بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من التعليق على كتاب "المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية" لشيخنا ومعلمنا الأستاذ الدكتور أيمن الحبشي، متاع الله بالصحة والعافية. وما زلنا نعيش في القواعد الكلية التي سماها القواعد الكلية غير الكبرى، وإن كان يندرج تحتها مجموعة لا بأس بها من القواعد الفرعية أيضا، لكنها ليست بحجم القواعد الكلية الكبرى.
نحن الآن في القاعدة الثانية من القواعد الكلية غير الكبرى، وهي قاعدة: «التابع تابع»، ولها مجموعة من القواعد الجزئية المندرجة تحتها. وصلنا إلى القاعدة الثانية بالتحديد، وهي قاعدة: «التابع لا يفرد بالحكم»، هكذا وردت في بعض كتب القواعد الفقهية عند الفقهاء.
ومعنى هذه القاعدة ما هو؟ نقول ظاهر القاعدة إن كل تابع لغيره لا يصح إفراده بحكم خاص عن متبوعه، لا يجوز للتابع أن تعطيه حكما خاصا مستقلا عن متبوعه. لكن هذا حكم -كما قلنا- كلام عام، يشكل عليه كثير من مسائل الفقه التي ينفرد فيها التابع بحكم. ألا ترى أن المأموم مثلا إذا أحدث بطلت صلاته ولم تبطل صلاة إمامه، والمأموم في النهاية تابع والإمام متبوع، وأمثال هذه كثير جدا.
ولذا قال الشيخ مصطفى الزرقاء: «هذه القاعدة مضطربة التطبيق والفروع؛ لأن صيغتها فيما يظهر أهم من موضوعها». أي صيغتها عامة لكن تطبيقاتها ليست عامة، ولذا يذكر لها الشراح استثناءات كثيرة، ودائما القاعدة كلما كثرت استثناءاتها فهذا دليل ضعفها.
ولذا فقد رأى رحمه الله أن تقيد القاعدة بقيدين؛ الأول: أن يكون معنى التابع في هذه القاعدة هو ما كان جزءا أو كالجزء من متبوعه، يعني التابع الذي لا يفرد بالحكم هو التابع الذي هو جزء أو كالجزء من ماهية المتبوع، أما التابع إذا كان منفصلا كليا عن المتبوع مثل الإمام والمأموم، يعني هذا شيء وهذا شيء، فهنا تختلف القضية. والثاني: أن يكون معنى الحكم في القاعدة هو العقد؛ «التابع لا يفرد بالعقد»، فكانت كأنها أصبحت: «التابع الذي هو جزء أو كالجزء من متبوعه لا يفرد بالعقد»، حتى تكون كلمة العقد تخصص القاعدة في باب العقود وليس في باب المعاملات والعبادات.
أما ما وراء هذه القيود التي ذكرها الشيخ الزرقاء، فالتابع يمكن عنده أن يفرد بالحكم. وتفسير القاعدة بما ذكره الشيخ مصطفى الزرقاء يقوم على ماذا؟ قال: «أغنى عن ذكر كثير من الاستثناءات التي يذكرها بعضهم». وتفسير القاعدة بما ذكر يوهمك أنه سيشرح شيئا، لكنه أراد أن يقول إن تفسير القاعدة بما ذكر أغنى عن ذكر كثير من الاستثناءات.
ومن ذلك مثلا: من ضرب امرأة حاملا وكانت حرة مسلمة، فأسقطت جنينا ميتا، فالواجب فيه ديته، وهو غرة الدية؛ دية الجنين إذا خرج ميتا غرة عبد أو أمة، يعني هذه الغرة، والبعض قيدها بقيمة خمس من الإبل في قول أكثر أهل العلم، مع أنه تابع لأمه لكن أمكن تمييزه عنها لما سقط تماما. هي امرأة ضربت الضربة لم تقتلها لكنها أسقطت جنينا ميتا، الآن الجنين الميت هو تبع لأمه، فهنا نجد أن الجنين أعطي حكما وهو وجوب الدية، مع أن أمه لم تعط هذا الحكم، فهذا يدل على أن هناك العديد من الاستثناءات.
هذا الاستثناء مثلا ليس في باب العقود، لذلك هو قال: «التابع لا يفرد بالحكم في باب العقد»، لكن التابع يمكن أن يفرد بالحكم مثلا في باب الجنايات، أو في باب العبادات. فهذا الذي فعله الشيخ مصطفى الزرقاء محاولة لتقنين القاعدة أكثر وأكثر وجعل تطبيقاتها أكثر واقعية واضطرادا.
الجهة الثانية في ذكر بعض فروعها الفقهية، يقول: «لا يصح بيع الجنين في بطن أمه منفردا عن أمه إجماعا»، حكاه ابن المنذر. ما يصير؛ أنا آتي عليك فأقول: اشتري منك الجنين الذي في بطن ناقتك، لكن لو أنني قلت: اشتري منك الناقة بما في بطنها، يصلح؛ إذا جعل الجنين تبع ما في الناقة، لكن أن تعقد على الجنين وهو في بطن أمه وحده هذا لا يصح.
كذلك لا يصح بيع اللبن وهو في الضرع منفردا عن البهيمة؛ أريد اشتري منك اللبن الذي في ضرع جملك أو ناقتك، نص عليه الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة. لكن لو كان اللبن خلص، تم حلبه ووضعه في مكان مستقل وتقن وخلص وأصبح يمكن كيله، هنا ما في مشكلة؛ لأنه أصبح مستقلا. أما وهو تابع للناقة فلا يجوز العقد عليه دون الناقة.
ممتاز، فهذا معنى أنه جزء أو كالجزء من متبوعه؛ أنه ما دام في الضرع إذا هو ما زال جزءا أو كالجزء، لما ينفصل ويستقر ويتعبأ في زجاج خلص، ما عاد جزءا أو كالجزء، بالتالي يمكن أن يفرد بالحكم عند إذ. كالجنين إذا خرج من بطن أمه حيا، خلص، ما عاد جزءا أو كالجزء من أمه، صار مستقلا، فيمكن عند إذ أن يفرد بالحكم.
ثالثا، قال: «لا يصح بيع الثمرة وحدها على الشجرة قبل بدو صلاحها مع شرط التبقيه»، لأنه مر معنا عند الحنابلة أنه يجوز بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط أن تقطع في الحال. إذا كان هذا في بيع الأصول والثمار، أما قبل بدو صلاحها اعتبرها الحنابلة أنها ما زالت كالجزء من الشجرة لأنها ما زالت تتغذى منها حتى تنضج، فلا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ما لم يشترط قطعها في الحال، لأنك عندئذ كأنك عقدت على الجزء دون متبوعه. أما لو أن الثمار بدا صلاحها، هنا أصبحت في حكم المستقل؛ لأنها خلص أخذت التغذية التي تحتاجها واستقلت، فهي الآن جاهزة للقطاف، عند إذ يجوز بيع الثمار ولو كانت ما زالت على رؤوس الأشجار.
القاعدة الثالثة يقول: «يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها». ذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ في بعض كتب القواعد الفقهية، ووردت بلفظ: «يغتفر في الشيء إذا كان تابعا ما لا يغتفر فيه إذا كان مقصودا لذاته». ومعناها معروف ومشهور تقريره في كتب الفقه، وهي قاعدة صحيحة.
نبدا بمعناها؛ معنى هذه القاعدة تبين أن من الأشياء ما يشترط له شروط إن قصد بذاته، فإن وقع تابعا لغيره قد يتساهل في شروطه. فمثلا الأصل اشتراط العلم بالمبيع ومنع الغرر والخداع والجهالة فيه، لكن قد يتساهل في الغرر إن وقع تبعا، ويتضح ذلك في الفروع.
المسائل الفقهية الآتية، مثلا لو قطع المحرم إصبعًا من يده، أو قلع جلده الذي عليها شعر، فلا فدية في الظفر الذي في إصبعه. يعني لو أن المحرم قطع إصبعه من هنا، هل نقول وعليه فدية لأن الظفر طار مع الإصبع؟ أقول لك خلص، الظفر هنا راح تبع مع الإصبع. فلو قطع المحرم إصبعه لا نلزمه الفدية من أجل أظفره؛ لأن الظفر هنا تبع، ويغتفر في التبع ما لا يغتفر في الأصول، بخلاف ما لو قطع الظفر مباشرة، هنا أصبح الظفر هو المقصود فلا يغتفر فيه وعليه الفدية.
نفس الشيء لو أن المحرم قطع جلده، يعني محرم كان يحك في يده فقطع جلده من شدة الحك، أو بيلعب بسكين فقطع جلده، هي الجلدة لما طارت طار معها شعر، هنا نقول خلص الشعر ما في فدية؛ هذا ليه؟ لأنه يغتفر في التبع ما لا يغتفر في الأصول. لكن لو أنا هذا الشعر نزعته بيدي هكذا وأنا محرم، علي بكل شعرة طعام مسكين، حتى يصبح ثلاث شعرات فتصبح فدية أذى، صحيح؟
من حلف لا يشتري صوفًا فاشترى شاة عليها صوف؛ واحد قال والله ما بشتري صوف، نزل على السوق اشترى شاة على ظهرها صوف، هل نقول والله حنثت لأنك اشتريت الصوف؟ نقول لا، هنا المقصود هو الشاة والصوف جاء تبعًا. شوف هذا التفكير الفقهي العميق، هكذا ذكره الحنفية، وذكر الشافعي نحوه، كمن حلف لا يدخل بيته، فدخل شاة عليها صوف، لم يحلف نفس الفكرة.
ويجوز بيع الشاة الحامل، وحملها تبع لها مع جهالته، ولا يجوز بيع الحمل مستقلاً ابتداءً كما سبق في القاعدة السابقة. ويجوز بيع الثمرة التي لم يبدُ صلاحها مع أصلها؛ ليه؟ لأنها تبع فيغتفر فيها، حكاه الإمام الموفق إجماعًا؛ لأنها تبع حينئذ لأصلها، أما بيعها دون أصلها فسبق الكلام عليه أنه لا يجوز إلا بشرط القطع في الحال، ولو وقف المرء على نفسه لم يصح.
ولو وقف على الفقراء ثم هو افتقر، استحق تبعًا في الأصح عند الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة. يمكن أن يعاودها، شخص وقف وقفًا فاستحق أن يأخذ منه، وهو من وقف على الفقراء ثم افتقر، فيجوز أن يأكل من وقفه باعتباره فقيرًا.
بسم الله، وهذه القضية ينتبه إليها إخواني كثيرًا؛ فبعض الشباب يشدد على الناس في قضايا التبع ولا يفهم فقه المسائل، هذه من المسائل الدقيقة. إني أعرف أن هناك أمورًا إذا جاز أصلها قد يكون في شيء من الإشكال في توابعها، لكن يغض الطرف عن توابعها ما دام جاز أصلها. فينبغي أن ينتبه الإنسان في عقود الناس حتى لا يسارع في إفسادها، ويعرف أن طبيعة الأشياء في الحياة الدنيا الوصول فيها إلى المثالية التامة صعبة، فكثير من العقود نحن نجوزها على شيء من الغرر، نجوزها مع وجود شيء من الغرر لكن قالوا إذا كان الغرر يسيرًا وتبعًا يمكن أن يمشي، زي عقود الاستصناعات وغيرها من العقود، هي في الحقيقة كلياتها فيها نوع من الغرر، لكن لما كانت الحاجة إليها عالية والغرر يقع تبعيًا وليس أصليًا هنا قد يغض الطرف عن شيء منها.
وهذا نوع من التفقه في دين الله سبحانه وتعالى؛ أن يحسن الطالب معرفة أو تقدير حجم الغرر الذي يمكن المسامحة فيه، أن يصل إلى نوع من الملكة أن يحسن تقدير الغرر الذي يعتبر تبعًا، بالتالي يمكن أن يتسامح فيه ويغضى الطرف عنه.
القاعدة الرابعة يقول: «إذا سقط الأصل سقط الفرع»، والقاعدة الخامسة: «قد يثبت الفرع دون أصله»، هذه كأنها عكس القاعدة التي قبلها. القاعدة قبل تقول إذا سقط الأصل يسقط معه فروعه، لكن في بعض الأحيان قد يثبت الفرع مع أن أصله قد سقط. ذكرت هاتان القاعدتان في عدد من الكتب، ويخرج من أولهما قاعدة «التابع يسقط بسقوط المتبوع» ومعناهما مشهور.
نبدأ في المعنى، يقول: هو أن الشيء الذي يكون أصلًا لوجود غيره، إذا سقط هذا الأصل فإنه يقضي على ما تفرع منه بالسقوط أيضًا. مثلًا كالطابق الأرضي في البناء، هو أصل لكل الطوابق التي تأتي فوقه، فإذا هدم الأرضي -وصعب تهدم الأرضي ويظل الثاني لحاله معلقًا في الهواء- فإذا هدمت الأرضي أنت هدمت كل ما بني عليه، فإذا هدمت الأرضي فقد هدمت ما فوقه، هذا في المحسوسات كتقريب قول.
فكذلك نقول في المعنويات؛ أي مسألة بنيت على مسألة أخرى وتولدت منها، فالأصل أن يهدم الفرع إذا هدم أصله. فإذا قلت مثلاً: فلان يستحق من الميراث لأنه أحد أولاد الميت، بنيت استحقاقه للميراث على أنه أحد أولاد الميت، فإذا تبين لي أنه ليس ولدًا من أولاد الميت هدمت الأصل، فانهدم ما ينبني على ذلك وهو أنه لن يستحق من الميراث. فلان استحق من الميراث هذا فرع بني على أنه وارث، فإذا بطل أنه وارث بطل ما تفرع عن ذلك وهو أنه سيأخذ من الورثة.
إلا أن بعض المسائل قد خرجت عن ذلك، فحكم فيها بثبوت الفرع مع سقوط الأصل، فناسب أن تذكر القاعدة الثانية «قد يثبت الفرع دون الأصل» لتكون استثناءً من الأصل، ولكنها صدرت بـ «قد» للدلالة على التقليل، هنا «قد» للتقليل وليس للتكثير لأن ذلك خلاف الأصل. نذكر بعض الأمثلة التي قد تساعد في التوضيح.
ناخذ أمثلة على الحالة الأصلية: سقوط الفرع إذا سقط الأصل؛ إذا مات الموكل انعزل الوكيل عند الجمهور بمجرد موت الموكل، وعند الحنفية والشافعية والحنابلة، وقال المالكية بتفصيل إن علم الوكيل بموت موكله انعزل، لأن الموكل أصل والوكيل فرع، ومفهوم طبعًا إذا كان لا يعلم وتعاقد وباع واشترى قبل علمه بالموت لا تعتبر العقود لاغية.
إذا أبرأ صاحب الدين المضمون عنه الضامن، الضامن هو فرع عن المضمون عنه، إذا صاحب الدين أبرأه فأنا تلقائيًا أبرأتُ؛ لأنه أنا فرع عنك. قال الإمام الموفق: لا نعلم في ذلك خلافًا لذلك، لأنه تبع للمدين والمدين أصل، فإذا سقط الأصل سقط الفرع.
الحائض والنفساء لا تقضيان الصلوات المفروضة، فكذلك لا تقضيان ما هو تبع للصلاة المفروضة وهي رواتبها؛ ليس منطقيًا أن لا تقضي الرواتب بل لا تقضي الصلوات المفروضة. من فاته الحج وتحلل بعمرة.
فقد سقط عنه الرمي والمبيت وغيرها. إذا الإنسان فاته الحج، قلنا ما هو الفوات؟ من وصل إلى عرفة بعد طلوع فجر يوم النحر، فهذا أخذناه في بداية العبادة، قرناه كثير من من وصل إلى عرفة بعد طلوع فجر يوم النحر انتهى، يعني إمكانية الوقوف بعرفة، فصار عنده فوات، فهذا إذا قلنا يتحلل بعمرة.
ممتاز، إذا سقط الحج سقط كل ما يتفرع عنه؛ فلا يأتي يوم النحر يقول: يلا أريد أرمي جمرة العقبة الكبرى، وأريد أطوف طواف الإفاضة، ونقول سقط الحج فسقط كل ما يتعلق به من أعمال؛ لأنها تبع للوقوف بعرفة، وقد سقط المتبوع وهو الوقوف بعرفة، فسقط ما يتبعه بعد ذلك من أعمال الحج الأخرى.
مما يمكن أن يستثنى من هذه القاعدة ويدخل تحت قاعدة «قد يثبت الفرع دون الأصل» قولهم: لو قال شخص لزيد: على عمر ألف دينار لزيد، يعني زيد يريد من عمر ألف دينار، وأنا ضامن له، أي أنا أضمنها الألف، اللي بدك إياها يا زيد من عمرو أنا بضمنها. فإن أنكر عمرو قال: لا، زيد ما بده مني، قال فإن عمر لا يطالب حينئذ قضائيا لأنه أنكر، والقاضي ما بيجي بيطالب عمر، إن كنت معترف أم لا؟ هو غير معترف وصاحب الدين ما عنده بينة، فالقاضي لا يطالب عمر لعدم إقراره، وإنما يطالب من الضامن، الذي هو فرع، يطالب الضامن الذي أقر بذلك، فهنا سقط الأصل ولم يسقط الفرع.
ذكر هذه الحنفية والشافعية مثلا؛ إذا ادعى شخص أن امرأته خالعته على ألف دينار، قال: يا قاضي هي المرأة خالعتني على ألف دينار، تعطيني ألف مقابل أخلعها، وإنكرت ذلك قالت: أنا ما فعلت ذلك، قالوا: بانت منه؛ لأنه أقر أنه خلعها، ولكنه لا يستحق الألف لأنها جاحدة، أنها قالت له: رح أعطيك ألف. فالبينونة هنا، الأصل أن البينونة في المخالعة هي فرع لثبوت العوض، ولكن هنا سقط الأصل وهو العوض، لكن ثبت الفرع وهو البينونة، تخيلوا! وهذا على المذاهب الأربعة؛ لأنه أقر أمام القاضي بشحمة لسانه أنه خالعها. وهذه في مسائل الطلاق والخلع؛ هذه ألفاظ ما دمت أقررت أنك خالعتها لازمك، لكن قضية أنك تريد منها ألف وهي جحدت، أثبت جيب لنا بينة.
بسم الله. القاعدة السادسة تقول: «إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه»، وهذه قريبة من قاعدة «إذا سقط الأصل سقط الفرع»، صحيح قريبة من «إذا سقط الأصل سقط الفرع»، أن نقول: إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه؛ لأن ما في ضمنه يعني تبع له. ذكر هذه القاعدة ابن جازي، ثم قال: هو معنى قولهم «إذا بطل المتضمن» بالكسر، المتضمن هو الشيء الكبير، بطل المتضمن وهو الشيء الموجود في داخله.
والكلام على هذه القاعدة من جهتين، الجهة الأولى في معناها؛ فالمتضمن اسم فاعل من تضمن أي اشتمل واحتوى، والمتضمن اسم مفعول، والمعنى أن الشيء إذا حُكم عليه بالبطلان، فهو حكم على ما اشتمله واحتواه. فمثلا عقد البيع يتضمن امتلاك البائع للثمن، وامتلاك المشتري للمثمن التي هي السلعة؛ فإذا حكمنا على البيع بالبطلان، فقد بطل امتلاكهما للثمن والمثمن. يعني نقول: البيع هذا شيء واسع يشمل في داخله ثمن ومثمن، إذا حكمنا على بطلان البيع كعقد، ما في داخله من التفاصيل وهو الثمن والمثمن بطلت، فبطل ملكي أنا كمشتري للسلعة، وبطل ملكك أنت كبائع للثمن.
إذن، إذا بطل المتضمن بطل ما في داخله، ومعنى هذه القاعدة هو أصلا قريب كما قلنا من قاعدة «إذا سقط الأصل سقط الفرع»، فإن المتضمن فرع عن المتضمن فيسقط بسقوطه. مثلا بعض الفروع؛ لو قلت: بعتك دمي بألف، فقتله وجب القصاص؛ لأن العقد باطل. تخيل واحد يقول لك: اسمع، شو رأيك أبيعك روحي بألف دينار تعطيني إياها؟ هذا شو رأيكم؟ هذا العقد باطل، واحد بيبيع روحه ودمه بألف، اسمع بتعطيها للورثة لأن أنا رح أموت بعطيها للورثة من بعدي، فبنقول له: خلص أبشر رح أمسك الألف وبحطها فيها، فقتله. نقول: وجب القصاص؛ لأن العقد باطل، فيبطل ما تضمنه من إذن، أي من المشتري بالقتل أو من الإذن للمشتري بالقتل. هنا نقول: هذا العقد باطل، ما يصير واحد يبيع دمه وروحه، فإذا باعك دمه وروحه فالعقد باطل، وبطل ما في ضمنه وهو الإذن؛ هو لما باعك دمه كأنه أذن لك أن تقتله، فإذا بطل العقد بطل ما في ضمنه وهو الإذن بالتحديد.
إذا تبايع رجلان واشترط أحدهما على الآخر شروطا، ثم تبين بطلان البيع، فقد بطلت الشروط تبعا؛ لأنها ضمن عقد البيع. لو أنا قلت لك: بدي إياك تبيع لي هذه السيارة، واشترطت عليك شرطين فيهم منفعة، بدي إياك تحمل لي إياها وتغسل لي إياها، واشترطت في لونها وأشكالها ومواصفاتها، وبعد ما انتهينا اكتشفنا أن العقد باطل؛ ليش؟ لأن العقد بمتاجر حرام، الثمن الذي دفعه المشتري حرام، نقول: بطل كل العقد وبطلت شروطه التي هي تبع له.
نأتي الآن، انتهينا من القاعدة الثانية من القواعد الكلية غير الكبرى، نذهب إلى القاعدة الثالثة؛ بعد أن انتهينا من التابع والمتبوع، نذهب إلى قاعدة: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». اشتهرت هذه القاعدة في كتب الفقه وقواعده بلفظها وبمعناها، لكن زاد الإمام الرملي الشافعي في آخرها قوله: «غالبا»، يعني من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه غالبا، وليس دائما؛ هذا قيد. وذكرها الإمام ابن رجب في قواعده بلفظ: «من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم حُرم»، هذا قيد آخر من ابن رجب؛ من استعجل الشيء أو من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته، لكن بأية على وجه محرم. لو أنا استعجلته بطريقة جائزة فليس في مشكلة، لكن على وجه محرم عوقب بحرمانه.
وابن الملقن الشافعي ذكرها بهكذا قاعدة: «المعاملة بنقيض المقصود»، وهذه كثير ما تجدها في التعليلات الفقهية؛ المعاملة له بنقيض مقصوده. مثلا دائما يقولون: من أراد أن يفر من الزكاة، قال: من اشترى أرضا أو شيئا بنية الفرار من الزكاة، ماذا يقولون؟ عوقب بنقيض مقصوده؛ من باع ماله قبيل الحول من أجل الفرار من الزكاة، مش نص أصحابنا: عوقب بنقيض مقصوده وتجب عليه الزكاة لا فرارا من الزكاة؟ مش أقول لك: لا فرارا، لا فرارا؟ فقضية «لا فرارا، لا فرارا» هذه ملاحظة في التعليل الفقهي عند أهل العلم، نبه الإمام السيوطي رحمه الله إلى أن الفروع.
المستثنى من القاعدة بلفظها السابق أكثر من الداخلة فيها؛ فتخيل أنك تظن أنها قاعدة مضطردة، لكن تكتشف في النهاية أن الفروع المستثنى منها أكثر من الفروع التي تنطبق عليها. ولذلك تجدهم يذكرونها في أصول الفقه أحياناً في الملغى غير المعتبر؛ تذكروا قلنا هناك أمور معتبرة وهناك أمور لغو، وهناك أمور مرسلة؛ المصلحة المعتبرة والملغاة والمرسلة. والبعض قد تجده يذكر هذا مثالاً على ما هو ملغى، أو على ما لم يشهد له الشارع بالاعتبار ويتوقف فيها، وهذا يدل على أن القاعدة هذه غير مضطردة اضطراداً كبيراً.
ولذلك يقول السيوطي: كنت أسمع شيخنا قاضي القضاة علم الدين البلقيني، أو أحد كبار أهل العلم، يذكر عن والده -ووالده هو الأشهر منه- أنه زاد في القاعدة لفظاً لا يحتاج معه إلى الاستثناء، فقال: «من استعجل الشيء قبل أوانه ولم تكن المصلحة في ثبوته له، عوقب بحرمانه». هذا طريقة أخرى في التفكير؛ أنه من استعجل شيئاً قبل أوانه ولم تكن المصلحة الشرعية في ثبوته، فإننا سنعاقبه بحرمانه لأنك استعجلت قبل أوانه.
فعندك إذا هناك من قيدها بالأغلبية كشهاب الدين، وهناك من قيدها مثل ابن رجب: «من استعجله على وجه محرم»، وهناك من قيدها بماذا؟ بولم تكن المصلحة في ثبوته، وهو البلقيني رحمه الله. والجهة الأولى في معناها أن من استعجل الشيء الذي جعل الشرع له سبباً عاماً، فطلب هذا المستعجل الحصول عليه قبل أواني حلول سببه العام، بل قصد تعجيل ذلك الشيء بغير السبب الموضوع له، فجزاء لاستعجاله سنعاقبك بحرمانك منه لتجاوزك السبب الموضوع بارتكاب سبب محظور وطريقة غير شرعية في تحصيل مراده.
فمثلاً لو تخللت الخمر بنفسها بدون ما أنت تنقلها إلى مكان بقصد التخليل، خلص؛ نبيح لك أن تستعمل هذا الخل ونحكم بطهارته وطهارة دنه، لكن إذا أنت نقلت الخمر من مكان إلى مكان لقصد التخليل سنعاقبك بالحرمان منه. لو تخللت الخمر بنفسها حلت، ولو خللت بوضع شيء فيها مثلاً لم تحل عند المالكية والشافعية والحنابلة، وكذلك لو نقلها كما قلنا بقصد التخليل.
مثلاً القاتل، واحد والده ما شاء الله معه ملايين، فالولد قال الحج مطول، فمسك السيارة ودعس والده -أسأل الله العافية- يقول لك ما تسجل حادث خطأ وباخذ أنا الورثة؛ فنقول ما دام ثبت أنك قتلت وهذا طريق غير مشروع لن تحصل شيئاً. بل حتى هنا قالوا من باب الاحتياط: بل لو كان القتل خطأ -عند الحنابلة وغير كثير من الجمهور- لو ثبت أن القتل خطأ، من باب إغلاق هذا الباب كلياً ما راح يرث؛ لا يرث من قتل مورثه عمداً بالإجماع لأنه استعجل قبل الأوان.
إذا قتل العبد المدبر سيده عمداً؛ معنى فكرة العبد المدبر في الفقه هو العبد الذي يقول سيده: «إذا متَّ فعبدي حر». فالعبد الآن يستنى حريته بموت سيده، فإذا استعجل العبد أمر السيد وذبح سيده، نقول له: ذهبت عليك، استعجلت شيئاً قبل أوانه فستعاقب بحرمانه، كما أفتى بذلك المالكية والحنابلة.
وإذا قتل الموصى له نفس الشيء؛ الموصي يقول: «يا فلان، أوصيت لك بخمسمائة ألف دينار إذا مت»، فالموصى له قال: يا رب هذا الموصي يموت، فاستعجل الموصى له وقام بقتل الموصي، فهنا نقول للموصى له: عقوبة على استعجالك سنحرمك من حقك في الوصية، كما أفتى بذلك الحنفية والمالكية والحنابلة.
ومن عقد على امرأة زمن عدتها ودخل بها حرمت عليه تحريماً مؤبداً عند المالكية؛ فالمالكية قالوا أنت هذه المرأة لو استنيت عليها حتى تنتهي عدتها تأخذها بالحلال، لكنك استعجلت ولم تكتفِ بالعقد بل دخلت فيها، وهي الجريمة فوق جريمة، فستحرم عليك تحريماً أبدياً مثل تحريم اللعان عند السادة.
نذكر بعض الاستثناءات من القاعدة، مثلاً يقولون لو أن أم الولد قتلت سيدها؛ أنتم تعرفون في الفقه الإسلامي أننا ذكرنا كثيراً أن أم الولد -وهي الأمة التي ولدت من سيدها- إذا مات سيدها تصبح مباشرة حرة. فهذه الأمة ولدت من سيدها وأصبحت أم ولد، وكانت تستنى موت السيد، فاستعجلت وقتلت السيد، هنا في الحقيقة قالوا عتقت؛ عتقت هكذا أفتى أصحاب المذاهب الأربعة ونص عليه، وطبعاً ستقام عليها عقوبة تتعلق بها، لكن الفكرة أنها عتقت واشترت حريتها.
ولو قتل صاحب الدين المديون؛ لو قتل صاحب الدين المديون، فصاحب الدين يذهب ليقتل المديون ليأخذ دينه من أولاده من الميراث. فهل نقول أنت استعجلت الشيء قبل أوانه ستعاقب بحرمانه؟ لنفترض أن الدين كان مؤجلاً؛ عند كثير من الفقهاء الدين المؤجل يحل بالموت، إذا أنا أريد منك خمسمائة ألف دينار بعد خمس سنين، فإذا أنت متَّ تحل مباشرة، بخلاف مذهبنا فمذهبنا لا يحل الدين بالموت بل نستنى.
لكن هنا ذكر عند الحنفية والشافعية أن الدين يحل بالموت، وإذا تلاحظون عندكم في الحاشية رقم سبعة ما رأي الحنابلة؟ يقول إن الدين لا يحل بموت المدين إذا وثق الورثة حق صاحب الدين برهن محرز أو كفيل مليء، كنا نذكرها كثيراً في أخصر المختصرات. المهم، كما قلنا صاحب دين يريد منك خمسمائة ألف دينار بعد خمس سنين وهو الآن احتاج إليها، فاعتبرناها ديناً من الديون، فإذا قتل المديون ليحل الدين، عند الحنفية والشافعية نقول: هذا استعجل الشيء قبل أوانه، فهل سيحل الدين؟ قالوا يحل، لأنك استعجلت الشيء قبل أوانه، لكنك ستقتل قصاصاً.
وهذا الدين مش أنت اللي رح تتهنى فيه، أعطيه لأولادك. الآن إذا ثبت أمام القاضي أنك قتلت عمداً سيُقتص منك، سيحكم أنه الدين حل، لن نقول من استعجل شيئاً قبل بحرمانه، سنحكم أن الدين حل لكن أنت لن تذوق منه شيئاً، أنت ستذهب إلى القصاص إلا إذا عفا أحد أولياء المقتول فبتدفع الدية، فتطلع على صبرات وترجع بتدفع الدين الذي أخذته، إلا إذا كان الدين أكثر من ذلك، ما أدري، لا يبطل التدبير بقتل المدبر سيده عند الحنفية.
في المثال السابق قلنا إذا قتل عبدٌ مدبراً سيده يبطل التدبير عند المالكية والحنابلة، وعند الحنفية قالوا: لا يبطل، لكن هل يمكن أن يقام القصاص؟ نعم يمكن أن يقام القصاص بطريقة ما، قد يكون كسب حريته لكنه قص منه.
إذا قتل الموصى له الموصي عمداً فإنه لا يحرم من الوصية على الأصح عند الشافعية، وإن كان يحرم عليها عند المالكية والحنابلة. وإذا قيدت القاعدة بالقيد الذي ذكره السيوطي نقلاً عن البلقيني فيمكن الاستغناء عن ذكر هذه الاستثناءات؛ إذ يمكن أن يقال إن مصلحة عتق أم الولد وعتق المدبر وحلول الدين أولى من مصلحة معاملته بنقيض مقصوده، وإن كان هذا الكلام أيضاً يحتاج إلى نظر. ومسائل تطبيق القصاص إلى غير ذلك من الأمور يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار.
القاعدة رقم أربعة من القواعد الكلية -وغيركم لاحظوا أنه هي القاعدة الثالثة لم يذكر لها فروع تندرج تحتها- القاعدة الرابعة من القواعد الكلية غير الكبرى: «الساقط لا يعود». ذكرها ابن نجيم وبعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة في غيره.
ما معنى الساقط لا يعود؟ الآن يقولون الحقوق على ضربين: حقوق لله تعالى لا يمكن إسقاطها متى ثبتت عند الحاكم مثل الحدود، إذا ثبتت عند الحاكم بشروطها لا يمكن إسقاطها كحد الزنا وشرب الخمر. والضرب الثاني: حقوق خالصة للعبد يمكن لصاحب الحق أن يسقطه كالدين وحق الشفعة. وهذه القاعدة «الساقط لا يعود» محلها في النوع الثاني، في حقوق العبيد التي تسقط بإسقاطهم لها؛ فإذا أسقط صاحب الحق حقه منها فقد سقط ولا يمكنه أن يرجع فيطالب.
والله واحد أسقط الدين وأبرأك، ينفع بعد شهرين يندم ويقول: «أنا أبرأتك بس والله بدي أتراجع عن قراري»؟ خلص، إذا أبرأ انتهى. نفس الشيء مثلاً الطلقة الثالثة، حتى في الطلاق إذا معي ثلاث طلقات، فالمرأة هي حقي وفي عصمتي ما دام لم أطلق الثالثة، إذا طلقت الثالثة خرجت من حقي وأصبحت أجنبية حتى تنكح زوجاً غيري، وهي ترضى بي بعد ذلك بعد أن يطلقها الزوج الآخر ويدخل ويرضى بي. هنا نقول: أنت أسقطت حقك لأنك طلقت ثلاث طلقات، استوفيت كل الذي عندك، أسقطت عصمتك لهذه المرأة، والساقط لا يعود، ينفع بعد ما يطلق الطلقة الثالثة يجي يقول لك: «يا أخي والله اندمت خلص بدي أرجعها»؟ شو بنقول له؟ الساقط لا يعود.
الجهة الثانية في ذكر بعض الفروع الفقهية: من كان له دين على آخر فأبرأه منه وقبل المدين الإبراء؛ لأنها طبعاً مسألة هل يحتاج إلى قبول المدين؟ هي مسألة فيها خلاف، البعض قال يشترط قبول المدين للإبراء حتى لا يكون مكرهاً عليه، والبعض قال لا يشترط قبول للمدين ما دام أبرأ وخلاص سقط المهم. فالشيخ يقول لك في الحاشية: «أنا اشترطت هذا الشرط خروجاً من الخلاف»، قال: «فقد برئت ذمته ولا يمكن للدائن الرجوع بعد ذلك باتفاق الفقهاء». ومن أسقط حقه في الشفعة بعد البيع سقط حقه في الشفعة وليس له المطالبة بها بعد ذلك، خلص الشفعة إذا قلت كلمة طلعت منك ما لها رجوع، انتهى الساقط لا يعود.
ومن قذف زوجته ثم طلقها ثلاثاً بائناً سقط اللعان عند الحنفية. قال لزوجته: «أنت فعلت الحرام» -الله العافية- ثم مباشرة طلقها طلاقاً بائناً، يقولون سقط اللعان عند الحنفية ولا يعود لو تزوجها بعده؛ لأن الساقط لا يعود. يعني أنت قذفت زوجتك وكان لك حق اللعان، هو لم يأخذ حق اللعان، هو قذفها ثم طلقها مباشرة طلاقاً بائناً، بنقول سقط حقك في اللعان، فلو رجعت بعدين تزوجتها بعقد ومهر جديد، ما تقدر تقول: «والله في حق لعان لي كان في العقد السابق حابب أرجع استوفيه»، وسقط حقك في اللعان لأنك لما طلقتها طلاقاً بائناً كأنك أسقطت لعانها.
طيب شوف القاعدة رقم خمسة: «تبدل سبب الملك يقوم مقام تبدل الذات». هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، وذكرها بهذا اللفظ ونحوه بعض الحنفية، وذكرها السرخسي بقول: «اختلاف أسباب الملك ينزل منزلة اختلاف الأعيان». وحقيقة هذه قاعدة مهمة وخطيرة في تطبيقاتها في المال الحلال والحرام، ومعناها مقرر عند الفقهاء يتبين لك في الفروع.
الجهة الأولى يقولون: من ملك شيئاً بسبب معين، أنا امتلكت هذه الكأس بماذا؟ بعقد بيع، أو امتلكتها بإرث، ثم انتقل هذا الشيء، هذه الكأس نفسها، انتقلت إلى شخص آخر بملك جديد بسبب آخر؛ أنا وهبتها لك بعد ما ملكتها أنا ببيع أو وراثة، رحت وهبتها لك فأصبحت هذه الكأس نفسها ملك لك بماذا؟ بعقد جديد وهو عقد هبة أو بعقد بيع أو ما شابه ذلك، فإننا نعتبر هذا الشيء -وهو هذه الكأس- من حيث الحكم كأنه أصبح شيئاً آخر؛ لما كان لي ثم صار لغيري بسبب ملك جديد، كأن هذا الشيء تغير. هي في الواقع تغيرت؟ لا، هي هي الكأس، بس لما نشأ لها ملك جديد بسبب عقد أو سبب جديد قلنا كأن الكأس تغيرت وإن كانت في الواقع لم تتغير.
هذا معنى قوله: «تبدل سبب الملك كأنه يقوم مقام تبدل الذات»، وإن كانت الذات -وهي السلعة- لم تتبدل، لكن الذي تبدل هو مالكها بسبب طروء سبب جديد وأمور جديدة في الحياة، فلفظ «الذات» في القاعدة تعني عين الشيء الذي انتقلت ملكيته، وسيتبين لك هذا من الفروع.
لكن هنا تنبيه: محل إعمال هذه القاعدة حصول الملك الجديد بطريق صحيح شرعاً، وأما من لم يملك المال ملكاً شرعياً فلا يحل له ولا لغيره. فمن سرق شيئاً مثلاً ثم أهداه لغيره، لم يحل المال للمهدى إليه لعدم ملك السارق له أصلاً، فتصرفه فيه باطل. ومن ثم نص أهل العلم على المنع من قبول هدية من جميع ماله حرام؛ هذه مرت معنا أن الذي ماله كله حرام ما يصير أقبل هديته، ما يقول: «يا أخي هو جابها بالحرام وأنا بأخذها منه بالحلال»، مش تبدل سبب الملك يقوم مقام تبدل الذات، ونقول له لا تطبق القاعدة هنا؛ لأنه هنا أنت تعرف أن هذا الرجل كل ماله حرام. لو كان عنده مال حرام ومال حلال، هذا صاحب مال مختلط يكره.
قبول هديته لأنه أنت لست متأكداً، لست متعيناً، هل الهدية اشتراها بالمال؛ مال الحلال أو الحرام؟ لكن من كان كل ماله حراماً، فكل ما يهديه لغيره لا يجوز.
من هنا تأتينا كثير من الفتاوى؛ شخص اشترى سيارة بالبنك الربوي، اشترى سيارة ببنك ربوي وقرض ربوي، والآن يريد أن يبيعها لغيره. أنا الآن كإبراهيم عرفت أن هذه السيارة تم شراؤها بعقد ربوي، والآن عند جماهير العلماء العقد على هذه السيارة باطل، والذي يبيعني هذه السيارة هو لا يملكها في الشرع؛ لأنه تمت بعقد ربوي باطل بمال حرام.
تمت بمال كله حرام، أخذ قرضاً حراماً كلياته ودفعها سيارة، فأنا أدرك أن هي السيارة اشتريت بثمن حرام، فالعقد عليها باطل. فلا يصير أنا أشتريها منه، أقول أنا ما دخلني، هو اشتراها حرام من البنك أنا بشتريها منه بالحلال؛ لا، ما بيزبط، لأنه هنا أنا متأكد أن هذا العقد على هذه السيارة ابتداءً هو عقد باطل، وبالتالي الذي يبيعني السيارة لا يبيعني حقيقة شيئاً يملكه في الشريعة.
هذه كثير بتصير في البنوك، أو يجي مثلاً يكون ضائلاً عليه قروض ربوية، يجي على شخص يبيع إياها مشان يكمل أقساطها، بس هي أدهى وأدهى. فهنا تنتبه أنه إذا العقد الأول حرام وأدى إلى بطلان، فأنت لا يجوز أن تروح تشتري هذه السلعة، حتى لو قلت أنا بدي أشتريها بشروط حلال؛ ليه؟ لأنه عارف أنه هذا شيء حرام.
نفس الشيء، أنا صاحب عقارات كثير بتيجيني هذه الصور، بل هذه في المجتمع دائرة. أنا صاحب عقارات وشقق، بيجيني واحد يقول لي: أنا يا شيخ راح آخذ قرض من بنك كذا وكذا من البنوك المحرمة مشان أدفع لك حق الشقة، وراح فعلاً على البنك الربوي وجاب مصاري، يصير أنا أبيعه؟ لا، ليه؟ لأن هذا المال الذي بده يدفع لي إياه ليس ملكاً له؛ لأنه بعقد باطل، وهو عقد قرض باطل.
والأصل ماذا يعمل؟ يرجع المال، الأصل يرجع المال، العقد باطل. فإذا أنا أعرف تماماً أن هذا الرجل جاي على سلعتي أو محلي أو متجري يأخذ سيارة أو شقة من عندي، وأنا أعلم أنه جاي يأخذها بمال حرام أتى به من البنك الربوي، هنا أنا لا يجوز لي أن أبيعه؛ لماذا؟ لأنني أعلم أن هذا المال الذي بين يديه ويدفعه ليس ملكاً له؛ لأنه أتى بعقد باطل.
فلا أقول أنا ما دخلني بهذه، فقاعدة الناس في بلادنا: أنا ما دخلني، أنا أخذته منه بطريقة حلال وهو بتلا. أنت هنا لا تقل لي تبدل سبب الملك، يعني تبدل الذات، هنا هو أخذه بعقد باطل، فلو انتقل ما انتقل، هو ينتقل بطريقة غير شرعية وغير صحيحة. وقص على ذلك كثير من القضايا التي تشبه هذه القضية.
دليل هذه القاعدة -وهو أن ما ينتقل بطريقة صحيحة يتبدل حكمه- دليله القصة الشهيرة، قصة بريرة رضي الله عنها. دخل النبي ﷺ والبرمة تفور بلحم، يعني كأنه كان في صينية أو شيء على النار وتفور باللحم، فقرب إليه خبز، وآدم من آدم البيت، فقرب إليه خبز جهزت له عائشة رضي الله عنها شوية خبز شوية قدام يأكل.
فقال -يعني طب أنا شفت البرمة فيها لحم- شوف النبي ﷺ يقول لعائشة: "طب بتطعميني خل أو زيت أو كذا؟ طب البرمة عليها لحم لماذا لا آكل منه؟". قالوا: بلى فيها لحم، لكن ذاك لحم تصدقت به على بريرة. وبريرة أهدت لمن؟ لعائشة وبيت النبي ﷺ. فماذا فكرت عائشة؟ أنه ما دام هذا اللحم امتلكته بريرة بالصدقة فيبقى حكمه صدقة ولو انتقل إلينا بالهدية، فعلمها النبي ﷺ فقال: «هو عليها صدقة».
هي امتلكته على أنه صدقة، لكن لما أعطته لبيت النبوة أعطته على أنه هدية، فتبدل سبب الملك كأنه تبدل للذات، بس هنا عملية الانتقال عملية شرعية، فيش عقد باطل خلالها. ووجه الدلالة أن هذا اللحم تملكته بسب الصدقة، ثم انتقلت ملكيته إلى النبي ﷺ بسبب الهدية، فاعتبر النبي ﷺ تبدل سبب الملك قائماً مقام تبدل اللحم، واللحم بالسبب الأول الذي هو الصدقة كان حراماً على النبي ﷺ حلالاً على بريرة، ثم هو بالسبب الثاني وهو الهدية أصبح جائزاً على النبي ﷺ.
بعض فروع القاعدة مثلاً: الفقير إذا امتلك شيئاً بالزكاة ثم أهداه إلى غني، هل يجوز للغني أن يقبل هدية الفقير التي يعرف أنها حصلت له من الزكاة؟ نعم، لأنها حصلت له من الزكاة، لكن لما الفقير أهداها للغني أهداها له بسبب آخر وهو الهدية.
كذلك من تصدق على أمه بشيء ثم ماتت أمه. نحن بدنا نفهم، الإنسان ما يصير يزكي على والدته -أعوذ بالله أن يقول الإنسان أو يزكي على والدته- المراد يعني أهدى لأمه شيئاً، وشافها ضعيفة وفقيرة ومحتاجة راح ساعدها، أهدى لها شيئاً، طيب ثم ماتت الأم وهو الوارث الوحيد. هذا الشيء الذي أهديته لوالدتك انتقلت ملكيته أولاً منك إليها، ثم عادت ملكيته منها إليك؛ لأن هذا سبب جديد من أسباب الملك وهو الإرث، فإنه يمتلك ما تصدق به على الأم بالاتفاق.
ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عمرو: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أعطيت أمي حديقة في حياتها، وإنها توفيت ولم تدع وارثاً غيري، فقال ﷺ: «أحسب أن الله رد عليك حديقتك». قال: إن الله رد عليك حديقتك، وقبل صدقتك. صدقتك الأولى مقبولة إن شاء الله، والمراد بالصدقة هنا العطية.
طبعاً كلمة الصدقة تطلق على كل عطاء يبتغي فيه الإنسان الأجر، قال: «حتى اللقمة تضعها في فم زوجتك صدقة»، صدقة مش بالمعنى المذموم، صدقة يعني باب من أبواب الخير، باب من أبواب الخير.
من المستثنى من هذه القاعدة؟ هناك استثناءات لهذه القاعدة، وهي أمور حتى لو أنت العقد الأول عليها كان صحيحاً، لا يجوز أن تعود إليها بعقد آخر؛ قالوا: شراء المتصدق صدقته بعد أن ملكها الفقير. لو أنا عندي سيارة تصدقت فيها على رجل فقير، والفقر نزل فيها في الحراج وصار يبيعها، يصير أنا أنزل على الحراج وأروح أشتريها منه؟ قالوا: لا.
النبي ﷺ قال لعمر: «عمر كان عنده فرس فحمل عليه في سبيل الله»، يعني كأنه أوقفه للمجاهدين في سبيل الله يركبونه، فالرجل الذي عمر أعطاه هذا الفرس، ربما مش أوقفه تصدق به على رجل فقير، فالرجل الذي تصدق عليه عمر، الرجل الذي...
تصدق عليه عمر بالفرس، قال: ضيع الفرس ما عاد يهتم به، فوجد عمر الفرس يُباع في السوق، فقال: يا رسول الله اشترِه، قال: «لا تشترِه ولو أعطاك بدرهم؛ فإن العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه».
فهذا لأمر مخصوص يتعلق بحسم تعلق الغني بماله، أنه خلص شيئاً طلعته لله لا ترجع تتعلق به، فأنت الآن أخرجته إلى الفقير بسبب وهو الصدقة، لا تقول: والله بدي أمتلكه بسبب جديد وهو الشراء. يا شيخ تغير سبب الملك يقوم مقام تبدل الذات؟ نقول له: لا، والله هذه المسألة مستثنى في باب الصدقات بالتحديد.
لكن طبعاً المالكية هنا خالفوا، وصححوا الشراء مع الكراهة، يعني المالكية لم يقولوا بالبطلان، وكذلك مذهب الشافعي لم يقلوا ببطلان الشراء، كأنهم حملوا قول النبي ﷺ لعمر: «لا تبتعه وإن أعطاك بدرهم» على الكراهة وليس على التحريم. أما السادة الحنابلة في معتمد المذهب عندنا، فحملناه على التحريم والبطلان، واستدللنا على هذه المسألة بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قصصته لكم قبل قليل.
كم ذهاب من الوقت؟ 50 دقيقة، ما شاء الله، كل هذا 50 دقيقة. طيب نكمل، هين ماشيين، ما أدري، ممكن نختم الكتاب وإحنا ماشيين، بسم الله.
القاعدة: «المعلق بشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط». لاحظ إخواني، علم القواعد الفقهية تجد أنه علم سلس، ما تشعر أن القضية معقدة خاصة بدك تأخذ بعض التطبيقات. نحن الآن نطرحه بطريقة أساسية، وإلا لو مثلاً تقرأ قواعد ابن رجب بتعرف سعيدة شو يعني علم القواعد الفقهية، لما يعطيك القاعدة وشروطها واستثناءاتها وأمثلة في المذهب والروايات.
تبدأ تدقق هنا: الحنابلة لماذا لم يقولوا مقتضى القاعدة هنا؟ قالوا إنه أنت ستصل في مرحلة معينة أن أصل كل فرع تدرسه في كتاب الروض المربع أو هداية الراغب أو شيء من هذه الكتب، أن الفروع ليست مباشرة في السيستم الدماغي كما يقولون، بل ترتبط بقواعدها. بدك تصير ملكة عندك قدرة على ربط الفروع بقواعدها، ثم بدك تعلم لماذا هذا الفرع -وإن كان يظهر في بادئ الرأي أنه ملحق بقاعدة- لا يندرج تحتها وألحقته بقاعدة أخرى؛ بدك تعرف أسباب الخروج عن القواعد، ولماذا هو أليق بقاعدة أخرى. هنا تبدأ تدقق النظر جداً جداً لتعرف الفروق الفقهية والأشباه والنظائر.
هذا علم كبير يحتاج منك إلى تدقيق أثناء الدرس الفقهي عموماً، وإلا فالقواعد الفقهية كما قلت من العلوم الجميلة، أنا أعتبرها من العلوم الجميلة الخفيفة والتي تعتمد على الشيء العملي، فعلاً العملي الحياتي؛ بأنك تتكلم في قواعد حياتية: هيك كذا ماله حرام، ما تأخذ وهكذا.
القاعدة السادسة من القواعد الكلية غير الكبرى: «المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط»، هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، وقريب منها قول الكرابيسي: «المعلق بالشرط كالمتلفظ به عند وجود الشرط»، وفي ترتيب الآلي: «المعلق بالشرط معدوم قبله». المعلق بالشرط تمام، معدوم قبل وجود الشرط، فإذا وجد الشرط تحقق تماماً؛ لأن أي شيء علقت وجوده أو عقده على شرط، يجب ثبوته متى؟ عند ثبوت الشرط.
بس هل كل الأمور تقبل التعليق على الشروط؟ سنجد مثلاً أن كثيراً من العقود، كعقد البيع كعقد، لا يجوز تعليقه على الشرط، وعقود الإيجارات وعقود التمليكات عموماً لا يجوز تعليقها على شرط، كأن تقول: والله أبيعك إن جاء فلان، تذكروا هذه، أو أؤجرك إن حصل كذا، أو أهبك إن... فالأصل أن العقود لا تقبل التعليقات، بل حتى العبادات، إذا تقبلون النيات، والله إذا جاء كذا فإني صائم، وإذا لم يخرج من رمضان فأنا غير صائم؛ هذه قلنا إنها لا تصح هذه النية باعتبارها التردد في النوايا.
المهم، المعلق بالشرط يجب ثبوته لكن عند ثبوت الشرط، ومعنى هذه القاعدة أن الأشياء التي يصح تعليقها بشرط لا تثبت إلا إذا ثبت شرطها، وأما قبل ثبوت الشرط فتكون هذه الأشياء معدومة. وقيل: هذه الأشياء بما يصح تعليقه بالشرط؛ لماذا؟ لأنه كما قلنا هناك كثير من العقود والعبادات لا تقبل أن تُعلق بالشروط، لأن من الأشياء ما لا يصح، كعقود المعاوضات في الجملة لا تقبل التعليق بالشروط، كعقد البيع، ولا يصح عند الجمهور أن يقول: بعت سيارتي إن جاء زيد؛ لأن الأصل في عقد البيع أن يكون منجزاً لا معلقاً، وقس عليها عموم عقود المعاوضات.
والمراد بالشرط في القاعدة هنا هو الشرط اللغوي، ما عُلق بشرط، يعني الشرط اللغوي وليس الشرط الشرعي. نحن مر معنا في أصول الفقه أن كلمة الشرط تطلق على الشرط اللغوي والشرط الشرعي والشرط العرفي، فالكلام هنا عن الشرط اللغوي الذي يكون بإحدى أدوات الشرط: إن، ومن، وما، ومهما، وأيان، ونحو ذلك.
وربما حصل التعليق ليس بشرط لغوي صريح، لكن بما يُفهم منه الشرط ولو كان بغير أدواته المعروفة، كما لو قال الرجل لامرأته: امرأتي طالق إلا أن يقدم زيد. الآن هذا الاستثناء، لو واحد قال: زوجتي طالق إلا إذا جاء زيد من السفر اليوم مثلاً، فهنا ما في أداة شرط "إن" ولا "إذ" ولا "ما" ولا "مهما"، بس هذا الاستثناء وكأنه يقوم مقام الشرط، لما يقول واحد: زوجتي طالق إلا إذا جاء زيد اليوم، إيش معناها هنا؟ هي نوع من التقييد، فكأنك تقول: إن لم يقدم زيد فالزوجة طالق، هيك أنت حكيت ضمنياً ولكن أتيت بمضمون ذلك، فإن هذا يعمل على الشرط فيصير كأنه قال: إن لم يقدم زيد فامرأته طالق.
ومثله هذا قول كثير من الناس: «علي الطلاق ما بفعل كذا»، يريد ماذا؟ معنى «علي الطلاق ما بعمل كذا» مفهومه أنه إذا فعلت هيك زوجتي طالق، وتعليق الطلاق "إلا إذا" كما قلت يقصد به "علي الطلاق" أني سأطلق، ممكن شخص ينوي أنه سيطلق، فهذا وعد بإيقاع الطلاق وليس جزماً بالطلاق إذا حصل الشيء.
بعض الفروع الفقهية المندرجة تحتها يقولون مثلاً: من علق طلاق زوجته على شرط فحصل الشرط فقد وقع الطلاق عند المذاهب الأربعة، انتبهوا يا قوم، المذاهب الأربعة أربعة يقولون ماذا؟ الطلاق المعلق يقع بحق بوقوع المشروط أو بوقوع الشرط؛ الطلاق المعلق يقع بوقوع الشرط. لا يفتون برأي ابن تيمية وبعض الفقهاء أنه يفصل: إذا كان قصدك إيقاع الطلاق تطلق، وإذا لم يكن قصدك إيقاع الطلاق وقصدك أنك تحثها أو تمنعها فإنها كفارة يمين، لا، بل نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على ذلك؛ كمن قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فإنها تطلق بمجرد دخولها الدار، أو قال مثلاً: علي الطلاق إن فعلت كذا قاصداً تعليق الطلاق على الفعل ففعلت.
الطلاق على الفعل؛ أنه ممكن، ففي التحديد كلمة «عليَّ الطلاق» قد لا يقصد تعليق الطلاق على الفعل، بل يقصد أنه سيقوم بالطلاق، إن فعل فهذا وعد وليس تنجيزاً للطلاق، إن وقع الفعل.
أو قال: «عليَّ الطلاق إن لم تتغدَّ اليوم يا فلان»، قاصداً تعليق الطلاق على عدم غذائه، فإن لم يتغدَّ فإن الطلاق يقع. في كل هذه الأمور نفس الشيء، كذلك التدبير وهو تعليق عتق العبد على موت سيده، كأنه يقول للسيد، أو كان يقول السيد مثلاً: «إذا متَّ فعبدي فلان حر»، هذا هو التدبير أصلاً، والتدبير كبير طبيعته هو أن يكون معلقاً بالموت، وهكذا طبيعة هذا التصرف. ومثله تعليق العتق على فعل شيء، كما لو قال السيد: «إن فعلت كذا فأنت حر»، فالعتق يقبل التعليق على الشروط، فإذا وُجد الشرط وُجد المشروط.
قاعدة أخيرة نختم بها درس اليوم، وهي قاعدة: يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان. هذه من قواعد الشروط، وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، ومعناها أن المتعاقدين إذا اتفقا أثناء العقد على شرط لكل منهما أو لأحدهما، فإن الأصل هو الإلزام بمراعاته بقدر الإمكان.
فالمراد بالشرط هنا في هذه القاعدة ليس الشرط الشرعي الذي وضعه الشارع للعقود، بل الشرط الجعلي الذي طلبه أحد المتعاقدين من آخر وألزمه به، كالشروط التي يطلبها أحد المتعاقدين من الآخرين في عقد البيع أو الإجارة أو النكاح، والنكاح خاصة أخطرها؛ لأن النبي ﷺ يقول: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». كأن تشترط المرأة على زوجها مثلاً ألا يسكن في بيت أهله، أو ألا يسافر معها إذا سافر، أو ما شابه ذلك؛ فيجب مراعاة الشرط على قدر الإمكان.
وخرج بذلك الشرط الفاسد؛ إذ إن الشروط في العقود منها ما هو صحيح، ومنها ما هو فاسد يفسد العقد، ومنها ما هو فاسد لا يفسد العقد كما مر معنا في باب المعاملات، ولأهل العلم في هذه الشروط تفصيل وخلاف يرجع إليه في كتب الفقه.
من أمثلة الشروط الفاسدة أن يشترط مثلاً مع عقد البيع عقداً آخر، كأن يقول له: «أنا أبيعك هذه بشرط أن تؤجرني سيارتك»، فاشترط في عقد البيع شرطاً آخر، ببيعك إياها بخمسة آلاف دينار بشرط أن تؤجرني أو بشرط أن تشتري مني سلعة أخرى مثلاً، كمن باع على آخر شيئاً واشترط عليه أن يبيعه أو يقرضه أو يؤجره وغير ذلك؛ فهذا لم يجزه جماهير الفقهاء؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل سلف وبيع». فالنبي ﷺ نهى أن تعمل عقد بيع وتشترط معه لزوماً قرضاً، ببيعك بشرط أن تقرضني.
وكذلك قال: «لا يحل شرطان في بيع»، وهذه مسألة ثانية، وصورتها عند الحنابلة أن يشترط شرطان، يعني كان يطلب منه مثلاً أن يفصل هذا الثوب ثم يكويه، ثم يشتري منه هذا الثوب؛ أي الشروط التي فيها منفعة لأحد المتعاقدين، هذه ما يصح فيها أن تجمع بين شرطين.
الشرط الذي فيه منفعة لأحد المتعاقدين، تخلص بشرط واحد؛ تقول: «والله بشتري منك هذا الثوب بشرط تكويه»، لا مشكلة، أو «بشرط تقصره»، لا مشكلة، لكن إذا قلت: «بشرط تكويه وتقصره»، صاروا شرطين، وهذا لا يصح؛ لهذا الحديث: «ولا يحل شرطان في بيع»، كأن النبي ﷺ أراد أن يضبط مساحة الانتفاع والاستغلال.
أما الدليل على مراعاة الشروط، فيقول عليه الصلاة والسلام: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً»، ثم قال: «والمسلمون على شروطهم»، أي يجب أن يراعوا الشروط فيما بينهم، إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً.
وفي ذكر بعض الفروع الفقهية، نقول: إذا اشترط البائع على المشتري نفع المبيع كما قلنا لمدة معلومة، كأن يبيعه داراً بشرط أن يسكنها هو البائع شهراً، أو يبيع سيارة بشرط أن ينتفع بها أسبوعاً، فله ذلك على طريقة السادة الحنابلة، ويدل على ذلك حديث جابر أنه باع جملة إلى النبي ﷺ واشترط حملانه إلى أهله، يعني قال: «يا رسول الله، أنا أبيعك الجمل بشرط أن هذا الجمل يوصلني عند أهلي»، فاشترط هذا المنفعة لجابر فأقره النبي ﷺ والتزم له بالشرط، فصلوات ربي وسلامه عليه، فهذا يدل على قضية مراعاة الشروط وأنها مقبولة.
لكن كل مذهب من المذاهب حقيقة في هذه المسألة، والفائدة أن الشروط الجعلية مسألة اختلف فيها المذاهب الفقهية الأربعة اختلافاً شرساً، فكل مذهب له نظريته، ومذهب الحنابلة من أسهل المذاهب فيها، فلو تأتي للمذاهب الأخرى ستجد صعوبة ووعورة في التعامل مع قضية الشروط، فالحنابلة والمالكية من أسهل المذاهب وأوسعهم في هذه القضية.
يقول مثلاً: إذا اشترط العاقد تعجيل الأجرة أو تأجيلها ووافق الطرف الآخر، فهو شرط صحيح يلزم الوفاء به. إذا اشترط الواقف مثلاً أن يكون ريع الوقف خاصاً بالأرامل أو طلبة العلم، أي شرط من شروط الواقف يكون شرطاً غير محرم، يجب على الناظر الالتزام به. وكثير ما يحصل خلل، مثلاً الإخوة الذين يأخذون تبرعات أو صدقات لمراكز التحفيظ أو مراكز القرآن، فإذا قال المتبرع: «خذها اشتري بها كذا وكذا للمركز»، ثم يأتي صاحب المركز ويشتري بها شيئاً آخر؛ فهنا فرق بين لو يقول: «خذ هذه الألف دينار للمركز»، وبين لو يقول: «خذ ألف دينار اشتري بها كذا»، فإذا قال لك: «اشترِ بها كذا» فعليك أن تشتري بها كذا، أما إذا قال لك: «خذها انتفع بها في المركز واشترِ فيها ما تريد»، فعليك الالتزام، فزان بالشرط ويجب مراعاة الشرط قدر المستطاع.
ولذلك قال: «قدر الإمكان»؛ لأنه أحياناً قد يأتي شخص يقول: «هذه الدار وقف لأولادي وأولاد أولادي»، فأوقفناها على أولاده، ثم أولاد أولاده، ثم انقطعوا، فماذا نفعل هنا؟ لا نستطيع أن نستمر على الشرط، فنذهب بها إلى الفقراء باعتبار أنها من الجهة التي يصرف إليها عائل الأعمال الخيرية، فهنا تلاحظ أني راعيت الشرط ولكن قدر الإمكان، عندما أصبح لا يوجد مجال لمراعاة الشرط بسبب انقطاع العقب، فذهبنا إلى الحلول البديلة.
وكذلك الوقف، من أحكام الوقف أنه لا يجوز أن يباع، ولكن إذا أصبح الوقف لا يمكن الانتفاع منه، فهنا يجوز بيعه والأخذ من المال وصرفه في جنس هذا الوقف، مثلاً كان عندي سجاد في مسجد ولم يعد يصلح، فإما أن ننقل هذا السجاد، أو يأتي الإخوة ويجلبوا سجاداً جديداً للمسجد.
هذا السجاد يا بننقذه لمسجد آخر؛ هذا الشرع. هكذا الأصل أنه وقف، ما وجدنا أنه أحد سيرتفع به، بل مستهلك، فنبيعه ونصرف ثمنه في سجاد يشترى للمسجد الآخر أو لنفس المسجد طبعاً.
رح تقول شو رح يجيب لو عشرة دنانير؟ بتدخل في الحسبة. ممتاز، فإن أغلقت كل هذه القضايا سعيدة، يصرف في أوجه من أوجه الخير، وينبغي أن تكون هي الأقرب إلى هذا المقصود؛ إلى مقصود الواقف. فالنظر في شروط الواقف هذا علم كبير وتكلم فيه العلماء كثيراً.
أخيراً، إذا اشترطت المرأة على زوجها في العقد ألا يتزوج عليها، هذه مشكلة. إذا اشترطت عليك زوجتك وحملت عليك، وأنت من شدة حبك لها في فترة الخطبة تكون أمورك طيبة ومعنوياتك مرتفعة، تقول: لا يا أخ أنا أتزوج عليها، وأنا ما يمكن أعمل هذا في وقت من عمرك بعد ما تزوجت، أمر بكما قطار العمر. إذا بك تشتهي وتتلذذ وتقول لعلي شدت على نفسي في أمر قد جعل الله فيه سعة فاشترطت عليك، فهل شرطها صحيح؟
والله حقيقة عند الحنابلة شرط صحيح. نحن الحنابلة ضلينا مبسوطين حتى وقفنا عند هذا الشرط. الحنابلة كما قلت في باب الشروط معطينا المساحة مفتوحة، بس بدك تأخذ كل شيء، مش تأخذ لك أو تأخذ.
قال: فالشرط صحيح عند الحنابلة، فإذا أنت وافقت فتزوجت عليها لها حق الفسخ. يعني ما هي طلاق الآن، خلص بتروح على القاضي بترفع له: يا قاضي شوف العقد شو مكتوب فيه، إنه إذا تزوجت عليها بفسخ، تزوجت عليها؛ آخ افسخ، انتهى، لأنه هذا مشروط شرط.
قال المرداوي، وهو من مفردات المذهب، جواز هذا الشرط، وذكر أنه اختيار أيضاً الشيخ تقي الدين؛ يعني حتى شيخ الإسلام في الدمية ماشي مع هذا الاختيار، مع هذا الاتجاه. فانتبه لنفسك ولا تورطها لأن قد تعجز عن حمله.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل