بإتلاف مال الغير لأجل النفس، هذا الذي ينافي الضمان.
طيب ليس كل إتلاف لحق الغير لأجل النفس يوجب الضمان، يقول الشيخ كأنه فيها حتى هي استثناء من الاستثناء، بل قد لا يوجبه في بعض الصور، وقد سبق الكلام عن قاعدة تضبط ذلك، اللي هو رجع للمسألة اللي نحن حكينا عنها؛ لأنه أنا هنا إذا هجم شيء علي فأتلفت من أجل النفس هنا لا يوجد الضمان، لأنه دفعت شره عني، وهي القاعدة: من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمن، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمن، وهي صورة أكل الطعام للمضطر، دفعت الأذى به.
في ذكر بعض فروع القاعدة، من استأجر دابة فحملها القدر المعتاد، كثير مثلاً واحد بيستأجر منك "بيك أب"، حملوا القدر المعتاد من الحشيش أو الحطب أو ما شابه، فالبيك أب وقع في الطريق، قال: لا ضمان عليه لأنه فعل ما جاز له. يجي على مخمنين: هل أنا حملتها 100 كيلو؟ هي السيارة كم بتحمل؟ والله في العرف بتحمل 120، إذاً الـ 100 كيلو أنا ضمن الحد الشرعي لم أتعدَّ أو أفرط، والجواز الشرعي ينافي الضمان. لو حفر حفرة في ملكه أو في الطريق العام بس بإذن ولي الأمر، فوقع فيها شخص فهلك، فلا ضمان على الحافر لأنه فعل أمراً جائزاً شرعاً، بخلاف ما لو حفر في طريق عام بلا إذن السلطان فعليه الضمان حينئذ لأنه هذا ما فيه جواز شرعي.
مثلاً ممكن نضيف قضية الأجير الخاص، الأجير الخاص عند الحنابلة أي واحد بتستأجره لوقت مشان يبني لك شغلة أو يصلح لك المواسير، أي أجير خاص في المذهب عندنا إذا أتلف شيئاً بالخطأ لا يضمن، لماذا؟ قالوا لأن الأجير الخاص مأذون له مني أنه يتعامل مع هذه الأشياء، أنا أذنت له يدخل على البيت ويتعامل مع المواسير، فإذا هو بالخطأ عم يزبط في الماسورة انكسرت بالخطأ، بقول: الإذن الشرعي ينافي الضمان. من وين أخذ الإذن؟ مني، مش أنا اللي دخلته على البيت وأنا اللي أعطيته يتعامل مع الماسورة هذه؟ مثلاً استأجرت شخص يركب لي سخان شمسي، هذه كثير ناس مثلاً ممكن استأجرت شخص أجرة خاصة يركب لي سخان شمسي، وهو عم يركب فيه بالخطأ طق، هل بقدر أضمنه؟ ما عندنا ضمان إذا لم يفعل هو شيئاً فيه تعدٍ، يعني الآن إذا أنت فعلت شيئاً فيه تعدٍ منك، الأصل مثلاً تحمله بطريقة ما، أهملت، حملته بالشقلوب أو كذا، لا، هون بدك تضمن لأنه في إهمال، لكن شيء بالخطأ حصل معه أثناء عمل، وهو قاعد بيلف بالصامولة هيك مثلاً طشطت أو انكسرت الماسورة، برضه، مثلاً اثنين عم يحملوا شاشة من المنزل أو تلفزيون أو شيء، ما حصل معنا قبل فترة، تمام، أجير خاص استأجرته مشان يودّي لي شغلة من مكان لمكان، الآن أنا أذنت له يحمل الشاشة، صح، عنده جواز شرعي حمل الشاشة، الآن إذا حملها بالطريقة الصحيحة، وحطها في الطريق الصحيح وبالخطأ انكسرت،
هو لا يصير، ما بصير آجي أقول له: يلا بدك تضمن لي الشاشة، ترى بعض الناس هيك يقول: يلا بدك تضمن لي إياها، بقول لك: أنا أجير خاص ما بضمن إذا ما أخطأت، إذا أنا أهملت أثبت لي، آه، إذا هو مثلاً أهمل، والله حملها بشكل فوضوي أو معروف أنه هي الشاشة لما يتعامل معها لازم يكون في أمان قدام ووراء وهو أهمل إجراءات السلامة، ساعتها أنا عم بقدر أضمنه، بس إذا هو لا، كما تحمل عادة، وضعت وكذا، بس قدر خالص يعني أو بالخطأ هو حاملها بالخطأ، بالخطأ ضربت الشاشة، يعني هو ماشي بشكل صحيح وكذا مش إهمال، ركز في فرق بين الإهمال وبين بالخطأ، هو ماشي ها من الاثنين ضربت، فما بتقدر تضمنهم، لأنه هو، في هو أنت أعطيته جوازاً شرعياً، هل هم لما ضربوها أحياناً بتعرف يصير بأيدي الأبواب يتنقلوا، ما هي أبواب البيوت والغرف البيوت ضيقة، آه، ارفع فوق نزل تحت، لا اعمل كذا ضارب، هسا أنا عارف أنه هو اجتهد، يعني هو عم يحاول وماسك من تحت، وأحياناً بعض السلع قد تكون ثقيلة فعلاً، فيجي يقول لهم صاحب البيت: يلا بدك تضمن لي إياها أنت كسرتها، ومسكين بكون هذا العامل كل راتبه كل اللي مأخذه 50 ليرة بتكفيه لآخر الشهر الله أعلم، وتيجي تقول له: يلا بكون السلعة حقها 500 دينار بدك تضمنها إياها؟ طيب ما بصير.
إذاً الآن السياق محكم الآن هنا، يعني أنه هل هو في إهمال منه بإجراءات السلامة ولا هو هيك الوضع الطبيعي؟ بيجوا بيحملوا بيحاولوا بيتنقلوا، انكسرت انكسرت، ما انكسرت بالسلامة أحمد ربك. هذه كما يقولون الإجراءات، إذا قصر آه ساعتها بقول بدك تتحمل، أو أهمل ساعتها بدي أقول بدك تتحمل.
بسم الله، هذه إحدى التطبيقات أنا بعتقدها الأساسية على قاعدة الجواز الشرعي ينافي الضمان، قضية الأجير الخاص. نعم.
قاعدة: إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر، بسم الله، الآن شو بقولوا أصحابنا، هذه من قواعد الضمان، هذه أيضاً من قواعد الضمان، هكذا قالها ابن نجيم وتبعه أصحاب مجلة الأحكام العدلية، وقد ذكرت في كثير من كتب الفقه وقواعده بعدة ألفاظ، مثلاً الإمام السرخسي عبر عنها: المباشر والمتسبب إذا اجتمعا في الإتلاف فالضمان على المباشر دون المتسبب، في القرافة أيضاً: إذا اجتمع منها سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين غلبت المباشرة على التسبب، طبعاً واضح أنه القرافي ضمن سياق في هناك سياق مقطوع، تمام، كذلك الإمام الزركشي يقول: إذا اجتمع السبب.
والغرور والمباشرة قدمت المباشرة. وقول ابن رجب رحمه الله عليه: طبعا الغرور شو هو؟ إنه الشخص غرك إنك تفعل شيء، يعني دفعك رحت أنت عملته، مين المسؤول عن الضمان؟ يضمن المباشر؛ يعني هو غرني وطمعني ورحت أنا أقدمت ونتج هلاك، مين بدو يضمن؟ الذي باشر. واحد غرك قال لك: اسمع روح اقتل فلان، صدقت أنت أنه شيء مناسب إنك تقتله، يا أخي فرحت أنت كأنك مغفل وأحمق رحت قتلته، من الذي سيضمن؟ الذي غرك ولا أنت اللي بدك تضمن؟ القانون لا يحمي المغفلين.
وقول الإمام ابن رجب رحمه الله عليه: إذا استند إتلاف أموال الآدميين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب، تعلق الضمان بالمباشرة دون السبب؛ طبعا سنعرف أن لهذا استثناءات. قال: إلا أن تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه، سواء كانت ملجأة إليه أو غير ملجأة. تمام، ثم إن كانت المباشرة والحالة هذه لا عدوان فيها بالكلية؛ يعني المباشرة المبنية على السبب والناشئة عنه إذا كانت المباشرة لا عدوان فيها بالكلية، استقل السبب وحده بالضمان. وإن كانت المباشرة في هذه الحالة المستثناة، وإن كان فيها عدوان شاركت السبب في الضمان.
هي دقة ابن رجب، لماذا تعتبر قواعد ابن رجب من أدق كتب القواعد الفقهية؟ ابن رجب عموماً إخواني حقيقة من الفقهاء والمحدثين الجهابذة، وهذا الرجل لم يعط حقه عند كثير من طلاب العلم؛ يعني هو طبعاً على خطى شيخه ابن القيم، وإن شابه شيخه ما ظلم، يعني رجل عاقل ومفكر ومحلل؛ يعني شخصية تحليلية. فيعطيك أن الأصل، خلاصة هذه القاعدة عند ابن رجب أن الأصل إذا اجتمع المباشر والمتسبب أنه مين يضمن؟ المباشر، إلا إذا كانت المباشرة متولدة عن السببية، متولدة عنها. تمام؟ هسا أنا ممكن أقول لك روح اقتل فلان، رحت أنت قتلته، هنا هذا مش تولد، هذا أنت رحت قتلته، لكن أحيانا بعض الأشياء لا؛ هنا المباشرة تتولد عن السببية، أنا رميت سهماً فالسهم قتلك، صح؟ هنا المباشرة تولدت عن سببيتي، علة العلة بسموها في أصول الفقه، مش أخذنا الأصول؟ تمام؟ فهنا ينظر، إذا كانت المباشرة متولدة عن السببية بنشوف، إذا كانت المباشرة لا عدوان فيها، فإذاً من الذي سيضمن؟ المتسبب فقط؛ كأن أكون مثلاً أنا مسكتك ورميتك على شخص آخر وهو الملجأ، فقتلتك به، هسا مين اللي قتله؟ جسمك، بس مباشرة جسمك لجسمه أنت ما اعتديت فيها، أنا ما عملت شيء، مين اللي بدو يضمن؟ المتسبب الذي رمى.
لا، فيها نوع عدوان، كما أن المتسبب، يعني مباشرة متولدة عن سببيه والمباشرة فيها عدوان، كما أن السببية فيها عدوان، هنا الذي سيضمن الاثنين: المباشر والمتسبب. تمام؟ وهذه بمثلوها بقضية إذا أكرهتك على أن تقتل شخصاً، مش ألجأتك، الملجأ سقطت الآلة، أما هنا مسألة الإكراه، هنا نحن بنعرف أنه من أكره على قتل شخص لا يجوز له أن يقتله، فإذا أكرهتك على قتل شخص فقتلته، هنا مباشرتك عدوان، وسببي عدوان، والنتيجة حصلت. فعلاً المباشرة هي متولدة عن السببية باعتبار وجود الإكراه، ففي هذه الحالة سيقتل الحاكم المكره والجندي المكره، كلاهما سيقتل وكلاهما سيضمن. فجيد إنك تعرف تفاصيل هذه القاعدة، قاعدة إذا اجتمع المباشر والمتسبب، فابن رجب أعطاها ما شاء الله بشكل مميز.
نبدأ في معناها، قال: المباشر للفعل أي الفاعل له بالذات، فالتلف يحصل من فعله بلا واسطة دون أن يتخلل بينه وبين التلف فاعل آخر، والمتسبب أي المفضي والموصل إلى وقوعه، فالضرر لا يقع فعلاً منه بس بالواسطة، يعني بواسطته، هذا هو المتسبب فالمتسبب هو واسطة. فمن حفر بئراً فدفع شخص فيها آخر، هنا لاحظ أنا حفرت بئراً، ورحت اجا شخص آخر ما له دخل في، تمام؟ يعني مش مكرهه أنا، لا، اجا شخص آخر مسك صاحبه وزدته في الحفرة. هنا أولاً المباشرة مش متولدة عن السببية، باعتبار ايش؟ مش أنا اللي أكرهتك تروح تمسك صاحبك وتلقيه، أنا بس عملت سبب؛ حفرت بئر أو حفرة في طريق ورحت، أنت رحت ماشي مع صاحبك زعلت منه اختلفت، ألقيت صاحبك في البئر، هنا فالحافر متسبب والدافع مباشر. فمعنى القاعدة أنه إذا حصل ضرر واجتمع متسبب ومباشر فالاصل إضافة الحكم من حيث الضمان ونحوه إلى المباشر، لكن هذا ليس على عمومه، فثمت مسائل كثيرة تقدم فيها السببية على المباشرة، فتارة تكون المباشرة مبنية على السبب ناشئة عنه؛ يعني اكتب متولدة منه، فالضمان حينئذ على المتسبب وحده إذا كان المباشر ليس معتدياً أو لا يعتبر فعله، يعني لا يصنف فعله على أنه اعتداء. وتارة تكون المباشرة كذلك تعتبر هي بحد ذاتها اعتداء، لكن مع مشاركة في العدوان، فقد يشترك المباشر والمتسبب في الضمان حينئذ، وسيتبين هذا بالفروع الفقهية.
طيب في ذكر الفروع الفقهية التي يقدم فيها المباشر على المتسبب؛ قضية من حفر بئراً بلا إذن وهذه حكيناها قبل قليل ما فيش داعي للإحالة. ثانياً: لو فتح قفصاً عن طائر، رحت كنت عند صاحبك وصاحبك بربي الطيور وأنت عم تتسلى رحت شفت طائر جوا قفص، رحت أنت بس فتحت باب القفص، فاستقر مكانه فالطائر مستقر مكانه بعد الفتح ولم يخرج محترم هذا الطائر، فجاء صديقك صار يمزح مع الطائر، سقف له مثلاً أو خوفه فالطائر هرب، من الذي سيضمن؟ اللي فتح القفص ولا اللي خوف الطائر؟ اللي خوف الطائر لأنه أنا متسبب، بس الرجال هذا الطائر لما أنا فتحت القفص ما طار، لو طار أنا متسبب أنا المباشر شر هنا، فهو ما طار فتحته وجلس مكانه، أنت خوفته فطار، فأنت من تتحمل المسؤولية.
طيب ذكر بعض الفروع الفقهية التي يقدم فيها السبب وليس المباشر: إذا قدم طعاماً مسموماً عالماً به فأكله شخص وهو لا يعلم الحال، فالقاتل هو مقدم الطعام؛ لأن الأكل ولو كان هو المباشر إلا أن مباشرته ناشئة عن ايش؟ عن السبب، تمام مبنية عليه، ذكر ذلك المالكية والحنابلة وهو أحد القولين عند الشافعية. تمام؟ يعني أنا أعطيتك تفاحة مسمومة، أنا ما قلت لك كلها بس أعطيتك إياها وقدمتها لك ولم أخبرك أنها مسمومة رحت أنت أكلتها، هل نقول والله هذا قتل نفسه هو المباشر هو اللي أكل؟ نقول لا: الذي قدم لك إياها وهو يعلم أنها مسمومة ولم يخبرك ضامن لك، فالذي سيضمن هنا المتسبب. طيب لو قتل الحاكم حداً أو قصاصاً بشهادة ثم أقر الشهود بكذبهم؟ أنا حاكم، أنا قاضٍ، اجا عندي اثنين فكرتهم عدول، طلعوا شهود زور، خلوني أقتل شخص بعدين اكتشفت أنهم شهود زور. ممتاز، فهنا من سيضمن هذا الشخص المسكين اللي قتلناه زوراً وبهتاناً؟ هل المباشر وهو الحاكم الذي أصدر الحكم، ولا شهود الزور المتسببين؟ وأنا شهود الزور المتسببين هم من سيتم قتلهم وليس الحاكم الذي باشر القتل أو السياف الذي باشر القتل، لأنه أنا ما بعرف أن هذول أن هذا الرجل بريء، طيب لأنهم سبب بنيت عليه مباشرة، هذا مذهب الشافعية والحنابلة.
طيب من فتح القفص عن طائر فوقف الطائر ثم طار ولم يهيجه، فالضمان على فاتح القفص، مش بنحكي يا أخي الطائر هو الذي باشر الطيران، يا أخي ما فعل الطائر لا حكم له، أنت المتسبب بدك تتحمل النتيجة، وهذا عند أصحابنا الحنابلة. نفس الشيء من كان يركب فرساً ضمن جناية مقدمه، أنا ماسك فرس وأنا اللي بمشي فيه، الفرس وأنا ماشي فيه دعس على شيء بمقدمه أو رأسه ضرب في شيء فكسره، مش نيجي نحكي يا أخي المباشر هو الفرس مش الراكب، الفرس بنقول لا أنت المتسبب لأنه أنت ما دمت تركب الفرس فأنت المطلوب إنك تمسك رأسه وتمسك الزمام بشكل منيح، الفرس المباشر فعله لا حكم له.
طيب الجهة الرابعة التي يضمن فيها المتسبب والمباشر هي مسألة الإكراه المشهورة، من أكره غيره على القتل فالقواعد والضمان على المكره والمكره على المشور عند جماهير المذاهب، طبعاً هذه الصورة دائماً أمثلتها قليلة جداً، يعني قليل جداً جداً أن يضمن المباشر والمتسبب، هي عادة يا يضمن المباشر يا يضمن المتسبب، وأن تصل لصورة تضمن فيها الاثنين هذه قليلة، ممكن نعتبر منها أيضاً من يعطيني مثالاً آخر؟ من أمثلتها الأخرى قضية عصابات القتل الذين يتواطؤون على القتل، واحد مش العصابات تروح مع بعض يقتلوا الشخص، واحد بيحكي للثاني يلا أعطيني السكينة، خذ كذا، ضارب قتل، هنا من سيقام عليه القتل؟ الاثنين، اللي ناول السكينة واللي قتل، ليه؟ لأنهم عصابة متواطئة، بخلاف ما لو كان بدون تواطؤ، قالوا تمام اثنين بدون تواطؤ تشاركوا في قتل شخص، فالمباشر هو الذي بضربته كان قاتلاً، هو الذي سيتحمل الضمان.
طيب بسم الله، يضاف الفعل إلى الفاعل للأمر ما لم يكن مجبراً، اسم فاعل هنا وضعها، يعني ما لم يكن الآمر مجبراً للفاعل. يضاف الفعل إلى الفاعل ليس إلى الآمر ما لم يكن الآمر مجبراً للفاعل، هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، والذي يظهر لي أن هذه القاعدة يقول متفرعة عن القاعدة السابقة؛ إذا اجتمع السبب والمباشرة قدم المباشر؛ لأنها في الحقيقة تقول: إضافة الفعل إلى المباشر هو الفاعل الذي في هذه القاعدة، المباشر في القاعدة السابقة هو الفاعل في هذه القاعدة ما لم يكن المباشر مأموراً لا اختيار له فيكون على المتسبب وهو ايش هنا؟ الآمر في هذه القاعدة، فلا فرق كبير بينها وبين تلك القاعدة السابقة، ومعناها أن من أمر غيره بشيء ففعله المأمور، فإن هذا الفعل ينسب إلى الفاعل لا إلى الآمر، أي أن الفاعل هو المؤاخذ بما يترتب على هذا الفعل من حيث الأحكام الدنيوية، طبعاً من حيث الأحكام الأخروية لا، المتسبب رح يأثم، بس من حيث الحكم الدنيوي أنا ما بأخذك يا أيها المتسبب وأجعل الحكم على المباشر.
قال: إلا إذا كان الآمر مجبراً مكرهاً للمأمور على الفعل، فهنا سينسب الفعل إلى الآمر، أي أن الآمر مؤاخذ بما يترتب لأن الفاعل صار كالآلة، بس هنا لازم نشرح الإكراه بالمعنى الصحيح، أن الإكراه هنا هو الإلجاء؛ لأن الشيخ أيمن بيستعمل الإكراه بمعنى الإلجاء بس بيسميه إكراه، ونحن في أصول الفقه الأصل نفرق بين المكره وبين الملجأ، أو نقول الإكراه على نوعين: إلجاء وغير إلجاء، بس لازم أنت تكون فاهم شو معنى كلمة إكراه هنا. نسبة الفعل إلى المكره تكون على حسب درجة الإكراه وهذا يختلف باختلاف المسائل الفقهية، فالإكراه على قتل مسلم ليس كالإكراه على إتلاف ماله مثلاً، وتفصيل ذلك وأحواله مبسوطة في كتب الفروع. وعليه فلا ينسب الفعل إلى المكره إلا إذا كان الإكراه معتبراً في مسألته، يعني لا يجوز أن ننسب الفعل إلى المكره وليس إلى المكره إلا إذا كان الإكراه فعلاً يؤثر هنا، أما إذا الإكراه لا يؤثر يبقى الفعل ينسب إلى المكره، هكذا الأصل، يعني المباشر يعني لا ينسب الفعل إلا المكره، المكره هو المتسبب، إلا إذا كان الإكراه هو المعتبر في المسألة. أما إذا كان الإكراه ليس له أثر فيبقى الفعل على القاعدة الأصلية أن الفعل ينسب إلى المباشر وليس إلى المتسبب.
ذكر بعض فروع القاعدة: لو أمر شخص آخر بإتلاف مال غيره بلا إكراه، فأتلفه، فالضمان على المأمور لا على الآمر، لو أنا أمرتك باعتباري مسؤولك في الشركة قلت لك روح أتلف مال صاحبك، روح اكسر سيارته، ما كرهتك ولا طخيتك ولا خوفتك بس قلت لك أمرتك باعتباري مسؤول ومدير الشركة، روح أتلف سيارة صديقك، رحت أنت أتلفها أنت ضامن، أنت وأنا ما لي علاقة، أنا آثم أخروياً بس دنيوياً أنا ما مضمن؛ ليه؟ لأنه أنا أمرتك دون إكراه ولا إلجاء، فأنت المباشر، فالضمان على المباشر.
لو أمر السلطان رجلاً فقتل آخر ظلماً؛ فإن كان المأمور مختاراً يعلم ظلم السلطان فالقصاص عليه دون الآمر؛ لأنه غير معذور في فعله ولا طاعة لمخلوق. وإن كان مكرهاً يعلم ظلم السلطان بس هو مكره، ففيه خلاف بين الفقهاء على من يكون القصاص، وإن كان مذهب الحنابلة القصاص عليهم الاثنين، يعني على المباشر والمتسبب. وإن لم يكن يعلم بكون الرجل مظلوماً، فهنا القصاص على المتسبب فقط، لأن السياف قتل شخص بسبب أمر صدر له، مش عارف أنه مظلوم بعدين اكتشف أنه والله قتلته ظلماً، مين بده يتحمل النتيجة؟ من أصدر الأمر وهو المتسبب هنا. طيب فهو معذور لوجوب طاعة الإمام فيما ليس بمعصية، والظاهر بالنسبة للسياف أن هذا الإمام لم يأمر إلا بالحق، الضمان على المتسبب، ذكر هذا الشافعية والحنابلة.
لو أمر رجل صبياً غير مميز، مثلاً هي مسائل كثيرة تأتي في باب الجنايات، لو أمرت أنا صبياً غير مميز عمره ثلاث سنين بقتل مسلم فقتله، فالقصاص على مين؟ على الآمر، على الآمر تمام؛ لأن المأمور كالمكره هنا. وهناك أيضاً مسائل كثيرة تدخل في هذا، مثلاً لو أمر شخص صبياً غير مميز أن يصعد على شجرة، فراح الولد الصغير صعد، قلت له يا عمو شك تطلع على الشجرة هي، أو يا عمو شك تنزل جوا البئر هذا، راح نزل فوقع فمات، من الذي يضمن؟ المتسبب؛ ليه؟ لأنه هو صح المباشر الطفل، أنا ما أجبرته ولا أكرهته، بس أنت بتأمر إنسان ضعيف القدرات العقلية، حكمه حكم العدم؛ يعني قدراته العقلية في حكم العدم زيها زي العجماء عفواً. فلما تقول له روح اطلع على شجرة وأنت عارف أن الشجرة خطيرة تقول له اطلع، تقول أنا والله ما أكرهت قلت له اطلع على الشجرة راح طلع، بدك تضمن عند الحنابلة.
أو نزلته بئرًا أو ما شابه، وهنا الذي يضمن المتسبب لأن المباشر شرعًا في حكم الآلة لا عقل له، ولها تفاصيل كثيرة في باب الجنايات. فهذه القواعد، حقيقةً قواعد الضمان، من أهم القواعد التي ينبغي أن يتقنها طالب العلم، وخاصة قاعدة المباشر والمتسبب.
أحيانًا، مثلًا في حوادث السير، فقط من باب فتح الأفكار، قد أكون أنا ماشيًا في الطريق بشكل صحيح، وشخص هو ارتطم بسيارتي. مش أنا اللي ارتطمت فيه؛ يعني شخص ماشي تعرقل وضرب هو بسيارتي، فلما ضرب وأنا ماشي بالسرعة الطبيعية مات. الحقيقة هنا الأصل أنا لا أضمن؛ لأنه مش أنا اللي ضربته بالخطأ، هو اللي سحل على سيارتي بالخطأ منه، فهو المباشر لقتل نفسه، فأنا لا أضمن في هذه الحالة. إن بعض حوادث السير إخواني لا يراعى فيها هذه القضية في القتل؛ أنه بكون مثلًا واحد أو اثنين بيلعبوا مع طفل، الطفل مثلًا وأنا ماشي في الشارع بالسيارة بيلعبوا معه، طفل ركض على الشارع حركة عفوية مفاجئة، هو الطفل اللي ضرب بالسيارة وهي ماشية بالشكل الصحيح، مش السيارة بالخطأ ضربت، هو سيارة ماشية صح، اللي اجا وهجم عليها طفل كان بيلحق وراء طابته، تمام؟ فالطفل ارتطم مثلًا، أو ممكن مثال: واحد خوّف طفل، فالطفل مع النكزة رجع ورا وأنا ماشي، أنا ما عامل شيء، فالطفل ارتطم بسيارتي فقتل. هسّه هل هذا يعتبر السائق قاتلًا خطأ؟ حقيقة ما صدر من السائق الفعل المباشر، هو الطفل نفسه، تمام؟ أو الرجل نفسه اللي ارتطم هو بالسيارة مش سيارتي، هو كان قاعد لحاله، سيارتي بالخطأ مالت وضربته، هو اللي اجا، فهذا لا يضمنه. أي مسائل بدها نوع من التفاهم إخواني؛ لأنه قد يحصل فيها ظلم أنك تحمل شخص الدية؛ يا أخي ابنك هو اللي هاجم على السيارة، مش أنا اللي بالخطأ مسرع أو بالخطأ سيارتي مالت أو ما كنت منتبه فضربت ابنك، هو اللي هجم على السيارة وليست السيارة من هجمت عليه، فهذا ينبغي أن يراعى في قانون الضمان.
الغرّار ضامن، وردت هذه القاعدة بهذا اللفظ في بعض كتب الحنابلة، ومعناها مقرر عند الفقهاء، والذي يظهر أنها متفرعة أيضًا عن قاعدة السبب والمباشرة، ومرت معنا عند الزركشي قبل قليل في تفسير الغرور. الأصل أن التغرير، يقول ابن عابدين مثلًا، الأصل أن التغرير يوجب الضمان في ضمن عقد المعاوضة للوثيقة، وقد سبق ذكر قول الزركشي الشافعي: إذا اجتمع السبب والمباشرة أو الغرور والمباشرة، قُدمت المباشرة، وفيها تقديم المباشرة على الغرور باعتبار الغرور هو نوع من أنواع السببية.
نيجي الآن نوضح ما هو الغار؟ قال الغار هنا هو المخادع، والغرور يطلق على الخديعة، فالمقصود من القاعدة أن من غرّ غيره وخدع غيره في أمر حتى ارتكبه فأدى ذلك إلى ضرر أو ضمان، فالضمان يكون على الغار المخادع في عدد من المسائل، والفقهاء مختلفون في ضابط المسائل التي يعود فيها الضمان على الغار، ولهم في ذلك تفصيلات. طب يدل عليها أدلة هذه القاعدة قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسّها، فبسبب دخوله بها، المسيس هو الدخول أو ما هو في حكم الدخول، فله فلها صداقها كاملًا، وذلك لزوجها غرم على وليها؛ يعني صح رح أدفع لك بس رح أرجع آخذ اللي دفعت لك إياه ممن غرني. وإذا بتذكروا هذه المسائل في الأقضية كان في دليل في غاية المطلب، كان فيها تفصيل مسألة إذا رجل تزوج امرأة، ممكن الشيخ يأتي إليها إذا ما ذكرها، نتكلم شوي نأتي للأمثلة عليها. قال ودلالة هذا الحديث على المقصود دلالة ظاهرة؛ إذ جعل النبي ﷺ للزوج المغرور حقًا، يعني اللي انضحك عليه، حقًا في الرجوع على من غره. بس مين اللي غرك؟ هسّه ممكن يكون اللي غرك هي الزوجة اللي هي المباشر خلينا نقول، ويمكن يكون اللي غرك مش الزوجة التي باشرتها، ممكن يكون واحد آخر؛ إما أبوها، أو وكيل عنها هي بعثت، أو شخص؛ المهم ممكن، فهنا الشريعة جعلت حقك في المال عند من غرّك.
ذكر بعض فروع القاعدة: من اعتدى فغصب شاة فأمر غيره بذبحها فذبحها شخص طاعة للأمر ظانًا أنه يملكها، فالضمان على الغاصب الغار، لا على المغرور؛ يعني واحد سرق شاة أو غصب شاة ونزل فيها على اللحام قال له: اسمع، اذبح لي إياها. هسّه اللحام رح يقول له: جيب لي وثيقة من وين جبت هي الشاة؟ مش رح يقول له هيك، هو رح يمشي على الغالب أن هي الشاة له، مسكها اللحام ذبحها، شوي ولا صاحب الغنمة اجا: وين غنمتي؟ قال له الغاصب: هي ذبحها اللحام. صاحب الغنم من يضمن؟ ما يضمن اللحام؛ لأنه اللحام مغرور، تم غره، ولا هو عارف أنها مش لك، أنا ما ذبحته، سيضمن الغاصب. كذلك من تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص ولم يعلم به، ما بعرف أنه كان هي المرأة فيها برص، فله أن يرجع على الولي الذي غره، وبهذا قال المالكية على تفصيل عندهم، والحنابلة، والشافعية في القديم، بس هنا الحنابلة كما قلت في هذه المسائل لهم تفصيل، أنه إذا كانت المرأة تعلم ذلك والأب يعلم ذلك فالأصل أنها على المرأة؛ أنه أنتِ كيف ضحكتِ على الرجل وما صارحته قبل ما يدخل فيك؟ طيب إذا كانت المرأة لا تعلم ذلك والأب يعلم، فهنا تكون على الأب، وفي مسائل حكموا فيها أنها تكون على المرأة وحدها ولو كان الأب يعلم، وفي مسائل إذا كانت لا تعلم بكون الذي غرّه وهو الأب هو الذي عليه أن يضمن.
وفي مسائل شركوا فيها، يعني إذا كان... إذا ما خانتني الذاكرة وإن كانت قديمة العهد بها، إذا كان المرأة مش مع وليها، مع وكيلها، الوكيل يعني هي بعثت شخص فغرك أنه والله فلانة بنصحك فيها وكذا وهي بعثته، فإذا كان الوكيل يعلم وهي تعلم هنا ضمنوا الاثنين، ضمنوا المرأة مع وكيلها؛ لأنه أنت كوكيل بتعلم وهي تعلم بعيبها أنه فيها برص، فالاثنين بيضمنوا؛ بخلاف مسألة المرأة مع أبيها، فهنا غلبوا أن الذي يغرب إذا كان الاثنين يعلموا المرأة، وأما إذا كانت امرأة لا تعلم والأب يعلم فالأب هو الذي سيضمن، فستلاحظ أنه كل مسألة ستدرس على حدة، وستجد أن معتمد الأصحاب حتى هذا المعتمد ستجد فيه خلاف؛ لأنه هي فيها جانب من النسبية في تقدير الفقيه من الأكثر إجرامًا في هذا المشهد أو أن الإجرام متساوي، في مسائل تقبل الاجتهاد في تقدير لها، بس حتى تفهم أنه مش كل المسائل متفقة عليها.
طيب، لو أتى بجارية إلى السوق فقال هذه أمتي فبايعوها، فلحقها... فبايعوها فلحقها دين يحيط برقبتها، ثم ولدت ولدًا فاستحقها رجل، وأخذها وولدها، ضمن الغار قيمتها وقيمة ولدها. قال: لو أتى بجارية إلى السوق فقال هذه أمتي، فبايعوها؛ أي اشتروا منها وبيعوا، فلحقها دين، قيمة هذا الدين هو فعلًا يحيط برقبتها بسوى قيمتها، صارت تبيع وتشتري مع التجار فلحقها دين، قيمة هذا الدين بيسوى قيمة الأمة نفسها، ثم ولدت ولدًا فاستحقها رجل وأخذها وولدها، ضمن الغار قيمتها. طبعا الذي يظهر لي أنه يقصد هنا السرخسي ما هي، أنه هي الأمة صارت تبيع وتشتري في السوق ممتاز، لحقها دين بسوى قيمتها، بس فلما صار الدين بسوى قيمتها وهي مش قادرة تسده شو صار؟ صاحب الدين أخذ الأمة نفسها وهيك راح يصير؛ بايعوا الأمة وكانت تبيع وتشتري صار في ديون متراكمة عليها تسوى لقيمة الأمة، فهنا عند الحنفية قد يكون هذا حلهم أنه إذا لحقتها ديون تسوى قيمتها شو بنعمل؟ خلاص بنسلم الأمة لصاحب الدين، خلاص الأمة بيع وشراء، فأخذ صاحب الدين الأمة، مش بس أخذها، وحبلها وولدها، يعني صارت أم ولد لهذا لصاحب الدين. طيب بعد ما حبلها وولدها ايش الصدمة اللي اكتشفناها؟
أنه الرجل ذاك اللي نزل الأمة على السوق وقال هذه أمتي فبايعوها، طلعت الأمة مش له، طلعت مستحقة لشخص آخر، تمام؟ يعني في واحد مسك أمة ونزلها على السوق وقال هذه أمتي، خلص بتقدروا تعتبروها نائبة عني، بيعوا واشتروا معها. ممتاز، اكتشفنا بعدين أنه هي الأمة مش ملك لهذا الشخص، وطلعت مستحقة لشخص آخر، ممتاز، طلعت مستحقة لشخص آخر فاستحقها رجل وأخذها وولدها، ضمن الغار قيمتها، طبعا الذي يظهر لي... طيب صاحب الدين المسكين قال لك يا جماعة أنا بايعتها على أنها أمة فلان، طلعت لفلان، والشرط ماخذها مكان دين، بنقول له: ارجع على الذي غرك وخدعك. مين اللي غرك وخدعك؟ أول واحد نزل على السوق وقال هذه أمتي، أول واحد نزل على السوق وقال هذه أمتي فبايعوها، هو اللي غرك فالضمان مش علي أنا كصاحب الأمة، أنا صاحب حقيقي، الضمان على الذي غرك. تمام؟ طبعًا هذا المثال على خلاف المعهود من مسيرة الشيخ أيمن؛ يعني عادةً مسيرة الشيخ أسلس، لكن هذا المثال دخل فيه في عمق مسائل، واحد راح وواحد اجا، وفي تفاصيل مش واضحة؛ يعني هو يحتاج إلى شرح أصلاً حتى تعرف تفاصيل الحكاية.
من تزوج امرأة على أنها حرة وولدت له فتبين أنها أمة، رجع بما غرمه على من غره من المهر وقيمة الأولاد. أنت تزوجت امرأة على أنها حرة وولدّت لك، تبين أنها أمة، ما الذي يحصل؟ قال: رجع بما غرمه على من غره، تمام، أنه دفعت لها مهرًا وفساطين وعرسًا، كل هذا اللي غرمته الذي غره؛ إذا كانت هي نفسها غرتني برجع عليها هي المباشرة، إذا في واحد سيدها هو اللي غرني بدون ما يعطيني التفاصيل، وهمني أنها حرة وطلعت مش حرة، برجع على سيدها. طيب رجع بما غرمه على من غره من المهر وقيمة الأولاد، نص عليه الحنابلة، مع أن الأصل هنا أن الأولاد في هذه الحالة يكونون أحرارًا، الأصل هنا في الأولاد أن يكونوا أحرارًا لأن هذا تم غره، ولا يكونوا عبيدًا، فيحتاج أن ينظر ما قصده. وقيمة الأولاد في هذه المسألة، لو بنى فيما يظنه ملكه، أو ملكه، جاز نقضه لتفريطه ويرجع على من غرّه، قاله المروذي من الحنابلة. لو أنا شريت قطعة بالوصف، ما كنت شايفها بالوصف، اشتريتها ورحت بدي أبني فيها، فسألت لما كان صاحبها معي، قلت له هي قطعتي؟ قال لي: آه هي قطعتك، ابني يا أخي هي قطعة اللي أنت وصفتني إياها، آه هي هي. فرحت أنا بنيت فيها، بعد يومين ولا اجا صاحب القطعة الأصلي قال: مين بنى في أرضي؟ قلت له: أنا شريتها. قال لي: لا هي مش أرضك، أرضك هي طلعت مش هي. هل له أن يطالبني بنقد البناء؟ نعم له أن يطالبني بنقد البناء، لكن أنا بقدر أحمل مين التكلفة؟ اللي غرني وقال لي هي أرضك، سواء كان هو التاجر أو أي شخص، دلال أو سمسار، قال لي هي أرضك؛ اللي حكى لي هي أرضك هو اللي غرني، فهو الذي سيتحمل قيمة البناء.
لو أمر السلطان الجلاد بجلد شخص جلدًا زائدًا على الواجب، فزاد الجلاد جهلًا منه فمات المضروب المجلود، فالضمان على الآمر؛ لأن الجلاد مغرر به، يجهل أن هذا الضرب الزائد لا يجوز. فإن كان عالمًا بالزيادة فالضمان عندئذ على الجلاد وحده، طبعًا ما دام ليس مكرهًا، ما دام ليس مكرهًا، نص، لأنه إذا كان مكرهًا فالضمان عليهم الاثنين.
ولو أمر السلطان العادل بقتل رجل بغير حق، فقتله المأمور وهو يغلب على ظنه أنه لا يأمر إلا بالحق، فالقصاص واجب على الآمر؛ لأنه هذا سلطان. طبعًا كأن الشافعية هنا، الشافعية فرقوا بين السلطان العادل والسلطان الجائر في الحكم؛ أنه إذا السلطان جائر بتعرف أنه ظالم، فالأصل أنت ما تشتغل عنده، فإذا قال لك: اقتل شخص، ما تيجي تحكي لي والله ظنيت أنه حق، تمام؟ فبالتالي الذي يقتص منه السلطان؛ لأنك يا سياف عارف أن السلطان جائر، فالأغلب على أحكامه أنها جور، وهذا مأخذ جيد من الشافعية؛ لأنه هنا أنا ما بعذر السياف؛ لأنه هو كيف بتشتغل عند سلطان معروف بجوره؟ فلا تُعذر بقولك ما بعرف، ستتحمل المسؤولية معه. لكن لو كان السلطان عادل، فانت اشتغلت عنده سيافًا باعتبار أن المعروف عنه العدل، هسّه ممكن السلطان العادل في صورة معينة يظلم ويأتيه الهوى فيأمر بقتل شخص ظلمًا، زلّت شيطان، والحكم فيه تكثر الزلات، فهنا أنا كسياف بشتغل عند سلطان عادل، وصلني أنه اقتل هذا الشخص، أنا غلبت الظاهر أنه هذا عادل لا يأمر إلا بحق، فإذا طلع ظلم في هذه الصورة ففعلًا الذي سيقتص منه من هو؟ الذي غرّني وهو الحاكم، وأما أنا ما لي دخل. أما سلطان جائر تقول غرّني، هذا ما غرّك هذا جائر، أصلاً في الوضع الطبيعي هو ظالم، فكيف اشتغلت ورضيت لنفسك أن تشتغل عنده؟
الجهة الرابعة في ذكر بعض ما يستثنى منها.
ثبتت بعض المسائل حصل فيها الغرور، ولم يجعل الفقهاء الضمان فيها على الغار لعلل أخرى، وقد يقع بينهم الخلاف في اعتبارها؛ فيختلف قولهم في تضمينه. مثلاً من المسائل التي وقع فيها خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله والشافعي في الجديد من أن المغرور بزواج من بها برص أو جذام أو جنون لا يرجع بالمهر على الولي؛ لأنه شرع في النكاح على أن يتقوم عليه البضع، فإذا استوفى منفعته تقرر عليه عوضه.
يعني هم رأوا أنه إذا تم تغريرك بفتى الفتاة وحصل دخول، خلص أنت بدك تدفع ثمن الشيء الذي انتفعت منه. كأنهم يقولون الرجوع على الغار قد يكون قبل الدخول، لكن بعد الدخول لا يرجع بالمهر على الولي؛ لأنه شرع في النكاح. أنت لما دخلت في عقد النكاح، ألم تدخل على أن هذا البضع الذي ستستحله محسوب عليك ومتقوم عليك؟ أنت دخلته وأنت تعلم أنه متقوم، فما دام استوفى المنفعة بالدخول، لزمك العوض وتقرر عليك العوض.
بس في النهاية الطرف الآخر يقول: ماشي، أنا دخلت على أنه إذا حصل دخول لازمني العوض، بس أنا تقرر الدخول بالصورة التي أنا أريدها، أنت ما خبرتني أنه المرأة فيها جذام، وفي أمور لا تظهر إلا بعد الدخول. فإذا أنا دخلت تقول لي خلاص هي سلعة أنت استوفيت، أنا ما عرفت وأنت ما خبرتني بالحقيقة. فقضية أن هذه تكون مستثناة، وإن قال به بعض الفقهاء، لكن مذهبنا ومذهب مالك وغيرهم أن هذا لا يعفيك يا أيها الولي من أن تضمن لي المغرم إذا كنت أنت الغار. طبعاً أيضاً ذهب أبو حنيفة والشافعي في الجديد إلى أن من تزوج امرأة على أنها حرة فبانت أمة، فلا يرجع بالمهر؛ ليه؟ لأنه وجب عليه في مقابلة نفع وصل إليه، نفس الفكرة السابقة، وهو أنك وطئتها. نقول يا عم ماشي، أنا وطئتها بس على أنها حرة طلعت أمة، معقول بدك تحملني نتيجة خطأ مش ارتكبته، وإنما ارتكبه من غرني؟ هم كأنهم غلبوا جانب أنك انتفعت، لكن المالكية والحنابله غلبوا جانب أنك خدعت، فهنا تأتي بعض القضايا المتعلقة بالتغرير من عدمه.
وصلنا إلى القاعدة الحشر وهي قوله: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالباً. هذه قاعدة تسمى قاعدة التداخل بين العبادات. وهذه قاعدة حقيقة تفاصيلها قد تكون غير مضطردة بين المذاهب الفقهية، وحتى داخل المذهب الواحد تجد بعض الأمور يقبلون تداخلها وبعض الأمور لا يقبلون تداخلها؛ فهي فيها قواعد عامة وملامح عامة، وفي جانب منها يعود إلى اجتهاد الفقيه ونظرته أنه هل هذه أقول إنها من قبيل التداخل أو ليست من قبيل التداخل. المهم ذكر هذه القاعدة السيوطي عليه رحمه الله وتبعه ابن نجيم وذكرها غيره بألفاظ مقاربة.
وذكر نحوها الحافظ الإمام ابن رجب بقوله: إذا اجتمعت عبادتان من جنس في وقت واحد -لاحظ الشروط- من جنس، صلاة صلاة مثلاً، صدقة صدقة، صيام صيام، في وقت واحد. ثم قال: ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء. هذا شرط؛ ما تكون واحدة هي قضاء لشيء في الذمة سابق. ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت؛ أنه ما تكون العبادة الثانية هي تبع للأولى في الوقت، زي السنة الراتبة مع فرض الظهر، سنة الفجر مع فرض الفجر، فهنا سنة الفجر هي تبع لفرض الفجر صحيح، وراتبة الظهر هي تبع للظهر. قال: عندئذ إذا اكتملت هذه الشروط، عبادتان من جنس، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، وليست إحداهما تبعاً للأخرى، فهو عندئذ يجوز تداخل الأفعال، فافعل الفعل مرة واحدة وانوِ به هذا وانوِ به هذا. ما معنى التداخل هنا؟ أنك تفعل الفعل بصورة واحدة مرة واحدة، وتنوي به أمرين هذا وهذا، واكتفيت فيهما بفعل واحد.
كإنسان مثلاً يريد أن يغتسل غسل الجمعة وغسل الجنابة، ممتاز صحيح، المسنون عند أصحابنا أن تغتسل غسل الجنابة ثم غسل آخر وهو غسل الجمعة، هذا الكمال، لكن لو اغتسلت غسلاً واحداً نويت به الجنابة والجمعة، هل يصح وتأخذ الثواب وتأخذ ثواب الأمرين؟ نعم ما دمت نويتهما يصح ويحصل التداخل. هذا مثلاً في الاغتسالات، هذا معنى قرره بعض الفقهاء في تعليل بعض المسائل، وهذا المعنى الذي هو قضية التداخل أحياناً على شكل قواعد وأحياناً كتعاليل فقهية، أنه قال: ومن دخل إلى المسجد فصلى سنة الظهر أو صلى فرض الظهر، فهذا يجزئ عن تحية المسجد، ثم يعلل قال: لأنهما يقبلان التداخل، فتجد أحياناً يذكرونها كتعليل وأحياناً على شكل قاعدة.
الجهة الأولى في معناها: إذا اجتمع لدى المكلف شيئان لكل منهما فعل مستقل في الأصل، فتنص القاعدة على أنهما إن كانا من جنس واحد وإنما اختلف نوعهما، يعني زي ما حكينا تحية مسجد وسنة راتبة، هذا نوع وهذا، فالجنس تحته أنواع؛ الجنس تحته أنواع صلاة، تحتها أنواع ضحى، استخارة، سنن رواتب وهكذا. طيب وإنما اختلف النوع فقط، فإنه يصح الاكتفاء بفعل واحد، يجزئ عنهما غالباً إذا كان مقصودهما واحداً. ولذا لو اختلف الجنس، يعني صلاة مع صيام، أكيد ما في تداخل بين الصلاة والصيام.
كمن دخل المسجد الحرام مثلاً، هذه قد تكون صورة أكثر معقولية، فوجدهم يصلون جماعة فصلى، فلا تحصل له تحية البيت وهو الطواف؛ لأنه ليس من جنس الصلاة. صحيح، يعني الآن تحية البيت الحرام شو هي؟ الطواف، فلو أنت دخلت المسجد الحرام بدك تروح تعمل التحية وهي الطواف، فأقيمت الصلاة، فالآن أنت ستصلي الفرض مع الإمام، هل نقول تستطيع أن تنوي، أن يكون هذا الفرض يؤدي مقام أيضاً تبعاً له الطواف حول البيت باعتبار أن الطواف حول البيت هو تحية المسجد الحرام؟ هسا لو كانت في مسجد عادي فإن الفرض تجزئ عن تحية المسجد، صح، الفرض تجزئ عن تحية المسجد. لكن لو كنت في المسجد الحرام، هل الفرض صلاة تجزئ عن الطواف؟ أقول لك لا. ليه؟ طيب يا شيخ الطواف تحية، أقول له صح الطواف تحية، يعني تحية مسجد، بس هو من جنس مختلف عن جنس الصلاة؛ الطواف دوران، والصلاة معروفة مختتمة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فلما كانت من جنس مختلف لا نقول إن صلاة الفرض في المسجد الحرام تجزئ عن الطواف اللي هو تحية المسجد الحرام. ممكن أقبل تقول لي تجزئ عن تحية المسجد ركعتين، يعني بقول لك واحد ممكن أنا ما بدي أدخل، هي لا، بس بنقول هسا التحية الرسمية للمسجد الحرام هي الطواف هكذا، التحية الرسمية للمسجد الحرام الأساسية هي الطواف، فصلاة الفرض في المسجد الحرام لا تجزئ عنها؛ ليه؟ لاختلاف الجنس، إنه طبيعة الطواف يؤدى بطريقة مختلفة عن الصلاة فلا تداخل هنا، فما بتقدر تنوي أن صلاة الفرض هي برضو هي طواف حول الكعبة، يعني لا تضبط، مش حتضبط.
قال ولو اختلف مقصودهما فلا تداخل أيضاً. الآن هذه هذا قيد اختلاف المقصود، إذا كان كل عبادة لها قصد خاص بها، تمام إذا كل عبادة لها قصد خاص بها، فحتى لو كانوا من جنس واحد لا يصح التداخل. لكن تحديد أنه هي لها قصد خاص بها أو ليس لها قصد خاص بها، يعني مقصودة لذاتها أو ليست مقصودة لذاتها، هو هنا الصعوبة حقيقة، يعني أصعب شيء في تحرير هذه القاعدة في اعتقادي هو تحرير هذا الباب؛ ما هي العبادة المقصودة لذاتها وما هي العبادة التي ليست مقصودة لذاتها. فهنا مثلاً شوف الخلاف بين الشافعية والحنابلة، قلت لكم مسألة يعني فيها خلاف شديد بين المذاهب. عند الشافعية يقولون لا يجوز أن أطوف طوافاً واحداً في آخر الحج أنوي به طواف إفاضة وطواف وداع، اعتبروا أن طواف الوداع مقصود لذاته، وطواف الإفاضة مقصود لذاته فلا يقبل التداخل. طيب عند الحنابلة يجوز، يجوز أن أطوف طواف الوداع وأنوي به أيضاً الإفاضة؛ لأن الحنابلة اعتبروا طواف الوداع ليس مقصوداً لذاته، وإنما المراد منه فقط أن يكون آخر عهدك بالبيت، فإذا أنت طفت طواف الإفاضة وكان آخر عهدك بالبيت، خلص، فتسقط فكرة طواف الوداع، بس بدك تنويه طبعاً. شوف هي فكرة تحرير ما هو المقصود لذاته وما ليس مقصوداً لذاته، قد تختلف أنظار الفقهاء إلى المقاصد، ومن ثم يختلفون في التداخل. هي احفظها بس يعني هي أساس، تختلف أنظار الفقهاء في تحديد المقصود لذاته من المقصود لغيره، وبالتالي سيختلفون في النتائج المترتبة على ذلك.
اقتصر الإمام ابن رجب في عبارته آنفة الذكر على العبادات، وقيدها بشرطين، قال: ألا تكون إحدى العبادتين مفعولة على جهة القضاء. وعليه فلو اجتمعت صلاة عصر حاضرة مع صلاة ظهر مقضية، فلا يصح الاكتفاء بأحدهما عن الأخرى. تمام، لو اجتمعت صلاة عصر حاضرة وظهر مقضية؛ إيش يعني واحد عليه قضاء ظهر مضى من قبل، والآن وقت صلاة العصر؟ قال: يا عم بدي أصلي صلاة العصر أربع ركعات وأنوي فيها صلاة العصر، وأنوي فيها برضو قضاء الظهر، بنقول له ما بيزبط، لأنه في واحدة منهم معموله على جهة القضاء، في واحدة معموله على جهة القضاء، فما يصلح. بل حتى، بل حتى هو يعني ليش نروح على ظهر مقضية، لو علي قضاء عصر من البارحة والآن أنا وقت صلاة العصر، الآن يعني بدل ما أقول ظهر، شوي بعيد فيها، لو أنا علي عصر البارحة متى تذكرته؟ عصر اليوم، وأنا جاي أصلي العصر اليوم يا أخي تذكرت أني ما صليت العصر البارحة، هل بصير يقول شخص اسمع، خلص بدي أصليها، يا زلمة عصر عصر، مش هي عصر وهي عصر؟ أصليهم؛ أصلاً عند الحنابلة لا يشترط نية القضاء صح ولا الأداء، ممتاز، هي مشت كل الأمور، بصلي هالاربع ركعات عن عصر اليوم وعن عصر مبارح، بقول ما بيزبط؛ ليه؟ في واحدة مفعولة على جهة القضاء، خلص، أي واحدة مفعولة على جهة القضاء ما يصلح التداخل فيها.
الثاني عند ابن رجب: ألا تكون إحداهما تبعاً للأخرى، فلا يصح مثلاً أن يصلي الفجر ركعتين ينوي بها سنة الفجر أو فريضة الفجر؛ ليه؟ لأنه في واحدة هي طبيعتها تبع للأخرى، سنة الفجر هي تبع لصلاة الفجر، لفرض الفجر.
وعبارة السيوطي وغيره لم تقيد القاعدة بالعبادات، بل قد يفهم منها أن القضية هذه قد تكون في العبادات وفي المعاملات؛ يعني يمكن أن يأتوا ببعض التطبيقات للتداخل في بعض المعاملات أو ما شابه ذلك، ننظر إذا كان في شيء. بالتالي حقيقة هنا صار في ثلاث ضوابط مهمة لتطبيق القاعدة وهي قضية أن يكون، إذا كانت كلا العبادتين كل واحدة مقصودة لذاتها، لا تقبل التداخل، حتى أنت تختصر على نفسك. والقضية الثانية إذا كانت إحدى العبادتين مفعولة على جهة القضاء لا تقبل التداخل. والشرط الثالث إذا كانت إحدى العبادتين تبعاً للأخرى، فالأصل أنها لا تقبل التداخل. ممتاز، هذه القواعد الثلاث لعدم التداخل، الأصل غير كذا أن التداخل مقبول إذا كانوا من جنس واحد.
نذكر شيئاً من أدلة هذه القاعدة، قال حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما حاضت قبل أن تطوف للعمرة، ثم إنها طهرت وأهلت بالحج وأدت المناسك كلها، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام يوم النفر، النفر يعني لما نفروا وخرجوا الآن، أرادوا الخروج من مكة تجاه المدينة، قال: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك». الآن إخواني عائشة الله يرضى عنها في النهاية كيف حجت أي نوع من أنواع الحج؟ تمتع ولا إفراد ولا قران؟ فكرة حج القران هي تقوم على التداخل، صحيح أنه هو حج وعمرة في نفس الوقت، وأنه طواف الإفاضة وسعي الإفاضة هو طواف لعمرة وسعي لعمرة، هذه صورة القران، ولذلك عمرة القران هي داخلة في الحج وتسقط عمرة الإسلام عنك، لكن هي صورتها أن طواف الإفاضة وسعي الإفاضة هو طواف العمرة وسعي العمرة، تمام هذه صورة القران. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لعائشة: «يسعك طوافك بالبيت وسعيك بينهما لحجك وعمرتك»، خلص عنهم، فأبت سيدتنا عائشة، بدها يا رسول الله عمرة خاصة، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم مع عبد الرحمن اللي هو أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر، فاعتمرت بعد الحج. ووجه الدلالة أنه جعل طوافها مجزئاً لها عن طوافين، عن طواف الحج وطواف العمرة، وأجمع العلماء على بعض فروع القاعدة مما ستراه قريباً.
ويدل عليه النظر أيضاً إلى المقاصد، فإن الأمر بالشيء يدل على ثبوت مصلحة، فإذا اجتمع مأموران من جنس واحد، فالمصلحة متحققة بفعل أحدهما، فساغ الاكتفاء بفعله حتى لا يكون أحياناً تكرار ليس مقصوداً للشارع، زي مسألة مثلاً من استيقظ من نوم ليلاً، نقض للوضوء، فغسل كفيه ثلاثاً قبل ما يتوضأ، خلص الأصل أن هذا يجزئ عن الاستيقاظ وعن الوضوء وهو الغسل، صحيح؟ الحنابلة من باب الكمال، للكمال بقول لك اغسل إيديك ثلاثاً بعدين ارجع اغسل إيديك ثلاثاً، لكن هو بيقول لك منطق المسألة الأصل أنه يجزئ ثلاث مرات أنوي فيها لأني استيقظت من النوم وأنوي فيها سنة الوضوء، بتأدي الغرض يعني نعم.
الجهة الثالثة في ذكر بعض فروع القاعدة: من كان عليه حدثان أصغر وأكبر فاغتسل ناوياً رفع الحدثين، فالأصل أن هذا يقبل التداخل ويرتفع الحدثان وكفاه ذلك. قال ابن عبد البراء: المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع جسده فقد أدى ما عليه، وهو إجماع لا خلاف فيه بين العلماء إلا أنهم أجمعوا.
على استحباب الوضوء قبل الغسل، طبعا هو إجماع، لكن اختلفوا في طريقة التداخل. فعند الحنابلة لازم تنوي الوضوء مع نية الغسل، وعند غير الحنابلة أو بعض الفقهاء الآخرين لا، عندهم الغسل يؤدي عن الوضوء ولو لم تنوِ الوضوء. إمكانية التداخل متفق عليها، لكن تفاصيلها عند الحنابلة أن شرط التداخل أن يكون مجزئًا، أن تنوي الوضوء مع نية الغسل، وغير الحنابلة أو بعض الفقهاء الآخرين يقولون لك: لا، حتى لو نسيت أن تنوي الوضوء، نية الغسل تكفي. إذاً فيه خلاف في التفاصيل، لكن الاتفاق على القدر المشترك.
مثلاً إذا تعدد موجب الغسل، شخص أم امرأة عندها حيض وجنابة، سببين للغسل بسبب جماع مثلاً، أو انتهت من الحيض تمام، أو مثلاً احتلام؛ ففي هذه الحالة إذا كان عليها حيض واحتلام، ففي سببين للغسل. أسباب الغسل وكذلك أسباب الوضوء تقبل التداخل، فيكفي غسل واحد عن هذين السببين، كفاه غسل واحد عند المذاهب الأربعة، وإن كان هذا المثال أنا لا أحب ذكره هنا؛ لأن هنا التداخل ليس في نفس الفعل وإنما في أسبابه، التداخل حصل في الأسباب، أنه خلص واحد ناقض للوضوء عنده خمس نواقض للوضوء ارتكبها، خلص بكفيه وضوء واحد عن الخمسة. هنا التداخل أين حصل؟ هو صورة التداخل أنه الأصل أن هذا له وضوء، وهذا له وضوء، وهذا له وضوء، وهذا له وضوء، فأنت توضأت وضوءاً واحداً عن الأسباب. هنا نقول التداخل حقيقة هنا في الأسباب، وهو كلام صحيح مش خطأ، بس أنا بعتقد أن قاعدة الاهتمام ينبغي أن تكون في تداخل صور العبادات نفسها، أنه عندي صلاة هيك وصلاة هيك أعمل صلاة واحدة، بغض النظر عن الأسباب.
لكن المثال أيضاً صحيح، لا إشكال فيه، لو دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلى معهم كفته عن تحية المسجد عند المذاهب الأربعة، كفاه عن تحية المسجد عند المذاهب الأربعة. لكن هل يحصل ثواب تحية المسجد إذا لم ينوها؟ نعم، الأصل أنه لا يحصل إلا إذا نواها. القارن يكفيه عن حجه وعمرته طواف واحد، طبعاً مسائل النيات هنا فيها دقة عالية في مسائل التداخل، يعني فيها برضه إشكال وفي بعض المسائل غير محررة تمام التحرير بس للفائدة، القارن يكفيه عن حجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد في قول أكثر الفقهاء، وحكي إجماعاً عن الصحابة؛ زي ما حكينا القران هو عبارة عن حج وعمرة مرة واحدة. ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر إذا تكرر قبل إقامة الحد أجزأ حد واحد، هي نفس فكرة تكرر الأسباب؛ هذه كثير عندنا أنه من جامع في نهار رمضان في يوم منه ثم كفر، فإذا جامع في نفس اليوم مرة ثانية في كفارة ثانية، بس إذا جامع في اليوم مرة ومرتين وثلاث وأربع في نفس اليوم وما كفر بينهم، كفارة واحدة تجزئ للجميع، بخلاف ما لو جامع اليوم بعدين جامع بكرة، لا كل يوم يعتبر سبب مستقل له كفارته المستقلة.
فهنا مثلاً شخص زنى مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، بعدين أمسك، لما يقام عليه الحد كم حد يقام عليه؟ حد واحد، بنجلده مئة عن كل الزنيات اللي اكتشفناها، بس إذا مسكنا عليه زنية فجلدنا مئة، بعدين زنى مرة ثانية وأخذنا مئة جديدة. فهو يقول لك أسباب الحدود أسباب الكفارات تقبل التداخل، ولذلك عندنا في المذهب من حلف أيماناً كثيرة ثم أراد أن يكفر، حنث فيها جميعاً ثم أراد أن يكفر كفارة يمين، هون أنتم راح تستغربوا من سعة الحنابلة، قالوا كفارة يمين واحدة بتكفي عن الكل؛ يعني حلف والله ما بدرس، اليوم الثاني حلف والله ما باكل، اليوم الثالث حلف والله ما بروح على الجامعة، اليوم الرابع حلف والله ما... حلف عشر أيمان، وحنث فيها كلها، رجع له ضميره بده يكفر كفارة يمين، كم كفارة يمين؟ كفارة يمين واحدة، لأنه بيعتبروا اليمين جنس تحته أنواع، حتى لو بتختلف أسبابها بس خلص بيعتبروا أنه هي كلياتها بترجع لليمين، فحلف اليمين وبالتالي كفارتها واحدة.
طبعاً ذكرت لي أحد الأشخاص قلت له ذلك قال لي: يا شيخ هذا غريب، والله أنتم مذهب... كيف يعني أنا حلفت 15 يميناً، 30، 40 يميناً في حياتي بس خلص كفارة يمين واحدة؟ طبعاً أنا قلت له: نعم، أنت المذهب كذا ما لم تكن حيلة، ينبغي أن تقيد؛ يعني إذا الأصل الكفارة على الفور، وأنت بدك تكون متناسق مع مذهبك، الأصل لما حلفت أول يمين وحنثت الكفارة على الفور، فتأخيرك للكفارة هو إثم، عاد إلا إذا نسيتها، لكن تأخيرك مع القدرة هو إثم. فانت إذا رحت عملت يمين ثاني وثالث ورابع وكنت تؤخر، هسا أنت آثم على التأخير، بس كنتيجة نهائية هي كفارة واحدة. طيب إذا كان يتقصد هذا الموضوع حتى تظلها كفارة واحدة؟ قال لك: أنا علي كفارة واحدة خليني أظني... آخرها آخرها آخر عمري بعملها، ليش أظني كل الأيمان اللي في عمري... أولاً أنت هل بتضمن تعيش لبكرة؟ هل أحد منكم يضمن أن يعيش؟ إذا لقيت الله عز وجل ستضمن الله بـ 30، 40، 50 يميناً؟ ما في واحد يراهن على موضوع لقاء الله عز وجل، لأنه هذه قضية في لحظة تحصل، تموت في لحظة، هذا العاقل اللي بيحسب حساب الآخرة.
لكن أنا بس من ناحية فقهية لو كان يقصد الفرار، هل سنعامله نفس المعاملة ولا سنطبق قاعدة الفرار التي مرت معنا، أنه من زي الزكاة وغيرها، أنه إذا أراد الفرار يعامل بنقيض مقصوده، وبالتالي نضاعف عليه الكفارات؟ هذا أنا ما وجدت شيئاً في ذلك حقيقة، لكن أفتح مساحة للتفكير الفقهي ويمكن نقول لا، يعني هنا لا نعمل قاعدة يعامل بنقيض مقصوده، ولكن الله عز وجل يحاسب على قضية تأخيره للكفارة ممكن. وثمت مسائل كثيرة في محل هي محل اختلاف بين الفقهاء، ومحلها في كتب الفقه، لذلك الشيخ اختصر على أبرز المسائل.
الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان، هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية وقد ورد في بعض كتب الحنفية بهذا اللفظ، وذكرها السرخسي والكاساني وابن الهمام بلفظ الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة، يعني الشيء الذي ثبت بالبينة مع أني أنا ما شفته، كأنه أمامي، خلص كأني شفته. المراد من هذه القاعدة أن ما ثبت بالبرهان بالبينة الشرعية عند القاضي كالإقرار والشهادة، هو قائم مقام ما ثبت بالعيان من حيث الأحكام المترتبة عليه، فكما أن المشاهد المحسوس لا يسوغ مخالفته، فكذلك ما ثبت بالبينة الشرعية لا تسوغ مخالفته، ولا تختلف البينة عن المشاهدة إلا في أمر واحد أشار له الشيخ أحمد الزرقا، فقال: يفترق ما ثبت بالبينة عما ثبت بالحس والمشاهدة في شيء واحد، وهو أن ما كان قائماً مشاهداً لا تسمع دعوى ما يخالفه، ولا تقام البينة عليه ولا على الإقرار، كما إذا ادعى على آخر أنه قتل مورثه وهو حي، أنا ادعيت أنك قتلت أبوي وأبوي حي، هي موجود، نقول هذا لا يقبل هذه الدعوى، أو أنه قطع يده واليد موجودة.
بخلاف ما كان أمراً منقضياً وثبت بالبينة، فإنه تسمع الدعوى بما يخالفه، كما إذا ادعى عليه ديناً مثلاً فأثبته بالبينة، فادعى عليه المدعى عليه أنه أقر بأنه لا شيء له عليه؛ يعني أنا استطعت أثبت ادعيت أني بدي منك 15000 دينار استطعت أثبت هذا الدين بالبينة، هنا يستطيع المدعى عليه أنه يرفع دفعاً، يأتي هو بقضية أخرى يقول أنا بدي أرفع قضية أدعي فيها أن الشيخ أقر بأن لا شيء عليه، بدي أدفع فيها التهمة عن نفسي، فهنا هل تسمع؟ نعم تسمع. فهو يقول لك من الفروق بين المشاهدة بالعيان وبين البينة ما هي؟ قال الشيخ: يفترق ما ثبت بالبينة عما ثبت بالحس والمشاهدة في شيء واحد، ما كان قائماً مشاهداً لا تسمع دعوى ما يخالفه، فإذا واحد قال أنا بدي أدعي أن هذا قتل أبوي جاء أبوه، فبده المدعى عليه يقول لا أنا بدي أرفع دعوى ضده، أنا ما قتلت، بنقول له في داعي ترفع دعوى ضده مو هي موجود أبوه، في داعي يصير في دفوع؟ لأنه الأب موجود، لكن ما ثبت بالبينة، أنا أثبت بالبينة أني بدي منك 15000، لا هنا أنت بتقدر تثبت، أه بتقدر تدعي أنت كطرف آخر أني بدي أرفع دعوى مقابلة، أن فلان أقر أنه لا شيء له عليه، وحكى أنه أنا ما بدي منك شيء، كيف الآن بثبت أنه بده مني؟ فهنا بتصير مسألة سموها الدفوع القضائية، أنه أنا رفعت دعوى وأثبتها، بيجي المدعى عليه بيرفع دعوى أخرى ضد قضيتي. قال فهذا في باب البينات يقبل حتى ولو ثبتت بينة في الدعوى الأولى، يقبل الدفع القضائي للطرف الآخر، أما في باب المشاهدات لا تقبل، إذا شيء ثبت مشاهدة لا تقبل مدافعة عليه، خلص هو ثابت بالمشاهدة.
في ذكر بعض أدلتها، يدل على القاعدة قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَثُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾ [البقرة: 282]. يعني كل النصوص التي تدل على قضية الشهادة واعتبارها شرعاً هي دليل على القاعدة، والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فالله سبحانه وتعالى نزل الشهداء منزلة العيان في بناء الحكم على أقوالهم، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». فلو لم تكن البينة قائمة مقام معاينة لما صح الاحتجاج بها شرعاً. ذكر بعض فروعها الفقهية، يدخل تحت كل ما ثبت بالبينة فحكم به القاضي، فمن ذلك من أقر على نفسه بدين فقد ثبت عليه وألزم بأدائه، كما لو كان القاضي رآك وأنت تداين، الشهادة تقوم مقام معاينة، أو أقر بشرب الخمر، طبعاً البينة إخواني البينة قد تكون شهادة وقد تكون إقراراً، هنا في هذا المقام البينة قد تكون شهادة أو تكون إقراراً من المدعى عليه، أقر شخص بشرب الخمر، خلص حد حده، أنا ما شفتك كحاكم بس إقرارك يقوم مقام أني شفتك. ومن سرق فشهد عدلان عليه بذلك عند القاضي قطعت يده بشروط السرقة، ومن قذف آخر فشهد عدلان عليه بذلك عند القاضي حد القذف بشروطه.
قاعدة العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها، فهل هي كالمعدومة حكماً أو لا؟ العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها، فهل هي كالمعدومة حكماً أو لا؟ هذه ممكن عليها أمثلة كثيرة، منها قضية ما نذكره في الحج في محظورات الإحرام، أنه إذا كان الطبيخ فيه طيب؛ أنا طبخت طبخة وحطيت فيها طيب، زعفران، فالآن الحنابلة ماذا يقولون؟ إذا طبخ طيب في الطعام زي زعفران وضع في الطعام، فهل إذا أكل منه المحرم نعتبره ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام لأنه أكل شيئاً فيه طيب؟ ايش قال الحنابلة؟ قالوا إذا ظهر طعم الطيب، فهنا نعم تعتبر ارتكبت محظوراً بأكلك للطعام المطيب، إذا دخل الطيب واستهلك وانغمر ولا يظهر له أثر، ففي هذه الحالة أنت لا تعتبر ارتكبت محظوراً من المحظورات، فهذا مثال، بس يعني العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها زي ما حكينا الطيب استهلك وما عاد له طعم في داخل الطعام، يعني ليس له طعم مميز، هل هي كالمعدومة حكماً أو ليست معدومة حكماً؟ هي عيناً موجودة بس حكماً، هل هي في حكم المعدوم ولا في حكم الموجود؟ فيقول المراد من شيء إذا انغمر في شيء آخر كان يكون سائلاً كما انغمرت فيه نجاسة هل لا يبقى لها أثر فيه، أو يكون الشيء جامداً كثمرة فاختلطت بغيرها حتى لا يمكن تمييزها عنها أو نحو ذلك، فهل نعتبره كالمعدوم حكماً لعدم بقاء أثره أو لا؟ فيه خلاف، ولهذا صاغ ابن رجب القاعدة بصيغة الاستفهام لعدم الجزم، وأن الفروع متباينة، فمثلاً الماء إذا استهلكت فيه النجاسة حتى لم يبقَ لها أثر، فإذا كان كثيراً يعني قلتين فصاعداً شو بنقول؟ خلص ما في أثر لأي لون أو طعم أو رائحة فهو طهور، فالمذهب عند الحنابلة والشافعية الحكم بسقوط حكمها.
وأما إن كان يسيراً دون قلتين، وقعت فيه قطرة بول، هي وقعت وانغمرت وراحت واختفت، أنا مش شايفها، هل هي في حكم المعدوم ولا في حكم الموجود؟ في حكم الموجود، فيحكم على ما دون قلتين بأنه نجس ولو لم يظهر أي أثر للنجاسة بخلاف القلتين فصاعداً. الماء المشوب بالماء المنغمر فيه، هل يثبت به حكم تحريم الرضاع؟ وفيه وجهان، يحرم إن كانت صفاته باقية، أنا ما أظن أن الماء المشوب، اللبن أظنها اللبن المشوب بالماء المنغمر فيه، تمام؛ يعني لو أن امرأة أخرجت لبنها وغمر بماء، يعني وضعنا فيه ماء، ثم وضعت هذا اللبن تبعها في إبرة أو في كأس وسقته للطفل الرضيع، هل يثبت به حكم؟
الرضاع أو لا، فماذا قال؟ والمذهب عند الحنابلة أنه اللبن المشوب بلبن المرأة، إذا كان مشوباً بماء، دخل في لبن امرأة جمعت لبنها وأخرجته من ثديها ووضعته في وعاء، وأضافت فيه ماء من الخارج ثم سقته للطفل الرضيع بأي وسيلة، هل يحرم من الرضاع؟ قال فيه وجهان، والمذهب أنه يحرم إن كانت صفاته باقية.
لو حلف لا يأكل شيئاً فاستهلك في غيره ثم أكله، فالمذهب عند الحنابلة لا يحنث، هي زي مسألة الحج بالضبط، لو قلت: والله ما بآكل جوزة الطيب، فراح واحد طبخ لك طبخة منسف ولا مندي وحط لك فيها جوزة الطيب بس استهلكت يعني طعمها مش مبين، هل تحنث أنك أكلت هذا الطبيخ أو المنسف أو الذي فيه جوزة الطيب؟ قالوا: لا يحنث. قلت لكم الحلف لا يأكل الزعفران فشرب قهوة قد استهلك فيها الزعفران حتى لا يبقى له أثر، لا يحنث. اكتب نفس مسألة الحج من المسائل الشبيهة أو المهمة هنا ممكن تذكرها أيضاً مسألة الجلالة.
إذا أكلت الجلالة، وهي الدجاج أو البقر أو الخيل الذي يأكل النجاسة، هسه النجاسة دخلت في معدتها، في معدة الدجاجة، هل يجوز أن أذبح هذه الدجاجة وآكلها أو آخذ البيض تبعها أو إذا كانت غنمة أو بقرة آخذ لبنها؟ من تغذى على نجاسة من الحيوانات، شوف كيف قالوا الفقهاء الحنابلة وغيرهم، في أول ثلاثة أيام ما بصير تقربها، ليه؟ لأنه لسه النجاسة ما استهلكت فيها، هي صحيح النجاسة جواها مش مبينة بس النجاسة ما استهلكت، قالوا شو حلها هذه؟ قالوا حلها أنك تحبسها في مكان ثلاثة أيام وتطعمها طعاماً طاهراً حتى نتأكد من أن النجاسة استهلكت، عندئذ تعتبر كالمعدومة، مع أنه ممكن تكون دخلت في شيء من خلايا الجسم أو شيء الله أعلم، بس نحن قلنا أنه نسارع إلى إزالة هذه النجاسة الموجودة جوا معدتها، ثلاثة أيام تجعلها في حكم المعدوم، تجعلها في حكم المعدوم إذا حبست في مكان لمدة ثلاثة أيام وأطعمتها طعاماً طاهراً.
قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام. أصل هذه القاعدة أثر يروى عن ابن مسعود أنه قال: ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال. لكن عند الإمام البيهقي رواه جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود، وجابر الجعفي ضعيف، والشعبي عن ابن مسعود منقطع، وإنما روى غيره معناه عن الشعبي من قوله غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود، هنا كلمة المرفوع بمعنى الموقوف، ثم ذكرها عدد من أهل العلم في كتب القواعد الفقهية، وذكرها بعضهم تعليلاً لبعض المسائل، وهذه قاعدة مشهورة جداً ولها تطبيقات كثيرة عند أصحابنا، إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام، مثل كما قلنا المتولد من زواج كلب مع شاة، مش قلنا يغلب جانب الحظر؟ فنقول: لا يجوز أكله، وقس عليها المتولدات من زواجات حيوان محرم وحيوان مباح في قضية البغل وغيره، لا يجوز أكلهم.
هذه القاعدة لها نظر أصولي، وهو نظر إلى الترجيح بين دليلين متعارضين، أحدهما يقتضي تحريماً والدليل الآخر يقتضي إباحة، فيعبر الأصوليون عنها: إذا تعارض الحاضر والمبيح يقدم إيش؟ الحاضر، أو يعبرون عنها: المحرم والمبيح يقدم المحرم، كلها عبارات متقاربة في باب أصول الفقه، فالجمهور يقدمون الحاضر، وقليل هم الذين يقدمون المبيح، وأقل هم الذين يقولون بالتساوي.
والثاني نظر فقهي، الفقيه ينظر في محل اجتمع فيه حل وحرمة كالحيوان المتولد، يعني زي ما حكينا حصل زواج بين حيوان مأكول وحيوان غير مأكول، فأي الحكمين يغلب؟ الأصل عند أصحابنا يغلب الحظر، ومن ثم ذكرها جماعة في كتب القواعد الفقهية باللفظ المذكور، وتفيد القاعدة المذكورة وجوب الامتناع في هذه الحال عند جمهور أهل العلم، تغليباً لجانب الحرام لما سيأتي من دليل وتعليل.
وخص الشافعية الحلال في القاعدة بالمباح فلا يدخل فيه -يعني كلمة إذا اجتمع الحلال هذه كلمة تعتبر فضفاضة- الأصل أن كلمة الحلال ممكن تشمل حتى الواجب؛ لأن الواجب حلال والمندوب حلال والمباح حلال، بس هنا يقول لك خص الشافعية كلمة الحلال هنا يعني زي كلمة المأذون فيه زي كلمة الجواز، كلمة الجواز تشمل المباح والمندوب والواجب أن كلها جائزة، وإن كان هذا جائز وواجب وهذا جائز، بس هنا يقول الشافعي خص كلمة الحلال بالمباح فلا يدخل فيه الواجب؛ إذ أن الحلال يطلق تارة بمعنى المباح وتارة بمعنى غير الحرام، وما كان غير حرام قد يكون واجباً وقد يكون مندوباً وقد يكون مباحاً، فأحياناً يطلق الحلال على المعنى الخاص، وأحياناً يطلق الحلال على معنى أوسع، وخالف الحنفية فاعتبروا الواجب داخلاً تحت كلمة الحلال في هذه القاعدة.
وطبعاً هو إيش أثر هذا الكلام؟ إذا قلنا إذا تعارض الحلال مع الحرام يقدم الحرام، إذا قلنا الواجب داخل في مفهوم الحلال، إذاً أنت بتحكي أن الحرام يقدم على الواجب إذا تعارض وجوب مع تحريم يقدم التحريم، أما إذا قلنا أن كلمة الحلال هنا لا خاصة بالمباح فقط، هنا معناها إذا تعارض مباح مع حرام يقدم الحرام، لكن إذا تعارض واجب مع حرام بتكون القاعدة ما تكلمت عن هذه المسألة، فتحرير هل الواجب داخل في مفهوم الحلال أو غير داخل مهم، ومحل العمل بالقاعدة عند عدم تمييز الحلال عن الحرام، أما إن أمكن تمييز وفصل الحلال عن الحرام انتهى.
في ذكر دليل القاعدة، أثر ابن مسعود السابق يعتبر أساساً، مما يدل على القاعدة أيضاً حديث النعمان بن بشير: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ». وظاهر هذا الحديث تغليب الحرام عند الاشتباه، أنه اترك، وحديث الحسن بن علي: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»، يدعوك أنه إذا اشتبه الحلال مع الحرام أنه اترك، وحقيقة حتى نكون دقيقين فعلاً ظاهر أن كلمة الحلال هي مراد بها المباح بالتحديد.
حديث عدي بن حاتم قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي عن الصيد فقال: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ»؛ لأنه فيه شبهة هل أمسك على نفسي ولا لا، قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر، قال: «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ». فمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من الأكل حال الاشتباه في كون الصيد مات بكلبه أو بكلب آخر تغليباً لجانب الحظر، أيضاً تغليب الحرام أحوط، وترك المباح أهون؛ أي أني أترك مباحاً أهون من أني أقع في حرام؛ لأن التحريم إنما ورد لدفع مفسدة، بس هذا طبعاً إذا فسرنا الحلال بأنه المباح بالتحديد، وعناية الشرع والعقلاء بدفع المفاسد أشد من عنايتهم بتحصيل المصالح.
وهذه نفس يعني فيها برضو كان نقاش نوع من هي القاعدة أو هذا التعليل في ذكر بعض فروعها الفقهية، إذا رمى صيداً وهو يطير فأصابه فسقط على جبل ثم سقط منه على أرض فمات، ولم يدرِ أمات من الرمية أو من التردي من الجبل، فلا يحل أكله تغليباً لجانب الحظر، وأنه يمكن أن يكون مات بسبب التردي من الجبل وليس بسبب الرمية. ولو اشتبهت أخته بأجنبيات محصورات لم يحل له نكاح أي واحدة منهن، وهذا مر معنا في أصول الفقه، اشتبهت أخته بأجنبية يغلب جانب الحظر. إذا أكل الكلب المعلم من الصيد في موضعه لم يحل عند الحنفية والحنابلة وهو الأصح لاحتمال أنه عند الشافعية لاحتمال أنه صاده لنفسه. الحيوان المتولد المأكول وغير المأكول كالبغل المتولد من الخيل والحمار الأهلي لا يحل تغليباً لجانب الحرمة، وحكي عليه الإجماع.
بعض ما يستثنى من القاعدة، إذا كان الثوب منسوجاً من حرير وكتان على التساوية فالمذهب عند أصحابنا معه قال فهو مباح على الأصح عند الشافعية، وقال الحنابلة إذا استوى الحرير والكتان إذا استويا ظهوراً ووزناً حل، تقبل، فهنا لم يغلب الحرام على الحلال بل غلب الحلال على الحرام. تقبل هدية من في ماله حلال وحرام الذي هو صاحب المال المختلط، تقبل هديته، يجوز التعامل معه؛ لأنه لم يعلم أن الهدية من عين ماله المحرم أو من عين ماله الحلال، فنغلب جانب الحل، لكن إذا كان كل ماله حراماً لا يجوز أقبل هديته ولا أتعامل معه ولا شيء.
نفس الشيء إخواني لو كان الشغل الذي بشتغل فيه فيه شيء حلال وفيه شيء حرام، هنا بالعكس، هنا يغلب جانب التحريم فما بصير تشتغل، يعني فرق بين أتعامل مع شخص ماله حلال وحرام وبين أنه يكون الشغل الذي أنا بشتغله فيه حلال وحرام. في شخص بيشتغل كاشير في محل بيع دخان، هسه هذا الشغل فيه حلال وفيه حرام، منقول ما بصير تشتغلوا، واحد بيشتغل في بنوك ومؤسسات بيعمل أشياء حلال وبيعمل أشياء حرام، لا هنا يغلب جانب الحرام، أقول لك هنا العمل حرام؛ لأنك تعمل بالحلال والحرام، بخلاف التعامل مع من عنده مال حرام وحلال في شيء كله حلال، أتعامل مع شخص عنده حلال وحرام في أمر بينه وبينه كله حلال، فهنا يكون مكروهاً، فهمتم الفرق بين البابين؟ لأنه بعض الناس بيخلط بين المسألتين.
لو رمى صيداً وهو في الهواء فسقط على الأرض فما حل أكله، وإن وجد احتمال أنه لما سقط على الأرض مباشرة، شو الفرق بينه وبين المثال السابق؟ في المثال السابق سقط على جبل ومن الجبل وقع على الأرض فإذن تأثير الوقوع من الجبل على الأرض فعلاً له قيمته، أما هون أنا عملت بالخرطوش على حمامة وقعت على الأرض، رحت شفتها لقيتها ميتة، هسه في احتمال ذهني أن تكون ماتت بسبب ضربة الوقعة، ممكن أنه مش من الخرط من حمى الوقعة، بس هذا الاحتمال ضعفوه قالوا أنه غير هيك ما راح يزبط الصيد أصلاً، فنغلب جانب الحلال وأنها ماتت بسبب الخرطوش وليس بسبب السقوط المباشر على الأرض؛ لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز منه، ولاحظ أنه إذا ضاق الأمر برضو هنا إيش اتسع، في تداخل لقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع.
قاعدة 25: الخروج من الخلاف مستحب. هذه القاعدة ذكرها ابن السبكي وفصل فيها وأجاد، وذكرها غيره من كتب في القواعد وكثر التعليل بها في كتب الفقه. الجهة الأولى في معناها، تفيد القاعدة أنه في حال وقوع الاختلاف بين أهل العلم في مسألة على قولين، قول بالتحريم والمنع وقول بالإباحة، فالترك مع اعتقاد الإباحة أولى؛ إذ فيه خروج من الخلاف، وأيضاً لو كان الخلاف بين قائل بالوجوب وقائل بالاستحباب أو الإباحة، فالفعل مع عدم اعتقاد الوجوب خروجاً من الخلاف أولى، يعني واحد قال أنه هذا واجب وواحد قال لك مباح، يا أخي حتى لو تعتقد أنه مباح اعملها خروجاً من الخلاف، تمام حتى مثلاً مسألة غطاء الوجه، ناس تقول بالوجوب وناس تقول بالاستحباب، يعني حتى لو كنت تؤمنين بالاستحباب يا أخيتي اعملي، ما دام الخلاف قوي جداً مثلاً إذا أنت شايفته قوي جداً، وإن كان القول بالوجوب أظهر، لكن لو قلنا الخلاف قوي جداً يا أخي احتاط لدينك خذ بالوجوب اليس كذلك؟ لأن الأخذ بالأحوط رفع عن نفسه التكلفة أخذ بالأقل وزيادة، لكن اللي أخذ بالأقل لا يضمن، وإن كان في النهاية معذور إذا كان متبع العلم.
في ذكر شروط العمل بها، العمل بهذه القاعدة ليس على إطلاقه عند الفقهاء، ولذا فقد يتركونه في بعض المسائل، ومن ثم ذكر الأئمة للعمل بها شروطاً، الشرط الأول: أن يؤدي الخروج من الخلاف إلى محظور شرعي من ترك سنة ثابتة أو اقتحام أمر مكروه أو نحو ذلك، مثله ابن السبكي بمسألة فصل الوتر، فالمذهب عند الشافعية والحنابلة أن فصل الوتر أفضل من وصله، ومنع الإمام أبو حنيفة الفصل، وهو الأفضل في وجه عند الشافعية، فلا يقال الأخذ بالوصل أفضل، منع أبو حنيفة منع الفصل تماماً، فلا يقال الأخذ بالوصل أفضل خروجاً من الخلاف؛ لأنه إذا أخذت بقول أبي حنيفة أنا إذا أخذت بقول أبي حنيفة ومنعت الفصل فأنا أضيع سنة.
يعني الآن من صلى الوتر ثلاث ركعات أيها أفضل عند الحنابلة؟ أن تصليها الثلاثة موصولة ولا ركعتين بعدين ركعة؟ ركعتين بعدين الركعة هي نعتقد أنها الأفضل والسنة، فإذا أنا بدي أخذ أنه أبو حنيفة يا أخي منع صورة ركعتين ركعة قال تصلى كلها وصل، هل نقول خروجاً من الخلاف نأخذ بقول أبي حنيفة وبنصليها كلها موصوله؟ نقول ما بزبط هون ليه؟ لأنه إذا أخذت بقول أبي حنيفة بصورة مستمرة أنا فعلياً إيش فعلت؟ تركت سنة أعتقد أنها سنة وأفضل عندي بصورة مستمرة، فإذا كان خروجك من الخلاف يؤدي إلى تضييع سنة فلا تخرج من الخلاف.
أن يقوى هناك شرط ثاني إخواني أيضاً وهذه مهم جداً، الشرط أن يقوى مدرك الخلاف. والمراد بمدرك الخلاف يعني أن يقوى السبب الذي يقوم عليه الخلاف، ومأخذ الخلاف، المدرك عن المأخذ، فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدوداً من الهفوات والسقطات لا من الخلافات المجتهدة، يعني إذا كان القول المخالف شاذاً، زي المعازف اليوم، حتى على فرضية أن ابن حزم قال بإباحتها جميعاً وإن كنت أجل ابن حزم عما نراه اليوم.
من أنواع الفساد، لكن لو فرضنا أن آلات اللهو اليوم قد يكون فقيه معين قال بجوازها، لكن هذا قول شاذ؛ وبالتالي أنت لست شاكرًا لنفسك أنك تخرج من الخلاف وتأتي لتقول بحرمة المعازف أو تعمل به، بل الأصل أنك تترك القول الشاذ وتقول بحرمة المعازف وتبتعد عنها.
وكذلك إذا كان قول في مساحة أخرى، يعني أنا عندي رأي معين والقول الآخر شاذ في مسائل غير هذا النوع؛ وهنا هذا القول الشاذ لا أقول: والله أريد أن آخذ به اعتبارا حتى لا أضيعه، نقول لك: لا، لا تأخذ به لأنه شاذ تماماً ولا ينبغي اعتباره. مثل بعض الأقوال الشاذة التي تنجس المياه بأدنى شبهة، فهل أقول: والله مراعاة للخلاف خلاص أريد أن أترك هذه المياه ولا أتوضأ بها؛ لأنه يوجد فقيه في القرن الخامس الهجري لحاله حكم بهذا؟ لا أخي، لا يزبط؛ لأن رأي هذا الفقيه في تنجيس الماء شاذ، فأبقى أستعمل هذا الماء. أما إذا كان الخلاف معتبراً وقوياً، ساعتئذ أقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك في باب المياه وفي النجاسات وفي غيرها.
ومثل له بدر الدين الزركشي بالرواية المنقولة عن الإمام أبي حنيفة في بطلان الصلاة برفع اليدين؛ فلا يقال: يترك رفعهما؛ لأنك تعرف عند الحنفية رفع اليدين فقط في تكبيرة الإحرام، أما عند الركوع والرفع من الركوع فلا يوجد رفع يدين. ففي رواية نقلت -الله أعلم- أن أبا حنيفة يقول: تبطل الصلاة برفع اليدين، فأقول: خلاص إذاً أريد أن أترك رفع اليدين في الركوع والرفع من الركوع خروجا من الخلاف؟ لا، فإن تلك الرواية عن الإمام أصلاً أنكرها البعض، وفي تقدير ثبوتها لا يصح لها مستند، والأحاديث الصحيحة في البخاري ومسلم عن ابن عمر وغيره تدل على الرفع عند الركوع والرفع من الركوع.
ذكر دليل القاعدة أولاً الإجماع المحكي، حيث قال النووي -عليه رحمة الله-: العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه -هذا قيد- إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر، وهذا يمكن نعتبره قيداً آخر؛ أنه لا يصح أن أقع في خلاف في مسألة أخرى خروجاً من الخلاف في مسألة، وهذا ينتبه له. عموم أدلة مشروعية الاحتياط والاستبراء للدين، القول بأن الخروج من الخلاف أفضل ثابت من حيث العموم، واعتماده من الورع المطلوب.
بعض الفروع: أجاز الحنفية أن يحج المرء عن غيره قبل حجة الإسلام، لكن قال ابن الهمام: والأفضل أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام قبل أن يحج عن غيره خروجاً من خلاف من أوجب ذلك من الشافعية والحنابلة. ونص الشافعية على طهارة المني ولكنهم استحبوا غسله لأدلة، ينضاف إلى تلك الأدلة: خروجاً من خلاف من قال بنجاسته من الحنفية. وأجاز الحنفية تقدم النية في الصلاة لكن قالوا: يندب اقترانها بتكبيرة الإحرام خروجاً من خلاف الشافعية. وقال بعض المالكية في حق من تيمم فاقتصر على المسح إلى الكوعين: يعيد لترك الكمال أو مراعاة للخلاف؛ لأنه الأصل أن تمسح للذراعين؛ لأن الشافعية أوجبوا أن يكون إلى الذراعين.
أجاز الحنابلة صلاة الجمعة قبل الزوال، واستحبوا أن تكون بعد الزوال للأدلة، ومن جملة الأدلة التي قالوا فيها إنه الأفضل أن تؤديها بعد الزوال: خروجاً من الخلاف؛ لأن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة، واختلفوا فيما قبل الزوال، والحنابلة شبه انفردوا في هذه المسألة، فخذ برأي الجمهور وما عليه الأئمة. وأجاز الحنابلة الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة، لكن الأفضل عدم الزيادة؛ قال ابن قدامة: لأن فيه خروجاً من الخلاف؛ لأن بعض العلماء لم يجوز الزيادة على أربعة، وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعاً فقط.
القاعدة السادسة: يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد. ذكر هذه القاعدة جمع من الشافعية في كتب الفقه، والكلام عليها من ثلاث جهات: الجهة الأولى في معناها؛ الوسائل جمع وسيلة وهو ما يتقرب به إلى الغير، والمراد بها هنا ما كان موصلاً وسابقاً لغيره وليس مقصوداً لذاته. والمقاصد هي الأفعال التي تعلق الحكم بها لذاتها، أما لتضمنها المصلحة أو المفسدة في ذاتها، وأما لأنها تؤدي إليها مباشرة دون واسطة فعل آخر. فمتى نقول الفعل هذا مقصود؟ إذا كان المصلحة فيه هو أو يؤدي إلى المصلحة مباشرة، يعني إما هو متضمن للمصلحة في داخله أو يسوق إليها مباشرة دون توسط فعل آخر، فإذا كان لا يسوق إلى المصلحة إلا بتوسط فعل آخر، فهنا ما عاد هذا مقصوداً، أصبح من ضمن الوسائل. وتوضيح ذلك أن الأحكام الشرعية بعضها مقاصد مقصودة لذاتها، وبعضها وسائل لغيرها، ومن ثم تسامح الشرع في باب الوسائل، فأجاز بعض الأفعال التي لا يتسامح بمثلها في باب المقاصد.
الجهة الثانية في ذكر دليلها: دل على هذه القاعدة الاستقراء، فمن تأمل أحكام الشريعة وجد أن الشريعة بطبيعتها تخفف في باب الوسائل، كالوضوء والتيمم، وما لا تخفف في باب المقاصد، والعادة عند العقلاء أصلاً العناية بالمقاصد أكثر من عنايتهم بالوسائل. بعض فروع القاعدة: شدد الشرع في الكبائر فتوعد عليها بالنار أو الحد أو اللعنة أو الغضب، ولم يتوعد صاحب الصغائر؛ إذ هي وسيلة إلى الكبائر، ومن ثم جعل كثيراً من الطاعات كفارة للصغائر دون الكبائر، حيث بين ذلك بقوله: ﴿الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ﴾.
اشتراط النية في الصلاة وعدم اشتراطها في إزالة النجاسة؛ إذ إنها من جملة الوسائل. وإن كان الأشهر أن النجاسة من التروك، فأنا أعتقد المثال يحتاج إلى نظر أكثر، فالتعليل الأصح أن نقول إن النجاسة لم يشترط فيها النية لأنها من قبيل التروك، أمور مطلوب اجتنابها، بخلاف الوضوء والغسل مع أن الوضوء والغسل حتى وسائل لكنها من قبيل الأفعال. لم تختلف الأمة في إيجاب النية للصلاة، واختلفوا في إيجاب النية للوضوء؛ فالحنفية لا تشترط النية بينما الجمهور يشترطون النية، وهذا يدل على أن الوسائل الخلاف فيها أكثر، وأمورها أسهل من المقاصد؛ حتى الحنفية يوافقون على أن الصلاة بدها نية، لكن خالفوا في أن الوضوء يحتاج إلى نية، وهذا يدل على أن الوسائل فيها تخفيفات ويتحمل فيها الخلاف أكثر من المقاصد.
أخيراً قاعدة: المتعدي أفضل من القاصر. ذكرت هذه القاعدة في بعض الكتب واشتهر ذكرها دليلاً في كثير من المسائل الفقهية، والكلام عليها من أربع جهات: الجهة الأولى في معناها؛ تفيد القاعدة أن العمل الذي يتعدى نفعه إلى غير عامله، كتعليم العلم، أفضل من العمل الذي يقتصر نفعه على عامله. يقول ابن الحاج: لا خلاف بين الأئمة أن الخير المتعدي أفضل من الخير القاصر على المرء نفسه. هكذا قال، لكن العز بن عبد السلام أنكر هذا الإطلاق وقال: قد يكون القاصر أفضل كالإيمان. واختار -تبعاً للغزالي- أن فضل الطاعات على قدر المصالح الناشئة عنها بغض النظر متعدية ولا قاصرة. وقريب من هذا كلام ابن تيمية؛ حقيقة ابن تيمية أيضاً لم يطلق قاعدة أن المتعدي أفضل من القاصر، بل رأى أنه كل موقف يجب أن يحسب على حدة، ففي أوقات يكون القاصر أفضل من المتعدي.
مثلاً وقت الأذان؛ قال لما يؤذن وأنت تسمع الأذان وتلقي درساً، أن تسمع الأذان وتردد ثم تكمل بعد ذلك يعتبر أعلى إذا كان عندك وقت وساعة؛ لماذا؟ صحيح الأذان عبادة قاصرة وتعليم الناس عبادة متعدية، لكن ما دام يمكن الجمع لماذا لا نقدم القاصر على المتعدي؟ وإذا تزاحم ولا يمكن الجمع بينهما، ساعتئذ نقول: قدم المتعدي على القاصر. فالقضية باختصار ليست على إطلاقها دائماً أن العبادة القاصرة متأخرة والعبادة المتعدية متقدمة، بل ينبغي أن ينظر في كل مسألة على وزانها. فمثلاً كما قال الغزالي: فضل الطاعات على قدر المصالح الناشئة عنها، فالتصدق البخيل بدرهم أفضل في حقه من قيام ليلة؛ لماذا؟ لأن قيام ليلة سهل عليه، بس تقول أعطِ ديناراً تطلع روحه، فإعطاء الدينار في ذاك تمرين على الخروج من الهوى، بينما قيام الليلة سهل، وتابعهما الإمام القرافي. ولذا قال غير واحد: إن هذه القاعدة أغلبية، وأن المضطرد أن المتعدي يقدم على القاصر؛ قيل إنها أغلبية وليست مضطردة.
في ذكر شيء من أدلتها: قال صلى الله عليه وسلم: «إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». ولماذا فضل العالم على العابد؟ مثل فكرة أن العالم نفعه متعدٍ والعابد نفعه قاصر. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله»، استنبط منه الإمام ابن حبان أن المؤذن يكون له كأجر من صلى بأذانه باعتبار أنه نفعه متعدٍ، لكن هذه ليست واضحة الدلالة جداً على قضية أن النفع المتعدي مقدم على القاصر، تماماً يعني هي تدل فقط على فضيلة عمل المتعدي؛ هذا الدليل الثاني يدل على فضيلة المتعدي، وأين دليله على أنه أعلى من القاصر؟ يعني قضية أنه الذي صلى؛ لأنك حين تصلي بدون ما تؤذن أنت حصلت أجر معين، بس إذا أنت أذنت بعدين صليت أنت حصلت أجر من صلى بسبب أذانك، غير موضوع صلاتك. ممكن؛ هو اعتبر أن من أذن وصلى أعلى ممن أذن فقط أو ممن صلى فقط؛ باعتبار أنه من أذن وصلى خلّى غيره يصلي، بس اللي صلى ولم يكن مؤذناً هذا فقط هو صلى ونفع نفسه لكن لم ينفع الناس.
قال الإمام الشافعي: طلب العلم أفضل من صدقة النافلة. مع أن هذا حقيقة هو تفاضل بين متعدٍ ومتعدٍ؛ طلب العلم أفضل من صدقة النافلة، هل هذا مقارنة بين عمل متعدٍ وعمل قاصر؟ طب ما هي الصدقة برضه عمل متعدٍ. لا هو تعليم العلم؛ طلب العلم، نعم، طلب العلم أفضل من صدقة النافلة. الفقيه ابن حجر الهيتمي ورد ما يقتضي أن من حج عن غيره تطوعاً كان أفضل ممن حج عن نفسه زيادة على واجبه، أي من حج عن غيره تطوعاً أفضل ممن حج عن نفسه تطوعاً، وهذا ظاهر. إذاً الغالب أن العمل المتعدي أفضل من العمل القاصر؛ لما تحج عن غيرك تطوعاً ليس كأن تحج عن نفسك تطوعاً، إذا أحج عن غيري أنا نفعت نفسي وغيري.
صلاة النافلة؛ طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، هكذا النص عن الإمام الشافعي، وهذا معقول؛ إذا قلنا إن طلب العلم باعتبار ماله إذا أصبحت تعلم أفضل من صلاة النافلة؛ باعتبار أن صلاة النافلة شيء شخصي، طلب العلم الذي يؤدي إلى تعليم الناس أفضل من صلاة النافلة باعتبار نفعها قاصر عليك. مسائل اعتبر فيها القاصر بالعكس: يعتبر القاصر فيها أفضل من المتعدي؛ مثلاً الإيمان أفضل من الجهاد، وإن كان الجهاد متعدي النفع، لكن الإيمان متعلق بالله وأسمائه وصفاته فيبقى أعلى الأمور، التوحيد. المستحب للمعتكف القرب القاصرة في الاعتكاف: أن يصلي، ذكر، قراءة قرآن، ولا يستحب له الإقراء والتعليم وإن كان عبادة متعدية، قرر ذلك المالكية والحنابلة. يقول ابن تيمية: النفع المتعدي ليس أفضل مطلقاً، بل ينبغي للإنسان أن يكون له ساعات يناجي فيها ربه ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها، ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم؛ ولهذا كانت خلوة الإنسان بربه أفضل من اجتماعه بالناس.
رزقنا الله القرب منه والعكوف على مرضاته وحسن الختام بالإقرار بكلمة التوحيد. قال مقيد غفر الله له: هذا آخر ما أردت جمعه في المنحة الإلهية، وكان الفراغ من كتابتها ليلة الأحد الرابع والعشرين من شهر المحرم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وهذا آخر تعليقنا على هذا الكتاب والسفر النافع، وهو كما قلت رحلة مبتدئة لك في طلب العلم أو في طلب علم القواعد الفقهية. الهدف منها كما قلنا أن تعرف طبيعة هذا العلم ومعالم أبرز القواعد الأساسية الكبرى والكلية المؤثرة فيه. ثم بعد هذا الكتاب طريقك إلى مذهبك؛ خلاص بعد هذا الكتاب اسلك طريقك إلى مذهبك، لا يصلح أن تهتم بالقواعد العامة فقط؛ لأن هنا أنت لم تحرر شيئاً، بل ستبقى في دائرة الخلافيات. لكن إذا أردت أن تحرر حقيقة وتستفيد، ادرس قواعد الحنابلة إذا أنت حنبلي، أو قواعد الشافعية إذا كنت شافعياً، أو قواعد المالكية إذا كنت مالكياً، أو الحنفية إذا كنت حنفياً. أسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم هذا السعي.
يجعلنا ممن يهتمون بطلب العلم وتحصيله والانتفاع به، وأن يرزقنا بركة هذه المجالس، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل