الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وقرة عيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية لشيخنا ومعلمنا الشيخ منين الحبشي، متعه الله بالصحة والعافية. ما زلنا نعيش في أجواء القواعد الكلية غير الكبرى، وانتهى بنا الحديث إلى القاعدة الثامنة من هذه القواعد غير الكبرى: قاعدة ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط. فكرة هذه القاعدة في بعض كتب القواعد عند السادة الشافعية بهذا اللفظ أو بقريب منه، وأول مبحث عادة نبحث في معنى القاعدة: ما معنى ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط؟
هناك احتمالان في تفسير هذه القاعدة. الاحتمال الأول أن يكون المقصود أن ما ثبت بالشرع فإثباته بالشرط لا داعي له؛ لأنه من مقتضى العقد. إذا تذكروا هذه مسألة مقتضى العقد فالشرط كعدمه؛ لأنه تحصيل حاصل، والإثبات بالشرع أقوى. مثلاً: رجل طلق زوجته، في الطلقة الأولى أو الثانية قال لها: أنت طالق، واشترط لي الرجعة. نقول له: لا حاجة لأن تشترط الرجعة؛ لأنه هي بالشرع لك الرجعة في الطلقة الأولى أو الثانية. وكذلك لو باع شخص سيارة لشخص فقال: أبيعها بشرط أن ينتقل ملك الثمن لي. نقول: لا داعي لأن تشترط انتقال ملك الثمن لك؛ لأن الثمن بالشرع لك إذا صح العقد. وقس على ذلك، فيقول: ما ثبت بالشرع مقدم، هنا ما معنى المقدم؟ مقدم يعني أن ثبوت الشيء بالشرع أعلى من ثبوته بالشرط، هذا معنى التقديم على هذا المعنى الأول، وليس معناه التعارض. على المعنى الأول ما في تعارض، وإنما معنى المقدم أن الشيء إذا ثبت بالشرع فثبوته بالشرع أعلى من ثبوته بالاشتراط، ويكون اشتراطه نوع من اللغو أو تأكيد الواضحات كما يقولون.
المعنى الثاني والذي هو قد يتبادر إلى الذهن أكثر، وهو أنه إذا تعارض أمران أحدهما ثابت بالشرع والآخر ثابت بالشرط، فالأول مقدم على الآخر. إذا تعارض أمران أحدهما ثابت بطريق الشرع والآخر ثابت بطريق الشرط، فالأول مقدم على الآخر. طبعاً هو لم يذكر أمثلة واضحة هنا الشيخ، وأستغربت أنه لم يأتِ بمثال واضح، لكن قد نقول هنا إذا كان هناك في العقود أو في التعاملات شيء أنت تحصله بطبيعته الشرعية، وهناك أمر آخر أحصله لأنني اشترطته، وحصل بينهما تعارض، فإما أن يحصل ما هو ثابت بالشرع ابتداءً، وإما أن يحصل ما هو ثابت بالاشتراط الذي أنا اشترطته. فيقول: الأصل أن ما هو ثابت بالشرع في التعاقدات والمناكحات ونحو ذلك إذا تعارضت مع أمور يشترطها الإنسان، فالأصل أن يقدم ما اشترطه الشرع على ما اشترطه البشر. ودعونا ننظر إذا بعد قليل ذكر مثالاً يمكن أن يصلح على هذه الحالة؛ فالمراد بالشرط في القاعدة سواء على المعنى الأول أو حتى عن المعنى الثاني، هو ما يشترطه المرء على نفسه أو على غيره، سواء كان ذلك في العقود كشرط في بيع وإجارة ونحوهما، أو غيرها كشرط في طلاق ووقف ونحوها.
تنبيه: طبعاً أنا كتفكير سريع بالنسبة لما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط، إذا ممكن أمثل لهذا نقول: لو أن شخصاً باع شخصاً سلعة وشرط عقداً آخر معها، نقول: الذي ثبت بالشرع أن هذا لا يجوز؛ لا يحل سلف وبيع كما قال النبي ﷺ. فإذا قال الطرف الآخر: لكن يا أخي أنا اشترطت، أنا قلت لك ما أبيعك هذه السيارة إلا بشرط أن تؤجرني سيارتك أو تؤجرني شقة عندك؛ بعتك السيارة بخمسة آلاف بشرط أن تنجز معي عقداً آخر. فنقول هنا: ما ثبت بالشرع وهو عدم جواز عقد آخر مع عقد البيع، مقدم على ما ثبت بالشرط وهو اشتراطك لعقد آخر مع عقد البيع. هذا هو الأصل فعلاً؛ أنه إذا كان هناك شيء في الشريعة يمنع وأنت اشترطته، أو العكس إذا كان الشيء من مقتضى الشرع وأنت اشترطت خلافه، كان يقول له: أبيعك السيارة وأشترط ألا تبيعها لغيرك. فنقول: مقتضى الشرع أنه لي أن أبيعها ما دمت تملكتها، وشرطك مخالف لمقتضى الشرع يمنعني؛ فما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط. فمن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله ولا في سنة النبي ﷺ وهو يتعارض مع مقتضيات العقود الشرعية، فنقول: اضرب بشرطه عرض الحائط. وهذا الذي قلنا إنه يبطل الشرط ولا يفسد العقد، يعني العقد ماشٍ لأنه سيقدم الشرط الشرعي الذي وضعه الله على الشرط الجعلي الذي وضعته أنت. هذا قد يصلح مثالاً على الفهم الثاني: إذا تعارض أمران أحدهما ثابت بالشرع والآخر ثابت بالشرط، قدم ما ثبت بالشرع على ما ثبت بالشرط.
تنبيه، يقول: من نظر في الفروع الفقهية التي ذكرها الشافعية لهذه القاعدة، بان له المعنيان السابقان، ولا أظن أحداً من الفقهاء يخالفهم في الفروع على المعنى الأول، وهو أنه ما ثبت بالشرع أعلى وأرسخ مما ثبت بالشرط على المعنى الأول للقاعدة. وأما على المعنى الثاني فالمتأمل في الفروع التي يذكرونها يجد في بعضها من يخالفهم من الفقهاء، في مسألة إذا تعارض الشرط الشرعي مع الشرط الجعلي، سيجد أنه في هناك نقاشات بين الشافعية والفقهاء في بعض الزوايا، وأن البعض قد يصحح الشرط الجعلي، مش باعتباره مقدماً على شرع الله سبحانه وتعالى، لكن باعتبارات أخرى معينة يمكن أن ينظر إليها في بعض المسائل الفرعية.
الجهة الثانية في ذكر دليل القاعدة: أما الاستدلال على القاعدة بالمعنى الأول فهو ظاهر لا يحتاج إلى استدلال، يعني لا يحتاج إلى دليل أن تعرف أن ما وضعه الشرع ابتداءً لا يحتاج أن تؤكده أنت في العقد، فإذا أكدته في العقد فهذا تحصيل حاصل، هذا واضح لا يحتاج إلى استدلال. لكن الشاهد بالمعنى الثاني وهو أن الشرط الشرعي مقدم على الشرط الجعلي، يمكن يُستدل عليه بحديث بريرة؛ فإن سيدتنا بريرة رضي الله عنها كانت أمة، وكتبت عقد مكاتبة مع أسيادها على أن تؤدي لهم خلال فترة تسع أواقٍ من الفضة، أني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ من الفضة. فجاءت إلى عائشة فقالت لها: أعينيني يا عائشة، أنا ما معي أسددهم تسع أواقِ فضة حتى أشتري حريتي. فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. يعني شوفي يا بريرة، أنا بدفع لأهلك لأسيادك تسع أواقٍ فضة ممتاز، وتصيري أنت ملكي ثم أعتقك، فإذا أعتقتك يكون الولاء لمن؟ يكون ولاؤك لي. وهذا هو طبيعة الشرع، هي باختصار اشترت بريرة وأرادت أن تعتقها لوجه الله، ويكون بشرط ولائها لعائشة الله يرضى عنها.
فأبوا، ذهبت بريرة إلى أهلها وأسيادها وعرضت عليهم، فأبوا أن يبيعوها وقالوا: ما من بيعها لك يا عائشة إلا بشرط أن يكون ولاؤها بعد أن تشتري حريتها لنا. الولاء لمن أعتق، وهي رح تكون عائشة، فاشترطوا في البيع شرطاً يخالف الشرع: أنه نبيعها لك يا عائشة بشرط أن يكون إذا اعتقت ولاؤها لنا. فأخبرت عائشة النبي ﷺ فقال: «خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق». طبعاً في خلاف كبير ما معنى واشترطي لهم الولاء؟ البعض قال اللام هنا بمعنى على، والتقدير: واشترطي عليهم الولاء، يعني واشترطي عليهم أن يكون الولاء لك، وارفضي شرطهم؛ لأن كلامهم مخالف للشرع. والبعض قال: لا، واشترطي لهم الولاء أنه اجعليهم يشترطون ما يشاؤون، فإنهم اشترطوا لهم الولاء أو لم يشترطوا، فما كان من وضع البشر مخالفاً لشرط الله ولحكم الله فلا عبرة به، فالعقد صحيح والشرط باطل. وهذا ممكن أنت تعتمدها في قضية أنه إذا كان شخص اشترط عليّ شرطاً باطلاً في عقد والعقد صحيح، يعني العقد صحيح لكن الشرط باطل، فأنت تقول له: اشترط أو لا تشترط، اشترط اللي بدك إياه، فأنا في النهاية سآخذ بمقتضى الشرع وليس بمقتضى الشرط الذي يخالف الشرع.
ففعلت عائشة، ثم قام النبي ﷺ في الناس حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟». يعني ليست في شرع الله، ما معنى الكتاب هنا؟ الشرع، ما كان من شرط ليس في كتاب الله يعني في شرع الله فهو باطل. ما كان من شرط ليس في كتاب الله، يعني ايش ليس في شرع، بمعنى لا يسير مع الشرع، وإلا سيصير الإنسان يشترط شروطاً مش في الكتاب والسنة، ما هي كلها لكن المراد ليس في كتاب الله يعني من اشترط شرطاً يناقض الشرع. هيك يعني: من اشترط شرطاً يناقض شرع الله فشرطه باطل، وإن كان مئة شرط، لو حط مئة شرط تناقض الشريعة فشروطه باطلة. قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق. فالغى النبي ﷺ الشرط لمخالفته الشرع، واعتبره كأنه لم يكن.
ذكر بعض فروع القاعدة: لو قال لزوجته: أنت طالق على أن لي الرجعة، ونوى طلقة واحدة، فالرجعة ثابتة له بالشرع فاشتراطها باللسان كما قلنا له لا فائدة منه، صحيح، هذا ذكرته لكم قبل قليل. ولو اشترى شيئاً في البيع واشترط أن يتصرف فيه كما شاء، بدي أشتري منك السيارة بشرط أني أسوقها وين ما بدي أروح، نقول: لا داعي لأن تشترط هذا يا رعاك الله، هذا ثابت لك بالشرع؛ لأنه من مقتضى عقد البيع، فإثباته له بالشرط لغو. ثالثاً: من لم يحج فأحرم بحج تطوع أو نذر، قال: لبيك حجة نذر أو لبيك حجة نفل يا الله، وهو لسه ما حج حجة الإسلام أصلاً، قلنا ماذا يحصل؟ حجته صحيحة لكن وقع الحج عن حجة الإسلام؛ لأن الوقوع عن حجة الإسلام متعلق بالشرع، ووقوعه عن التطوع والنذر متعلق بإيقاعه هو عنهما، والأول أقوى. هذا مذهب الشافعية والحنابلة خلافاً للحنفية والمالكية.
هذا مثال على المعنى الثاني للقاعدة، هنا شرط الله مخالف لشرطه، هو اشترط أن تكون: يا رب بدي إياها حجة نفل، هيك اشترط أن تكون: يا رب حجة نفل. طيب نقول يا أخي حجة الإسلام أنت أديتها؟ لا ما أديتها. بس أنا اشترطت أنها تكون حجة نفل، بنقول: شرط الله أن حجة النفل لا يجوز أن تفعل قبل حجة الإسلام، فإذا قلت في هذه الحجة: لبيك حجة نفل ونويت النفل، سيصحح الحج لكن يُقدم فيه شرط الله على شرطك فتقع فرضاً جبراً عنك، فتقع فرضاً جبراً عنك. تمام، وهذه مثلها ما بحثناه في قضية الوكيل إذا حج بالمال ولم يعرف أن الموكل قد مات قبل أن يحرم، فهنا كما قلنا هو مشترط عن مين؟ يعني أنا شخص وكلني بالحج عنه، زمان ما كان في تلفونات، شخص وكلني أنا أحج عنه ممتاز، وقبل ما أحرم كان هو حضرته مات، الأصل أنها فُسخت الوكالة، فرحت أنا ما أنا عارف، أحرمت وحججت واشترطت أنها لفلان، فلما رجعت لقيت الرجل ميت، قالوا لي الورثة: إنك أحرمت بعد أن مات والدنا، وبالتالي رجع لنا المصاري والحجة حصلت عنك وهي حجة نفل. فهنا سيصحح الحج لكنه باعتبار الشرع سيصحح حجة نفل عنه ولن يصحح باعتبار شرطه هو أنها حج عن ذلك الرجل؛ لأن ذاك الرجل مات. وبالتالي ما كانت الحجة واجبة عليه، لم تجب عليه الحجة، وبالتالي المال الذي أخذته لتحج عنه حجة الإسلام، انفسخت الوكالة بمجرد أن مات، وأنت حججت عنه فنعتبر الحج حجة نفل وعليك أن ترد المال. فستقول لي يا شيخ أنا اشترطت أن تكون حجة عنه، بنقول هنا الحكم الشرعي والشرط الشرعي مقدم على الشرط الذي أنت اشترطته.
فهذا مثل هذه المسألة: من لم يحج فأحرم بحج تطوع أو نذر، وقع الحج عن حجة الإسلام؛ لأن الوقوع عن حجة الإسلام متعلق بالشرع، ووقوعه عن التطوع متعلق بإيقاعه هو يعني بنيته هو، والأول أقوى، هذا مذهب الشافعية والحنابلة خلافاً للحنفية والمالكية. يعني كان الحنفية والمالكية رأوا أنه لا يقع حج التطوع على ما نواه وتبقى حجة الإسلام في ذمته، تبقى حجة التطوع على ما نواه وتبقى حجة الإسلام في ذمته. فهذا معنى أنه في بعض الفقهاء قد يقدم ما يشترطه الإنسان على ما يشترطه الشرع من هذه الزاوية، وليس لأنه مناكفة أو معارضة لشرع الله والعياذ بالله، لكن يمكن أن البعض ليس مناكفة ولا معارضة لكن يتصور صحة هذا، يقول لك: أنا بدي أخلي حجة الإسلام لشغلة مميزة، أما هي حجة أولى وثانية مش مميزة خليني أحجها نفل. هنا يُقدم عند الحنفية والمالكية ما اشترطه على الأمر الشرعي ابتداءً. نفس الشيء هنا قال: تدبير أم الولد لا يصح، أي رجل عنده أم ولد وعرفنا من هي أم الولد.
وهي الأمة التي ولدت من سيدها، فالسيد ليس له أن يدبرها؛ لأن التدبير هو معناه أن تعتق بعد موته. هذا معنى التدبير، وهي بمجرد أن أصبحت أم ولد، الشرع أعطاها أنها ستصبح حرة بعد موتك، هي لا تحتاج إلى تدبيرك، فالشرع أعطاها هذا الحق دون الحاجة إلى أن تشترطه؛ قال: لأن عتقها بموت سيدها ثابت بالشرع فلا يحتاج معه إلى تدبير، نص على ذلك الشافعية والحنابلة.
لو قال لها: أنت طالق ولا رجعة لي عليك، انظر هنا المشكلة، لو قال لها: أنت طالق ولا رجعة لي عليك، وكان نوى بكلمة أنت طالق طلقة واحدة، أي الطلقة الأولى؛ هنا هل يسقط حقه في الرجعة؟ هو اشترط عدم الرجعة، وشرط الله أنه لك رجعة، أيهما يقدم شرط الله أم شرطه؟ شرط الله هو الذي يقدم، غصباً عنك لك حق الرجعة لأنها ثابتة لك بالشرع، نص على ذلك الحنفية والمالكية والشافعية.
وقال في الحاشية: وقال الحنابلة -انظر الحنابلة كيفهم المسألة- قالوا: سنعتبر جملة لا رجعة لي عليك هي التي تصرف أنت طالق من الواحدة إلى الثلاث، صار كأنه نوى كأننا اعتبرناها ثلاث طلقات، وقال الحنابلة: يقع ثلاثاً وعليه فهي بائن ولا رجعة له؛ لأنه وصف الطلاق بما يقتضي الإبانة. حتى لو نوى طلقة واحدة نعم، هنا لو نوى طلقة واحدة بس أتى بلفظة ولا رجعة لي عليك؛ أيهما أقوى؟ القرينة اللفظية أقوى من النية، القرينة اللفظية التي استعملها وهي: ولا رجعة لي عليك أقوى من النية؛ فقالوا: إذا قال أنت طالق وماشي ظاهر الأمر إنها طلقة واحدة، نقول: قولك ولا رجعة لي عليك قرينة لفظية تجعلني أنا كقاضٍ أحملها من الواحدة على الثلاث.
الآن هذا الظاهر أنه حكم قضائي، ترى الآن ديانة بينه وبين الله، أقول: يمكن يكون في الحنابلة شيء آخر كديانة، يكون هو يدين لا والله شيخ أنا نويت طلقة واحدة بس قصدت أنني ما برجع، نقول له: أنت نويت طلقة واحدة فعلاً، وبالتالي ولا رجعة لي عليك صدرت منك لغو، ولا أنت ما نويت حاجة بس قلت: أنت طالق ولا رجعة لي عليك.
في حكم البتة؛ بتعرفوا الآن من قال لزوجته: أنت خليه أو برية، في المذهب عندنا هذه الكنايات، إذا نوى بها الطلاق لا تقع إلا ثلاثاً، حتى ولو نوى بها الواحدة، ليه؟ لأنه معنى أنك خليه أو برية انتهاء العلاقة الكاملة، فقالوا: إذا نوى بها الطلاق لا تقع إلا عن ثلاث، وما بينفع يقول نويت بها واحدة أو اثنتين، بنقول له: لأن الخلية والبرية معناها أنه انتهت العلاقة تماماً، فتقول لنِيّتي بها واحد أو اثنتين هذا يتعارض مع مدلول اللفظ. فهل هذا يمكن يكون بنفس الطريقة لما تقول: أنت طالق طلاقاً لا رجعة فيه؟ نقول له: زي كأنك قلت لها أنت خليه أو برية، كأنك تقول طالق بس هذا هو الطلاق الذي لا رجعة فيه، فلذلك كلام منطقي على طريقة تخريجهم أن هذا معناه أنه ما في رجعة، معناه أو الثلاث.
الآن قضية التدين بشيء آخر هذه يمكن يبحث فيها في المذهب إذا نص أحد على إمكانية أن يدين، لكن قضاءً أنا كقاضٍ عندي قرينة وبتعامل معها أنه هذا في حكم الثلاث.
ولو قال لها طلقتك بألف على أن لي الرجعة، أه هون في خلع مع إثبات رجعة، صح طلقتك مقابل ألف، هي قالت له طلقني بألف، قال خلص طلقتك بألف بس لي حق الرجعة، الخلع فيه حق رجعة؟ فانت عملت خلع وأثبت حق الرجعة، ما هو ما بيضبط سيدي الشيخ، فنقول له فالرجعة هنا شوف اختلاف أيضاً أفهام الفقهاء، نقول: الشرط الذي اشترطه مخالف لما اشترطه الشرع، الذي اشترطه الشرع في المخالعة ما هو؟ أنه لا رجعة فيها، وأنت اشترطت مخالعة فيها رجعة، فنقول: هنا شوف طريقة حل الفقهاء تنوعت في الموضوع وهذا مثال على الاختلافات التي يقصدها، فالرجعة ثابتة له بالشرع، نثبت الرجعة، فإثباته لها بالشرط لا يصح.
طيب ومن ثم تسقط الألف، يعني الرجعة في الطلاق العادي ثابتة بالشرع، صح في الطلاق العادي، فإنك تشترطها نوع من زيادة التأكيد، بس أنا كنت بتمنى أنه برضه ممكن يقول بطريقة أخرى الشيخ واشتراطها في الرجعة مخالف للشرع، واشتراطها في الخلع مخالف للشرع، يعني هنا كأنه يوحي أنه هو جعلها تطبيقاً على المعنى الأول للقاعدة، صح أنه أصلاً الرجعة ثابتة لك بالشرع، فش داعي تشترطها باللسان، وأنا ممكن أعتبرها تطبيقاً على القاعدة الثانية أو على المعنى الثاني للقاعدة؛ وأنه في شرط من الشرع وفي شرط أنت وضعته، الشرط من الشرع أنه الخلع لا رجعة فيه.
يعني هو لما قال: فالرجعة ثابتة له بالشرع، ممكن برضه الشيخ يطرح القضية بطريقة أخرى، فعدم الرجعة في الخلع ثابت بالشرع برضه، أنه قوله في الرجعة ثابتة له بالشرع، هذا اكتب فوقيه: في الطلاق الذي لا عوض فيه، وأما الطلاق الذي فيه العوض فبالعكس، فالثابت في الشرع هو عدم الرجعة، قال: فاثباته لها بالشرط لا يصح، إذا مشى الشيخ على أنه على الطريقة الأولى في القاعدة، وهو أنه هذا شرط شرعي، أنه الرجعة ثابتة في الطلاق الذي لا عوض فيه، وأنه أنت تشترطها لا يصح يعني لغو.
ومن ثم طيب شو بدنا نعمل؟ طيب هذا مش طلاق بحت، هذا طلاق معه عوض، قال: ومن ثم تسقط الألف دينار والرجعة ثابتة، هذا هو الصحيح عند الشافعية، فالشافعية ايش قالوا؟ قالوا نصحح اشتراط الرجعة ونلغي ماذا؟ قضية الألف، إذاً هون في الحقيقة في شرط يخالف شرط، يعني هذه مش مثال على المعنى الأول للقاعدة، هذه أقرب للمعنى الثاني أنه اشتراط الألف خالفناه وأخذوا بالرجعة، غيرهم ممكن يعكس ايش يقول: لا أنا بأخذ بالألف وألغي اشتراطك للرجعة، فهي أقرب إلى تعارض شرط الله مع شرط العبد منها إلى قضية ماذا؟ أنه شرط العبد هو تأكيد لشرط الله فلا حاجة إليه.
لأن هو الشيخ لما قال: فالرجعة ثابتة له بالشرع، فإثباته لها بالشرط لا يصح، أنا شعرت أنه جعلها من المعنى الأول للقاعدة، صح هيك ظاهر السياق، أنا بقول لا هي أقرب أنه في تعارض؛ بأنه في شرط شرعي عارضه شرط جعلي، وهو أنه لو قال الشيخ الرجعة ثابتة بالشرع وإثبات العوض بالتالي في هذه الحالة مخالف للشرع لهيك، هيك أفضل، ما بعرف إذا فاهمين ماذا أريد أن أصل إليه، فجعلها تحت المعنى الأول للقاعدة ليس بتلك القوة بالنسبة لي.
هنا في الحاشية ماذا يقول فائدة؟ قال ابن السبكي في هذه المسألة: الرجعة تثبت في الطلاق الرجعي بالشرع، فهي أولى من إثباتها بالشرط، إذاً هو ماشي مع كلام ابن السبكي، إذاً في كلامه الذي في الأعلى فهو أولى من إثباتها بالشرط، من ثم قال بعض الأصحاب: الاحتمال الأول يثبت في الرجعة، الحلول الآن عند الشافعية يثبت في الرجعة، لا بقوله بل بالشرع، يعني أن نثبت له الرجعة مش باشتراطه لها، بل نثبت له الرجعة بالشرع ويسقط العوض مطلقاً، ما هو سقوط العوض إذا أنا خالفت الشرط، يعني هي في الجهة المقابلة إسقاط للعوض دليل أني ما اعتبرته، فما اشترطته من العوض أو اشترطته هي ملغى لأنني قدمت جانب الرجعة على جانب اعتبار العوض، يمكن أن ينظر إليها كما قلنا من الجهة الثانية.
وقال بعض الأصحاب: هذا الاحتمال لا، بالعكس، يثبت مطلق العوض لا بقوله بل بالشرع، يعني منخليها خلع شرعي بل بالشرع الذي أثبت في كل خلع عوضاً ويسقط إيش اشتراط الرجعة، إذا بنلاحظ أنها أقرب إلى تعارض الشروط منها إلى تأكيدها، وهذا الاختيار الثاني هو اختيار المزني وطائفة من الأصحاب منهم الغزالي، يكفي لهنا، فإذاً حتى عند الشافعية لاحظ أنه منهم من قدم الرجعة وألغى اشتراط العوض، ومنهم من اعتبر العوض وألغى اشتراط الرجعة.
طيب، فإذاً هذه هي قاعدة أنه ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط.
القاعدة التاسعة: لا مساغ للاجتهاد في مورد النص، هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، ومعناها مشهور تقريره عند الفقهاء، ومن ذلك قول ابن حمدان الحنبلي: لا اجتهاد مع القطع، وقول الموصلي الحنفي صاحب الاختيار: لا اجتهاد مع الكتاب ولا مع السنة المشهورة، إذ لا اجتهاد إلا مع عدمهما، تمام، وإن كان لفظة الاجتهاد مع القطع أوسع من كلام ابن حمدان أوسع من كلام الموصلي، لأنه الموصلي يتكلم عن الاجتهاد خارج دائرة النص، أما كلام ابن حمدان: لا اجتهاد مع القطع يتكلم عن الاجتهاد عموماً، سواء الاجتهاد في داخل دائرة النص في محاورة فهمه أو الاجتهاد عند عدم ورود النص أصلاً في المسألة.
إنه الاجتهاد إخواني على نوعين: أن تكون المسألة ورد فيها نصوص، لكن الاجتهاد أين؟ في محاورة فهم النص، لأن النص ظني في فهمه، زي ما بنعمل في عمله الأحكام في كثير من الظنون، النوع الثاني من الاجتهاد هو اجتهاد من خلال مصادر التشريع الأخرى لعدم ورود النص أصلاً في المسألة، فلما يقول لك: لا اجتهاد مع القطع، هذا يحتمل إيش؟ لا اجتهاد مع القطع، سواء الاجتهاد في دائرة النص إذا كان النص قطعياً في دلالته وثبوته لا يجوز الاجتهاد فيه في تقديم فهم آخر له، أو يكون المعنى لا اجتهاد مع القطع إذا ورد دليل قطعي لا يجوز الاجتهاد فيما هو معارض لهذا الدليل القطعي.
أما الموصلي الحنفي لما قال: لا اجتهاد مع الكتاب ولا مع السنة، هو عن ايش يتكلم؟ عن الاجتهاد خارج دائرة النص، يعني ما بصير أجي لفرع أجتهد في حكمه مع وجود نصوص من الكتاب والسنة تتكلم في حكمه، فهو يتكلم عن الاجتهاد إذا هو كان مقابلاً للكتاب والسنة، ولكن الاجتهاد هو أوسع من ذلك، قد يكون اجتهاد في دائرة فهم النص أو اجتهاد لعدم ورود النص، فعندك حالتين من الاجتهاد، فالعبارة الأولى: الاجتهاد مع القطع، يعني في اعتقادي تكون أشمل من القاعدة الثانية أو النص الثاني.
الجهة الأولى في معنى القاعدة لا مساغ، قال: المساغ من ساغ، وله معانٍ والمناسب منها هنا الجواز، لا يجوز يعني جازه، وقال: ساغ له ما فعل، أي جاز له ذلك، أنا سوغته له يعني أنا جوزته، والمراد بالاجتهاد هنا ما كان عن طريق القياس والرأي، إذاً هو فسر الاجتهاد بأحد معنييه وهو الاجتهاد المقابل للنص الذي هو خارج دائرة الكتاب والسنة.
والمورد: مَفْعَل من الورود، يقال: وردت الماء أريده وروداً إذا حضرته للشرب، فالمراد بالمورد هنا محل الورود، والمراد بالنص هنا: لما نقول لا اجتهاد في مورد النص يعني قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، وهو الذي لا يحتمل التأويل، ويلحق به كذلك الإجماع، هذا لا يجوز الاجتهاد في مورد النص. فخرج بذلك النصوص التي فيها احتمال، فهو محل اجتهاد ونظر من هو أهل لذلك، فالاجتهاد وإعادة التفكير في النص إذا كان ظنياً لا في مجال للاجتهاد فيه، وإن كان لا يجوز القفز عنه والإعراض عنه، تمام، لكن يجوز الاجتهاد في دائرته.
فمعنى القاعدة أن الاجتهاد لا يصح ولا يجوز في محل ورد فيه إجماع أو نص صحيح لا احتمال فيه، فأي اجتهاد يخالف ذلك فهو باطل مردود.
تنبيه: ربما يقف طالب العلم على حديث صحيح صريح ثم يجري إماماً معتبراً يخالفه، فعليه حينئذ أن يتقي الله في نسبة هذا العالم إلى مخالفة الكتاب والسنة؛ فإنه ربما لم يبلغه، أو بلغه بطريق غير صحيح، أو بلغه صحيحاً وعنده ما يرده من نسخ أو تخصيص أو غيرهما من قواعد أصول الفقه، وهذا كله يأخذه الشيخ من كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية، هذا كلامه. وربما يتوهم قليل العلم أن الحديث صريح لا يحتمل، ويجعل فهمه هذا حجة على مخالفه، وما أكثرهم هؤلاء اليوم، اللي بيقرأ الحديث النبوي أو الآية فيظن لها وجه واحد من الفهم، والذي لا يفهم مثل فهمه أما مبتدع أو ضال أو خالف السلف، إلى غير ذلك من العبارات المجانية.
ثم ينسب إلى أكابر الأئمة أنهم خالفوا الحديث، يقول لك: هذا المذهب هؤلاء يخالفون الكتاب والسنة، أحد المذاهب الفقهية كثير ما ينسب أنه يخالف الكتاب والسنة، هل أنت تتعبد الله بأنه يتقصد مخالفة الكتاب والسنة ولا له قواعده وضوابطه في الفهم؟ إذا أنت تدين الله بأنه يتقصد فأنت تتحمل وزر ذلك أمام الله، ولكن نحن نحسن الظن بعلماء الأمة جميعاً مما سارت الأمة على مذاهبهم الأئمة المتبوعون، نحسن الظن بهم، ونعلم أنه إذا خالف أحدهم النص فله تأويل من تلك التأويلات التي مرت: لم يبلغه، أو بلغه بطريق غير صحيح، أو بلغه بطريق صحيح لكن عنده ما يرده من نسخ أو اعتقاد تخصيص أو قواعد اجتهد في وضعها للحكم على الحديث: متى يقبل ومتى لا يقبل وهكذا.
والحق أنه هو المخالف بسقيم فهمه وقلة عقله فهم الأئمة، والحق أنه هو المخالف بسقيم فهمه وقلة عقله فهم الأئمة المحققين والجبال المتمكنين، فالواجب على طالب العلم أن يسلك مع الأئمة الإثبات سبيل إحسان الظن والاعتذار لا سبيل إساءة الظن والإنكار، وهذه إخواني تربية، يعني أنا وجدت حقيقة في حياتي أنه هذه القضية، قضية أن يعتاد الإنسان تفسير كلام العلماء على أحسن محامله، هذه قضية مش قضية علمية مش قضية معلومة، هذه قضية تربية ينشأ عليها الطالب.
هذه فائدة أن تكون صحفيًا، وهذه فائدة أن يتربى الطالب على أيدي المشايخ. فإن تعويد الطالب على إحسان الظن ووضع الاحتمال والاعتذار ليست مجرد معلومة؛ فلو كانت مجرد معلومة لتكلم عنها الكثير، بل حتى من لا يعذر العلماء تلاقيه يتفلسف أحياناً في مقاطعه عن ضرورة عذر العلماء. هذه قضية تربوية يحصلها الطالب مع كثرة مجالسته للمشايخ من أهل العلم، وعندما يجلس الإنسان مع المشايخ الكبار ينطبع في داخله سلوك أخلاقي اسمه العذر.
هذا السلوك الأخلاقي لا تظن أنه يحصل بمجرد أن تقرأ كتاباً فترتاح وتصير تعذر؛ لا، هي نفسية وحالة سلوكية يصل إليها الطالب مع التربية على أيدي المشايخ. ولذلك قلت لا بد من أن تجالس المشايخ، لا بد؛ لأن هذه القضية كما قلت لك سلوك وطبع. فلو أعطيتني مئة محاضرة عن العذر، إذا هذه تربية أنت ما نشأت عليها وما أخذتها كابراً عن كابر، لن تقوى عليها، وستجد نفسك تخالف ما تصرح به في المحاضرات. تصرح: يجب العذر واحترام العلماء، لكنك أنت نفسك لا تقوى على هذا، ما تربيت على هذا؛ نشأت عند متعصبين، نشأت عند شيوخ لا يعرفون إلا القول الواحد والوجه الواحد، نشأت عند شيوخ قساة القلوب والنفوس لم يتربوا على أيدي العلماء، فنشأت على هذا الطبع. فالطبع غلب التطبع، صدقوني هو طبع غلب التطبع؛ فالقضية إذاً ليست مجرد كلام، قضية تربية سلوكية أخلاقية.
في أدلتها، فمن حديث معاذ أن النبي ﷺ لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟». قال: أقضي بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟». قال: فبسنة رسول الله ﷺ. قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله؟». قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب النبي ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الذي وفّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله».
بعض الفروع الفقهية السريعة، والقاعدة هي حقيقة لا تحتاج إلى أمثلة كثيرة: يقول لا يصح الاجتهاد في حكم البيع من حيث الأصل؛ يعني هل يصح لشخص أن يقول والله البيع فيه خلاف في مشروعيته؟ لا يصح؛ لأن الله قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، نص لا يجوز لبشر أن يخالفه. لو أن حاكماً اجتهد وقضى على المدعى عليه بالبينة، كان اجتهاده باطلاً مردوداً لمخالفة ما في الصحيح. لو جاء نظام قضائي جديد من وضع البشر قالوا: نحن بدنا نخالف الوضع الشرعي، بدنا نخلي البينة على المدعى عليه واليمين على المدعي؛ يقول هذا اجتهاد في مورد النص يرمى به عرض الحائط.
ومن طلق زوجته ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ويجامعها، فلو أن حاكماً اجتهد وقضى أنه لا، خلص بمجرد أن يعقد عليها زوج آخر -يا جماعة عيب نخليه يدخل فيها الزوج الآخر- خلص يعقد عليها ويطلقها ومن رجعها لزوجها الأول نقول: اجتهادك باطل؛ لأن النبي ﷺ لما جاءته زوجة رفاعة القرظي وقد طلقها وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، قال: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك». رفض إرجاعها؛ هي عقدت على عبد الرحمن بن الزبير وكان رجلاً فيه ضعف في المجامعة، فأرادت أن ترجع لزوجها الأول، فقال: «لا، حتى تذوقي عسيلته»، يجب أن يحصل جماع، ما دام هو قادراً على الجماع ننتظر حصول الجماع ثم تعود. فلو شخص خالف كلام النبي ﷺ هنا، وقس على ذلك كل ما جاء من أحكام البشر مخالفاً لشرع الله من الأحكام الوضعية البشرية التي يضعونها مصادمة لما هو قاطع في شرع الله سبحانه وتعالى، كالتسوية بين الرجل والمرأة في المواريث وغيرها من القضايا، فنقول لا مساغ للاجتهاد في مورد النص.
القاعدة التي تليها، القاعدة العاشرة: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. ذكر هذه القاعدة بهذا اللفظ أئمة كثيرون يعسر عدّهم، ووردت في مجلة الأحكام العدلية بلفظ "الاجتهاد لا ينقض بمثله"، وهو تعبير كثير من الحنفية. النقد ما معناه؟ إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء، تقول: نقضت البناء إذا هدمته، ونقضت الحبل نقضاً إذا حللت برمه؛ أي ربطته، ونقضت ما أبرمه إذا أبطلته. معنى القاعدة: أن من اجتهد وهو أهل للاجتهاد في مسألة شرعية فحكم فيها بموجب اجتهاده في واقعة ما، ثم تغير اجتهاده في الواقعة بعد ذلك، فليس عليه أن يبطل حكمه في الواقعة السابقة، وإنما يعمل بموجب اجتهاده الأخير في الوقائع اللاحقة.
هذا مثلنا له في مسألة الاجتهاد في القبلة؛ من كان في سفر فاجتهد فصلى تجاه جهة، ثم جاء عند صلاة العصر فاجتهد مرة أخرى، فظهر له أن القبلة في الجهة المعاكسة بالاجتهاد أيضاً، تصلى صلاة العصر في الجهة المعاكسة، ثم جاء صلاة المغرب فاجتهد فظهر له أن القبلة في الجهة الثالثة؛ هل نقول له عليك أن تعيد الصلوات التي مضت؟ كلا، فإن كل صلاة على اجتهادها مقبولة حتى لو تغير اجتهادك للصلاة اللاحقة. وكذا إذا حكم بموجب اجتهاده في واقعة ثم أتى بعده مجتهد آخر يخالفه في باب القضاء، فليس للقاضي الجديد في المسائل الاجتهادية أن يبطل الأحكام التي أبرمها القاضي القديم؛ يعني كان في قبلك قاضٍ حنفي، بعدين أتوا بقاضٍ حنبلي، ما يجيء للقاضي الحنبلي أن يبطل الأحكام التي أبرمها القاضي الحنفي على مذهبه، خلص يقول: بدي ألغي كل الأحكام السابقة لأنه أصدرها شخص حنفي ونحن الحنابلة لا نفتي بهذا. نقول: أنت تتكلم عن مسألة قطعية أو اجتهادية؟ إذا كانت اجتهادية خلص، تلك على ما اجتهدنا وهذه على ما تجتهد، ولا يجوز لقاضٍ حنبلي أن ينقض ما فعله قاضٍ حنفي أو العكس. أما إذا كان الحنفي قد خالف قطعياً أو قال برأي شاذ جداً -يمثلون لذلك بالزواج بدون ولي- ففي هذه الحالة يجوز للقاضي الحنبلي أو الشافعي أن ينقض ما حكم به القاضي الحنفي.
تنبيه: محل الاجتهاد هو المسائل الظنية لا القطعية، وسبق في القاعدة السابقة ما يشير إلى ذلك، وعليه لو تبين له بعد أن حكم باجتهاده أنه خالف دليلاً قاطعا فإنه ينقض العمل بالاجتهاد السابق، والأصل أن يعيده. ولذا قال السيوطي: "ينقض قضاء القاضي إذا خالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً"، وقال القرافي زاد القرافي: أو خالف القواعد الكلية للشريعة.
دليل القاعدة ولها دليلان؛ الأول: الإجماع، فقد نقل ابن الصباغ من الشافعية إجماع الصحابة على ذلك، وقال الزركشي: اتفق العلماء على أنه لا ينقض حكم الحاكم في المسائل المجتهد فيها، ويدل عليه أن أبا بكر الصديق حكم في مسائل باجتهاده وخالفه عمر ولم ينقض عمر في زمنه حكمه فيها. بل إن عمر قضى في المشركة وهي إحدى مسائل المواريث، والمشهور بالمسألة الحمارية وهي زوج وأم وأخوان لأم وأخوان شقيقان. أبانا كان حماراً؛ لأن هنا الأخ لأم -على من لم ير التشريك- جعل الإخوة لأم يأخذون أكثر من الإخوة الأشقاء، الإخوة الأشقاء قالوا: يا عمي اعتبرونا إخوة لأم، وحاطوا هنا حماراً تمام؛ يعني كيف الإخوة الأموم يأخذون أكثر من الإخوة الأشقاء؟ ما دخلت في دماغ الإخوة الأشقاء على قواعد المواريث، الإخوة الأشقاء هم أضعف، والإخوة الأم هم من سيأخذون. فقالوا: كيف الإخوة الأم يأخذون؟ نحن إخوة أشقاء من أم وأب للميت ما نأخذ؟ فقالوا: أبانا كان حجراً في اليم أو كان حماراً، فسميت المشهورة بالحمارية.
إي اللي هو عفواً ايش؟ بل إن عمر قضى في المشركة بعدم التشريك؛ عمر ابتداءً لم يشرك في مسألة الإخوة الأم والإخوة الأب فحرم الإخوة الأشقاء، وعلى هذا الحنابلة مشوا إلى عدم التشريك بين الإخوة الأم والإخوة الأشقاء في الثلث، وأن الثلث يكون فقط خاصاً بالإخوة، ذهب المالكية والشافعية إلى التشريك. وهو القضاء الثاني لعمر، ثم قضى عمر في عام آخر بالتشريك دون أن ينقض الاجتهاد الأول، فلما سئل أنه أنت يا عمر اختلف اجتهادك، لماذا لم تنقض الاجتهاد الأول؟ قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. خلص، أنا العائلة الأولى حكمت بينهم باجتهاد ومشوا ووزعوا المال وخلصنا، هي العائلة الثانية يا أخي ظهر لي في المسألة اجتهاد آخر، فتلك على ما قضينا، مش برجع أقول لهم: يلا العائلة السابقة تعالوا نرجع نقسم الميراث من خلص انتهت.
والدليل الثاني دليل عقلي، وقد قال ذلك بقوله: لو نقض بالاجتهاد الثاني الاجتهاد الأول، لنقض النقض أيضاً بالاجتهاد الثالث، لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير، وهذا يفضي إلى التسلسل، والتسلسل يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام وثباتها. وكل شوي بدنا نرجع للعيلة اللي قسمنا ميراثها؟ لا خلص، طلع لنا رأي جديد يلا رجعوا لنا المصاري؟ يقول لك: وبعدين يا شيخ، أول مرة وزعتوا الميراث، بعدين تغيروا اجتهادكم رجعتوا طالبتونا بالميراث للقسم الثاني، بعدين تغير اجتهادكم بعدين جبتونا مرة ثالثة؟ يعني هيك مش راح نتصرف المال وراح أظلني خايف إنه يطلع لك رأي رابع وترجع تقول لي جيب لي المصاري بدي أرجع أقسم قسمة رابعة، والحياة لا تستقر بهذه الطريقة؛ فهذا كلام صحيح من حيث المنطق العقلي.
في ذكر بعض فروعها: من كان في سفر واجتهد في معرفة القبلة فصلى إلى جهة ثم تغير اجتهاده كما قلنا في الصلاة الثانية، فإنه يعمل بالثاني للصلاة الثانية ولا يلزمه إعادة الصلاة الأولى؛ قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً. ثانياً: إذا اجتهد القاضي فيما يسوغ فيه الاجتهاد فحكم بحكم في واقعة ونفذ حكمه، ثم وقع مثلها فتغير اجتهاده فحكى حكم آخر فلا ينقض الاجتهاد الأول. يعني هنا هذا مش مثال، هذه أظنها قاعدة عامة، لو ألحق القائف اللقيط برجل، هو اعتبرها مثالاً من جهة أنها متعلقة بباب القضاء واعتبرها مثالاً من جهة أنها متعلقة بمسألة قضائية، يعني وإن كانت مسألة عامة.
لو ألحق القائف اللقيط برجل، القيافة هذه كانت عند العرب وهم قوم من العرب عندهم فراسة، فكانوا ينظرون إلى رجل الإنسان أو إلى وجهه أو إلى جسده فيعرفون بفراستهم أن هذا ابن لهذا، وهذه الطريقة لا يجوز اعتمادها في إلحاق اللقيط. متى تشرع إذا كان عندنا طفل وجدناه في أماكن من الأماكن العامة ثم جاء مجموعة من الناس كل شخص ادعاه لنفسه؟ فقال رجل: هذا ابني، جاء رجل آخر قال: لا هذا ابني أنا، قال رجل ثالث: هذا ابني أنا. هنا ابتداءً سنطالب المدعين بالبينة، كل واحد يأتي ببينته، إذا أتوا بالبينات أو لم يأتِ أحد منهم ببينة، فهنا ما في مجال إلا أننا نذهب إلى حلول بديلة، لأنه في النهاية برضه يهمنا أن اللقيط ينسب إلى شخص لصيانة الإسلام لإثبات النسب. فقال الحنابلة: إذا لم توجد البينات نذهب إلى هذه الطريقة؛ إلى طريقة القيافة. نأتي بشخص معروف بذلك من أهل الخبرة، من عرف بذلك؛ لأنه هذه لا تُتعلم تعلماً، هذه طبع في بعض القبائل العربية، قالوا: مش إنه بتروح تأخذ دورة في القيافة، لا، هذا طبع يكون في بعض القبائل. قالوا: يذهب إليه ويقول له: أعلم لنا هذا إلى أين ينسب، وإذا قال ينسب إلى فلان فالأصل ينسب إليه.
لو ألحق القائف اللقيط برجل ثم بعد ساعتين ثلاث رجع مرة ثانية قال: أي بالله شوي رجعوا لي إياهم مرة ثانية، الآن اعتبرني أحد القافة فنظرت في ولد قلت: هذا يظهر لي أنه من هذا الشخص، خلص أخذه وذهب. بعد شوي رجع القائف عند القاضي، قالوا: اسمع اسمع بالله لم لي إياهم من جديد بدي أتطلع مرة ثانية، فنظر مرة أخرى فقال: بتعرف لا والله، يظهر لي أنه هذا مش لهذا، يظهر لي هذا لهذا الشخص. هنا هل ينقض؟ خلص يا فلان سلمنا الولد، قلت لها مش لك قلت لها لفلان؟ نقول: لا؛ لأنه الحكم الأول حتى هو حكم ظني، فلا بعد أن أخذته ودخل معك وذهب تأتي تقول لي اسحبوا الولد مني وأعطوه للثاني لأني ظهر لي ظن جديد. فقالوا: لم ينقض إليه، لا يجوز نقل الولد الآن، خلاص نص عليه الشافعية والحنابلة.
القاعدة رقم 11: ما حرم أخذه حرم إعطاؤه. ذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ في بعض كتب القواعد الفقهية، وذكرها الزركشي: ما حرم على الآخر أخذه، حرم على المعطي إعطاؤه. نبدأ بمعنى هذه القاعدة، معناها وهو أن الشيء الذي لا يجوز لأحد أن يأخذه، يحرم عليه أيضاً أن يعطيه لغيره، سواء أكان أعطاه إياه على سبيل المنح ابتداءً أو كان على سبيل المعاوضة. أي شيء حرام أنا أخذه ما بصير أنا أعطيه لغيري، صحيح ولا لا؟ فمثلاً هل يجوز أني آخذ كلباً؟
استمتع به للصيد والزرع، هل يجوز أن أقتني أو أشتري كلبًا أتسلى به في المنزل كما يفعل كثير من الناس؟ لا يجوز؛ فكما أنه لا يجوز أن آخذ كلبًا للتسلية، لا يجوز أن أبيع كلبًا للتسلية أو أهدي كلبًا للتسلية، فما حُرِّم علي أخذه حُرِّم علي إعطاؤه.
هل يجوز أن أشتري آلات للمعازف؟ لا يجوز؛ فكذلك لا يجوز أن أعطيها. وهذه القاعدة تختل لدى كثير من الناس؛ إذ يعرف أن هذا الشيء حرام أن يأخذه، ولكنه يقول: يا شيخ، ماذا أفعل؟ بعته للناس. يا أخي، ما دام شيء حرامًا تقتنيه إذاً هو حرام تعطيه للناس. لا يجوز مثلًا أن يقول لك واحد: أنا لا آخذ الدخان بس أبيعه. طيب أنت حرام تقتنيه، ولا يجوز أن تدخن، فكيف بعته؟ ما حُرِّم عليك أخذه، حُرِّم عليك أن تعطيه وتبيعه وتمنحه وتهديه. هذه قاعدة فقهية، وما أكثر ما يقصر الناس في هذا.
أدلة القاعدة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. فالشيء المحرم عليك أخذه، إذا أعطيته للآخرين فقد أعنتهم على الإثم والعدوان. وفي الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام لعن آكل الربا ومُوكله. قال ابن بطال: مُوكل الربا هو الذي يعطيه، وآكله هو الذي يأخذه. الموكل هو الذي يُعطي غيره، والآكل هو الذي يأخذ. حتى أكون دقيقًا؛ شخص أعطى شخصًا ألف دينار وقال له: رجِّع لي إياهم ألفًا ومائتين، فالموكل هو المقترض الذي سيدفع، والآكل هو الذي سيربح والذي سيأخذ.
وفي الحديث أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام لعن الراشي والمرتشي، فالراشي هو معطي الرشوة والمرتشي هو الآخذ. هذه كلها تدل على أن الأصل هو ما حُرِّم أخذه حُرِّم إعطاؤه، ولكن هل سيكون لها استثناءات؟ نعم، سيكون لها استثناءات. نأتي الآن للجهة الثالثة، بذكر بعض فروعها: الأصل يحرم أخذ الربا وأكله فيحرم إعطاؤه، ويحرم أخذ الرشوة من أحد فيحرم بذلها أيضًا، لكن سيأتي استثناؤها في المسألة. والأصل أنه ما دام حرامًا أخذ الرشوة، فلا يجوز أيضًا دفع الرشوة للناس وللمسؤولين ولأصحاب المقامات. ومهر البغي حرام عليها أن تأخذه وحرام في نفس الوقت بذله إليها. والزامر والعازف حرام عليهما أخذها وحرام بذلها إليهما.
لكن كان يقول العلماء بالنسبة لمهر البغي، أظن في كلام ابن تيمية جميل في قضية أنه مهر البغي حرام صح، ولكن إذا رجل بغى بامرأة مقابل مال، فهذا حرام، قال: لا يُترك المال له وإن كان حرامًا. ليه؟ قال: حتى لا يُجمع له بين لذة الحرام وبقاء المال عنده. لا يؤخذ المال ويتصدق به، يعني يُعطى للفقراء أو يُتلف؛ حتى يتعلم ذاك الرجل الفاجر. يعني رجل زنى بامرأة مقابل مال، والمرأة استيقظت على نفسها وقالت: يا شيخ، والعياذ بالله سقطت في هذه الفاحشة وكنت أنا مشتريًا عليه، هل يجوز أخذ المال؟ هي تابت إلى الله من الفواحش، بس فيه أموال يقول: لا، ما بصير؛ خلص رجعيها له، لأنه هكذا سينبسط الفاجر ويقول: هذا مكسب، هي أخذت أو هو أخذ وطره وبقي المال عنده.
وهذا أيضًا ما نفعله مع الإخوة الذين يُبتلون بالبنوك الربوية أو يقعون في هذه السقطات؛ فيقول الشيخ: أنا كنت مثلًا عشرين سنة مالي في بنك ربوي وفيه فوائد كثيرة ترتبت، الآن تبت إلى الله وأريد أن أنقل لبنك إسلامي، شو رأيك أخلي لهم الفوائد؟ أقول له: لا تُخلِ لهم الفوائد، خذها وتُعطى للفقراء، طبعًا هذا مال حرام لا يُعتبر صدقة عنك، مال حرام فقط يتخلص منه بإعطائه للمضطرين. طيب ليش يا شيخ أخذته؟ مش حرام هو؟ مش قلت ما حُرِّم أخذه حُرِّم إعطاؤه؟ أقول لك تمام، بس الفكرة لو أنت خليته لهم، هم سيُسرون به، وهذا الذي يريده البنك الربوي؛ يقول: الله يكثر التوبات! إذا هكذا يُصبح البنك الربوي يقول: الله يكثر توباتهم، ليه؟ لأننا في فوائد لازم نعطيها إياهم، وكلياتهم يقولون لك تبنا ويأخذون الفوائد يُخلونها لنا. بالتالي هو سيُسر البنك الربوي إذا تركت الفوائد له. لا، خذها وتُعطى للفقراء والمحتاجين، أو تُعطى مثلًا لمصالح المسلمين العامة بأن يُبنى بها مثلًا جسور أو طرقات، بس طبعًا لا يجوز وضعها في المساجد أو الأماكن التي ينبغي أن تكون من مال حلال.
ذكر أهل العلم مسائل جاز فيها الإعطاء مع حرمة الأخذ استثناءً، فمنها أن من لم يتمكن من أخذ حقه إلا بإعطاء رشوة لغيره جاز له دفعها دفعًا للظلم عن نفسه، وحرُمت على الآخذ، وإنما جاز دفعها للضرورة. للأسف كثير صارت اليوم، كثير من السفرات وكثير من الذهبات والطلعات والأوراق الرسمية وجوازات السفر في كثير من دول أو بعض الدول ما تقدر تطلعها حتى تعربن، بترجع وإلا بتجلس أشهر وسنين وما بتمشي لك معاملة، للأسف، فالرجل هنا مظلوم. قال لك يا شيخ: أنا بدي أخلص، بدي آخذ حقي والرجل معطّل أموري؛ قال هنا يجوز أن تعطي الرشوة وهو آثم فيما قبض وأنت معذور فيما دفعت. وأيضًا في مسألة مرت معنا، المؤذن نفس الشيء؛ يعني إذا قال: لا أؤذن إلا مقابل مال مع أنه قادر أن يؤذن بدون مال والدولة المسلمة محتاجة شخصًا يؤذن، فقالوا -مرت معنا هذه المسألة-: يُدفع المال له وهو آثم إن أجبر الدولة على أن تدفع له، والدولة معذورة في أنها دفعت، وقِس على ذلك كل العبادات التي تحتاج الدولة إقامتها ولا يوجد من يتبرع بها مع إمكانهم. طبعًا الكلام هنا أن هذا المؤذن متفرغ ورزقته موجودة وكذا بس هو خلص يقول لك: أنا ما بأذن إلا بأجرة، نقول له: أنت آثم، لكن إذا ما كان في حل غيرك، الدولة معذورة فيما دفعت لك وأنت آثم فيما قبضت وأخذت.
شراء الأسير من الكفار، فالأصل حرمة إعطاء الكفار المال، لكن جاز هنا للمصلحة ورفع الضرر، فهم آثمون فيما أخذوا منا. رح تقول لي يا شيخ: ما هم كفار، يعني هي فرقت أنهم آثمون ولا لأ؟ آه نعم، يزدادون يوم القيامة عذابًا فوق العذاب. تنبيه: يقول من تأمل الصور المستثناة التي ذكرها أهل العلم، يجد أنها من باب الضرورة، فحقها أن تدخل تحت قاعدة: الضرورات تُبيح المحظورات. تمام، يعني نلاحظ أن جميع الصور التي أجزنا فيها أن تدفع مع أنه لا يجوز أن تأخذ، هي داخلة في أي مربع؟ مربع الضرورات تُبيح المحظورات. وهذا يجعلنا يا إخواني ننتبه على قضية: إذا جعلناها داخلة تحت مربع الضرورات تُبيح المحظورات، فمعنى هذا أن دفع الرشوة للمسؤولين من أجل أنك تمشي أمورك في مظلمة حقيقية فعلاً أنت محتاجها حاجة قوية جدًا تصل للضرورة، على الأقل إذا لم نقل للضرورة، على الأقل الحاجة الماسة. وليس المراد أن تصبح ثقافة: خلص يا شيخ ما هم يتبعون الأمانة وهم يتبعون كذا، أي شغلة بدهم إياها عارفين لازم نعطيهم؛ لا، ما تصير ثقافة مجتمعية بحجة أن هكذا الدنيا، هكذا البلد. لا، إذا الشغلة تافهة خليها تروح ولا تدفع الرشوة، إذا الشغلة كانت تافهة ما بدفع الرشوة، خليها تذهب. أنا ما بدفعها إلا لما أكون في حاجة ماسة وعم تتعطل أمور حياتي وبتتكهرب بشكل عنيف ومحتاج أدفع هذه العشرين أو الثلاثين ليرة مشان أخلص من القصة. ولذلك قال الشيخ ابن عابدين الحنفي: وقد صرحوا بأن ما حُرِّم أخذه حُرِّم دفعه إلا لضرورة؛ ما حُرِّم أخذه وحُرِّم دفعه إلا لضرورة، هذا موطن الشاهد.
طبعًا هنا ممكن نسأل بعض المسائل في أمور أنا ما بصير استعملها بس بصير آخذها، يعني مثلًا زي الحرير، لباس الحرير، هل يجوز للرجل أن يلبس الحرير؟ لا، بس بصير يقتني. نعم، ما في مشكلة، أنا ممكن أكون تاجر حرير لملابس حرير وتُباع للنساء، تمام، فكون الشيء لا يُريد للرجل أن يلبسه أو يضعه على نفسه، هنا بس أنبه لا يعني أنه لا يجوز له أن يأخذه. ولذلك لما عمر أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعرض عليه أن يشتري حُلة، قال: إنما كانت حُلة فيها استبرق أو ديباج، فقال: إنما يلبس هذا من لا خَلاق له، فلما كان بعد عام أو شيء أهدى لعمر ثوبًا فيه مثل هذا الثوب، فقال: يا رسول الله، أليس قد قلت إنه في العام الماضي أن هذا ثوب لا يلبسه إلا من لا خلاق له، فكيف تعطيني إياه؟ قال: أنا ما أعطيتكه لتلبسه، وإنما أعطيتكه لتهديه لأقاربك أو من النساء اللواتي يجوز أن يلبسن ذلك. فكذلك مثلًا الحلي الذي من الذهب، لا يجوز للرجل حلي ذهب، لكن بصير يقتنيها، أما يتاجر بها، أما يعيرها، أما كذا. فهنا انتبه أنه لا تجعل القاعدة في غير مكانها؛ بعض الناس قد يظن أنه هذا الشيء ما دام لا يجوز لي أن أستعمله إذاً لا يجوز لي اقتناؤه، وبالتالي لا يجوز لي إعطاؤه. لا، بدك تفرق بين شيء لا يجوز أن أستعمله أنا شخصيًا لكن يجوز لغيري يستعمله، فهذا يجوز أقتنيه لكن ليس للاستعمال، وإنما لأبيعه أو لأهديه لمن يجوز له أن يستعمله. واضح؟ طيب.
قاعدة: إذا تعذر الأصل يُصار إلى البدل، وهذه ألا ترون أنها يمكن أن تكون من قواعد مثل: الميسور لا يسقط بالمعسور؟ تمام، يعني هي يمكن نجعلها تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير؛ إحدى القواعد المندرجة تحتها، نقول: إذا تعذر الأصل يُصار إلى البدل. أنا أعتقد أن هذه القاعدة جيد أن تُجعل أحد فروع قاعدة ماذا؟ المشقة تجلب التيسير، فإنها شبيهة بها لما كنا نتكلم الميسور لا يسقط بالمعسور، لأنه وكذلك إذا ضاق الأمر اتسع، لأنه إذا تعذر الأصل هنا في مشقة، يُصار إلى البدل؛ فهي لا تخرج عن تلك القاعدة، والله أعلم. ذُكرت في مجلة الأحكام العدلية بلفظ: إذا بطل الأصل يُصار إلى البدل.
الجهة الأولى في معناها: التعذر، تعذر عليه الأمر إذا تعسّر، والأصل هنا ما أُمِر به المرء ابتداءً. إذا تعذر الأصل، الأصل يعني هي العزيمة، الحكم الأصلي؛ ما هو الأصل؟ ما أُمِر به ابتداءً، يعني الحكم الأصلي العزيمة، والبدل هو قيام الشيء مقام الشيء الذاب، فالمراد من القاعدة أن الواجب على المرء فعل ما وجب عليه ابتداءً، ولا ينتقل إلى بدله إلا إذا تعذّر عليه فعل الأصل، فشرط الصيرورة إلى البدل هو تعذّر المبدل منه، وفعل البدل مع إمكان المبدل منه غير جائز. فنحن مثلًا كنا نقول كثيرًا إنه من عجز عن القيام في صلاة الفرض يصلي جالسًا، وهو بدل؛ إذا عجز عن الجلوس يصلي مضطجعًا، كنا نذكرها في باب المشقة تجلب التيسير وهي أيضًا تنطبق على: إذا تعذر الأصل يُصار إلى البدل. وإذا كان للشيء أكثر من بدل، لا يُصار إلى البدل الأبعد حتى يتعذر البدل الأقرب، زي ما قلنا إذا صلى وعجز عن القيام، هل يجوز أن يضجع مباشرةً؟ لا، أول بدل هو الجلوس؛ إذا تعذر البدل الأقرب يصير الإنسان إلى البدل الأبعد وهو الاضجاع، وهكذا. وأحيانًا قد يكون مثلًا عندنا في المذهب الاضجاع والاستلقاء جائزان؛ يعني إذا صار الأمر للاضجاع، فالاضجاع والاستلقاء جائزان، وإن كان الاضجاع هو المقدم، فأحيانًا قد تتزاحم الأبدال، قد يكون عندك أكثر من بدل وأحيانًا قد يكون لا، فيه بدل معين، إذا تعذر البدل القريب يذهب إلى البدل البعيد.
الأدلة الدالة على مشروعية الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل كثيرة، ووردت في مسائل عديدة وسيأتي في الفروع ذكر لبعضها؛ من عجز بعد الوضوء بالماء انتقل إلى التيمم. تمام، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43]؛ فعلق التيمم بشرط عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله. طيب، أنه قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ﴾، يعني لا تستطيعون استعمال الماء، أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً؛ فلم تجدوا ماءً هذه تقييد الحالات الثلاث: السفر والغائط ولامستم النساء؛ فلم تجدوها، أما الحالة الأولى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ﴾، فالظاهر هنا لا يتكلم عن عدم وجدان الماء حقيقةً، إنما يتكلم عن تعذر استعماله؛ يعني إن كنتم مرضى فتيمموا، يعني إن كنتم مرضى لم تستطيعوا استعمال الماء للمرض فتيمموا، فكأنه في نوع من دلالة الاقتضاء الذي يحتاج إلى تقريره.
من كان متمتعًا أو قارنًا وعدم الهدي، انتقل إلى صيام عشرة أيام، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]؛ فلا يُصار إلى الصيام إلا بعد تعذر الهدي. وهذه كان حصل فيها خطأ. الواجب في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وتحرير رقبة، فمن لم يجد انتقل إلى البدل وهو صيام ثلاثة أيام، ولا يصح الانتقال إلى صيام ثلاثة أيام إلا مع عدم أو ولا يصح الانتقال إلى الصيام مع إمكان الإطعام أو الكسوة أو العتق. أيضًا في المسألة التي بعدها: من ظَاهَر من زوجته وجب عليه أن يُعتق رقبة، فإن لم يجد انتقل إلى...
صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، كلها على البدلية. وكما تلاحظون في أشياء فيها أكثر من بدل، فلا يذهب إلى البدل البعيد إلا عندما يتعذر البدل القريب؛ إذا كان هناك ترتيب بين الأبدال.
من اغتصب مالاً ثم أراد أن يدفع قيمته للمغصوب منه مع وجود عين المال المغصوب أو مع وجود مثله، فإنه لا يجوز أن ينتقل إلى القيمة مع وجود المثل، ولا يجوز أن ينتقل إلى المثل مع بقاء عين المال قائماً يمكن أن يرده بعينه؛ لأن الأصل يقتضي رد العين ما دامت موجودة، وإنما القيمة بدل، ولا يصار إليها مع إمكان الأصل.
القاعدة الثالثة عشرة: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة. هذه إحدى قواعد السياسة الشرعية؛ أن التصرف في أمر الرعايا منوط بالمصلحة، وليس بالتشهي ولا بالهوى لدى الحكام أو المسؤولين. ذكرت هذه القاعدة في مجلة الأحكام العدلية، وبنحوه وبمعناه ذكرت في كثير من كتب الفقه وقواعده. نص عليها الإمام الشافعي بقوله: منزلة الوالي من رعيته بمنزلة والي مال اليتيم في ماله؛ كما أنه والي اليتيم في أموال الأيتام لا يتصرف إلا لمصلحة الأيتام، والله يعلم المصلحة من المفسدة، كذلك الراعي مع رعيته لا يتصرف إلا بما هو مصلحة للرعية، ومدير الشركة مع الموظفين لا يتصرف إلا بمصلحتهم، والأب في أسرته لا يتصرف إلا بمصلحتهم، وهكذا.
الرعية هم عموم الناس الذين تحت ولاية والٍ ما، ومنوط اسم مفعول من نيط أي عُلِّق، فالمعنى من القاعدة أن كل من وُلي شيئاً من أمور المسلمين، سواء كان خاصاً كولي اليتيم وناظر الوقف الخاص، أو عاماً كالوالي على بلد أو مسؤول عن مصلحة المسلمين، يجب عليه أن يتصرف بما فيه مصلحتهم الدينية والدنيوية؛ لأنهم مؤتمنون على ذلك، ومسؤولون عنه أمام الله سبحانه وتعالى.
طبعاً أدلة القاعدة كثيرة، حديث مثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته». قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره. ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته.
أيضاً ما رواه معقل بن يسار: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» متفق عليه. ومن تصرف بغير المصلحة مع رعيته فقد غشهم. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال لعمر: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم؛ إذا احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت. ومراده أنه يتعامل مع مال المسلمين كما يتعامل والي اليتيم مع ماله، فلا يأكل منه لشخصه إلا إذا احتاج، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6].
الجهة الثالثة في ذكر بعض فروعها الفقهية: يجب على ولي اليتيم أن يتصرف في مال الأيتام بالأحظ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. وبالتالي إذا مات الشخص وله أيتام، لا يجوز من أموال الأيتام أن نعمل عزاء بخيمة مذهلة، ومن أموال الأيتام نطعم الناس ثلاثة أيام؛ هذا حرام، لماذا؟ لأنه أنت كولي على أموال الأيتام وميراثهم من أبيهم الميت لا يحق لك أن تتصرف فيها بهذا العزاء، تعمل بيت وإطعمة للناس وكذا؛ لأن هذا ليس تصرفاً لمصلحة الأيتام فيحرم.
يجب على الوالي العام على المسلمين أن يتصرف في شؤونهم وفي بيت مالهم بالأصلح والأحظ، ولذلك إذا فُتحت أراضي عنوة، هل يخير الحاكم فيها بين أن يوزعها على المجاهدين الغزاة أو يتركها أراضي خراجية لمصلحة بيت مال المسلمين؟ هنا قالوا: يتصرف باعتبار ما هو المصلحة، وليس بما يشتهيه الحاكم. وكذلك لما يأتيه الأسير، هل يخير فيه بين قتله أو فدائه أو رقه أو المن عليه؟ هذه الخيارات الأربع للحاكم في الأسير المشرك أيضاً بالمصلحة وليس بالتشهي والهوى؛ هذا معنى أن التصرفات منوطة بالمصلحة.
لا يجوز، بل يجب على الإمام ونوابه على شؤون المساجد ألا يولوا إلا من كان أهلاً للأذان والإمامة، خاصة إذا علم الخلاف في صحة الصلاة خلف الفاسد. لا يجوز لأحد ممن ولاه الله شيئاً من أموال المسلمين في دائرة حكومية أو رحلة طلابية ونحوها أن يتصرف في هذا المال بغير ما فيه المصلحة. وهذا انتبهوا للأخوة الذين يعملون وتأتيهم مصاري تبرعات أو زكوات لمشاريع دعوية أو إصلاحية؛ أنت في النهاية مستأمن على هذا المال قدر المستطاع. يعني أحياناً شو بصير مشكلتنا؟ أنه في مالنا الشخصي نتحرى ونتحرز وخايف يضيع علي، لكن لما تأتي بين أيدينا أموال زكوات أو أموال للمشاريع الإصلاحية يصير فيها نوع من الفضفضة؛ "يا شباب وين حمل، عاملين تأكلوا معنا اليوم ميزانية منيحة، أخذناها لمصلحة الدعوة، والله حابين نأكل في مطعم فخم"، لو كانت مصاريك تروح عليها؟ لا والله. معناتها في مشكلة، صح ولا لا؟ أنا أفهم يا شيخ أنني أريد إكرام طلاب العلم، ممكن أفهمها في سياقات معينة أن يُكرم طلاب العلم أو ما شابه ذلك، لكن أنا أتكلم عن اجتماع إداري واجتماع عمل؛ لا هذه خلص خليك في الوجبات التي يأخذ منها الناس إذا كانت تُدفع من مال المسلمين، أما إذا تُدفع من مالك الشخصي فأكرم كما شئت.
يجب على ناظر الوقف أن يتصرف في الوقف بما يصلحه وينميه ما أمكن، الناظر على الوقف يتصرف بما يعود على الوقف بالمصلحة.
القاعدة التي تليها: الخراج بالضمان. هذا لفظ حديث من أوتي جوامع الكلم صلوات ربي وسلامه عليه، هذا نص حديث نبوي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضمان». جاء في بعض رواياته أن رجلاً ابتاع غلاماً، فقام عنده ما شاء الله، اشتغل فيه واكتسب منه، ثم وجد بالغلام عيباً فخاصم البائع إلى النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، باعني الغلام والآن اكتشفت أنه فيه عيباً فرده عليه؛ قال بدي أرجعه بخيار العيب وبدي آخذ مالي. فقال الرجل وهو البائع: يا رسول الله، استغل غلامي! أعطيه آخر شيء الثمن ويرجع لي الغلام؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضمان». صحيح استغل الغلام وأخذ منه وانتفع به، هذا هو الخراج (الربح)، لكن هو يربح مقابل هو ضامن لغلامك؛ فلو تلف الغلام خلال المدة السابقة هو الذي سيضمنه، ما دام هو الذي سيضمن إذا تلف، فالربح ينبغي أن يكون له.
فأصبحت قاعدة عامة: «الخراج بالضمان»، ويعبر عنها بصيغة أخرى: "الغنم بالغرم"، من كان عليه الغرم من شيء فله الغنم. والفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة على العمل بهذا الحديث، ولذا قال الإمام الطحاوي: وعملت بذلك العلماء؛ أن العلماء عموماً في الجملة على هذا الحديث، واشتهر في كتب القواعد اعتباره قاعدة فقهية.
والكلام عليه من جهتين: أولاً ما معنى الخراج؟ المراد بالخراج ما خرج من الشيء من عين ومنفعة وغلة. مثل ما خرج من الشيء من عين كاللبن الذي يخرج من الشاة هنا عين خرجت. المنفعة مثال ما خرج من منفعة كالمنافع التي تستفيدها من السيارات والشقق. والغلة مثال الغلة الثمار التي تأخذها من الأشجار، وهذه ممكن تعتبر عين خرجت من عين، أو ممكن نعتبر الغلة هي الأرباح التي تأتي من التجارة، أي النقود.
الضمان هو بمعنى الغرم؛ تقول ضمنت الشيء تضمنه عني يعني غرمته فالتزمته، والقاعدة تقول إن الخراج يكون للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك، أي أن ضمان المبيع لو تلف ومؤنته على المشتري لأنه مالكه، فيكون بالتالي في المقابل الخراج والغل له إذا ربح في مقابل أن الغرم ما عليه. والباء التي في بالضمان بمعنى السببية، يعني الخراج مستحق بسبب الضمان، أو بمعنى المقابلة، يعني الخراج وهو المنفعة أو الربح مقابل للضمان أو للبدل، في المعنى الخراج بدل الضمان.
وتوضيح ذلك أن من اشترى سيارة مثلاً ومكثت عنده شهراً ثم تبين له أن بها عيباً ينقص قيمتها فثبت له خيار العيب، فردها على البائع، فهل للبائع أن يطالب بقيمة ما انتفع به المشتري بالسيارة خلال الشهر؟ الجواب لا؛ لأن هذه السيارة كانت في ضمان المشتري خلال الشهر، فكان يغير زيتها ويزودها بالوقود ولو تلفت لكانت من ماله، فكان من عدل الشريعة أن جعلت له غنمها مقابل ذلك الضمان. إذا فهمت المعنى فاعلم أن هذه القاعدة قد يعبر عنها بتعبير آخر وهو الغنم بالغرم، لكن اللفظ الأول أشهر وأفضل وأشرف بأنه نص حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
من اشترى شيئاً ثم أراد رده لعيب أو نحوه، نقول: لا يخلو، إما أن يكون المبيع بقي بحاله ولم تحصل فيه أي زيادة فله أن يرده ويأخذ رأس المال، وإما أن يكون المبيع قد زاد بعد العقد، وهذه الزيادة على نوعين: زيادة منفصلة، وزيادة متصلة. إذا كانت زيادة متصلة كالسمن أو تقدم السن والحمل قبل الولادة، فإن الزيادة المتصلة ترد إلى البائع مع المبيع؛ لأن القاعدة تقول التابع تابع، فهو هذا مثال على تزاحم القواعد؛ تطبيق قاعدة التابع تابع أولى من تقديم قاعدة الخراج بالضمان، فهذه مستثناة من هنا لكنها أليق بقاعدة أخرى.
أما القسم الثاني أن تكون الزيادة منفصلة فهذه نوعان: أن تكون الزيادة من غير عين المبيع ككسب العبد وكأجرة السيارة ونحوهما، فهذه زيادة للمشتري، يعني أنا اشتريت منك سيارة وصرت أؤجرها للتطبيقات، الزيادة التي حصلتها هي ليست زيادة في عين السيارة، هي أجرة حصلتها مقابل تأجيري للسيارة التي أخذتها منك؛ أنا اشتريت منك عبداً وخليت العبد يروح يحرث ويجيب لي مصاري، الزيادة التي حصلتها هي المال الذي أتى به العبد، فهنا الزيادة ليست في عين ما اشتريته، فهذه زيادة للمشتري فلا يردها للبائع لأن الخراج بالضمان.
الحالة الثانية أن تكون الزيادة من عين المبيع كاللبن إذا حلبه المشتري، أو الولد حملت به أمه ووضعته وهو في ملك المشتري، أو الثمرة حدثت في ملك المشتري؛ فهذه الزيادة أيضاً ملك للمشتري ولا ترد للبائع عند الشافعية والحنابله. هذا النوع الثاني من الزيادات المنفصلة فيه خلاف؛ فعند الشافعية والحنابلة لا يُرد، وقال المالكية: لا يُرد الولد مع أمه ولا تُرد الثمرة.
ومن الفروع أيضاً: من اشترى شقصاً (أي قسماً أو نصيباً) في أرض ذات نخل، فأجرها وأخذ ثمرتها ثم أراد الشريك انتزاع الشقص بحق الشفعة، فما أخذه المشتري من ثمرة وأجرة قبل الشفعة فهو له. أنا اشتريت قطعة أرض وأجرتها لغيري، ثم طلع حق الشفعة؛ فالآن كل ما أخذته من أجرة على الفترة الماضية أنا كمشتري آخذه، وليس الذي طلب الشفعة هو الذي سيأخذه؛ لأنه خلال الفترة الماضية كان غرم الأرض علي، من اللحظة الذي طالب فيها بالشفعة وأخذ بها، خلص أنا سقط حقي في أجرة الأرض وانتقل حقها لمن طلب الشفعة. فمن اشترى شقصاً في أرض ذات نخل فأجرها وأخذ ثمرتها ثم أراد الشريك (صاحب حق الشفعة) أن ينتزع الشقص بالشفعة، ما أخذه المشتري من ثمرة إذا كان هو متعاقداً على جزء من الثمار أو أجرة قبل الشفعة فهو له، وما كان بعد الشفعة والأخذ بها فهو للطرف الآخر؛ ذكره المالكية والحنابلة.
الغرم كل شيء غرمته من مال الغير، والغنم من غنم الشيء إذا فاز به، والمراد بها هنا نفس قاعدة الخراج، أي خراج الشيء وما استفيد منه. وتعتبر هذه القاعدة عكس التي سبقتها؛ لأن القاعدة السابقة تقول الربح مقابل الضمان، وهذه القاعدة تقول الغرم مقابل الغنم، فهي انعكاس لها. فالسابقة تعني أن من عليه الغرم في شيء فله منفعته، ولذا يعبر عنها أحياناً بالغنم بالغرم، وهنا نقول الغرم بالغنم، أي ممكن تقول الغنم بالغرم وممكن تعكس، وكل واحدة بتعطيك عكس معنى الأخرى.
أما هذه القاعدة فهي تعني أن من ينال ومن يستفيد نفع شيء فيجب عليه أن يتحمل الأضرار المترتبة عليه، وهو الذي يضمن. وأطلق جماعة القول بأن القاعدتين بمعنى واحد، قلت: إنما يستقيم هذا فيما يظهر إذا قيل إن القاعدتين بنفس المعنى تماماً، هذا إذا قلنا إن الباء للمقابلة، ولا فرق بين أن تقول الغنم مقابل الغرم ولا الغرم مقابل الغنم. وأما إذا قيل بأن الباء للسببية، فلا، فهنا عندنا سبب ومسبب، وبالتالي سيتعاكس المعنى على حسب أين أدخلت الباء.
أخيراً بعض فروع القاعدة: أجرة كتابة الصكوك والشكات وعقود المبيعات على المشتري، وهذا غرم عليه مقابل توثيق انتقال الملكية إليه، وهذا غنم له؛ أنت عليك أن تدفع أجرة كتابة التوثيقات العقود، لأنه في النهاية من الذي سيغنم؟ أنت تغنم أنه تم توثيق هذه السلعة باسمك. كذلك قال نفقة رد العارية على المستعير، وهذا غرم عليه مقابل الغنم الذي حصله بالانتفاع.
تجب نفقة الفقير على أخيه الغني، طبعاً هذا إذا لم يكن الأب موجوداً وكان الأخ وارثاً، أما إذا كان غير وارث من أخيه فلا يجب عليه أن ينفق عليه. تجب نفقة الفقير على أخيه الغني وذلك غرم على الغني مقابل أنه سيرثه، هذا غرم أنت تغرمني بس مقابل أنه في غنم، أنه إذا مات أخوي أنا الذي أرثه، ومقابل الإرث، هكذا فكرة الحنابلة، مقابل الإرث عليك نفقة على أخوك فهذا غنم له.
إذا اجتمع ملك مشترك للتعمير والترميم، فعلى كل واحد من الشركاء أن يدفع من النفقات بنسبة حصته في الملك، وهذا غرم عليه مقابل الغنم. المصعد الذي يشترك فيه أهل العمارة، النهر الذي يستقي منه أهل محلة معينة، إذا احتاج إلى ترميم أو إصلاح يجب على أهل العمارة كلها أو أهل القرية أو المحلة المستفيدة أن يشاركوا في دفع أجور الإصلاح؛ لأن القاعدة تقول الغنم بالغرم. قبل فترة عمارة كان فيها تغيير لكل مواسير المياه، الأصل كل العمارة تشترك، ليه؟ لأنه الكل مستفيد من هذا الموضوع، لو كان تغييراً لشقة معينة صاحب الشقة يدفع، أما إذا كان ترميماً لنظام المياه أو المجاري أو شيء داخل عمارة فالأصل أن الكل عليه أن يدفع، إذا قرر المختصون أن النظام مهترئ، مش والله أحد الجيران هيك مع بعزقة مصاري شوي وشايف النظام تم فيه مشكلة بس يلا شو رأيكم يا جماعة نصلح نظام الكهرباء، طيب يا عمي باقي العمارة طفرانة، هل محتاجة فعلاً ترميم؟ مش محتاجة بتمشي كمان سنة، لا، ما له أنه يجبر الجيران تحت قاعدة الغنم بالغرم. لكن متى يستطيع أن يجبرهم؟ إذا أتى مختص وقال: آه والله الوضع خطير، والله البنيان قابل للانهدام، الكهرباء قابلة تعمل حريق، هذا السيلان في الماء قابل يتلف بيوت الجيران، فهنا نعم يستطيع أن يلزمهم مقابل ما سيغنموه من الصلاح وانتفى.
نقف عند هذا القدر إن شاء الله اليوم، ونكمل في الدرس القادم إن كان لنا في العمر بقية. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل