بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب «المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية» لشيخنا وأستاذنا الدكتور أيمن الحبشي، متعه الله بالصحة والعافية.
في الدرس الماضي أنهينا الحديث عن القواعد الكلية الكبرى بفروعها المندرجة تحتها، وهذا هو القسم الأول من الكتاب، ولربما أخذ النصف أو أكثر من النصف قليلاً. بعد ذلك سيشرع الشيخ في بعض القواعد التي ليست بنفس حجم تلك القواعد الخمس. وهذه القواعد الكبرى التي سنذكرها الآن، البعض يسميها كبرى والبعض يقول لك القواعد غير الكلية؛ يعني عندك مساحات في الاصطلاحات والتسميات، ما في مشكلة لا حرج على المصطلح الذي اعتمده الشيخ.
القواعد الكلية غير الكبرى، ولكنها قواعد مشهورة تقارب القواعد الكبرى، وإن لم تكن مثلها في الشهرة والحجم والتوغل الفقهي. ولذلك ستجد أن حتى هذه القواعد التي سيذكرها، وإن لم يسمها كبرى لكن تحتها أيضاً قواعد فرعية مندرجة تحتها. ومن هنا هذه كما فعل أبو زيد القرشي في «جمهرة أشعار العرب»، هناك القصائد المعلقات وهناك الجمهرات، وهذا يدل على أنه حتى الأشياء في الشهرة تتفاوت وفي مدى الانتشار، وما يتفرع تحته ليس في نفس الدرجة وفي نفس المستوى، وإن كان كله يعتبر من قبيل الكبير.
هذه القواعد الكلية التي سنذكرها ويندرج تحتها قواعد، الشيخ تكلم عن 26 قاعدة، كما تلاحظون سردها سريعاً، ولا أعتقد هناك فائدة كبيرة من السرد السريع لها لأنك لن تركز كثيراً معي. هناك 26 قاعدة كلية سنتدارسها إن شاء الله إلى نهاية الكتاب، ونعرف ما الذي يندرج تحتها، وأبرز الأمثلة والتطبيقات لها.
وكما تلاحظون، فن القواعد الفقهية في الجملة فن سهل لمن كان لديه تصورات فقهية مسبقة، يعني الطالب الذي درس متناً فقهياً من أوله إلى آخره، فاعتقادي لن يجد صعوبة في فهم القواعد الفقهية من جهة أنها أشياء عملية. الطلاب عادة يجدون وعورة في أصول الفقه والقواعد الأصولية لأنه فيها مساحة كبيرة من الإعمال العقلي والاستدلال والنظر. لكن القواعد الفقهية تتوقف في الدرجة الأولى، مع التوفيق من الله أولاً وآخراً، على مدى وجود دربة فقهية عندك. فلذلك أنت تعرف القاعدة ومفهومها وأمثلة عليها، نعم الخبرة مع الوقت ستأتي في طرق الإسقاط وتحقيق المناطات؛ ليس من الآن ستمتلك الدربة العالية إنما مع كثرة الدراسة الفقهية وإنزال القواعد والخبرة، لكن أنت الآن كدراسة لا تشعر أن المادة صعبة وعسرة، يمكن فهمها بأدنى جهد بإذن الله، فاستعينوا بالله واصبروا.
القاعدة الأولى من القواعد الكلية التي بدأنا بها الآن قاعدة: «إعمال الكلام أولى من إهماله»، وهذه قاعدة متعلقة بدلالات النصوص. تقول هذه القاعدة: إعمال الكلام أولى من إهماله، وذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ في العديد من كتب الفقه وأصول الفقه، وهي أيضاً إحدى قواعد «مجلة الأحكام العدلية» الصادرة في الخلافة العثمانية.
نبدأ بمعنى هذه القاعدة: يقول إعمال الكلام، ما معنى إعمال الكلام؟ يعني حمل الكلام على معنى له ثمرة، بحيث يترتب عليه حكم من أحكام الشريعة من لزوم عقد أو هبة أو وقوع طلاق، أي ثمرة يمكن أن يبنى عليها هذا أولى من إهماله؛ بأن يحمل الكلام على صورة أو معنى لا يترتب عليه حكم شرعي. وهذا الكلام نحتاجه في ابتداءً في أقوال المكلفين، أي لفظ أو جملة تصدر من المكلف ولها معانٍ، حملها على معنى معين يجعل لها ثمرة فقهية وحكماً، لكن إذا حملتها على طريقة أخرى وعلى معنى آخر لن يكون لها أي حكم أو ثمرة فقهية. أيهما أولى؟ أن أحمل كلام المكلفين على معانٍ تنتج ثماراً، أولى من أن أحمل كلامهم على معانٍ لا تنتج ثماراً. ولذلك قال: وإهماله، يعني عدم ترتب الحكم الشرعي عليه. والأولوية المذكورة هي أولوية وجوب لا أولوية أفضلية، أما نقول إعمال الكلام أولى، عادة كلمة أولى تشعرك بعدم الوجوب، صح؟ يعني أحسن، يقول لك هذا ليس مقصوداً هنا، بل المراد بالأولوية هنا الوجوب، أولاً يعني يجب أن تحمل الكلام على المعنى الذي يعمل فيه، ولا يجوز أن تحمله على معنى لا يعمل فيه. فالمعنى أنك إذا وجدت كلاماً له محملان ممكنان أحدهما يترتب عليه حكم والآخر لا يترتب عليه حكم، فإن تحمل كلام المكلف فعلى الأول واجب صيانة لكلام العاقل من اللغو.
هل هذا أيضاً يمكن ينطبق على الأحاديث النبوية؟ نعم نفس الفكرة من باب أولى؛ لأنه البشر غير الأنبياء قد يتكلم بكلام لغو، لكن المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه لا يجوز أن تحمل كلامه في أي حال من الأحوال على معنى لا قيمة له أو يكون لغواً أو حشواً حاشاه صلى الله عليه وسلم. فمن باب أولى أنه أي نص نبوي تقرأه وتجد له أكثر من معنى، أحد المعاني يكون له ثمرة وأحد المعاني لا ثمرة له، أن تحمل على المعنى الذي له ثمرة؛ لأنه هذا مقصده صلى الله عليه وسلم البيان والتبليغ وتشريع الأحكام.
وشرط العمل بالقاعدة: هل القاعدة لها شرط أو مطلقة؟ لا، لها شرط وهو: أن يمكن إعمال الكلام، يعني أن تكون ليس قل اللفظ له معنيان محتملان، وليس أني أخترع معنى للفظ ليس من محتملاته حتى أجعل له ثمرة وفائدة؛ يعني إذا المكلف تكلم بكلام لا ثمرة له، هل أقول والله يا أخي هذا كلام لا ثمرة له، خلص بدي أخترع له معنى جديداً هو ليس أحد المحتملات اللفظية ولا أحد الدلائل اللغوية له حتى أجعل له إعمالاً؟ نقول: لا، هذا لا يجوز. فإعمال الكلام، أن يمكن إعمال الكلام هذا شرط القاعدة. أما إذا لم يمكن له إلا محمل واحد لا ثمرة له، أو محمل بعيد، يعني حتى لو كان المحمل الذي سيعمل عليه الكلام بعيداً جداً جداً ما نقول إن الكلام مستحيل يحمل عليه لكنه بعيد جداً أن يخطر في ذهن المتكلم، فهنا أيضاً لا يمكن أن نحمل الكلام عليه.
إذن كشرط إعمال القاعدة: أن يكون الكلام الذي سنحمل عليه اللفظ حتى يعمل، يكون أحد المحتملات الواردة والمعقولة. أما إذا كان هذا المعنى الذي نريد أن نحمل عليه اللفظ ليعمل ليس من مدلولات اللفظ أبداً أو من مدلولاته البعيدة جداً النادرة أن ترد على الأذهان، فهنا لا يبقى الكلام محمولاً على المعنى اللاغي، ويتعين إهماله في هذه الحالة. ولذا قال ابن نجيم: إعمال الكلام أولى من إهماله متى أمكن، شرط، فإن لم يمكن أهملناه.
وكذلك قال التقي تاج الدين السبكي: محل هذه القاعدة أن يستوي الإعمال والإهمال بالنسبة إلى الكلام. أما إذا بعد الإعمال عن اللفظ وصار بالنسبة إليه كاللغز، فلا يصير هذا المعنى راجحاً، بل الإهمال مقدم. طبعاً قضية أن يستوي، هو اشترط الاستواء، طيب لو كان المعنى الذي يعمل عليه الكلام مرجوحاً ومعنى اللغو راجحاً، لكن وإن كان مرجوحاً لكن ليس بعيداً جداً يتصور وروده عن الأذهان؟ هل عبارة الاستواء مقصودة عند التقي السبكي أنه لازم يكونوا 50/50؟ طيب إذا كان لا، المعنى الذي يعمل عليه الكلام 30-40% بس موجود، والمعنى الذي لا يعمل عليه 60-70%، هل يجوز أن نحمل على المعنى الذي يعمل عليه وإن كان 30-40%؟ يعني ظاهر كلامه لا، لكن كلام غيره ظاهره أنه يمكن هنا أنت ستنظر في القرائن والسياق.
وقال ابن نجيم: والمهجور شرعاً أو عرفاً كالمتعذر. يعني تجد الكلام ابن نجيم أكثر ضبطاً؛ ابن نجيم يقول لك متى المعنى الذي يعمل عليه الكلام يهجر؟ قال: إذا كان هذا المعنى مهجوراً في الشرع، لا يقصد شرعاً، هذا بالنسبة للكلام النبوي، هذا تحتاجه في الحديث النبوي، إذا الحديث النبوي تريد أن تحمله على معنى مهجور شرعاً لا يمكن أن يقصد النبي عليه الصلاة والسلام، محتمل بس مهجور، هنا لا يجوز حمل الكلام على المهجورات الشرعية تماماً. أو قد لا يكون في العرف النبوي بس كلام أهل العلم الفقهاء في مسائل فقهية، لا يجوز أن نحمل كلام الفقهاء أيضاً على معاني مهجورة شرعاً، لا تقصد إلا في النادر النادر. أو كان المعنى مهجوراً عرفاً بالنسبة إلى كلام المكلفين، إذا كان اللفظ له معنيان والمعنى الذي له ثمرة مهجور عرفاً لا يقصد عادة بهذه الألفاظ، فهنا يكون كالمتعذر ما بنقبله، ونعود إلى فكرة إهمال الكلام، فأنا سأهمل الكلام إذا كان المعنى الذي يعمل عليه الكلام كالمهجور شرعاً أو المهجور عرفاً، وهذا يقتضي أن يكون كما قال في البداية بعيداً عن الذهن جداً. وأما إذا كان ما زال حاضراً في الذهن شرعاً أو عرفاً ولكن وجوده 30-40% وهنا ليس مهجوراً، بالتالي ينبغي إعماله حتى ولو كان هو المرجوح أو الذي ليس أكثر ظهورية في هذه الحالة. لذلك قضية المهجور عبارة جميلة من ابن نجيم تعبر لك عن معنى البعد، ما هو البعد الذي لا نقبل فيه بالتالي إعمال الكلام؟ الهجران.
أدلة القاعدة: هذه القاعدة يمكن يستدل لها بدليلين، أحدهما نقلي والآخر عقلي. قالوا: أما الدليل النقلي وهو أن الأصل في الشريعة مؤاخذة المكلف بما يتكلم به، الأصل أن الإنسان محاسب على الكلام الذي صدر منه، ما في كلام هيك لغو مجاناً، ومن ثم كان الواجب حمل كلامه على ما يترتب عليه حكم. ويدل على هذا الأصل حديث معاذ، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير على لسانه: «كف عليك هذا»، فسأله معاذ متعجباً: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم يا رسول الله؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟». فهذا الحديث يدل على أن الأصل مؤاخذة الإنسان بكلامه وتحميله نتيجة كلامه. أما إنسان يطلق هكذا والله يا شيخ بمزح، إنسان يعمل عقداً يا شيخ والله بغير، يعني في خاصة في مسائل لا يقبل فيها الهزل ولا اللعب كما سيأتي معنا، بل يؤاخذ فيها الإنسان مهما كان الثمن، فعموماً الأصل أن الناس محاسبون مؤاخذون وليس أن كلامهم يخرج مجاناً لا عبرة به. هذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.
وأما الدليل العقلي: وهو أن يقال الكلام المهمل لغو، وكلام العاقل يصان عنه، الإنسان العاقل ينبغي أن نصون كلامه عن اللغو فيجب حمله ما أمكن على أقرب وأولى وجه يجعله معمولاً به، من حقيقة ممكنة، وإلا فمجاز، يا نحمل على الحقيقة يا نحمل على المجاز، المهم الأصل أن نصون كلامك يا أيها العاقل عن الإهمال، كما قال ذلك الشيخ أحمد الزرقا رحمه الله.
نذكر الآن بعض فروع القاعدة: قال لو أوقفت، أو لو قال شخص أوقفت هذه الدار على أولادي، رحنا نفتش عن أولاده ما لقينا له أولاداً كلهم أموات، لكن وجدنا له أولاد أولاد، أحفاداً. كيف سنصحح الآن؟ نقول نحن بين أمرين، هو ماذا قال؟ أوقفت الدار على أولادي، إذا حملناها على معناها الحقيقي مشكلة لأنه ليس له أولاد، وإذا حملناه على المعنى المجازي وأنه يقصد بالأولاد الأحفاد أصبح لها معنى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الحسن: «إن ابني هذا سيد»، فإذا الحفيد يطلق عليه أنه ابن، فإذا حملناها على المعنى المجازي مباشرة سيطبق الكلام على الأحفاد، فهنا نقول إعمال الكلام أولى من إهماله، فحمله على أن المراد بالأولاد المجاز وهم الأحفاد أولى من إبقائه على الحقيقة بحيث يؤدي إلى إلغاء هذا الوقف، أو شبه إلغاء، كما نص على هذا الحنفية والشافعية والحنابلة.
طيب لو شخص فاضي أشغال، كان عنده زوجة وكان عنده حجر أمامه، عنده زوجة وعنده حجر، فخاطبهما فقال: إحداكما طالق. هنا نقول: لو حملنا هذا الكلام على، لو حملنا الأحدية هنا على الحجر، الحجر لا يمكن تطليقه، لكن لو حملناه على زوجتك يمكن تطليقها، فإعمال الكلام أولى من إهماله، فسيحمل هذا الكلام أنك تقصد الزوجة. يا شيخ قصدت الحجر؟ نقول: قصدك للحجر لا يصلح؛ لأنه سيؤدي إلى إهمال الكلام بحيث يصبح لا معنى له، وإعمال الكلام أولى من إهماله فطلقت زوجته عند الحنفية وأبي يوسف، وعند الشافعية والحنابلة.
لو أوصى شخص لأخيه بطبل، وأطلق، فنقول الطبل طبلان؛ طبل لهو وطبل حرب، تمام، في طبل ثالث هذا شخص مغفل برضه يسمى الطبل في العرف، طيب هذا أصبح ثلاثة إطلاقات، المهم الطبل طبلان: طبل لهو وطبل حرب، هناك حتى نصحح الوصية يجب أن يكون المال الموصى به جائزاً شرعاً صح؟ حتى تكون الوصية منتجة لا بد أن يكون المال الموصى به جائزاً شرعاً، فنقول صحت الوصية، هكذا يقولون، صحت الوصية وحملت على الجائز منهما وهو طبل الحرب، لعدم صحة الوصية بطبل اللهو لتحريمه كما نص عليه الشافعية والحنابلة. وكذلك مثلاً الدف، في الدف الذي له صنوج، والدف الذي ليس له صنج، عند الحنابلة الدف الجائز الذي ليس له صنج، فلو قال أوصيت لك بدف وعنده دفان، دف له صنج ودف ليس له صنج، حتى نصحح الوصية ويكون الإعمال للكلام سنحمله على أنه أوصى بدف ليس له حلقات، لأنه هذا هو الدف الجائز عند الحنابلة، وهكذا.
الآن هذه القاعدة كما قلنا، هي صح هي قاعدة كلية.
وهي كبرى نسبياً، وإن لم تكن من الكبريات، فلها قواعد تندرج تحتها. هنا سيذكر سبع قواعد تندرج تحت هذه القاعدة، تحت قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله: القاعدة الأولى: الأصل في الكلام الحقيقة. القاعدة الثانية: إذا تعذر الحقيقة يصار إلى المجاز. ثالثاً: المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة. رابعاً: ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله. خامساً: الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر. سادساً: السؤال معاد في الجواب. سابعاً: إذا تعذر إعمال الكلام يهمل. هذه السبع قواعد يمكن إدراجها تحت هذه القاعدة.
نبدأ بالقاعدة الأولى والثانية مع كونهما متلاصقتين، وهاتان القاعدتان تتعلقان بالألفاظ. وأصل بحث الحقيقة والمجاز إنما هو من أبحاث علم البيان في البلاغة المحتاج إليه في الأصول؛ لاستنباط الأحكام من الأدلة الشرعية، وفي الفقه للنظر إلى ما يترتب على كلام المكلفين من أحكام. أصبح مبحث الحقيقة والمجاز مبحثاً مهماً ينظر إليه سواء في أصول الفقه وحتى في الفقهيات؛ حتى نعرف كيف نتعامل مع الكلام والألفاظ، ما دام الكتاب والسنة كلاماً، وألفاظ المكلفين كلاماً، فالحقيقة والمجاز متجذران في الكلام، فينبغي العمل بهما ودراستهما، ومن ثم ذكرت هاتان القاعدتان في بعض كتب القواعد الفقهية.
نبدأ بالمعنى: بينت القاعدة الأولى أن اللفظ متى كان له معنيان؛ أحدهما حقيقي والآخر مجازي، وخلا من قرينة تدل على أحدهما، فالأصل أن يحمل اللفظ عند الخلو من القرائن على المعنى الحقيقي. وأما القاعدة الثانية فتقول: متى تعذر الحمل على المعنى الحقيقي، بحيث أصبح حمله على المعنى الحقيقي يؤدي إلى الإهمال، يصار إلى المعنى المجازي صوناً للكلام عن الإلغاء والإهمال. من هنا دخلت هذه القواعد تحت هذه القاعدة؛ إذا كان الحمل على المعنى الحقيقي يؤدي إلى شيء لا قيمة له، فإنه يتعين أن أحمل على المعنى المجازي. فلو قلت لك: "رأيت أسداً يخطب الجمعة"، إذا حملت الأسد على المعنى الحقيقي سيصبح الكلام ممجوجاً لا معنى له، "رأيت حيواناً مفترساً قاعداً على المنبر بيخطب"، كيف يا شيخ؟ لكن لو حملناها على المعنى المجازي: "رأيت أسداً"، أي رجلاً شجاعاً يخطب، صار للمعنى دلالة. فهذا وجه إدخال القاعدة تحت إعمال الكلام أولى من إهماله، أنه متى أصبح الحمل على المعنى الحقيقي يؤدي إلى كلام ممجوج لا قيمة له، يتعين أن نحمل الكلام على المعنى المجازي. وهذه أصلاً إحدى القرائن التي تقتضي صرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه، أن يكون المعنى الحقيقي مستحيلاً عادة أو عقلاً.
سبق أن فصل القول في هذه المسألة، في تعارض الحقيقة مع المجاز، لما تكلمنا عن قاعدة: "الحقيقة تترك بدلالة العادة"، إحدى القواعد المندرجة تحت قاعدة العادة محكمة، ولكن هناك فرق، ما هو؟ أننا هنا نتكلم عن المجاز، وليس كل مجاز يتحول إلى عرف قولي. تذكر لما قلنا ليس كل مجاز يتحول إلى عرف قولي، وإنما المجاز الذي يتحول إلى عادة وعرف هو المجاز المضطرد أو الغالب، بحيث تصبح الحقيقة مهجورة. ذكر تقسيماً للمجاز إلى أربعة أنواع. وجه اندراجهما تحت قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله ظاهر، إذ إن حمل الكلام على الحقيقة إعمال له، فمتى تعذر وجب حمله على المجاز إعمالاً له أيضاً.
نذكر صوراً تتعذر فيها الحقيقة: تعذر الحقيقة لا يخلو، إما أن تتعذر لعدم وجودها في الواقع الخارجي، فلذلك تعذرت الحقيقة، كما في المثال السابق: لو وقف على أولاده وليس له أولاد، ووجدنا له أولاد أولاد؛ فالحقيقة في الأولاد أنهم الأولاد المباشرون لصلبهم، لكن هنا لماذا لم نستطع أن نحمل الكلام على حقيقته؟ لعدم وجودهم في الخارج، فاضطررنا أن نحمل الكلام على أولاد الأولاد وعلى مجازه. الحالة الثانية: أن تكون الحقيقة متعذرة، ليس لعدم وجودها في الخارج، بل لعدم الإمكان الشرعي، يعني أننا لو بقينا على الحقيقة لن يصح الفعل شرعاً، زي ما حكينا مسألة الطبل والدف، ربما هي مشترك تطلق على هذا وهذا، بس سنأخذ مثلاً مثالاً آخر ذكره، كما لو وكله في الخصومة، والخصومة حقيقة في التنازع، وقد نهانا الله عز وجل عنه بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: 46]، فيحمل على المجاز، وهو الترافع إلى القاضي. يعني لو قلت لك: أنت وكيلي في الخصومة، إذا أردت أن أحمل الخصومة على معناها الحقيقي، أنت وكيل في المهاوشات، وهنا المهاوشات والإشكالات لا يصح التوكيل فيها لأنها معنى غير ممكن شرعاً؛ من حيث الواقع ممكن، لكن من حيث الشرع الشريعة ترفضها، فحتى نصحح هذه الوكالة أو هذه الوصية فينبغي أن تحمل الخصومة على معنى الترافع عند القضاء، وهذا أحد معاني الخصومة المجازية.
وقس عليها ما قلناه، مثلاً عند من يجيز، أي سلعة معناها الحقيقي لو حملناها على معناها الحقيقي يحرم شراؤها، فحتى تصح توكيل لك اشتري لي هذه السلعة، ينبغي أن تحمل على معناها المجازي. تمام، يعني فرضا لو كان الدخان يطلق حقيقة على التبغ المعروف، ويطلق أحياناً على الفحم على سبيل المجاز، أو يطلق على البخور، لو كان هكذا فلو قلت لك: "اذهب فاشترِ لي دخاناً"، هنا يتعذر حمل الدخان على المعنى الحقيقي وهو التبغ؛ لأنه غير ممكن شرعاً، لا يقبل، لكن لو حملناه على المعنى المجازي للدخان، أنه روح اشترِ لي مدخنة أو اشترِ لي فحماً، هنا سيصح الكلام ويمكن إعماله. فنحن نحمل الكلام على أنك أردت المعنى المجازي حتى يكون للكلام وجه، لكن حقيقةً هنا ياتي قضية أنه إذا كان المعنى الذي سيعمل عليه الكلام بعيداً عن مقاصد المتكلم، لا، هنا يلغى المعنى ونهمل الكلام ولا نحمل على معنى يصح عليه الكلام، لأنه أصبح المعنى الذي جئته، المدخنة أو الفحم، لا يستعمله، ومعلوم من السياق أنه بعيد جداً، وأنت عارف أنه هذا مدخن وأنه قصد الدخان، الدخان ما في غيره، هنا يصبح استعمال المعنى المجازي بعيداً ولا يصح الإعمال عليه.
أما الصورة الثالثة: قد تكون الحقيقة ممكنة شرعاً وواقعاً، لكن إمكانها فيه مشقة، كما لو حلف ألا يأكل من هذه الشجرة، فالحقيقة لو أردت أن تأتي، ما معنى "والله لا آكل من هذه الشجرة"؟ الشجر غير الثمر، هذا الأصل في المعنى الحقيقي، فلو أريد أن أحاسبك حرفياً لما قلت "والله لا آكل من هذه الشجرة"، المعنى الحقيقي والله ما أخشم جذوعها ولا أغصانها، وهذا ممكن، لكنه بعيد حقيقةً عن مقاصد الكلام. بالتالي هنا نقول: تعذرت الحقيقة لبعدها عن الذهن وليس لعدم إمكانها واقعاً وشرعاً، فينبغي العدول إلى المعنى المجازي، فهنا كانت الحقيقة التي سماها ابن نجيم الحقيقة المهجورة عرفاً، هذه حقيقة مهجورة عرفاً.
ومثل ذلك مثال النهر، لو قال: "والله ما أشرب من النهر"، الحقيقة أنك ما تشرب منه تكرع كرعاً، لكن لما كان الناس ليسوا مثل البهائم، بتلاقي الرجل واضع فمه في النهر يركرع كرعاً، أصبح لا بد حتى يعمل اليمين هذا والكلام أن يحمل على المعنى المجازي، وهو ألا يشرب منه بمعنى أنه ما يتناول منه تناولا. قالوا ومثل تعذر الحقيقة أن تكون مهجورة عرفاً، وأنا أعتقد أن المثال السابق هو منه، كأنه جعل المثال السابق فقط لعدم إمكانها للمشقة، هو في اعتقادي من قبيل المهجور عرفاً، يعني لا أرى المثال الثالث يخرج عن المثال الرابع كثيراً، وأجعله كله من قبيل المهجور عرفاً. يقول: كما لو حلف ألا يضع قدمه في دار فلان، الحقيقة ماذا تقتضي؟ أنه ما يضع فقط قدمه، لكن لو دخل رأسه أو يده ما في مشكلة، هذا بدك تمشي على الحقيقة، لكن هذا أصبح مهجوراً عرفاً، وأن حلف "لا أضع رجلي في دارك" أن المراد أنني لا أنزل كلي في منزلك، نعم هو امتناع من الدخول عموماً، فيحمل عليه الكلام صوناً له عن إهماله.
واضح إخواني، هذه القواعد درسناها معاً: "الأصل في الكلام الحقيقة"، و"إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز"، وعرفنا ما وجه اندراجهما تحت قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله.
القاعدة الثالثة: "المطلق يجري على إطلاقه إذا لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة"، وهذه قاعدة تفيدك أيضاً في أصول الفقه، أنه ينبغي أن يبقى النص مطلقاً ولا يقيد إلا إذا جاء المقيد، وهذا المقيد قد يكون نصاً وقد يكون دلالة. هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، ومسائل الإطلاق والتقييد وحالاتهما مشهور بيانها في كتب الأصول، الأحوال الأربعة لحمل المطلق على المقيد، إلا أن ما في كتب الأصول متعلق بالكتاب والسنة، لكن هنا نحن نفس القواعد نطبقها على كلام المكلفين.
نبدأ بالمعنى: الجهة الأولى في معناها، المطلق هو اللفظ الدال على الماهية المجردة عن وصف زائد. ما هو اللفظ المطلق؟ ما ماذا يعرف الأصوليون اللفظ المطلق؟ هو اللفظ الدال على الماهية، الماهية يعني الحقيقة الذهنية، مجردة عن أي وصف زائد. فلما أقول "أسد"، هذا يدل على الحقيقة الذهنية وهي الحيوان المفترس. لما أقول "حصان"، هذا مطلق يدل على الحقيقة الذهنية وهو الحيوان الصاهل، ولا يدل على أي شيء زائد فيه، يعني لا يدل كلمة حصان هل تدل على أنه أسود أو أحمر؟ لا. كلمة أسد هل تستفيد منها أنه أسد من الغابات الاستوائية ولا من الغابات الإسكندنافية؟ لا، هذه كلها أوصاف زائدة. كلمة أسد مطلقة ما دلت عليها، أليس كذلك؟ فإذاً هذا معنى قولي: "اللفظ الدال على الماهية"، يعني على الحقيقة بهذا الشيء دون أي أوصاف زائدة عليه، مكانه، زمانه، لونه، شكله، وهكذا. فكلمة "سيارة" مثلاً تدل على ماهية معروفة وهي آلة تمشي على أربع عجلات، وليس فيها ما يدل على نوع أو لون أو حجم أو حداثة أو قدم، يعني لا تدل على أنها سيارة هونداي مثلاً، كلمة سيارة لا تدل على الأوصاف أنها لونها أحمر، لونها أخضر، وعلى أنها حديثة أو قديمة.
فإذا قلت "سيارة بيضاء"، كلمة "بيضاء" عملت أول تقييد أنها سيارة بأربع عجلات وبيضاء. فإذا قلت "سيارة تويوتا"، صارت أيضاً نوعية معينة، وهكذا، فهذان مثلان للتقييد. المطلقات من الألفاظ وقد يكون أحياناً التقييد ليس بلفظه، بل قد يكون التقييد بدلالة الحال، قد يكون التقييد مر معنا بالعرف، أليس مر معنا "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً"؟ قال كما لو قال لآخر في بلاد شديدة الحرارة: "لو أنا قلت لك اشترِ لي ثوباً"، ونحن نعيش في منطقة حارة جداً، فلفظ الثوب مطلق صحيح، لكن دلالة الحال تدل على تقييده بثوب يناسب حرارة الجو. فإذا راح اشترى لك معطف صوفي من هذا اللباد الكبير والدنيا حرارة 50، أقول: "يا عم الله يرضى عنك"، أنا صحيح ما قيدت باللفظ، لكن الحال والواقع والعرق الذي يتصبب مني يقيد أنه مثل هذا من سيلبسه الآن. فلاحظ هذا تقييد بالعرف، ثوب خفيف وليس ثوباً ثخيناً. فمعنى القاعدة إذاً أن اللفظ إذا ورد مطلقاً فيصح حمله على كل ما يصح إطلاقه عليه، وإذا ورد مقيداً بنص أو دلالة حال فلا يصح أن يحمل على غير ما قيد عليه. فلذلك نفس الشيء كنت تذكر الأمثلة التي ذكرناها، إذا قلت لك: "روح اشترِ خبزاً"، بدك تشتري خبز البر، أنا ما قيدته بأنه خبز البر، بس أنت عارف أنه في الأردن هو خبز البر، تروح تجيب له خبز ذرة، أقول لك: "ماشي، أنا ما اشترطته ولم أقيد لفظاً، لكنه مقيد بدلالة العرف والعادة".
طبعاً لما نقول إن الدلالة تقيد، الدلالة هنا إخواني قد تكون دلالة حالية مش عرفية، دلالة حالية يعني هذا الشخص نفسه، يعني أسلوب الظرف الذي انحكى فيه الكلام، وقد تكون دلالة عرفية، وهو أوسع من السياق الذي قيل فيه الكلام، وهو شيء مستقر متكرر. فالدلالة الحالية والشيء أوسع، قد تكون سياقات وقد تكون وصلت إلى أن تكون عرفاً، والعمل بالقيد اللفظي.
العمل بالقيد اللفظي هو من أعمال الكلام، أليس كذلك؟ فأنا لو قلت لك اشتري لي ثوباً، فأنت حملته على الجو الحار المصيف، أو اشتري خبزاً فأنت حملته على خبز الذرة، هذا لن يُقبل وسيؤدي إلى إهمال الكلام، وسيجعل هذا الخبز الذي اشتريته غير مقبول. حتى يكون الكلام له عمل وأثر وثمرة وحكم، لا بد أن أقيده، صحيح؟ ها هنا نعود، إذا كان الكلام أُطلق لكن نحن نعرف أن هذا الإطلاق له تقييد؛ إذا لم نأخذ بالتقييد سيصبح الكلام مهملاً، وهذا مثاله صاحبنا تبع الخبز.
أنا قلت لك اشترِ خبزاً، إذا أنت حملته على إطلاقه فذهبت اشتريت خبز الذرة أو الدخن أو شيئاً، لن نقبل هذا بل سنلغيه شرعاً. حتى نقبله لا بد أن تحمل الكلام على تقييده، وأن تحمل المطلق على ما يقيده، والتقييد هنا لم يأتِ من جهة النص بل أتى من جهة العرف، فهذا وجه إدخال هذه القاعدة تحت قاعدة أعمال الكلام أولى من إهماله. يعني إذا كان المطلق له تقييد نصي أو عرفي ولم تأخذ به، فأنت عندئذ ستهمل وسيصبح لا نتيجة للكلام، فأصبح إعمال القيد مهماً حتى يكون إعمال الكلام أولى من إهماله.
مثال: لو وُكّل آخر أن يشتري له سيارة وعين سنة صنعها ونوعها ولم يعين لونها، فاشترى الوكيل سيارة سوداء، هنا صح؛ ليه؟ لأنه ليس لك أيها الموكل أن تعترض، أنت ذكرت لي النوع والسنة بس ما ذكرت اللون، فأنا مشيت على مقتضى إطلاقاتك وتقييداتك. وتقييدها بلون دون آخر، هذا لا يجري به لا العرف ولا دلالة الحال، فيبقى الكلام على إطلاقه بالنسبة للون. ولو وكله أن يبيع سيارته بعشرين ألفاً، فليس للوكيل أن يبيعها بأقل، فإن فعل صح البيع وضمن الوكيل النقص عند الحنابله، وذلك لأنه قام دليل تقييد ثمن المبيع بالنص فلا يجوز للوكيل مخالفته. أنا ما قلت لك روح بعها وبس، قلت لك روح بعها بـ 20,000، فهذا قيد للبيع أنه بسعر معين، فإذا لم تلتزم بالسعر أنت بدك تتحمل الخسارة.
ممتاز، وإن وكله في بيع وأطلق، فليس له البيع؛ أها شوف هذا المثال الجميل، إذا قلت لك روح بع لي السيارة لأن السيارة بتسوى 5000، قلت لك روح بع السيارة، رحت أنت قلت لي خلص أنت ما حددت سعر، رحت بعت بـ 100 دينار، أقول لك لا تقول لي شيخ أنت أطلقت! أنت قلت لي روح اذهب بع السيارة، هل حددت لي رقماً؟ لم تحدد لي رقماً فالمطلق يحمل على إطلاقه. نقول لا، سامحني هنا في تقييد، لكن التقييد من أين يأتي؟ من العرف، أنه إذا أي شخص يقول لك بع لي شيئاً فهو يريد أن تبيعه بسعر مثله، فهنا في تقييد أتى ليس من النص وإنما أتى من الأعراف والعادات، شوف كيف العرف يا إخواني يتدخل، دخل في كثير من الأحكام.
فلا يقبل إلا بثمن المثل، اللهم قد يستثنى الغبن اليسير. وليس له أيضاً في مثلاً عند الحنابلة قال: وليس له أن يبيعه نسيئة، يعني بثمن مؤخر. أنا قلت لك بع، فروح أنت بعتها لواحد بالتقسيط لخمس سنين، هنا قال لك أنا مين اللي قال لك بعها بالتقسيط؟ قول يا أخي أنت أطلقت وقلت بع، نقول: الإطلاق يحمل على التقييد العرفي، فالتقييد العرفي أنه إذا قلت لك بع يعني بع بثمن حاضر نقدي كاش، وأما إذا لو كنت أريد أن تبيعها بالتقسيط لقلت لك ذلك، وكذلك لا تُباع بغير نقد البلد، فلو أنا قلت لك بعها ورحت أنت بايع لي إياها بالين الصيني، أقول لك يا أخي أنت مين قال لك تروح تبيعها بال... قال لي والله أنا أنت قلت لي بع، أقول لك يا أخي ماشي، أنا قلت لك بع لكن العرف، العرف الله يكرمك يتدخل في كثير من المحددات. ولذلك قلنا الفقيه يا إخواني الذي ليس فقط يدرس المتون الفقهية بل الذي يعرف أعراف الناس، هذا الفقيه الذي يفتي؛ لأنه العرف لاحظ كم يتدخل في تصحيح الكلام وتقويمه. أنه في عرف أنا قلت لك بع يعني بع بالدينار، بجوز أنا العملة هذيك ما بدي إياها أو عم تخسر فيها البيع أو شيء من ذلك أو ما بعرف أحولها أصلاً على غير ذلك. هذا على رأي الصاحبين وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وعلة ذلك أن إطلاقه ينصرف إلى المعتاد المتعارف عليه، فالعادة هنا قيدت الإطلاق في قوله. وأما أبو حنيفة فمر معنا إذا بتذكروا أنه يتعامل مع إطلاقات الألفاظ، وينسب هذا أيضاً للشافعي في بعض الصور، أنه يتعامل مع اللفظ بظاهره حتى ولو كان في نوع من التقييدات العرفية العملية في بعض السياقات.
نذهب إلى مسألة أخرى أو القاعدة الرابعة، وهي "ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله". هذه القاعدة أوردها ابن نجيم، وذكرها من قبله الإمام أبو زيد الدبوسي أحد الأئمة الكبار الفحول الحقيقة من السادة الحنفية، أبو زيد الدبوسي عليه رحمة الله، أوردها الدبوسي بلفظ: "الأصل عند أصحابنا أن ما لا يتجزأ فوجود بعضه كوجود كله". وذكرها الإمام ابن السبكي رحمه الله فقال: "ما لا يقبل التبعيض هذا هو، يكون اختيار بعضه كاختيار كله، وإسقاط بعضه كإسقاط كله". وتبعه على ذلك الزركشي والسيوطي. والكلام على هذه القاعدة من جهتين: الجهة الأولى من معناها، هناك أمور يا إخواني تقبل التجزئة، ويقول الأشياء نوعان، أشياء تقبل التجزئة والتفكيك كالدين، فإذا ذكر المكلف بعضه، أعمل الكلام في ذلك البعض دون زيادة، فمن قال مثلاً: "أنا أضمن مثلاً أنا علي دين 5000"، فجاء شخص فقال لي: "شوف أنا بضمنك في نصف دينك"، أنا أضمن في نصف الدين، إذاً ضمنياً هو بايش ضمن؟ بـ 2500، صح؟ ضمانه للنصف هل نقول لا ما دمت قلت أنا أضمن النصف يلزمك ضمان الكل؟ بنقول لا ما بيضبط، ليه؟ لأن الدين يقبل التجزئة، فلو أنني صرحت بضمان النصف لا يمكن لأحد أن يلزمني بضمان الكل، وهذا ليس محل القاعدة، هذه مش قاعدتنا، فالذي يقبل التجزئة مش داخل معنا. والثاني أشياء لا تقبل التجزئة، بل هو شيء واحد لا يتبعض ولا يتجزأ، فإذا ذكر المكلف بعضه فإنا نحمل كلامه على الكل، وهذا هو محل القاعدة، كما لو قال لزوجته كمثال سريع: "رجلك طالق"، هنا قالوا: الطلاق لا يقبل التجزئة، مش ممكن المرأة تطلق رجلها وتظل عندك يدها! فبالتالي هنا أنت ذكرت بعضاً من كل لا يتجزأ، فحتى نعمل كلامك ولا نهمله سنحمله على الكل.
وكذا لو قال: "أنت طالق نصف تطليقة" أو "ربع تطليقة"، قالوا هنا الطلاق لا يتبعض، ما في شيء اسمه نصف تطليقة أو ربع، يعني هو مش قروش، فبالتالي إذا قلت نصف وربع ستحمل على تطليقة كاملة، أو قال ونحو هذا من الألفاظ. أظنكم فهمتم بشكل عام، فالذي طبيعته لا يقبل التجزئة، إذا تكلم به المكلف سنحمله على الكل ونقول "ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله"؛ ذلك لأنه لا يمكن حمل كلامه على البعض، وإذا فعلنا ذلك ألغينا كلامه، إذا حملنا كلامك على البعض نحن نحكم على كلامك بأنه لا قيمة له، فتعين أن نحمل كلامه على الكل لأن أعماله أولى من الإهمال كما تقدم.
كذلك الشيء لو قال في باب الظهار: "ظهرك علي كظهر أمي"، هل فقط يحرم عليه أن يمس ظهره ولا كلها تحرم عليه؟ كلها تحرم عليه، لو قال أي عضو منها تحرم عليه كلياً؛ لأن الظهار لا يتجزأ. العبد هل يتجزأ؟ لو قال "نصف عبدي حر"، نقول العبد يقبل التجزئة، بالتالي هو من القسم الأول وليس من القسم الثاني، فالعبيد والإماء تقبل التجزئة، فيمكن عندنا العبد المبعض الذي نصفه حر ونصفه عبد، فالتجزئة تقبل فيه.
تنبيه: من الأشياء ما يختلف أهل العلم في اعتبارها تقبل التجزئة أو لا تقبل، وهذا ستجد بعض الأشياء فيها نوع من اختلاف وجهات النظر. من قال لزوجته: "أنت طالق نصف طلقة" أو "جزء طلقة"، وقعت طلقة كاملة، ولو قال: "أنت طالق"، هي أقل أنواع الطلقات؛ لأن الطلاق لا يتبعض في قول عامة أهل العلم، سواء داود الظاهري، قال ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أنها تطلق بذلك طلقة كاملة".
إذا عفا بعض أولياء المقتول في حق القصاص، هذه مرت معنا في باب الجنايات، الآن حق القصاص لأولياء المقتول، يقولون حق القصاص هذه مسألة فيها خلاف، البعض يقول حق القصاص لا يقبل التجزئة، فإذا عفا البعض سقط كاملاً، يعني يا الكل يأخذ يا خلاص، مجرد أنه في واحد تنازل عن حقه سقط كله؛ لأنه لا يقبل التجزئة، وهذا هو ما عليه المذاهب الأربعة في معتمدها أن حق القصاص حق كامل لا يقبل التجزئة، إما أن يقبل كلاً أو يذهب كلاً.
من نذر صوم نصف يوم أو بعض ركعة، لو واحد قال: "نذر علي أصلي بعض ركعة"، لزمه. ذكر هذا المالكية والحنابله باعتبار أنه نصف ركعة هذه لا تقبل، ما في شيء في الإسلام اسمه نصف ركعة. ولا ما في إسلام اسمه صوم العصفورة، أقول لك لا يا شيخ أنا أصوم العصفورة هذه، شيء لأولادك تعلم، لكن لا يوجد في الشريعة صوم مقبول إلى نصف النهار، فإذا قلت: نذر علي أصوم نصف النهار، لزمك كلياً باعتبار أن الصيام لا يتجزأ، الصيام مفهوم لا يقبل التجزئة، ونفس الشيء الركعة الكاملة في الصلاة لا تقبل التجزئة. نعم عند الحنابله يصح عندنا التطوع بركعة مع الكراهة، يصح التطوع بركعة مع الكراهة، بس لحد الآن هي ركعة، أما نصف ركعة ما يصح عنده.
إن أعتق من عبده، عتق جميعه عند الصاحبين، اللي هم أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابله، وخالف أبو حنيفة؛ لأن العتق عنده يتجزأ. طب هنا يا شيخ مش أنت قلت إنه يقبل التجزئة؟ هنا شوف في مسألة إذا كان العبد كلياً لك، فإنك إذا أعتقت نصفه، الله لا يقبل الشركة، يلزمك أن تكون كل معتق لوجه الله، لكن إذا كان العبد نصف لك ونصف لشريكك، فأنا قلت "أعتقت نصفي"، هنا فقط سيطلق نصفك وتأتي قضية السعاية. فهمتم الآن الفرق بين الصورتين ذكرناها قبل قليل، والآن إذا كان العبد كله ملكاً لك، بمجرد أن تعتق بعض العبد، فالله لا يقبل الشركة فيصبح جبراً عنك كله حر عند جماهير المذاهب، لكن إذا كان العبد شراكة بينك وبين غيرك بالمناصفة بيني وبينك فقلت: "والله أعتقت نصفه"، هنا خلاص سنحمل على نصفك الخاص بك وسيبقى النصف الآخر مبعض، فهنا صورة التجزئة، متى يكون فيه تجزئة ومتى لا يكون فيه، لا يقبل التجزئة إذا كان كلياً لك، أما إذا كان شراكة بينك وبين غيرك فالعبد يقبل التجزئة.
فائدة ذكرها الإمام ابن الوكيل وتبعه جماعة، وهي أن البعض لا يزيد على الكل إلا في مسألة واحدة وهي إذا قال لزوجته: "أنت علي كظهر أمي"، فهو صريح في الظهار، فخلاف ما إذا قال "أنت علي كأمي"، هنا جعلوها كناية، طبعاً هذا ليس عند الجميع، لكن هنا اعتبرها ابن الوكيل من الشافعية كناية ولا تعد تصريحاً، فإذا نوى أنها كأمه في التحريم كان ظهاراً، وإن نوى أنها كأمه في عزيزة عليه وفي الكرامة، فهنا لم يكن ظهاراً. هنا يقول: زاد الجزء على الكل، كيف زاد الجزء على الكل هنا؟ أنه إذا قال "أنت علي كظهر أمي" اعتبرناها صريحة في الظهار، لما قال "أنت علي كلك كأمي" رجعنا خطوة وقلنا هذه مش صريحة في الظهار، إذاً أيهما أعلى في باب الظهار؟ أصبحت "أنت علي كظهر أمي" وهو الجزء أعلى في باب الظهار من قولك "أنت كلك كأمي"، فهذا معنى قوله أن هنا الجزء تفوق على الكل، بس في أيش؟ في إيقاع الظهار أو في إيقاع الحكم. لكن قال ابن السبكي: بل يكون في مسائل أخرى كثيرة، يعني ابن السبكي يرى أن هذا مش فقط خاص بباب الظهار بل يمكن أن يكون الجزء أعلى من الكل في بعض المسائل، وذكر ثلاث مسائل أخرى. هذا يرجع لها عاد في باب الأشباه والنظائر للسبكي. قلت: ومما يزاد على ما ذكر من قطع أطراف إنسان الأربعة، كان الواجب عليه أكثر من دية النفس كلها، فهنا زاد البعض على الكل، صحيح يعني هذه بأقول لك من المسائل التي يزيد فيها البعض عن الكل عموماً في باب الديات، أنه أنا لو قتلتك وأنهيت ملفك بضربة واحدة على يديك، دية واحدة 100 من الإبل، بس لو أنني قطعت يديك الاثنتين، هي ديتين، وبعدين قطعت رجليك، هي ديتين، ولو شلت عينيك، هي دية ثالثة، هي صار 300 إبل.
هنا زاد الجزء والبعض على الكل. في الحقيقة استغرب ابن الوكيل أنه قال إلا في مسألة واحدة؛ إلا أن يكون حقيقة له شيء معين يريد أن يشير إليه، وهذه المسائل ظاهرة أن البعض قد يزيد على الكل، أنه دائما كلام العلماء أولى من إهماله. فدائماً تحاول ألا تستعجل في تخطئة العالم، أنه قد يكون هو يريد شيئاً معيناً أنت لست فاهماً ما الذي يريده، خاصة كشخص مثلاً ابن الوكيل من كبار العلماء، ومارّ عليه هذه الأمثلة قبل أن تولد أنت. الآن طبعاً احتمالية السهو واردة على العالم أنه يغفل عن بعض الصور، لكن في العادة يكون هو يقصد شيئاً معيناً، الذي قرأ كتابه ما فهمه، وقد يكون هو فعلاً كلامك مبهم نحن ما قدرنا نصل لما تقصده لعدم وضوحه، هذا إحدى الاحتمالات.
الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر، ذكرت هذه القاعدة في بعض كتب الحنفية وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، ما شاء الله انتهونا في هذا الكتاب ربما تدرس عدداً لا بأس به من قواعد مجلة الأحكام العدلية. قال وهي تتضمن أمرين: ما الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر؟ أن وصف الشيء الحاضر المشاهد المشار إليه في المجلس لغو؛ شو يعني لغو؟ يعتبر ساقطاً لا يعتد به، لأن المقصود من الوصف ايش هو؟ أن أعرفك بالسلعة وإزالة الالتباس عنها، وقد جعلت السلعة حاضرة أمامك وأشرت إليها الذي هو أبلغ من الوصف، فإذا وُجد لغى معها ما دونها. فلو قلت لك، الآن تخيلوا أمامي سيارة بيضاء فجاء الزبون يريد أن يشتريها مني، فقلت: خلص هيني بعتك هذه السيارة السوداء.
هسه واضح أن كلمة سوداء جرت على لساني بغير قصد، فهل الزبون لما يشتريها يقول لي: لا والله يا شيخ أنا ما خلص العقد بدي ألغيه، اتبعتني السيارة على أنها سوداء وطلعت بيضاء؟ أقول له: أخي أنت كنت شايفها ولا ما كنت شايفها؟ آه كنت شايفها، طيب شو أنت لما شفتها شو كان لونها أمام عينيك؟ بيضاء، صحيح اعتبر كلامي سهواً. فالوصف الذي يصدر من البائع إذا كانت السلعة حاضرة أمام عيني المشتري ويستطيع المشتري يقلبها وينظر إليها، هذا الوصف لغو لا يؤاخذ به البائع، وأنت كمشتري تلزمك السلعة ولا تقول أنت وصفتها لي وصفاً ليس فيها، إذا كان هذا الوصف من الأمور المشاهدة المدركة بالحس لزمك. نعم إذا كان شيئاً مما لا يدرك بالحس، زي قلت لي مثلاً هذه 1000 واط، هسه أنا لما بدي أشوف الضوء أنا عارف الـ1000 واط التي بدي أروح أفتحها من جوا أشيل السمونة، فبالتالي آه هنا صح أنا شايف السمونة أو عفواً اللمبة، بس في شيء ربما في داخل الوحدات المركزية لها هذا لا يمكن إلا أن نقعد نفكفك السلعة حتى نعرف، فإذا أنت وصفتها لي وكان الوصف غير موجود هنا يحق لي أني أرجع عليك، لأنه حتى لو أنا شفت السلعة في أوصاف دقيقة داخل الماكينات المعاصرة ما بيعرفها إلا المورد. لكن الكلام هنا عن الأوصاف الظاهرة التي تدرك بالحس وما حدا بيقدر يغبيها مثل اللون والحجم والشكل، فهنا أنت شفتها فلو أنا وصفت وصفاً لا معنى له خطأً وأنت شايفها وتقلبها وصفي لغو لا يؤثر على صحة العقد.
ولو قال: أجرتك هذه الدار ذات الخمس الطوابق، وهي أربع طوابق بس هو عنده غلط خمسة وأنت شايفها أنها هي أربعة، هل بنقول له لا أنت بعتني إياها خمس طوابق؟ يا أخي أنا حكيت خمس طوابق بالخطأ، أنت ألم ترَ السلعة العمارة كم طابق أمامك؟ أعطاك الله عينين اثنتين، هي أربعة اعتبرها سهو لسان، أنت المسؤول عن عينيك أن ترى بهما جيداً. وبهذا يتبين أن هذه القاعدة في شطرها الأول وهي أن الوصف في الحاضر لغو، ركزوا الآن ماذا سيقول، القاعدة في شطرها الأول هي استثناء من القاعدة الكبرى أو من القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله»، هنا بالعكس هنا أهملنا الكلام وهو الوصف ولم نعتبره لأن المشاهدة أعلى من الوصف، فستكون في شطرها الأول استثناءً من القاعدة، وأما في شطرها الثاني سيأتي معنا الآن: والثاني أن وصف الشيء، طبعاً هنا ربما ياتي معنا ربما خطر في قضية النية، وأن الشخص الذي عارف أنه جاي يصلي الظهر فقال: أنوي أن أصلي العصر، الله أكبر، شو قال العلماء؟ هل تؤثر كلمة العصر على صحة صلاته ما دام ناوي الظهر؟ لا، لأنه النية أقوى من اللفظ، كما أن المشاهدة أقوى من الوصف، النية أقوى من اللفظ، فلذلك لو هو ناوي الظهر لكن سبق لسانه فقال العصر، أيضاً نطبق قاعدة الوصف.
مع وجود النية الوصف مع وجود النية الصحيحة يكون حكمه ايش؟ لغو، وينبغي أن يُهمل الكلام وينبغي أن يُهمل الكلام اعتباراً بقوة النية، فالنية أقوى من الوصف ولذلك حتى في باب الأيمان أول شيء نقدمه في الأيمان ايش؟ النية مش وليس اللفظ، النية ثم السبب ثم البساط ثم التعيين ثم الدلالة اللفظية، ففي باب النيات أيضاً نقول النية أعلى من اللفظ، ممتاز. فإذا قصدت شيئاً عاماً حتى لو تكلمت بلفظ نهمل الخصوصية وننطلق إلى العمومية، والعكس بالعكس، فقد نخصص العام بالنية، وتخصيص العام بالنية هو إهمال لجزء من الكلام، تخصيص العام بالنية كما مر معنا عند الحنابلة، النية تخصص العام وتعمم الخاص، أنت في كل حالة أنت أهملت جزءاً من الكلام وهذا يعود إلى ماذا؟ لأن النية أقوى من اللفظ، النية أقوى من اللفظ في اللهم إلا في يعني كما قالوا في إذا كان اللفظ صريحاً سياتي معك في الطلاق.
وأما الحالة الثانية أن وصف الشيء الغائب عن المجلس، آه إذا كانت السلعة ليست حاضرة في مجلس العقد ووصفتها أنا كبائع للمشتري، لا هنا أي وصف أذكره أنا مسؤول عنه ومعتبر، فلو قال: أبيعك سيارتي من نوع كذا وسنة صنعها كذا ولونها أسود، وهي السيارة مش موجودة في مجلس العقد في بلد آخر، فقال المشتري: قبلت، ثم لما استلم السيارة بان له خلاف ما وصفت به، لم يلزمه البيع وله الخيار، ويسميه بعض الفقهاء ايش؟ خيار الخلف في الصفة، هذا أخذناه خيار الخلف في الصفة، ويجري حكم هذه القاعدة في الأنكحة والبيوع والإيجارات وفي سائر العقود كما قال الشيخ علي حيدر أحد شراح مجلة الأحكام العدلية. فإذاً القاعدة في جزئها الثاني وفي الغائب معتبر، تمام هو تطبيق لقاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله، فكل وصف أذكره أنا كبائع ينبغي أن يكون عملاً، ولا يجوز لما أسلم السيارة إلى المشتري يقول: يا أخي الأوصاف اللي ذكرتها مش موجودة، يجي يقول لي: يا أخي اعتبرها لغو، هذه الأوصاف اللي ذكرتها إلغاء لك، ما يجوز! بل العكس كل لفظة تكلمت بها يجب أن يُعمل بها، قلت بيضاء بدها تطلع بيضاء، وصفت لي من هذا النوع بدها تطلع من هذا النوع، ما ينفع تقول لي هذا كلام لغو، ينبغي أن يُعمل كلام بكلامك حتى نبني عليه نتائج فقهية.
نأتي إلى القاعدة التي تليها، السؤال معاد في الجواب، ذكرت هذه القاعدة في كثير من الكتب الفقهية ومعناها أن المرء متى أجاب عن سؤال فإن جوابه يتضمن معنى السؤال تقديراً. فلو قال لك شخص: هل لفلان عليك 1000 ريال؟ فأنا أجبت إجابة مجملة فقلت: نعم. كلمة نعم هي تتضمن ماذا؟ أنه نعم لفلان علي 1000 ريال، فالصيغة التي وردت في السؤال هي التي أنت تجيب عليها، فيقولون السؤال حكماً معاد في الجواب وإن لم يُنص عليه صراحة في الجواب، فهمتم القاعدة؟ يعني أنا ممكن ما قلت نعم له علي 1000 ريال أنا فقط قلت نعم، نقول هنا السؤال معاد في الجواب فكأنك قلت: نعم له علي 1000 ريال، فالتقدير لفلان علي 1000 ريال، فأعيد السؤال في الجواب تقديراً. وهذا فيه ايش؟ إعمال للكلام، لأني لو قلت: والله نعم، والله ما بقدر آخذ منها حكماً، بنقول صارت نعم إذا هذه لا فائدة لها، إذا الشخص قال لك لك علي 1000 ريال أو كذا فقال نعم، إذا قلنا هي لا يؤخذ منها حكم إذا أنت أهملت دلالة كلمة نعم، وينبغي أن تحمل كلمة نعم على شيء له دلالة ولا تهمل، لأن إعمال الكلام أولى من إهماله، فاصبحت فكرة أن السؤال معاد في الجواب هي لصالح إعمال الكلام ودفعاً لإهماله.
إذا قيل للولي: أزوّجت ابنتك؟ قال: نعم وسكت. فقيل للمتزوج: أقبلت؟ مش اليوم المأذون بيجي للولي حط يده في يده: زوجت بنتك فلان؟ قال له نعم، بعدين مسك العريس: قبلت؟ قال نعم، كله بيحكي نعم بس طب ايش النعم؟ النعم أنه زوجتها يعني، طبعاً زوجتها هذا مش إخبار عقد، نعم أريد تزويجها، تمام وذاك قال قبلت، ايش يعني لما قال لك قبلت قال نعم؟ ايش يعني نعم؟ يعني نعم يعني قبلت، فالسؤال الذي يرسله المأذون هو معاد في الجواب ضمناً داخل كلمة نعم حتى يكون إعمالاً للكلام، انعقد النكاح عند الحنابلة لأن نعم جواب للسؤال والسؤال مضمر معاد فيه. قال هذا ذكره ابن قدامة في المغني وذكر أن الشافعي خالف في هذا، الشافعي شديد في ألفاظ الزواج أكثر منا، لسه الشافعية عندهم شدة يقول لك لا لازم يصرح كل شخص منهم: زوجتك وقبلت، أما كلمة نعم هذه ضمنية والضمني لا يعتبر تصريحاً في عقد الزواج، وهذا احتياط من الشافعي رحمه الله عليه موضوع عقود الزواج.
قالوا قال ولو كان بينهما وكذا عندهم، لو قيل له أسرقت؟ فقال نعم، كان مقراً بالسرقة حتى يلزمه القطع، لو قال له الحاكم مرتين، يعني عندنا لازم يقر مرتين، فلو قال أسرقت؟ قال نعم، أسرقت؟ قال نعم، ما قال نعم سرقت، قال نعم، فهنا السؤال ايش؟ معاد في الجواب فيعتبر في حكم الإقرار. الثالث قال ولو كان بينهما متوسط في العقد سمسار يعني نقول أو واحد واسطة بين البائع والمشتري فقال للبائع: بعته عبدك بألف، يعني نعتبره الكاتب هذا الكاتب فرضا مش كاتب، قال نعم، وقال المشتري: اشتريت بها أي بألف، قال نعم، قال صح البيع وتم، مع أنه كلاهما إنما اقتصر على كلمة نعم. قال الإمام الماوردي قاله الإمام الماوردي من الشافعية، كذلك لو قال لرجل على وجه الاستخبار يعني عم بستفسر منك: أطلقت زوجتك؟ قال نعم، هي ذكروها أصحابنا الحنابلة كان إقراراً منه يؤاخذ به في الظاهر عند المذاهب الأربعة، الآن ديانةً بينك وبين الله قد تكون قصدت بنعم شيئاً آخر تأويلاً، هذا إلى شيء آخر بينك وبين الله، لكن أنا كقاضٍ وأنا كشاهد لما أشهد عند القضاء وأقول: أشهد أن فلاناً قيل له أطلقت زوجتك؟ قال نعم، شو يعني نعم؟ المفهوم المتبادر يعني نعم طلقت زوجتي، فستؤاخذ به قضائياً وتتم الشهادة على ذلك، أما بينك وبين الله ماذا قصدت بكلمة نعم؟ هذه قضية أخرى.
لو قالت لزوجها أنا طالق، تعرف أن سوينا اليوم بتلاقيها في العصبية، أنا طالق، طالق، قال نعم، قال طلقت، نص عليه الحنفية، ما قال أنت طالق، شو قال نعم، اعتبرها السادة الحنفية إنشاءً للطلاق وطلقت لأن التقدير ايش؟ نعم أنت طالق. لو قالت لزوجها طلقني بألف، فقال مباشرة: أنت طالق، فإنه يستحق الألف ولو لم يذكرها في لفظه لأن السؤال معاد في الجواب، هي قالت له طلقني وخذ 1000 دينار، قال لك أنت طالق، ما قال لها أنت طالق بألف أو مقابل الألف وبس قال أنت طالق، فنقول بدك تكمل هذا ما ذكرته هي في السؤال، والعرض معاد في الجواب فكأن هذا نوع من أنواع الجواب. أنت ستقول لي هنا يا شيخ في سؤال، يعني هنا ما في استفهام هنا في طلب، ما هو الاستفهام نوع من أنواع الطلب، ما هي مشكلة نوع من أنواع الطلب الاستفهام، فلذلك لو قالت طلقني فقال بألف، فقال أنت طالق، فالسياق يدل على أنه قصد ما قصدته في طلبها، يعني أنت طالق وقابل الألف ولو لم يذكرها في لفظه، لأن السؤال معاد في الجواب نص عليه الشافعية والحنابلة. لو قال له لي عندك 1000، يعني لو قلت لك أنا بدي منك 1000، فأنت قلت نعم، كان إقراراً منه بما ذكره، معناتها خلص لزمتك الألف لأنك أنت قلت نعم، ايش يعني نعم؟ يعني نعم أنت تريد مني 1000، فدائماً سنؤاخذ، يعني كلمة نعم هذه باختصار وين ما وردت كلمة نعم هذه مش كلمة مجانية توزع مجاناً، نعم يعني أنت تقر وتصرح وتوافق، أو عفواً توافق ما أتيت به في السؤال، فنعم تتضمن ما في السؤال، نعم تتضمن ما في السؤال ويفسر بها الجواب.
إذا تعذر إعمال الكلام يُهمل، القاعدة الأخيرة هنا وهذه أصلاً هي القاعدة التي شرحنا بها ابتداءً، وهي أصلاً قيد مش هي أصلاً شرط القاعدة؟ هذه القاعدة الجزئية هي شرط القاعدة الكبرى، وهو مش قلنا من شرط أن إعمال الكلام أولى من إهماله ايش شرطها؟ إنه إذا تعذر إعمال الكلام فإنه ينبغي إهماله، وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية ونص عليه ابن نجيم فقال: إعمال الكلام أولى من إهماله متى أمكن، فإن لم يمكن أُهمل. والكلام عليها من جهتين، الجهة الأولى في معناها، تعني القاعدة أنه إذا لم يمكن حمل الكلام على معنى حقيقي ومجازي يترتب عليه حكم أو كان الكلام يكذبه الحس أو يكذبه العادة، فإنه يُهمل ولا يلتفت إليه، ولا يلتفت إليه، وأنا عرفنا متى تكون الحقيقة لا يمكن قبولها.
زي ما قلنا غير موجودة في الخارج أو غير ممكنة شرعًا. تمام لو أضاف غير ممكنة عقلاً مثلاً، برضه أنا في اعتقادي ممكن؛ إذا كان المعنى الحقيقي غير ممكن عقلاً. وهذه لعلك تضيفها هناك؛ لأنه هو قال عدم وجودها في الخارج وعدم الإمكان الشرعي، لكنه لم يذكر عدم الإمكان العقلي. لأنه هنا خطر في ذهني قضية عدم الإمكان العقلي، في قضية لو أقر شخص عمره 20 سنة أنه أب لشخص عمره 50 سنة، الآن هذا مستحيل؛ إيش؟ ليس عادةً، هذا مستحيل عقلاً، أن يكون الجزء أكبر من الكل، وأن يكون الصغير أكبر من الكبير.
تخيل شخص عمره 20 سنة يقر أمام القضاء، أقر أن فلانًا اللي عمره 50 سنة أنا أبوه، نقول له: هذا لا يمكن عقلاً، كيف أنت وجدت بعده وأصبحت والداً له؟ هذا يؤدي إلى شيء ممتنع عقلاً، فهذا أيضاً من صور أنه لا يمكن حمل الكلام على الحقيقة. فهنا ماذا سأحمله؟ لو أنا مثلاً عندي طالب عمره 50 سنة فقلت والله هذا أنا أبوه، تمام، يعني يمكن تحمل على الأبوة العلمية كما قال بعضهم؛ حتى أعمال الكلام أولى من إهماله، لأنه هنا حمله على المعنى الحقيقي يؤدي إلى استحالة عقلية. فهذا ممكن نضيفه، أنه قد يكون الكلام الذي يمنع الحقيقة عدم وجوده في الخارج بمثال من قال: وقف على أولادي، وكلهم ميتين، فسيحمل على أولاد أولاده، أو عدم الإمكان الشرعي، هذا عرفناه، وعدم الإمكان العقلي كما قلنا لو أقر شخص صغير بأن فلانًا الأكبر منه هو والده، هذا لا يتصور.
فالشيخ هو يرى أنه إذا كان الكلام لو حملناه على معناه الحقيقي أو الظاهر يكذبه الحس أو ما في حكمه كالعادة، فإنه يهمل، طبعاً فإنه يهمل إلا إذا وجدنا له محملاً صحيحاً على المعنى المجازي. طيب إذا كان الكلام لا يمكن حمله على الحقيقة وما له معنى مجازي، وهذا قصده أنه يهمل. فهمتم الكلام اللي حكيته؟ إذا كان يكذب الحس الواقع الخارجي، أو يكذب العقل، أو لا يقبل شرعاً، سنحاول أن نجد له معنى مجازياً، ما وجدنا له معنى مجازياً صالحاً لأن يحمل عليه، أو زي ما حكينا في البداية كان المعنى المجازي بعيداً جداً جداً، يتعذر نتصور هذا، هنا حينئذ نقول لك كلامك ملغى؛ لأنه إما مخالف للشرع، أو مخالف للحس، أو مخالف للعقل، أو كما قلنا مخالف لما هو معروف ومشهور في العادة، وحمله على المعنى المجازي ينذر جداً فلا يقبل.
مثلاً من قال عن زوجته الأكبر منه سناً، المعروفة النسب لغيره: والله هذه ابنتي، أهمل كلامه، لأنه قلنا هذا مستحيل عقلاً، ما هي أكبر منك سناً، معروف أنها أكبر منك سناً، كيف ستكون ابنتك؟ طيب إذا هذا اللفظ له حقيقة ومجاز، فحقيقته أنها ابنتي من صلبي، ولا يمكن حمل اللفظ عليه لكونها معروفة النسب وأنها أكبر منه، ولو أعملنا اللفظ هاهنا، شو المشكلة هاهنا؟ لو قلنا بدنا نحملها على المعنى المجازي أنه قصد بقوله هذه ابنتي، لا، هنا يقصد لو حملناها على معناها الحقيقي وما زال في ضمن المعنى الحقيقي، لو قال فلانه ابنتي من صلبي، هنا لا يمكن حمل اللفظ على معناه الحقيقي، ليه؟ لأنها عقلاً لا يمكن؛ لأنها أكبر منك. ولو أعملنا اللفظ أصلاً لبطل نكاحك. صحيح، لو قال شخص لو أقر شخص أن فلانة زوجته، قال هذه، أدى القاضي، قال يا قاضي هذه ابنتي، بنقول أولاً كلامك مستحيل، كلامك مستحيل لأنه هي أكبر منك سناً، مستحيل عقلاً أنك تكون هي ابنتك، ثم ثانياً لو أعملنا كلامك سنؤدي إلى ايش؟ إلى الطلاق مباشرة أو عفواً حتى مش طلاق، فسخ أنه تبين لنا أن العقد باطل، كان أنت عاقد على ابنتك، العقد باطل لا يصح.
قال ولو أعملنا اللفظ هنا لبطل نكاحه بها، بالتالي لا يمكن حمل اللفظ على معناه الحقيقي أصلاً أن هي أكبر، ومجازه لو قال هذه ابنتي، فسكت، ومجازه الوصية لهذه المرأة بمثل نصيب البنت، هيك قالوا. قالوا وهذا لا يصح أيضاً، ليه؟ لأنها وارثة ولا وصية لوارث، فهنا حمل اللفظ على معناه الحقيقي مستحيل لأنه هي أصلاً أكبر منه، وحمل على معناها المجازي أنه هذه ابنتي بمعنى أقصد أنني أوصي لها بمثل ما أوصي لابنتي، لا يصح، ليه حتى ولو كان محتملاً مجازاً؟ فرضاً أن يكون هذا المقصود، أنني أوصي لها كما أوصي لابنتي، لكن هذا مرفوض شرعاً من جهة أنه لا وصية لوارث، بس طبعاً سيقال إلا أن يشاء الورثة فيمكن تصحيحها إذا أجاز الورثة على هذا. لكن أنا في اعتقادي أن يكون قول هذه ابنتي أصلاً معناها المجازي أنني أوصي لها كما أوصي لابنتي، مجاز بعيد جداً جداً، أن أشوف شخص بصحته وعافيته وكذا فجأة بقول والله هذه ابنتي، والله مجاز هذه اللفظة أنه أوصي لها كما أوصي ابنتي، أقول هذا بعيد، خاصة في زماننا، فلا يمكن حمل اللفظ عليها ليس من جهة أنه لا وصية لوارث بل حتى من جهة أن هذا مجاز بعيد، يندر يندر جداً قصده، فحمل الكلام عليه لا قيمة له والله أعلم.
لو أقر على نفسه أنه قتل فلاناً ثم رأينا المقتول الذي ادعى أنه مقتول حياً، هنا يهمل الكلام صحيح. لو قلت لك رحت عند القاضي وقلت يا قاضي أنا بدي أعترف إيش؟ أنا قتلت زيد بن عبيد، ممتاز، الآن بدنا نحمل الكلام على حقيقته، شوي ولا زيد بن عبيد داخل، هنا حمل الكلام على حقيقته مستحيل. طيب هل يمكن نحمله على المجاز؟ قتل الشخصية، القتل المعنوي، تعرف قتلت اختيار الشخصية، تمام. بنقول هنا حمله على المعنى المجازي وأنه يقصد اغتيال الشخصية، يندر جداً أن يذهب شخص إلى القاضي ويعترف أمام المحكمة ويروح مشوار عشان يقول آه بس أنا قصدت اغتيال الشخصية، نقول هذا المعنى المجازي نحمل عليه يا شيخ من باب أعمال الكلام ولا من إهماله؟ بنقول بصراحة لا ما بيزبط، يجب إهمال الجملة، لأنه هذا المعنى المجازي نادر، نادر خاصة في سياق أنه شخص يذهب إلى المحكمة ويحط إيده وكذا كذا. بخلاف ما لو كان شخص كتب منشور على الفيسبوك قتلت فلاناً، ونحن عارفين أنه فلان حي، فأنت رح تحمل الكلام هنا على مجازه صحيح، وأنه ماذا يقصد؟ إني اغتلت الشخصية، أسقطته عند الناس. فالسياق هو الذي سيجعل أنه واحد راح عند المحكمة نقول هذا كلام يهمل، لا قيمة له، لكن على الفيسبوك كتب له منشور ونحن عارفين أنه شخص حي، لا، هنا حمله على هذا المعنى المجازي صار قريباً ويكون أعمال الكلام أولى من إهماله، وبالتالي ممكن يؤاخذ يعني ممكن أنا كحاكم أعزره أنه تعال ليش اغتلته؟ ليش أسقطته؟ والله لأنه يحمل أفكاراً غير سوية، تمام، أفكاراً حركية وشيء من ذلك لذلك اختلت الشخصية.
المهم نرجع لموضوعنا، إذا ما نطلع، ومثله لو قال إيش؟ لو أقر قطعت يده ورأيناها سليمة وأمثال ذلك قال فيهمل كلامه، ولا يترتب على نفسه شيء. لو قال قطعت يده، الآن معناها الحقيقي إيش هو؟ أني قطعت يده. فالآن هل القاضي سيقتص منه؟ قلنا جيب لنا هذا اللي قطعت يده، جابه إيش؟ ولا إيديه سنتين سليمتان، تقول لا أنا قطعت، معناها مجازي قطعت يده أنه ايش؟ قطعت معروفة عند الناس. بنقول أنك تقول قصدت بقطع يده قطع معروفة؟ هذا ما بتيجي فيه عندي عند القاضي وتشغل المحكمة وكلها ورافع القضية، هذا ليس من العرف، فبالتالي كلامك سيهمل، لا قيمة له سيهمل. طيب ليش يا شيخ مش أعمال الكلام أولى من إهماله؟ نقول السياق يأبى أن تكون قصدت المعنى المجازي، مش هذا سياقه، لكن لو كما قلت لو كان منشور على وسائل التواصل قطعت يد فلان بمعنى قطعت معروفة، فهذا يمكن أن يقبل بشكل من الأشكال.
طيب لو ادعى البلوغ من لا يحتمله سنه، فلا تسمع دعواه؛ لأنه ما الذي يخالفه هنا؟ مش العقل لكن العادة، يعني لو شفت طفلاً عمره خمس سنوات أو ست سنوات يقول لك والله ذهب عند القاضي وأقر أنه بالغ، هل يعمل كلامه ولا يهمل؟ الآن إذا بدي أحمل البالغ بمعناه الحقيقي، نقول يهمل، ليه؟ هنا ليس أنه في استحالة عقلية، في استحالة عادية، بس العقل لا يتصور امتناع أن يبلغ شخص عمره ست سنوات، لكن الذي يمنع ذلك هو العادة والعرف أنه ما في واحد عمره ست سنوات في العادة يبلغ، فهنا سيكذبه القاضي، وهذه قضية مهمة في باب القضاء جداً، أن في باب القضاء كثيراً ما تكذب الأقوال لمخالفتها للعادات. هنا تتوسع بعض المذاهب وتضيق، يعني مثلاً لو ادعى شخص أنه مثلاً في شنطة نساء في بيته، شنطة نساء فيها مكياج وكذا وكذا وقال ادعي أنه هي الشنطة لي ومرته بتقول لا هي الشنطة لي، هنا بنقول في العادة أنه يعني مش الرجل بيحمل شنطة فيها مكياج وكذا يعني شنطة واضحة نسائية أمورها، هسا في العقل والمنطق يمكن يكون هذا الرجل عنده شنطة نسائية وفيها مكياج وشيء، الله أعلم لماذا يستعملها، بس العادة تكذب كلامك، فتكون المرأة هي صاحبة الحق المدعى عليها وأنت المدعي، أنت بدك تجيب بينة، تمام، أنت الذي عليك ماذا؟
بالبينة، أنا كيف أن الكلام أحياناً قد يمتنع ويخليك مدعياً مش مدعى عليه ولو كانت يدك على الشيء، يعني لو أنت ماسك الشنطة وجاي فيها على المحكمة وفيها أدوات تجميل وأنت واضع يدك عليها والزوجة مش واضع يدها عليها بس بتقول يا قاضي هي لي مش له، هنا في كثير من المذاهب لا تعتبر اليد وإنما يعتبر ما يشهد له العرف، ومن يشهد له العرف والعادة هو الذي يأخذ السلعة حتى لو كانت يد الآخر عليها. فهذه قريبة من فكرة هذا البلوغ، من قال إنه بالغ، فإن القاضي لن يحمل كلامه على محمل الجد وسيعتبر نوعاً من اللغو. طبعاً لو قال لا قصدت بالغ يعني معنى مجازي بالغ يعني واصل الدار وراجع، تمام، يعني بلغت شيئاً من العلم، بالغ نقول هذا معنى بعيد جداً، أنت جاي أمام القاضي تقول إنك بالغ وتقصد بالبلوغ بلوغ قدر من العلم، تمام، فهذا لا يمكن قبولك معنى مجازياً وكلامك يهمل في هذه الحالة.
يعني ساعة وربع، نكمل بالتالي القاعدة التي تليها، نبدأ فيها مادام ساعة وربع. أنتم بتعرفوا أنا الساعة وربع يعني ما بتشبعش. الضمير كثير، القاعدة الكلية الأخرى التي سنشرع فيها إن شاء الله بعد قاعدة أعمال الكلام أولى من إهماله، قاعدة مشهورة ولها آثارها وثمارها الفقهية العديدة، قاعدة التابع تابع. ذكر هذه القاعدة السيوطي وابن نجيم وبه وردت في مجلة الأحكام العدلية ومعناها مشهور تقريره.
هنا خطر في ذهني قضية تتعلق بكما قلنا نقد الكلام، يعني في هيك بس رجوع سريع لقاعدة أعمال الكلام أولى من إهماله، إلى ما جاء في ذهني بعض المصنفين هنا، يعني ينبغي أن يكون من نضوجك العقلي يا طالب العلم، لما ترى بعض الكلام منسوباً إلى أئمة والكلام يا أخي لا يحتمل، كلام هذا الإمام عدم نسبته إلى الإمام والتحرز، هذا هو المنهج السديد. يعني بعض الناس ينسب إلى بعض العلماء كتباً أنها لهم، وأنت تعلم هذا العالم وقرأت له كثيراً من كتبه ومصنفاته وتعرف علو كعبه، يعني عندك أمور كثيرة تشهد له أنه رجل لا يلعب بالدين، ورجل على علو كعب وفهم ودراية، فلما تجد كتاب رسالة تنسب له وفيها كلام غريب عجيب، قد يخرج من الملة أحياناً وقد يكون له فسق وفجور، هذا ألا يورث لديك نوعاً من الحس والنقد؟ هذا اللي يعلمك إياه أصول الفقه والقواعد، نوع من النقد الداخلي أنه لا ينبغي التعجل في الحكم على إمام علا كعبه وانتشر صيته في العلوم لمجرد كتاب نسب إليه، فكم من إمام نسب إليه كتاب كذباً وزوراً.
يعني اليوم نحن كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل، نجد مطاحنات شديدة بين كتب تصدر في إثبات هذا الكتاب له وكتب أخرى تؤكد وتجزم أن الكتاب ليس له، وهذا أحمد بن حنبل وموضوع فكره عقدي وكذا وأشياء، يعني أنت ما زلت تشهد أن بعض الكتب التي تذكر في الأرشيف وكذا ويرجع إليها بل يستشهد بها حتى ابن تيمية وابن القيم، أو تجد أن بعضها ما زال هو محط نقاش في نسبته إلى إمام أو لا، فما بالك وعفواً وطبيعة الكلام الموجود في رسالة، يعني معقول معقول عموماً معقول عموماً تمام أن يكون من كلام أحمد. طيب، فتخيل أنك تجد للإمام في القرن السادس أو السابع أو الثامن كلاماً عالياً ونقداً، ويعرف من خلالها عفواً من كل هذه الكتب أنه رجل عنده تقوى، ثم يأتيك هكذا في النص يخرج لك كتاب شاذ، يعني في قضايا إشكالية في قضية يعني مش طبيعية. أحد الأمور التي ينبغي أن تكون حاضرة عندك، أحد الأمور أن يكون فيه كتاب مدسوس، هو الكتاب وضع عليه اسم عالم آخر ليشتهر أو ليسقط أو لشيء من ذلك، يعني يشتهر الكتاب أو حتى يتم إسقاط العالم، يعني هذه أمور تحدث في الحالة البشرية، فإن تجعل أول احتمال هو إسقاط العالم والحكم عليه هذا ضعف ديانة، هذا أسميه أنا ضعف الديانة، أنت رجل يعرف بعلو كعبه، ويعرف مساحة خطئه، يعني يعرف مثلاً قد يكون عنده شيء مثلاً من التوسلات أو الصغاث، يعني مفهوم الخطأ تاعه ضمن سياقات تاريخية.
إلى أن نصل إلى الأخطاء المتكررة من غيره، أعرف أن مثل هذا الرجل الأخطاء المتصورة منها هي ترى شيئاً نادراً غريباً عجيباً، لا، هنا أنت تجد تتوقف. مثلاً من إحدى المسائل التي كثير يتوقف فيها؛ مسألة نسبة القول بفناء النار لابن تيمية، لماذا هذا يتوقف فيها الكثير من أهل الحديث المعاصرين؟ لأنه من يعرف من يقرأ كتب ابن تيمية الكثيرة، يعرف الاتباع الشديد لنصوص الكتاب والسنة والاهتمام بآثار الصحابة وأقوالهم، فيرى مثلاً أن هذا القول، أن يكون ابن تيمية ممن قال بفناء النار، يا أخي قول لا يشبه أقواله؛ هنا يمارس النقد.
الآن طبعاً هذا النقد الذي تمارسه ممكن يظهر لك خطأ عادي جداً، ولا يمكن في النهاية أن يظهر لك بطريقة ما أنه في رسالة فعلاً تكلم فيها بفناء النار. هذه الرسالة ثبتت له بشهادة فلان وفلان وفلان من الفحول الأثبات، فهنا نعم يُضعف قضية سعيك للدفاع وتقول: لعل هذه الرسالة كتبت في فترة عمرية مبكرة، لعل، تفتح باب الاحتمالات، ولا يسقط العالم بها، وتجد له مساحة من العذر كما تجد لغيره من العلماء مع القول بأن هذا القول خطأ. هذه الممارسة تفعلها مع كل عالم ومع كل إنسان ثبت علو كعبه، إذا وجدت له نفعاً مفيداً للأمة في كتب كثيرة وعلوم نافعة تدل على فهمه؛ في إنسان بتعرف أن عنده مشكلة، لما تنظر في مشكلة اليوم الدائرة في ابن عربي ومحاولة حمل كلامه على أحسن المحامل وكذا، هو مشكلة ابن عربي أنه هذه ليست كتاباً واحداً شذ، نجد أنه لازم يحمل كلامه؛ هنا لا، هي مشكلة، هي ظاهرة عامة في كل كتبه أنه يدعو إلى وحدة الوجود، بالتالي يأتي الشخص يقول لك احمل الكلام على أحسن محامله، هنا بنبدأ نقول في نوع من اللعب، أصبحت القضية أن هذا منهج عام للرجل في عامة كتبه، وليست فلتة أو كلاماً ينسجم مع تقريرات أخرى له واضحة بينة. أنا نعم ينبغي أن يرد المتشابه إلى المحكم، لكن لما يكون هو أصلاً كل كلامه متشابه ما عاد في محكمات، بل أحياناً يكون المحكم في الجهة الأخرى في بدعته.
هنا أعود، هذا منهج تعلمه في حياتك: لا تقبل من أي شخص يخرج لك على السوشيال ميديا يقول لك: والله هذا الكتاب لفلان ووجدته وكذا وانظر ما فيه من الكفريات التي كذا، ويصبح يقول لك كلامه هنا، أنا لا أستعجل في الرد، أنا ما عندي، أنا في النهاية أمارس نقداً علمياً، ولا أجعل أول احتمال عندي إسقاط العالم، بل أجعله آخر الاحتمالات. هي ها الفكرة، آخر الاحتمالات، وأبدأ أنظر رويداً رويداً في الاحتمالات الواردة، هي المخطوطة تعال من وين جبتها؟ أنت وجدت اسم السيوطي تعال خلص سمعنا وأطعنا للمخطوطة، افرض أنه في مشكلة فيها، افرض في تلبيس، افرض احتمالات كثيرة، خاصة أن كثيراً من الفقهاء في زمنه كان هذا الشخص أصلاً محل مناوشة بينهم، لو كان يعرف هذا من منهجه لنزلوا فيه ولحكموا عليه بالردة والكفر وكذا وأشياء كثيرة، فبالتالي أثبت لنا أنه في أحد كفره أو ردّه أو حكم عليه، وهذا الكتاب كنت لقيته في مكتبة، أنت جبته من مكتبة، في أمور كثيرة، هذا ما يسميه الدلالة السياق والقرائن والأحوال مع سلامة القصد وإيجاد الأعذار، تجعلك توفق إن شاء الله في الخروج بمخرجات بحثية صحيحة.
أما من طمست بصيرته وكان هدفه فقط العبث والتاكيد، خلص لما الشخص يكون تبنى رأياً ويكون رأياً مردوداً والعلماء يردون عليه، تجد أنه يذهب حتى لو الشيء البعيد بده يأتِي به حتى يصوّب رأيه، ويضع احتمالية فرض السوء وكذا، المهم أنه يبقى رأيه هو الصواب ويحاول أن يقنع الناس أن رأيه هو الصواب؛ هذه دلالة بسميها الركاكة الدينية، ركاكة الديانة وعدم وجود التربية والتزكية، وأن الإنسان يضع خطوطاً حمراء معينة لا يتجاوزها ويتبع كلام الكبار. ودائماً العلماء، لما ابن تيمية رحمه الله عليه في كثير من القضايا التي ناقشها في أبي حنيفة عليه رحمة الله عليه ورحمة الله عليهم جميعاً، هو عمل نوعاً بسميه أنا من النقد الذاتي للتاريخ؛ هذا شيء لا يعرفه هؤلاء الأطفال الذين يخرجون على السوشيال ميديا. قضية نقد الروايات التاريخية وفهم أنه في إشكال، يا عمي من يقرأ لأبي حنيفة وطبقة تلاميذه وتلاميذ تلاميذه والطحاوي وهؤلاء يعرف ما هي المخرجات المتوقعة لهذه المدرسة، فلما أجد كلاماً أنه يقول بالزندقة أو شيء، طب تعال أبو حنيفة ولد ٨٠ هجري، يعني لما كان عمره ٣٠ سنة كان لسه بعض الصحابة موجودين، يعني ١١٠، أبو الطفيل آخر صحابي. طيب وين كان كبار وعتاولة التابعين عن الأحكام الشديدة؟ والدولة نفسها الأموية التي كانت ما زالت في قوتها لم تسقط بعد، أين كانت؟ وغائبة عن الرجل ملأ الدنيا، وهون بتصير قضية النقد الذاتي للروايات التاريخية، وهذا كان كثيراً ما يركز عليه ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، يقول كثيراً ما يُروى في التاريخ يجب إعادة تنقيحه ونفضه، ليس كل شيء تقرأه حتى لو وجدت في بعض الكتب الموثقة الأسانيد، هذا الرجل على فضله هذا العالم ولو كان من القرن الثالث أو الثاني الهجري قد يكون وصل الكلام إليه مبتوراً أو استعجل في قضية قبول بعض الأخبار أو قد لا يمارس النقد الذاتي أو لا تفهم طبيعة الإشكال.
أحداث كثيرة ينبغي، أو حتى الكتاب نفسه الذي وصل إلينا من القرن الثاني أو الثالث يكون قد دُس فيه بعض الأمور، طبعاً نحن مش مع فرضية فتح الاحتمالات على إطلاقها، أي كتاب، اتخيل يعني زي ما بيفعل الشاعر اليوم في كتاب مقالات الإسلاميين، يقول لك والله هذا الكتاب أهل الحديث لعبوا به وعبثوا به وأدخلوا فيه نصوصاً ليقولوا أن أبا الحسن الأشعري أصبح على طريقة الإثبات وعلى عقيدة أحمد وهذا كتاب النسخ الصحيح، نحن بنقول في النهاية يا أخي أثبت، جبني مخطوطة موثقة صحيحاً بطرق علمية ما عندي مشكلة أقول أن الكتاب معبوث به، أما مجرد فتح الاحتمالات على مصراعيها ما هو برضه أيضاً سيفقد، تجعلك تفقد الثقة بأي كتاب، أنا فقط أقول هذا من باب أن تعرف أن الموضوع ليس كما يصور لك أنه كل شيء واضح وأن العالم، شوف ابن دقيق العيد يعلمك التروي والاحتمالات، وإدخال الكلام القطعي مع الكلام الظاهر مع الكلام المتوسط مع الكلام، وفي تروٍ، وهذا الذي يدعك تفهم تروي الكبار وعجلة الصغار. البعض قد يستغرب، يا أخي ابن تيمية وابن القيم وابن رجب والمعلمي ليش في عندهم نوع من التروي بينما ما شاء الله شيخنا الفحل المعاصر كل شيء واضح عنده؛ كل شيء كافر، مبتدع، فاسق، وانتهت القضية، ليش في تحفظات كثيرة؟ لأنه ذاك يفهم وهذا لا يفهم، ذاك يعلم وهذا لا يعلم، هذا متسلق.
هنا تبدأ تفهم أنت أنه في علم، في شيء اسمه علم، في شيء اسمه قواعد، في شيء اسمه تروٍ، في شيء اسمه انضباط، في شيء اسمه احتمالات، وهي الاحتمالات تقتضي الورع وعدم الاستعجال، وأنه يا أخي إذا شكيت الأصل تغليب حسن الظن، يعني أنا مش متعبد أني أسقط عالماً بالظن. يا أخي لعل، لعله، خلاص خلي الأمة تمشي على حالها ما دامت القضية ليست قضية محورية بالنسبة لك، وهذا الكلام الباطل الموجود في هذا الكتاب نحن جميعاً نعلم بطلانه ولا أحد يثق به، لكن نسبته إلى هذا العالم هي التي نحن نشكك فيها، إلى غير ذلك.
التابع تابع؛ نقول الكلام عليها من ثلاث جهات: الجهة الأولى في معناها، أنك إذا وجدت شيئين أحدهما تابع للآخر حساً أو معنى، فإنك تجعله تبعاً له فيما يعرض له من أحكام، فيثبت لثبوته ويسقط لسقوطه وهكذا، يعني إذا وجدنا شيئاً يتبع شيئاً. لو اعتبرنا أن هذا مصحف واعتبرنا فرضاً أن هذا مصحف، والآيات مكتوبة هنا وهنا هوامش الصفحة البيضاء، نقول هوامش الصفحة البيضاء غير المكتوب فيها هي تبع للمكان المكتوب فيه، فيأخذ حكمه، فإذا كانت الآيات لا يجوز لمسها باليد مباشرة، فكذلك الهوامش البيضاء لصفحة المصحف لا يجوز لمسها، من أين أخذت يا شيخ أنه لا يجوز لمسها هوامش بيضاء؟ نقول التابع تابع، فكما أن الأصل لا يجوز لمسه فالتابع له لا يجوز لمسه، لكن طبعاً سنعرف أن هذه القاعدة واضح أنه ليس كل تابع تابعاً، نعرف ما هي التوابع التي تأخذ حكم متبوعها كالنعت والتوكيد والعطف والبدل، هم الذي لا يأخذ حكم متبوعه هذا يأتي معك. قال: وقد جعل العلماء لتلك الأحكام قواعد، كقاعدة إذا سقط الأصل سقط الفرع مثلاً هذه من فروع هذه القاعدة، فتارة يعبرون بالقاعدة الأعم فيقولون التابع تابع، وتارة يعبرون بالقواعد المتفرعة عنها، ومنها إذا سقط الأصل سقط التبع، بس هذه القاعدة قاعدة إذا سقط الأصل سقط الفرع هي جزء من القاعدة الأم؛ لأن القاعدة الأم التابع تابع تتكلم في جانب الإثبات وفي جانب السلب، لكن قاعدة إذا سقط الأصل سقط الفرع تتكلم فقط في جانب السلب الذي هو الإسقاط.
ربما اكتفى بعض من ألف كالزركشي في المنثور بذكر القواعد المندرجة ولم يذكر أصلاً ابتداءً قاعدة التابع تابع، ولذا أخرت ذكر الفروع الفقهية لهذه القاعدة إلى حين الكلام عن القواعد المتفرعة تحتها، ولا بد من التنبه إلى أمر، وهو أن التابع قد يتبع متبوعه في بعض الأحكام دون بعض، يعني لا يشترط إذا قلنا أن التابع تابع أن يأخذ التابع حكم المتبوع في كل أحكامه، بل يمكن أن يأخذه في بعض الأحكام دون بعض؛ مش في النحو عندنا النعت الحقيقي والنعت السببي؟ في النعت الحقيقي النعت يتبع منعوته في كل أحكامه الأربعة، لكن في النعت السببي النعت لا يتبع منعوته إلا في اثنين من خمسة.
الجهة الثانية في ذكر دليلها، يمكن الاستدلال على أصل القاعدة بقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»؛ فجعل النبي عليه الصلاه والسلام الجنين تابعاً لأمه في الذكاة، والمراد إذا أنا ذبحت ناقة، فبعد أن ذبحتها أو بقرت بطنها خرج الجنين منها ميتاً بهذا القيد، كانت عندي ناقة حامل، رحت مسكت الناقة وذبحتها، ذبحتها أو بقرت بطنها فوجدت الجنين في الداخل ميتاً، أو هو سحى لوحده وخرج ميتاً، لأنه إذا خرج حياً لا هنا بدك تذبحه، لكن الكلام إذا خرج الجنين ميتاً فنقول هنا هل يجوز أكل الجنين؟ نقول نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، فهو تابع لها؛ فلما ذكيت أمه فماتت وهو خرج ميتاً تبعاً، أخذ حكمها في التذكية. فهذه قد تكون منبهة للقاعدة فيها تنبيه لقاعدة التابع تابع، لكن طبعاً بشروط لأنه رأيتم أن التابع هنا تابع إذا خرج ميتاً، لكن إذا خرج حياً لم نقل التابع تابع، بل قلنا له حكمه المستقل، فهذه كما تشير إلى القاعدة تشير أيضاً إلى أنها منضبطة ببعض الصور دون بعض.
القواعد المتفرعة تحتها أو المندرجة تحتها ست قواعد هنا يقول: أولاً من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته وتوابعه ولوازمه، ثانياً التابع لا يفرد بالحكم، ثالثاً يُغتفر في التوابع ما لا يُغتفر في غيرها، وهذا استثناء من القاعدة، رابعاً إذا سقط الأصل سقط الفرع، خامساً قد يثبت الفرع دون الأصل وهذا استثناء أيضاً، سادساً إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه، وهذا مع القاعدة.
نبدأ بالحالة الأولى أو القاعدة الأولى: من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته؛ هذه إخواني كلها قواعد مهمة جداً، هذه القواعد التي تدرسونها في المنحة الإلهية، أستطيع أن أقول إنه ٧٠ إلى ٧٥% من الفقه مبني عليها؛ القواعد الكبرى وما اندرج تحتها والقواعد الكلية وما اندرج تحتها، ٧٠ إلى ٧٥% مندرجة على هذه القواعد، يبقى ٢٥% من القواعد الفقهية الأخرى التي تأخذها مع الأيام والأوقات، لكن ضبط هذه القواعد مهم جداً في المنحة الإلهية، يعني لا تقول والله هذا كتاب سهل، ما هو هذا السهل اضبطه جزاك الله خيراً، لأنه فيه ٧٥% مما تحتاج إليه.
طيب وردت هذه القاعدة بهذا اللفظ في بعض كتب الحنفية وفي مجلة الأحكام العدلية، ومعناها مقرر عند الفقهاء وكثيراً ما ينصون على بعض ما تتضمنه، ومن ذلك قول الإمام الماوردي عليه رحمه الله: من ملك شيئاً ملكه بحقوقه. شوف مثلاً شوف ايش قال الماوردي؛ حقيقة الماوردي من الشخصيات الفذة في الفقه الشافعي، يعني من العقليات المنظمة بمستوى عالٍ جداً وله قدرة على ترتيب الأفكار والمسائل عالية، ولذلك كتابه الحاوي الكبير كتاب نافع ممتاز، يعني لا تشعر أنه ككتب الفقه فقط يسرد يسرد أحكاماً، لا، عنده هيك منهجية التخطيط للحكم، يقول هذا الحكم له عدة صور، الصورة الأولى ويندرج تحتها عدة أحوال، فبتشعر مش بتقرأ بس كتاباً فقهياً، كتاب مهندس مشجر، يعني أستاذ في التشجير؛ أنت اليوم لما تفتح كشاف القناع أو المبدع أو تجد أنه إيش أنت بتسرد سرداً ما في قضية الأحوال التفصيلات كذا، لا الماوردي عقلية هي شخصية منظمة. طيب فالمهم يقول: من ملك شيئاً ملكه بحقوقه، الكلام على هذه القاعدة من جهتين؛ أولاً في معناها: من ملك، أي من انتقل إليه الملك شرعاً ببيع أو هبة أو إرث أو.
غيرها شيئًا النكرة فتشمل الأعيان والتصرفات؛ فالعين كسيارة ودار، والتصرفات كملك الوكيل في بيع السيارة مثلا؛ أنه لا يملك السيارة بل يملك التصرف فيها بالبيع.
من ملك شيئًا، أنت قد تملك العين وتكون عندك، وقد تملك إذن التصرف بالعين ولكن لا تملك العين نفسها، كالمستعير هو لا يملك العين، يملك إذنًا بالتصرف فيها، نفس الشيء الوكيل هو لا يملك العين لكن يملك إذنًا ببيعها. كذلك المستأجر هو لا يملك العين، يملك منفعتها.
فإذاً الملك نوعان: قد تملك شيئًا يعني تملك عينه ورأسه، وقد تملك التصرف به، والتصرف به قد يكون ملك منفعة، وقد يكون ملك انتفاع؛ لأنه هناك فرق بين المستأجر والمستعير، فدائمًا تقول: المستأجر يملك منفعة العين، المستعير مثلاً يملك فقط ملك الانتفاع. والفرق بين ملك المنفعة وملك الانتفاع ما هو؟ أنه من ملك المنفعة يستطيع أن يملكها لغيره، لكن من ملك فقط الانتفاع لا يستطيع أن يملكه لغيره. فالمستعير يملك الانتفاع وليس المنفعة، فمن سبق إلى شيء يملك الانتفاع بهي البقعة التي سبق إليها لكن لا يملك المنفعة، فما بيستطيع يعطي غيره يبيع فيها، خلص بدك تقوم قوم، بس أنت ما ملكت أنك تأخذ عوضًا على هذا الشيء.
وهنا عبارة قريبة من عبارة القاعدة: "من ملك شيئًا ملك ما هو من ضروراته". ما المعنى؟ ما المراد بكلمة ضروراته هنا؟ قال: "اللازمة العقلية أو العرفية". من ملك شيئًا يملك كل لوازم هذا الشيء التابعة له، سواء كانت هذه اللوازم عقلية أو لازم عرفية. فمثلاً قال: من اشترى قفلًا دخل في البيع مفتاحه. تخيل أنك رايح على محل ببيع قفول، قلت له والله بدي القفل، قال لك ممتاز أنا ببيعك القفل بس بعطيك مفتاحه! لا والله، استفدنا؟ طيب كيف بدي أفتحه؟ ليس منطقًا أن تأخذ من بياع الأقفال القفل بس ما يعطيك مفتاحه، وكيف بدي أفتحه أصلاً؟ فهذا من اللوازم العرفية.
تقول لي ليش مش لازم عقلي؟ ممكن يقول لك روح افتحه عند حداد يكسر لك القفل، وتصير كل ما بدي أفتحه بدي أروح عند حداد أجبر وأفتح، فهذا لازم عادي وعرفي أن يباع القفل مع مفتاحه، فلو قال لك لا، أنت تعاقدت على القفل، نقول له عرفًا يدخل معه المفتاح. وكل باب بيع الأصول والثمار الذي أخذناه في "أخصر المختصرات" ويندرج تحت هذا؛ فإذا قلت والله اشتريت هذه الدار، ماذا دخل سقفها وجدرانها والأبواب المنصوبة والبالوعة؟ نقول لأنه هذا من ضروراتها، من لوازمها العرفية.
فإذا أنا بعتها، ولاحظ أنه هنا تجد نفس المثال هذا نذكره في قاعدة "العادة محكمة" و"المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا"، وتجد نفس القاعدة ونفس المثال يصلح لقاعدة "التابع تابع"؛ فالمثال الفقهي الواحد قد تجد أكثر من قاعدة تدخلت فيه، العرف وقاعدة التابع تابع. وهكذا من اشترى بيتًا بأبوابه المنصوبة دخل في البيع الأبواب المنصوبة. ومن باع أرضًا شمل البيع البناء والشجر الذي عليها؛ نص عليه أتباع المذاهب الأربعة.
هذه الأمثلة كلها لمن ملك العين، وأما مثلاً من ملك التصرف، فقد مثل له الشيخ أحمد الزرقاء في شرح القواعد الفقهية بمن أعطى سلعته لدلال (سمسار) ليعرضها على أصحاب الدكاكين، فعرضها الدلال على صاحب دكان وتركها عنده فهرب بها صاحب الدكان، فإن الدلال هنا لا يضمن السلعة؛ لأنه يملك التصرف فيها، ومن لوازم التصرف وضعها عند صاحب الدكان، فهو بهذا فعل ما له أن يفعله فلا ضمان عليه. هي بعض السلع تتضمن أن الدلال يحطها فترة عند صاحب الدكان يجربها، هذا هو العرف. فإذا أنت رضيت بدلال وسمسار، بدك ترضى بما يقبل العرف في صنعة السمسرة، فإذا كان العرف أنه هي السلع أنا كدلال بحطها عند الدكان فترة يجربها، هل أعتبر أنا تصرفت بتعدٍ أو تفريط؟ لا، أنا تصرفت تصرفًا منطقيًا ضمن المساحة المقبول فيها، فهنا ليس لأحد أن يقول والله أنت أهملت يا أيها الدلال وبالتالي عليك أن تضمن، لا، أنت فعلت ما هو معقول.
كذلك مثل ما قلنا في قضية الأماكن التي تصنعها الدولة للبياعين المتجولين؛ هنا الدولة قد تصنع مكانًا مفتوحًا للبائعين المتجولين، ويأتي الشخص فيأخذ أحقية الانتفاع. نقول من لوازم أحقية الانتفاع أن هذا الشخص يضع طاولته، ويضع مظلة إذا كان مثلاً يبيع خضارًا وفواكه. هل يأتي الشخص بعد ما أعطيناه أحقية الانتفاع بهي البقعة نقول له: لا، ليس لك أن تضع فيها طاولة أو مظلة؟ يذهب بها ويأتي معه يقول: أنا ما دمت أعطيتموني أحقية التصرف، أنا ما ملكت هي البقعة، أنتم أعطيتموني أحقية التصرف إذاً أنا ملكت منافعها وتوابعها ولوازمها، ومنها أحقية أن أضع طاولتي وأضع المظلة، وهكذا.
فهمنا؟ هذا مثال على أن أحقية التصرف بالشيء يعطيك لوازم هذا التصرف من وضع الطاولة ووضع المظلة؛ لأن هذه طبيعة هذا التصرف. ما تقول أعطيتك التصرف دون لوازم، لا، أنا ما نصت على اللوازم، نقول دخلت؛ فإن التابع تابع.
نكتفي اليوم بهذا القدر ونكمل ما بقي من قواعد "التابع تابع" في الدرس القادم، وصلوا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل