بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أيها الأفاضل في مجلس يتجدد بنا في التعليق على المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية لشيخنا ومعلمنا الأستاذ أيمن الحبشي، متعه الله بالصحة والعافية. وما زلنا في القواعد المتممة لقاعدة «العادة محكمة»، ووصلنا إلى القاعدة السابعة وهي التي تقول: «الإشارات المعهودة من الأخرص كالبيان باللسان».
هذه قاعدة متعلقة بالشخص الأخرص في أصلها، الذي لا يستطيع الكلام، وكيف أن العلماء أنزلوا إشاراته المعهودة هذه منزلة البيان باللسان؛ وربطها أيضاً بـ «العادة محكمة»، فالإشارات المعهودة منه في أحكام الشريعة من حيث البيوع، من حيث الإيجاب والقبول، من حيث الطلاق، ومن حيث الإقرارات، كلها تنزل منزلة البيان من صاحب اللسان.
هذه من قواعد الأحكام العدلية، ذكرها العز بن عبد السلام أيضاً بقوله: «إشارة الأخرس المفهمة فهي كصريح المقال»، إن فهمها جميع الناس. ووضع هذا كأنه نوع من الضبط؛ لأنه ليس أي إشارة، لا بد أن تكون إشارة يفهمها الناس في العموم ويعرفون دلالتها. وذكرها أيضاً جماعة كـالزركشي بلفظ: «إشارة الأخرس كعبارة الناطق»، قال السيوطي: «الإشارة من الأخرس معتبرة وقائمة مقام عبارة الناطق في جميع العقود».
ومعنى القاعدة مشهور مقرر عند الفقهاء تدل عليه الفروع الفقهية، ومعناها نبدأ فيه: أن الإشارات الصادرة من الأخرص، وهو الشخص الذي لا يتكلم، يتعامل معها كنطق المتكلم، بشرط أن تكون الإشارة معهودة، أي مفهومة في العرف. والأصل أن القادر على النطق لا تقبل منه الإشارة ولو كانت مفهومة في عدد من أبواب الفقه؛ فالإنسان القادر على الكلام، هل نقبل منه الإشارات في العقود والطلاق؟ الأصل عدم قبولها، أنت قادر على البيان وتكلم.
لكن سيأتي معنا بعض الاستثناءات؛ قال: «إلا أن من المسائل ما قبلت فيه الإشارة المفهومة حتى من شخص متكلم ليس بأخرص». من ذلك من الأماكن المستثناة التي قبل فيها إشارة المتكلم ما قالوا: «الأمان للكافر». فلو كنت في معركة وكان أمامي كفار في الحرب وأشرت إليهم إشارة هكذا -مثلاً لم أتكلم- فهم منها أن هذا إعطاء أمان، هل تأخذ حكم الأمان؟ قالوا: نعم، فهو مستأمن.
نص على ذلك الحنابلة والشافعية. فإن قيل: وكيف صححتم الأمان بالإشارة مع القدرة على النطق، بينما أنتم يا حنابلة ويا شافعية لم تصححوا البيع ولا الطلاق ولا العتق ولا غيرها باعتبار الإشارة وقلتم لا بد من أن يتكلم؟ قالوا: تغليباً لحقن الدم.
الملاحظة الفقهية الدقيقة هي أن الإسلام لا يتشوف لسفك الدماء، بالعكس نحن نريد الأمن، وإذا كان الشخص يستحق الأمان أو يمكن أن يكون الأمان فيه مصلحة فأعطيناه ولو بإشارة باليد نقبلها تغليباً لحقن دمه. كما حقنا دم أهل الكتاب، بل وأخذنا من المجوس الجزية مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب وضوحاً لشبهة الكتاب ومع ذلك حقنا دمهم. وقالوا: لأن الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين والمسلمون لا يفهمون كلامهم، وهذا ملحق آخر؛ أن عادة الكفار يكونون أجانب وأنت تكون عربياً فتقعد تحكي معه ويحكي معك ولا تفهمون بعضكم، فهذا منزل منزلة العجز، فتكون الإشارة هي لغة الحوار، فدعت الحاجة إلى التكريم بالإشارة بخلاف غيره.
طبعاً ستبقى قضية: لماذا العتق لا؟ العتق دائماً كثيراً ما نعلل بأن الإسلام يتشوف إليه، فلماذا لم يقبل العتق بالإشارة؟ إذا قلت إن تغليباً لحقن الدم، العتق أيضاً فيه جانب من تشوف الإسلام للتحرير، فالأصل أن نفتح الباب حتى بالإشارة لنعتق، فكأنهم غلبوا في العتق جانب التعاقدية، بينما في الأمان غلبوا جانب حقن الدم؛ لعدم وجود خطر بخلاف هنا.
إذا فهم منها الكافر الأمان، ثم قلت له: لا والله القاعدة الفقهية عندي أن إشارة المتكلم لا تقبل، سيرتب ذلك نوعاً من الغدر أو الخيانة، وفي ذلك مفاسد سفك دم غير مبررة وغير مقبولة. فمنطق المسألة في جانب الأمان للكافر أعلى من جانبها في باب العتق من حيث المفاسد التي يمكن أن تترتب.
وقال: تتعلق هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى من جهة أن «العادة جارية» باعتبار إشارات الأخرص؛ فتكون محكمة. أي أنه ربط القاعدة الفرعية بالقاعدة الأم «العادة محكمة» من جهة جريان عرف الناس في اعتبار إشارات الأخرص، وفعلاً هذا أحد الأمور المنطقية التي جعلت هذه القاعدة تندرج تحت القاعدة الكبرى.
ومما يمكن أن يلحظ ويجعل من أسباب إدخالها قضية، كما قلنا هنا قضية الإشارات المعهودة؛ أنه اشترطنا في الإشارة أن تكون إشارة معهودة. فبناءً على كلام الزركشي والعز، اشترط فيها أن تكون مفهومة عند الجميع أو على الأقل عند الأغلب. فأيضاً هذه ملاحظة أخرى: أن هذه الإشارات فيها نوع من العادة المتكررة.
لو فعلت إشارة جديدة لم يسبق لها مثيل، لن نفهم منها شيئاً، ومحاولة أن تفهم منها شيئاً ولا توجد فيها عادة أمر مشكل وخطير. فبالتالي اليوم أصبحت الإشارات لغة، وصار هناك تعارف عليها؛ وذلك لولا وجود عادة تكررت بأن هذه الإشارة تعني كذا وتلك تعني كذا. فهي من جانب آخر نوع من أنواع التعارف العملي أو العادة العملية المستقرة التي أصبح يفهم منها معانٍ.
فهذه هي الملاحظة التي من أجلها أُدخلت؛ ليس فقط تعارف الناس على قبول إشارات الأخرص، بل أيضاً أن هذه الإشارات يجب أن تكون معهودة مستقرة حتى يتم تفسير مقاصده من خلالها، وإلا فإذا كانت إشارات نادرة أو أول مرة يمارس فيها الأخرس هذه الإشارة، فما معناها؟
أنا ما مبني عليها، والله هذا قصده يعمل عقد، كيف عرفت؟ أول مرة أنت بتشوفه عمل كذا، عمل حركة جديدة في إيده، كذا، لا هذا قصده يطلق يا عمي. كيف عرفت؟ هي الإشارة هي معناها كذا، فلازم يكون في نوع من التعاهد والاستقرار. في العادة إذا عمل كذا أصبح معناها كذا، وهشان هيك بالتالي أصبح في لغات وأماكن تعليم للخرص كيف يشيرون؛ لأنه في شيء استقر في طبيعة حركات اليد وحركات الجسم، وهذا نوع من أنواع العادة العملية، والله أعلم.
في ذكر بعض فروعها الفقهية: قال إشارة الأخرس مفهومة ككلام أثناء خطبة الجمعة عند الحنابلة، فتحرم؛ يعني الأخرس إذا أشار إشارة مفهومة أثناء خطبة الجمعة كأنه تكلم، فيكون حكمها التحريم. ويصح إيجاب الأخرس بإشارة مفهومة في عقد النكاح، وكذا قبوله فيه عند المذاهب الأربعة. الأخرس كيف بده يتزوج؟ بده يعمل إيجاب وقبول أو قبول بالإشارة في حال لم يوكل شخصاً ناطقاً عنه.
الإشارة أيضاً المفهمة من الأخرس يقع بها الطلاق عند المذاهب الأربعة. واحد أخرس بده يخلص من مرته، بده يكون حل عنده، عصبته زوجته فبده يخلص منها، فيقول له: والله لازم تتكلم، يقول لك: أنا ما أعرف أتكلم، بدك تعطيني حل. فالإشارة المفهمة من الأخرس يقع بها الطلاق عند المذاهب الأربعة، بل قال المالكية أيضاً هي من المسائل المستثناة؛ أنه حتى المتكلم يمكن أن يطلق مرته بالإشارة، وهذا يدل أن المالكية يتشوف عندهم للطلاق. لا، هذا ليس حقيقة، بس يقولون كذا زي الإمان، وكأنهم رأوا أن الرجل قد يكون مضغوطاً نفسياً لدرجة أنه مش عارف يحكي، فقالوا أعطوه الإشارة حتى لو كان متكلماً.
تقبل شهادة الأخرس بالإشارة عند المالكية فقط، أما الحنابلة والشافعية فلا يقبلون شهادة الأخرس؛ لأن الشهادات مبنية على التضييق وليس على السعة، الشهادة فيها حقوق، فهي مبنية على التضييق وليس على السعة. فالأصل أن لا تقبل شهادة الأخرس وأن يكون ناطقاً.
الجهة الثالثة في ذكر بعض استثناءاتها: لا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ ففي حالات إشارة الأخرس المفهومة لا نقبلها في باب الشهادة. لماذا نقول إن باب الشهادة مبني على التضييق؟ فيها دماء، فيها حقوق، فيها حدود، فيها جنايات، فهذا مبني على التضييق، فبالتالي قالوا: سامحنا أيها الأخرس لن نقبل شهادتك، هذا عند الجمهور كذلك.
إشارة الأخرس في الصلاة عند أصحابنا الحنابلة، عاملوها معاملة القول ولا معاملة الفعل؟ لو عاملناها معاملة القول سنقول إن الإشارة المفهمة تبطل الصلاة، ولكن أصحابنا عاملوها معاملة ليس القول والبيان، وإنما عاملوها معاملة الفعل؛ فقالوا إشارة الأخرس تعامل معاملة الفعل، إذا كثرت وتوالت بلا ضرورة تبطل الصلاة، تماماً مثل الأفعال التي من غير جنس الصلاة إذا كثرت وتوالت بلا ضرورة. ولذلك، فالأصل أنها إذا كانت بلا حاجة، فاصحابنا يقولون إنها مكروهة؛ إشارة الأخرس بلا حاجة مكروهة.
ممكن يكون لحاجة، ما فيها مشكلة؛ لأن المتكلم نفسه إذا أشار لحاجة في الصلاة، كطفل عشان ما يحترق، لكذا. لكن إشارة الأخرس بلا حاجة مكروهة، فإذا كثرت وتوالت عرفاً بلا ضرورة أبطلت الصلاة. فباختصار، الاستثناء هنا أن الإشارة لم تعامل معاملة البيان القولي كما هي القاعدة، بل عاملت معاملة الفعل البدني. عرفتم من أين خرجت عن القاعدة؟ أن الإشارة عوملت معاملة الفعل وليس معاملة القول، وإلا لو عاملت معاملة القول كما قلنا بطلت الصلاة من البداية؛ لأنه يعتبر كلاماً غير جنس الصلاة.
هذه القاعدة مشهورة، ذكرها في كتب الفقه والقواعد الفقهية. ننتقل للقاعدة التي تليها: «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً». وهذه قاعدة مشهورة، ذكرها في كتب الفقه والقواعد الفقهية بلفظها أو بمعناها، والكلام عليها من جهتين.
الجهة الأولى في معناها: مفادها أن العرف ينزل منزلة القول، وقد نص على ذلك في مسائل كثيرة، يقول: «أجرِ العرف مجرى النطق» في أكثر من مئة موضع. وإن كنت أتمنى أن الشيخ لو شرحها بشكل أوضح من كذا؛ يعني لو قلنا المراد أن العرف ينزل منزلة الشروط، يعني العرف الموجود بين الناس ينزل منزلة الشرط في التعاقد. هذا أخص الكلام، ليس فقط أن العرف ينزل منزلة القول عموماً، نحن نتكلم عن «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً»، المشروط شرطاً في ماذا؟ في التعاقدات والتصرفات؛ ففي البيوع، في الإيجارات، في الأنكحة، في الوقف، في الوصايا، في عموم الشروط، عفواً في العقود التي فيها شروط. إذا لم ينص على الشرط في العقد وكان هذا الأمر معروفاً عرفاً، فهذا ينزل منزلة النص على الشرط. أي قضية معروفة في العرف في باب البيوع أو في باب الإيجارات أو في باب الوقف أو في باب الشراكة، العرف ماشي بها ولم يتم التنصيص عليها بين المتعاقدين، تعارف الناس عليها يجعلها في حكم المشروط ولو لم يتم النص عليها عند التعاقد.
وهذه قاعدة، قاعدة مهمة جداً جداً إخواني في قضية البيوع والأنكحة والإيجارات؛ لأن كثير من الناس تتصل بنا في مسائل، فتقول لي: والله يا شيخ ما خبرني هيك صاحب العمل. حتى اليوم المسائل الحالية مثل الضمان الاجتماعي وما شابه ذلك، يعني اليوم في الأردن، أي إنسان يتعاقد مع جهة حكومية أو خاصة لازم يكون في حصة من راتبه للضمان الاجتماعي، هذا معروف. الآن لو أنني تعاقدت مع مدرسة في بلادي، والمدرسة لم تنص على هذا الشرط أنه لك ضمان اجتماعي، رح نتفق وفهمنا عليه ومشينا، وبعد سنة أو سنتين حبيت أترك المدرسة فقلت لهم: والله بدي قضية الضمان الاجتماعي، قالوا: والله ما دفعنا لك ضمان اجتماعي، قلت: ليه ما دفعتوا لي؟ قالوا: نحن ما اتفقنا. لا، كيف ما اتفقنا؟ صحيح لم ينص عليها، لكن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. اليوم عرف عام في البلد أنه أي شخص يتعاقد مع أي دائرة حكومية أو خاصة أنه ينبغي أن يكون له ضمان اجتماعي فرضاً.
وهذه كثيرة في الأنكحة والشراكات والإيجارات والأوقاف، يعني في كثير مثلاً من أمور الإيجارات. الآن إذا من استأجر بيتاً في منطقة سكنية، وشخص يستأجر بيتاً في منطقة سكنية فجأة، وهو فاتح محدده والناس في العمارة سامعين قطع حديد وتتقطع وأمور، فدخلوا على الرجل قالوا: ايش بتعمل في البيت؟ قال: والله أنا فاتحها محدده، فشكوا لصاحب البيت الذي أجره، قالوا: هذا الرجل فاتح محدده، فجاء عليه صاحب البيت وقال: مش أنت أجرتني البيت؟ نحن ما نصينا على...
على طبيعة الاستعمال، بقول له لا. المعروف أننا لم نكتب أن البيت للسكن، لكن المعروف أنه من أخذ بيتاً ببناء سكني، فإنه ليس من أجل أن يعملها محلاً محدداً أو منجرة، وإنما من أجل منفعة السكن أو ما يساويها، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.
وكذلك في قضايا الأنكحة مثلاً، الفقهاء الأقدمون ينصون على أن الشخص إذا طرق بيتاً وتزوج فتاة ولم يسأل أنها هي بكر أو ثيب، فبعد أن تزوجها اكتشف أنها ثيب وأنها كانت متزوجة سابقاً ومطلقة. اليوم نحن في عرفنا نعتبرها مشكلة، ويصير عليها إشكال؛ "أنا أريد ثيباً"، "أنا لا أريد، عفواً أريد بكراً". فرضاً مثلاً شخص يريد أن يتزوج، وهناك ناس تريد وتحب الزواج من الثيب، بس أنا أقصد الإشكالات التي تصلنا على الهاتف أحياناً أنه يقول لك: والله يا شيخ بعد ما تزوجتها اكتشفت أنها ثيب وأنها كانت متزوجة ومطلقة.
فهنا إذا بدك تيجي على فقه الحنابلة الأقدمين، يقولون: إذا أنت لم تشترط هذا الشرط فهذا لا يعتبر من العيوب، ليس عيباً يفسخ به أن تكون بكراً أو ثيباً؛ لأن في ناس تحب الثيب وفي ناس تفضل البكر. فأنت إذا تزوجت فتاة إما أن تنص وتسألهم: اشترط أن تكون بكراً أو اشترط أن تكون ثيباً، فإذا لم تنص وأخذتها، الجماعة ما غشوه ولا تستحق الفسخ.
هل يمكن أن يختلف العرف القديم الذي نشأت فيه هذه الآراء عن العرف الحديث؟ اليوم العرف أنه الشاب الذي عمره مثلاً 15 أو 20 أو 25 سنة إذا راح يتزوج فتاة وطرق بيتها، العرف المستقر أنه يريدها بكراً، وبالتالي نقول: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وبالتالي لا يجوز كتمان هذه النقطة.
سأفتح هذا للنقاش؛ لأن كثيراً ما تحصل إشكالات من هذا القبيل. هل هذا عرف أيضاً؟ نحن قلنا العرف حتى يعتبر به يجب أن يكون عرفاً مضطرداً أو غالباً. الآن المضطرد أو الغالب أن الشاب الذي عمره 28 عاماً فما دون، أو 30 عاماً ما دون، هل يشترط أن تكون بكراً؟ إذا قلنا هذا هو العرف حقيقة عند الشباب، فهنا قد تأتي قضية أنه يجب أن يخبروك؛ لأنه إذا لم يخبروك فكأنكم خالفتم مشروطاً، وهي أن تكون بكراً؛ لأن العادة المستقرة أن الشاب في هذا العمر يطلب البكر، فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فكأنه اشترط حتى ولو لم ينص على ذلك.
بخلاف لو كان الشاب فوق الأربعين، فالذي فوق الأربعين جاء يتزوج، الآن ليس هناك عرف مستقر صراحة أنه يطلب البكر؛ لأنه هو متوقع أنه في العادة صار "إكس باير"، يعني خرج عن التغطية، مواصفاته بدها تنزل بالنسبة له أو حجم شروطه وقيوده بدها تقل، فليس هناك عرف أنه يطلب دائماً البكر. فمثل هذا، إذا لم يشترط نقول له: لا، أنت لم تشترط وبالتالي تحمل النتيجة. بخلاف الشاب الصغير المقبل على الزواج، أقول هذا ينبغي إخباره إذا كانت الفتاة ثيباً أنها ثيب ولو لم يطلب ذلك؛ لأن العرف أنه يريد هذا الموضوع.
أنا شايف كيف الموضوع مؤثر. فإذا قاعدة «المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً» لو نشرحها مرة أخرى، ماذا نقول؟ هذه القاعدة تطبيقها في باب التعاقدات؛ أي شيء من شروط العقود كلما كان من شروط العقود ولم يتم النص عليه، كلما كان من قبيل الشروط في العقود ولم يتم النص عليه عند التعاقد ولكنه معروف عرفاً، فهو بمنزلة النص عليه وكأنه مكتوب، ويعامل معاملة المكتوب ولا يصح التملص منه بحجة عدم التنصيص عليه. هذا هو مجال القاعدة بالتحديد.
فمثلاً، إذا قال لمستأجر الدار أن يأذن بالدخول فيها لمن شاء من أصحابه وأضيافه، والمبيت والثواء عنده، والانتفاع بالدار، وإن لم يتضمن عقد الإيجارة هذه الأمور لفظاً، فيكفي في ذلك الإذن بالعرف. هذه قضية مفهومة؛ أنه إذا استأجرت منك داراً، العرف أنني أستطيع أن أسكنها، ممكن أسكن جاري مكاني أو صديقي، ممكن أهلي يجوا يسكنوا عندي، ممكن يجي ضيوف من الخارج وينزلوا عندي في الدار. فلو كنت عاملاً عزومة في المنزل وأنا مستأجر عند الشيخ، ثم جاء صاحب الشقة وقال لي: ليش أنت عامل عزومة في المنزل؟ والله أنا أجرتك، كيف في ناس تيجي عندك؟ أقول له: أنت ماذا أجرتني؟ أنا المعروف عرفاً أن كل من استأجر له أن يسكن هو ويأتي بأحبابه وأصحابه وأهله ويعزم من شاء منهم، وما دام مستعملاً الشقة فيما تعارف عليه الناس. فإذا قال لك: لا والله نحن ما اشترطنا هذا الشرط أن تأتي بأهلك وأحبابك، نقول: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً حتى ولو لم ننص على هذا.
ولذلك قضية أن المستأجر له حق أن يؤجر غيره؛ اليوم كثير من الناس يجر شقة أو يستأجر شيئاً، القاعدة أنه المستأجر له أن يؤجر غيره بشرط أن يكون ذلك الغير سيستعملها في جنس ما سأستعمل فيه أو أقل. فيأتي شخص صاحب الشقة ويقول لك: أيها المستأجر من أعطاك أحقية أن تؤجر شقتك لشخص آخر؟ يقول له: الذي أعطاني هذه الأحقية هو الشرع. تمام، يقول له: الشرع أجاز لي، إذا أنا استأجرت فلي أن أؤجر غيري. ربما هذه القضية لها علاقة بالشرع أكثر من العرف؛ اعتقادي أن ارتباطها بالشرع أن الشرع أذن لك لأنك ملكت المنفعة فلك أن تؤجر، وهذا أقرب للاشتراط للعرف.
فلنعد إلى المثال الذي ذكره هنا، قد لا يصلح المثال به هذه الطريقة. لو اشترى من محل مكتباً، فالعرف يقتضي أنه من الذي يشحن المكتب هو البائع، بأن يحمل المكتب إلى محل المشتري. فإذا قالوا البائع: لا نحن عفواً ما اتفقنا على هذا، نقول له: نعم ما اتفقنا على هذا نصاً، لكن المتعارف في بلادنا أن من اشترى مكتباً أو منجرة أو شيئاً، فإن الذي يشحن هو الذي صنعها أو الذي صممها. يعني أنت الآن وصلت مع منطقة أو مشغل يصنع الكنبات، اتفقت أنت وياه وأخذتم القياسات، العرف في بلدنا أنه لما يجهز طقم الكنب، من يشحنه؟ هو المشغل، وليس أن يجي يقول لي: لا يا شيخ أنت تعال خذ واشحن، نقول هذا خلاف العرف.
فإذا قال: نحن ما اتفقنا؟ بقول له: صح، احنا ما اتفقنا نصاً، لكن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. قاعدة مهمة جداً وكثيرة التداول بين الناس، كثير من القضايا تأتينا في مسائل زوجية، أو في مسائل يعني حتى في مسائل الزواج.
الان، شيخ الإسلام ابن تيمية وطائفة من الفقهاء، وهذا أعد الاقوال والله أعلم في المسألة، أنهم يرى أنه ما حق الزوجة على الزوج؟ أو ما حق الزوج على الزوجة؟ يعني العقد بينهما على ماذا؟ أنتم بتعرفوا الخلاف أن البعض يرى أن العقد هو فقط على منفعة الاستمتاع. الطرف الثاني: أن العقد على منفعة الاستمتاع وغيرها من الأمور العامة التي تقوم بها الزوجة، وينصون على أمور عامة. وشيخ الإسلام يرى أن القضية هي في العرف، أنه ما تعورف في هذا المجتمع أن المرأة تخدم الزوج فيه دون التنصيص على أمور معينة كوي كذا، لا، خلينا نمشي على العرف، أنه قد تختلف الأعراف من منطقة إلى أخرى، ما جرى العرف أنه المرأة تخدم زوجها فيه.
ففي عقد الزواج يجب على الزوجة أن تخدم زوجها في هذه القضايا، ممتاز. فإذا زوجة إذا مشينا مع رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه، زوجة تزوجت فطلب زوجها منها أن تطبخ، قالت له: لا، نحن ما اشترطنا هذا في عقد النكاح. طلب منها تكوي، قال: والله ما اشترطنا هذا في عقد النكاح. طلب منها تشطف أرض المطبخ وتنظف البيت، قالت: ما اشترطنا هذا! إذاً الان بدنا نعتمد رأي أي هؤلاء؟ هؤلاء الفقهاء الذين يرون أن عقد النكاح على ما تم التعارف عليه، شو بنقول؟ المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، يعني ماشي، ونحن لم ننص بالتفصيل: والله أتزوجك على أن يكون متعة وتنظيف منزل وجلي الصحون، وما نصنا عليها، لكن المعروف عرفاً أنه من تزوج امرأة فهو لا يطلب منها فقط الاستمتاع، بل يطلب ما هو أوسع من ذلك، من ترتيب أموره ومنزله وحياته، حياة أسرية كاملة. فهذه لو لم ينص عليها لكنها مشروطة عرفاً، والمشروط عرفاً كالمشروط نصاً، وهذه أمثله أخرى يمكن أن تأتي بها على هذه القاعدة.
طيب، من أعار شخصاً سيارة صغيرة فوجد، أنا أعرتك سيارتي، فأنا وجدتك محمل فيها باطون، وطالع فيها، وحاط الشباب كلهم فيها، وطالع فيها على جبال عجلون، ونازل في وديان، ورايح فيها على الرمثا، على وادي رم، ونازل تفحط في رواسب الرمل، وأتيت فإذا السيارة منهكه! فقلت لك: لماذا هيك السيارة؟ قلت لي: مش أنت عرتني اياها وأنا استعملتها؟ قلت: تعال يا عم، أنا ما اشترطت عليك، قول لي: أنت اشترطت علي استعمال معين؟ لا، إذن أنا لي أن أفعل ما أشاء. لا، هذا غير صحيح، فكرة أنه إذا لم يتم النص فلك أن تفعل ما تشاء، هذا مفهوم غير صحيح، العرف يتدخل في تحديد مساحة الاستعمال. تمام، قال: فإن العرف أن السيارة الصغيره لا يصعد بها الجبال، ولا يحمل بها الباطون والأدوات وما شابه ذلك.
نفس الشيء، قال: تعجيل نصف المهر وتأجيل نصف الآخر جرى عليه العرف في بعض البلدان فيجري مجرى الشرط الملفوظ عندهم. ربما مثلنا لها الدرس الماضي، لو قلت لك أنا خلص مهر 10000 وسكتت، وما قلت مؤخر معجل ومؤخر، بعدين انت كأب للفتاه قلت لي: يلا سلمني الـ 10000. قلت لك: لا، أنا قصدي 10000 بس جزء منها مقدم وقسم مؤخر، والأصل المناصفة في هذا، يعني لما يقال على الإطلاق نصها معجل ونصها، قال لي: لا، نحن ما نصينا على هذا. بقول: صح ما نصينا، لكن العرف الدارج في الأردن أن المهر قسم منه مؤخر وقسم معجل، فلو لم ينص، هذا في حكم النص، العرف في حكم النص.
وهناك قاعدة أخرى هي تبع للقاعدة السابقة، يعني نفسها بس في العرف خاص، يقول: المعروف بين التجار كالمشروط بينهم. المعروف بين التجار في قضايا طرق القبض مثلاً، مسائل الإقباض، كيف يتم قبض المنقولات؟ كيف يتم قبض السيارة؟ مش بسأل مثلاً ذكرنا الخلافية في أخصر المختصرات، هل قبض السيارة متى أعتبر أنك قبضت السيارة؟ هل هو بتسليم المفتاح ولا بنقلها من الحراج إلى منزلك، أو التخلية داخل الحراج لو خليت بينك وبينها حتى لو أسلمك المفتاح؟ يعني في هناك نظريات متعدده. فيقول لك: المعروف بين التجار بينهم، سواء في مسائل الإقباض، نقل السلع، العملات التجارية التي يتم التداول فيها، الميناء الشع من الميناء، كل هاي المسائل المتعلقة في عالم التجارة، حتى ولو لم يتم التنصيص عليها، إذا كان هناك عرف مضطرد أو غالب فهو حاكم.
وهي انتبهوا لها يا شباب في الفتوى، أنه ما تستعجل، يجي شخص يتمسكن، يقول، يضحك، يقول لك: يا شيخ، والله بس والله احنا ما نصنا حكينا. فأنت تستعجل في الفتوى، فتقول: آه والله كلامه صح، أنتم نصيتوا على هذا الكلام؟ قالوا: ما نصيت، بس معروف عرفاً. بعض الشباب يستعجل في الفتوى، يقول لك: خلص، ما نصيت، إذا ما لك كيف ما لي حق؟ لما يكون العرف مضطرد أو غالب لي حق، والمشكله في بعض الشباب الذين يفتون أنه هو ما له دراية بالعرف، خاصة العرف التجاري، بالتالي اخي الكريم يا ايها المفتي إذا أنت ما عندك دراية بالعرف التجاري لا تفتي، أو على الأقل أحِل إلى شخص له دراية بالعرف التجاري، أنه كثير من الفتاوى الخطأ فيها ناشئ من أنه المفتي ما بيعرف أن المسألة فيها عرف بين التجار، فينظر للعقد، آه والله لم يتم النص على هذا الشرط، والله معك حق أخي الكريم، تم النص، أخي لم يتم النص، لكنه في عرف، فانت لعدم خبرتك الكافيه في الحياة وعدم احتكاكك ما بتعرف أنه في عرف تجاري في هذا الموضوع، فحكمت له، والا في الحق مع هذا الشخص الآخر.
هذه كثير ما يحصل خطأ فيها من الشاب الذي يفتي في عالم من العوالم وهو لا يعرف العرف، لذلك لما كانوا يقولون: الأصل أن تترك الناس يفتي لهم أهل بلدهم. هذا كلام صحيح إخواني، لما تجد العلماء يقولون أن الأصل أن الإنسان يفتي لأهل بلده ولا يفتي لأهل البلدان الأخرى في مسائل احتمال كبير يتدخل فيها العرف، حتى يتاكد من العرف عندهم؛ لأنه أنت ممكن تعمل مشكلة كبيرة لأنك جاهل بأعراف أهل المغرب وأهل المشرق، هذه انتبه لها.
لذلك هو قال هذه القاعدة مذكورة في الأحكام العدلية، وهي في معنى سابقتها لا تفترق عنها، إلا أن تلك القاعدة السابقة المعروف عرفاً أعم في جميع العقود، العقود المالية أو الأنكحة أو الجنايات، وهذه خاصة في قضية العرف التجاري بالتحديد. فإذا وقع التعارف والاستعمال بينهم على شيء غير مصادم للنص يتبع وينصرف إليه عند الإطلاق، ولذلك كل باب بيع الأصول والثمار، إذا تذكر عند الحنابله باب بيع الأصول والثمار هو مبني على العرف في قضية ما الذي يدخل؟ إذا باع داراً، ما الذي يدخل إذا باع أرضاً؟ هل تدخل الشجرة؟ هل تدخل الزروع؟ كل هذه التفاصيل هي مبنية على ماذا؟ على ما هو العرف.
فبالتالي لما أنا قلت: بعتك هذه الدار، ما الذي يدخل فيها وما الذي لا يدخل؟ ما في حدا لما يجي يشتري دار بقول: يلا نص على ماذا تريد في الدار؟ والله اريد سقفها، اكتب يلا بدك سقف الدار؟ اريد جدرانها؟ اريد بلاطها؟ اريد مطبخها؟ اريد زرافيل الأبواب؟ لماذا لا ينص على هذه في العقود؟ لأنه خلص يكتفى فيها بالعرف. المعروف عرفاً أنه يكون مع الدار عند بيعها كالمشروط شرطاً، فإذا أنا دخلت بيت ما وجدت فيها أبواب ولا مراحيض حمامات ولا مطبخ أساسي، معناته بقول للبائع: لا، أنت ما سلبتني الشقة! قال لك: يا اخي ما نصيت. بقول: أنا ما نصيت، بس معروف عرفاً اللي بده يبيع شقة بده يكون فيها أبواب للحمام، باب لغرف النوم، بده يكون فيها على الأقل مطبخ أساسي مركب.
فإذا قال ب إذا كان الاعتراض: ليش مش حاطين لي غاز؟ لا، ساعتها بنقول: سامحنا، الغاز والأثاث المتنقل هذا أنت بتحضره معك، هذا العرف. فهذه قاعدة جداً مهمة وعليها كثير من الأحكام في باب المعاملات بالنيات.
طيب، القاعدة العاشرة: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. ذكر هذه القاعدة الإمام السرخسي في المبسوط، وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، ومعناها مقرر عند الفقهاء في كثير من المسائل، والكلام عليها من جهتين: الجهة الأولى في معناها، وتقول: من حيث المعنى هي حقيقة لا تخرج عن القواعد السابقة، أن التعيين بالعرف، الشيء المععين عرفاً، كالمعيَّن بالنص بالتنصيص عليه، كأن المشروط شرطاً، أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، يعني ما في فرق كبير بين قاعدة المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وبين قاعدة أن التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.
ولفظ هذه القاعدة يدل على وجود مُبهم يفتقر إلى تعيين، هناك أمر مُبهم نحتاج أن نعينه، كقولك مثلاً: بعتك بألف. فالألف مُبهَمة في عملتها، الإبهام أين؟ ألف دينار؟ ألف دولار؟ الألف إيه؟ ما الذي يعين طبيعة هذه الألف؟ إما أن يكون بالنص، إذا أنا قلت النص: ألف دينار. إذا لم يتم قول نص فالتعيين سيكون إلى العرف، كقولك: بعتك بألف ريال، وإذا فتره أن يكون التعيين بالنص، وكذا يكون بالعرف.
والقاعدة تقرر أن العرف يعين المُبهم كما يعينه اللفظ الصريح. ولذلك عند أصحابنا الحنابله، من أقر لشخص بشيء، هيك قال: أقر أن لفلان علي شيء. قالوا له: أن يفسره، لكن يفسره بشيء له أو بشيء يتمول عادة. يعني أنت أقررت أن لفلان عليك شيء، أنا أقر أن فلان بده مني شيء، هيك شيء، طيب كلمة الشيء مبهمة، شو هو الشيء؟ فالقاضي بقول لك: تفضل فسر لي ما هو هذا الشيء. فإذا أنت رحت فسرته بحبة رز، بقول لك القاضي: لا، ما بيقبل هذا، ليه؟ لأن هذا غير متمول عادة، لما بدك تفسر: فلان لي شيء، ليس في العاده أن الواحد يروح يقر في المحكمه أنه والله في صديقي بده مني حبة رز، هذا شيء تافه ما أحد يتكلم فيه، فما دام أقررت بشيء، عليك أن تفسره بما هو معتاد في العادة أن يكون مالاً متمولاً الناس تبيعه وتشتريه. في حدا اليوم بيروح على بياّع بيقول له: بيعني حبة رز؟ ما في حدا. في حدا بيروح على بياع بيقول له: بيعني حبة ترمس؟ ما في حدا بيروح بهذه الطريقة. فلما بدك تفسر بدك تفسر بشيء متمول يقبل التعاقد عليه، تمام؟ فبتقوله: والله مثلاً كيلو رز، آه والله كيلو رز، ماشي نحكي.
مثال ذلك: لو اشترى شخص من آخر سلعةً بثمن، نوع العملة هذه حكيناها، من أعار دابته لآخر ولم يبين له وجوه الانتفاع بها، لم يجز للمستعير أن يحملها فوق المعتاد. فإن فعل ذلك أو سلك بها طريقاً وعراً، شوف نفس القضية هي نفس الأمثله المذكورة سابقاً، أنا ما عينت المنفعة، أنا استأجرت منك دار مثلاً، ما عينت المنفعة، بنقول: إذن المنفعة بدها تكون المتعارف أنه هي دار في منطقة سكنية، المنفعة المعينة هي منفعة السكن أو ما هو دونها، ممكن أنت حاب تخليها مخزن لأشياء معقولة، ما بدي أسكن بس والله بدي أحط فيها أثاث أو بدي أحط فيها كتب، بيطلع لك؛ لأن وضع الكتب أهون من السكن وأقل إتلافاً. أما والله بدي أحط فيها مواد كيميائية خطيرة سريعة الانفجار وتدمر الدنيا بعدين، لا، بقول: ما بيطلع لك، هذه مش أماكن تخزين مناسبة، مناطق كيميائية ممكن تعمل تسمم وأشياء.
فبالتالي العرف سيساعد في تعيين المنفعة في حال لم يتم التنصيص عليه، وكثير ما تحصل خلافات بين الناس في هذه القضايا، واحد يأخذ من شخص سيارة بعدين بصير في السيارة مشكلة، فننظر أنه هل هذا استعملها بالشكل الطبيعي ولا لا؟ فبنيجي نقول له: أنت شو حملتها؟ بقول لك: والله حملت أخي الشيء الطبيعي، نكتشف بعدين أن حملها شيء فوق المعتاد واستعملناها بما يخالف العرف، أنت بدك تتحمل نتيجة خطأك.
القاعدة المهمة والخطيرة والكبيرة والأخيرة في باب القواعد المحكمة، قاعدة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان. هكذا عبر عنها في مجلة الأحكام العدلية. والكلام عن هذه القاعدة من ثلاث جهات:
أولاً: ما معنى لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان؟ فسر الشيخ لا ينكر بأنه لا يجهل تبدل الأحكام الشرعية من حل إلى حرمة أو من حرمة إلى حل بحسب تغير الأزمنة، وليس ذلك من مستنكر القول. يعني كلمة لا يجهل ما شعرت أنها التعبير الأفضل من الشيخ، يعني لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، هل لا ينكر تعني لا يجهل؟ ولا أنه لا ينبغي عليك انك تعترض يا أيها المسلم على تغير الحكم بسبب تغير الزمن؟ تشعر أن لا ينكر أقرب لما قال في الختام هو: وليس ذلك من مستنكر القول، يعني ليس من المنكر الذي ينبغي الاعتراض عليه أن ترى حكماً تغير لتغير الزمن.
لأن في قضية لا يجهل أنا ما شعرت أنها معبرة حقيقة عن لفظ القاعدة المهم، والمراد بالأحكام هنا أكيد الأحكام الشرعية، قولنا نتكلم في باب الشريعه فلا تدخل الأحكام العقدية تمام، ولعله لو قال: المراد بالأحكام الأحكام الفقهية لكان أفضل؛ لأن كلمة الأحكام الشرعية ما هي العقيدة برضه حكم شرعي، فهو أراد أن يخرج الأحكام العقدية، ما قلنا نقول: ما دمت تريد أن تحترز وتعتبره قيد احترازي عن الأحكام العقدية، إذاً ينبغي أن تقول إما مثلاً: لا تنكر تغير الأحكام الفقهية باعتبار أن الفقه بالمعنى الخاص مقابل للعقيده، أو تقول: الأحكام العملية، ماشي؟ أما أن نقول: لا ينكر تغير الأحكام الشرعية.
حتى نخرج العقيدة؛ العقيدة هي أيضًا أحكام شرعية، إن الله عز وجل موجود، والجنة والنار، هذه حتى في عرف العلماء تسمى أحكامًا شرعية، وإن كان بعضهم يقول حكم شرعي وعقلي، بس هو حكم شرعي.
والأحكام الشرعية نوعان، وهذه قاعدة مهمة جدًا إخواني لكثرة العبث بها اليوم. كما قلنا الأحكام الشرعية هناك أحكام لا تتغير أبدًا، لا بحسب الأزمنة، ولا بحسب الأمكنة، ولا باجتهاد الأئمة، وأشهرها كما قلنا، نحن أخرجنا العقائد وأصول الأخلاق؛ يقولون العقائد وأصول الأخلاق هذه لا تتغير بتغير الزمان والمكان، هي أحكام ثابتة.
أما الأحكام العملية، فالأحكام العملية تنقسم إلى نوعين: أحكام عملية ليست متعلقة بالأعراف ولا بالعادات، ويعرف هذا من معرفة عللها، مثل التعبدات الأساسية: الصلاة، الصيام، الزكاة، الحجاب. فهذه العبادات التي أمرك الله أن تتقرب بها إليه، هذه لا تتغير بتغير الزمان والمكان؛ هي ليست مبنية على العرف، بل مبنية على علاقة العبد بربه.
كذلك مما ظهر لي أن الأحكام الشرعية المتعلقة بطبيعة الإنسان بذاته، يعني المبنية على غرائز الإنسان الجبلية، والتي لا تتغير بين الإنسان الذي كان في زمن آدم عليه السلام والإنسان الذي موجود إلى قيام الساعة، زي القضايا المتعلقة بالرجل والمرأة. الرجل هو رجل من لدن آدم إلى قيام الساعة من حيث الغرائز والأمور الفطرية فيه، والمرأة امرأة من حيث الجسد والغرائز والأمور الفطرية فيها. فهل يقبل ما يدعو به اليوم بعض الحداثيين والنسويين أنه الحجاب كان عادةً زمانًا، وبالتالي يتغير حكمه بتغير الزمان والعادات؟ هذه قضية جوهرية، وهنا النقاش؛ ماذا نقول؟ يقول لك: أثبت لي ليش ما تعتبر الحجاب والجلباب مثل الأحكام العرفية التي كانت في زمن النبوة وتغيرت مع تغير الأحوال وتقبل التقدم والتطور، لماذا جعلتها أنت من الثوابت مش من المتغيرات؟
باختصار، هي القاعدة أصلًا إحدى قواعد العمل الإصلاحي؛ وهي التفريق بين الثوابت والمتغيرات في العمل الإسلامي. الأحكام المبنية على الطبائع والجبلات هذه أيضًا لا تقبل التغيير. يعني الحجاب والجلباب، أو تحريم الاختلاط كأصل، بغض النظر عن الحالات الاستثنائية، هي مبنية على -كما قال ابن العربي المالكي- أن الرجل غُرِز فيه الميل إلى المرأة، والمرأة غُرِز فيها الميل إلى الرجل. هذا مش موجود في القرن الأول الهجري ومش موجود اليوم؛ حتى نضحك على أنفسنا، هذا الشيء مبني على الغرائز والطبائع، وليس على أمور خارجية في المجتمعات.
ولذلك هم اليوم لما بدؤوا يحاولون أن يحرفوا في المجتمعات، شو بقولوا لك؟ طلعوا فكرة الجندر. والجندر تقوم على ماذا؟ الجندر تقوم على أن هذه الغرائز والطبائع للذكر والأنثى ليست أمورًا جبلية، بل هي عادات اجتماعية. هي فكرة الجندر التي تسمعونها، وليش خطورتها؟ يريدون أن يحولوا الغرائز الموجودة في الرجل التي فُطِر عليها، والغرائز التي وجدت في المرأة التي فُطِرَت عليها، على أنها عادات وأعراف. بالتالي المجتمع له أن يغير هذه العادة والعرف كما يشاء. يعني إذا المجتمع قرر أن المرأة هي التي تطلب الزواج من الرجل والرجل هو الذي يقبل أو لا يقبل، بصير؛ إذا المجتمع قرر أن المرأة هي التي تطلع على السلم وتصير تبني إنشاءات وأن الرجل هو الذي يصير يرضع، بصير.
هذا معنى الجندرية، أن الغرائز والطبائع أمور العرف هو الذي أنشأها، وليس أن الله خلقها وأودعها. طيب هم إيش بدهم النتيجة؟ النتيجة ما دامت الغرائز والطبائع أمورًا حددها العرف والعادات الاجتماعية وليس الخلق الأصلي، بالتالي هي قابلة أن تتغير. بالتالي قضية أن المرأة تريد أن تقيم علاقة مثلًا مع أكثر من رجل، ليش الرجل هو الذي يعدد وليس المرأة؟ هذا عرف؛ بالتالي إذا المرأة قررت أن هي تعدد لها ذلك. شوف الخطورة والكفر الذي يصل له هذه الأقوال.
كذلك إذا الرجل يصبح امرأة، مثلًا في مجتمع أرادوا أن القوامة للمرأة، خلص هكذا قررنا نحن في هذا المجتمع، عادتنا أن المرأة هي التي تتحكم في البيت والرجل هو مزهرية البيت، تمام، خلص هكذا المجتمع، مش أنه في طبائع وغرائز في الرجل هو الذي أقدر على اتخاذ القرار. الآن انسى الحالات الاستثنائية، نحكي الحالات الأصلية؛ بدهم يغيروا خلق الله، ربنا يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾ [آل عمران: 36]، هم بقولوا لا هذه كلياتها أمور اجتماعية وليست غرائز، فهي تقبل التغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والظروف.
فهنا بنتيجة نحن لا بد نغرس في شبابنا وفي الطرح الشرعي أن يفهم طلاب العلم وهم يطرحون هذه القضايا للناس، أن الأحكام التي لا تقبل التغير هي ليست فقط الأمور التعبدية زي الصلاة والزكاة والصيام، لا، برضه الأحكام العملية المبنية على غرائز وطبائع مش مبنية على أعراف، فهذه لا تقبل التبدل والتغير. فالحجاب لا يقبل التبدل والتغير؛ لأن الرجل من عهد النبي عليه الصلاة والسلام، بل من لدن آدم إلى قيام الساعة، يبقى عنده غريزة النظر للمرأة، والمرأة تبقى عندها حب الجذب وإظهار نفسها ومفاتنها، هكذا: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: 18]. فتنتبه وأنت تطرح تبين للناس، هذا النوع لا يقبل التغير، وأي شخص يريد أن يحوله لحكم عادي اجتماعي نعلم أنه يبدل فطرة الله التي فطر الناس عليها.
وأما ما يمكن أن يتغير لكونه مبنيًا على عنصر متغير، مبني على العرف حقيقةً وليس تقوّلًا، أو مبني على المصلحة، فهذا هو محل القاعدة لما نقول: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان. وقولنا بتغير الأزمان المراد به بتغير حال أهل الزمان، مش المراد الزمان نفسه، مرور الليل والنهار. المراد بتغير حال أهل الزمان. فـ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] يعني واسأل أهل القرية.
ولو عُبِّر بعبارة أشمل وأنا أتفق مع هذا لكان أولى: لو قيل لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأحوال، هذا أفضل من التعبير لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان؛ حتى تشمل كلمة الأحوال المصالح، الأعراف، العوائد. هذا طبعًا على التفريق بين العرف والعادة، وأحوال المكلف الشخصية والزمانية والمكانية.
لذلك ابن القيم ماذا عبر؟ بماذا قال؟ ابن القيم في إعلام الموقعين له كلام جميل وعظيم حقيقة في تحرير الكلام عن هذه القاعدة، يقول: فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، يعني جمع لك كل الصور المحتملة. فقال: هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة. متى إن شاء الله بدنا نقرأ إعلام الموقعين؟ هذا لازم نقرأ الكتاب إن شاء الله إذا كان لنا فسحة من العمر؛ لأنه أعتقد هو لا يقل أهمية عن شرح الإلمام وابن دقيق العيد من حيث بناء التصورات في الفتوى والوقائع وتحليل المشهد.
هو كتاب كما قلت الأصل بعد أن تضبط مذهبك تبدأ تقرأ فيه. يعني هو مش لغز الأمة، لا هو عادي يمكن قراءته، مش زي البرهان للجويني، تمام؟ ذاك قالوا لغز الأمة، اللي بده كشف فتح رباني، لأن عبارته معقدة. أما الأحكام فهي الفكرة في مش وعورة العبارات أو تعقيدها، طول الكلام أنه البحث المستقل وابن القيم نفسه الطويل يأتي بـ 100 مثال و200 مثال، ويناقش القضايا، فالطلاب يتعبوا من الكتاب لطوله، وإلا الكتاب سهل.
بس سهل لمن بنى نفسه؛ يعني خلص إذا أنت ضبطت أصول الفقه، وفهمت القواعد الأصولية، وتعودت قليلًا على إسقاط القواعد على النصوص، وأخذت قواعد فقهية وفهمتها أساسًا، وضبطت مذهبك، يعني كل شيء له شروط. أي كتاب في اعتقادي له شروط مسبقة، إذا أنت أخذت الشروط المسبقة ووصلت إلى الكتاب في الوقت المناسب ستشعر أنه الكتاب ممتاز، بالعكس نورني وفتح لي عقلي وأعاد تشكيل دماغي في مناطق أنا كنت غافل عنها. لا أجد في كتب أصول الفقه الإشارة إلى هذه المهارات العملية، لكن هي المشكلة التي بده يقرأ الكتاب في غير وقته، هذا الذي يشعر كأنه الجبل نزل عليه، وإلا الأمور سهلة إن شاء الله.
المهم، فيقول: هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة. شايف؟ غلط عظيم أوجب من الحرج، يعني غلط من المتشددين الذين لم يقبلوا تغير الأحكام، فأوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. كأنه ابن القيم كان يواجه التيار المتشدد، نحن اليوم صرنا نرجع لنشدد الناس، أبعد عن هذه القاعدة شوي؛ لأنه صارت كل الأحكام الشرعية تقبل التغير بتغير الأزمان والإمكانات. ابن القيم ما كان في زمنه تيار حداثي علماني ليبرالي جالس في دمشق ولا في القاهرة عم يغسل دماغ الناس، فكان بالعكس، كان التيار المحافظ الجامد على المذاهب الفقهية، والدنيا تتغير وهو لساته قال في القرن السابع والثامن: يا عمي نحن وصلنا في القرن العاشر ما بده يتغير.
لكن اليوم نحن مشكلتنا بالعكس أصبحت؛ أصبحنا نواجه التيار المميع الذي رفع شعار هذه القاعدة سبيلًا لتفسيخ أحكام الشريعة، واعتبارها كلها أو جلها من الطرف الثاني خاصةً. يعني بدك ترجع، يقولون لك اليوم الطرف المميع هو مش عم يلعب بمساحة الأحكام التعبدية صلاة وزكاة وصيام، عم يلعب بمساحة الأحكام المبنية على الغرائز والطبائع، عشان هيك أنا ركزت لكم عليها هنا، عم بيلعب في مساحة الأحكام المبنية على الغرائز والطبائع، عم يحاول يغير هيئتها ويجعلها أحكامًا عرفية تقليدات وتقاليد اجتماعية، هذه الخطورة التي أنت بدك تنتبه لها وتدافع عنها.
طيب، قال وبعد هذا، فما وجه تعلق هذه القاعدة بقاعدة العادة محكمة؟ الجواب أن اختلاف الأعراف والعوائد من أسباب تغير الأحكام، وهذا يندرج تحت قاعدة العادة المحكمة. طيب، فالآن هنا وجه ثانٍ، هذه جيدة، أراد الشيخ أيمن أن يجمع أسباب تغير الفتوى فيقول: يمكن إرجاع أسباب تغير الفتوى إلى أربعة أسباب.
الأول: انتشار الفساد. انتشار الفساد يؤدي إلى تغير الفتوى في بعض الأحكام، وضعف الوازع الديني لدى كثير من الناس، وهو ما يسمى في كتب الفقهاء بفساد الزمان، لفساد أهل الزمان، وتغيير الفتوى من أجل هذا السبب كثير في كلام الفقهاء. ناخذ أمثلة: أولًا فعل عمر بن الخطاب لما ألزم الناس أن الطلاق الثلاث ثلاث، قال: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة. يعني الشريعة لما قالت لك معك ثلاث طلقات، أعطتك هذه المساحة عشان تتأنى، يعني إذا طلقت أول مرة يكون معك مجال مرة ثانية بعدين يكون معك محاولة ثالثة. فرأى عمر أن الناس فسد دينهم وأصبحوا يتتابعون ويتحمسون ويندفعون أن يطلقوا الثلاث مرة واحدة في جلسة واحدة، فرأى أن هذا خلاف مقصد الشارع؛ الشارع لما أعطاك الثلاث أعطاك حتى يكون عندك عدة فرص، وأنه مش مرة واحدة تروح مرتك منك. لما أنت صرت تلعب بهذا الحكم وفي جلسة واحدة تقولها أنت طالق بالثلاث، عمر رأى من قال: أنت طالق بالثلاث مرة واحدة، قال بدي أطبق عليه الثلاث حتى يتعلم ويتربى، ويتربى به المجتمع.
ممتاز، الآن طبعًا رأي شيخ الإسلام وكذا ابن القيم على الرأس والعين، لكن أنا في اعتقادي رأي المذاهب الأربعة هو ما نفذي به، الآن المحكمة الشرعية في بعض البلدان تأخذ برأي ابن تيمية، لكثرة ما لعب الناس بالطلاق كثيرًا كثيرًا، جعل حالات الطلاق كثيرة جدًا، فقالوا ما بينفع هكذا، فنأخذ برأي ابن تيمية وابن القيم وابن حزم وغيرهم. لكن حقيقة علماء المذاهب الأربعة لما مشوا مع فتوى عمر، وعمر له سنة متبعة: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»، والنبي عليه الصلاة والسلام أعطاه هذه الصلاحية، ولما قال وسنة الخلفاء، إذا النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أنه الخلافة بعده 30 سنة، وأنه هؤلاء من بعد الذين سيأتون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، لما أقول وسنة الخلفاء، إذا أنا أعطيهم صلاحية أن يكون منهم بعض الأحكام التي ستكون المستقر عليها.
هو يعني هي الصلاحية التي أخذها سيدنا عمر. بعض الناس يقول لك كيف عمر الله يرضى عنه يتجرأ؟ عمر ما تجرأ، عمر عنده صلاحية، صلاحية أخذت من عهد النبوة؛ لأنه عايش النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يثق بعقل عمر، فإن الأحكام التي سيجمع عليها الصحابة في زمن عمر؛ لأنه صار عليها إجماع ما حدا عارضه، ورأوا أنه كلام عين الحكمة، لو كان في خلاف بين عمر وغيره في زمن عمر، لا، خلص مسألة اجتهادية، لكن إذا صار في عهد الصحابة، عفوًا عهد الخلفاء، رأي واجتمعت كلمة الصحابة على هذا الرأي، انتهى، هي سنة متبعة حتى ولو لم تكن موجودة في زمن النبوة، باعتبار أنه وُجِد المقتضي لها. فعمر لما رأى من فساد الناس وتتابعهم في الطلاق بالثلاث في الجلسة الواحدة، قال الذي يطلق ثلاثة في جلسة واحدة ثلاث؛ قضية يا شيخ كنت مستعجل، يا شيخ كنت غضبان، حتى يتعلم الناس ضبط هذه العبارات.
حتى تعليق الطلاق، بس كلام على الهامش هذا سريعًا: الآن من علق الطلاق فقال: إذا طلعتي من الدار أنت طالق، إذا رحت على بيت أهلك أنت طالق، إذا شريتي من أبو فلان لحمة أنت طالق، إذا زرت جارتك.. بتعرفوا الناس على الطالع والنازل، وإذا رحت، لا، بيحلف على نفسه حتى زوجته بيكون مالها علاقة، والله إذا بدخل دارك أنت طالق.
المذاهب الأربعة معتمدة في الفتوى على أنه من علق الطلاق إذا وقع الشيء المعلق عليه، وقع الطلاق، ولا توجد قضية التفصيل بين أن تكون قصدت الطلاق أو قصدت الزجر. فقضية أنك تقول: لا والله قصدت زجرها ولم أقصد الطلاق، هذه ليست معتمدة عند المذاهب الأربعة أبداً، وإنما هو رأي لبعض الفقهاء ومنهم ابن تيمية وابن القيم.
تقول: لماذا رأى ابن تيمية وابن القيم هذا؟ لعل ابن تيمية وابن القيم رأيا زاوية أخرى، وهي أنه إذا لم نفتح هذا الباب فسيؤدي هذا إلى كثير من تفسخ عقود النكاح مع فساد دين الناس أكثر فأكثر؛ فممكن يظلون على هذه الزواجات وهم يعلمون أنها حرام، باعتبار أن فتوى التحريم موجودة. بدي أعطيك كيف أنظار العلماء تختلف؛ لما فسد حال الناس أكثر فأكثر، رأى ابن تيمية وابن القيم أن البقاء على فتوى المذاهب الأربعة هي مشكلة من جانب آخر، وهو أن كثيراً من الناس يعلق الطلاق على الرايح والجاي، وأنه إذا أنا كل ما واحد علق الطلاق قلت له سيقع طلاقك إذا راحت أو دخلت أو كذا، وقعت طلقة. رأوا أن كثيراً من العلاقات ستصبح في المجتمع محرمة، لأن كثيراً من الناس لا يرعوي ولا يتقي الله، وإذا قلت له: يا أخي تعلقت؟ يقول لك: يا أخي أنا ما كان قصدي أطلق، كان قصدي بس أنها ما تروحش. طب لو قلنا له بفتوى المذاهب الأربعة؟
رح تصبح المشكلة أن كثيراً من العلاقات اليوم احنا بدنا ننسب للناس أنها علاقات زنا، خلص علاقة حرام؛ أنت معلق الطلاق ثلاث مرات وكلها وقعت، إذاً العلاقة منتهية من زمان. طيب ايش بتعمل معها؟ يقول لك: يا شيخ أنا ما كان قصدي. مع قلة الديانة وقلة التوثيق، فقالوا لو أمضيناه بهذه الطريقة ستصبح كثير من العلاقات علاقات محرمة، وهذا يؤدي إلى اختلال في النسب وانتشار. فنظروا إلى عواقب كثيرة، فقالوا: إذاً دعونا نرجع للأمر الأول، وأن فتوى عمر كانت سياسة شرعية، سواء في مسألة الطلاق ثلاثاً، أو في مسألة تعليق الطلاق؛ هي سياسة شرعية تقبل التغير بتغير حال أهل الزمان.
ولذلك اليوم حتى المحاكم الشرعية عندنا هي ماخذة برأي ابن تيمية في هذه القضايا، سواء في مسألة أن الثلاث تعتبر واحدة مش ثلاث، وأن الطلاق المعلق إذا لم يقصد به إيقاع الطلاق فهو مجرد يمين فيه كفارة يمين. وهذا حقيقة له وزنه، أنا أقول حتى هذا له وزنه، بس أنا هدفي في النهاية أعطيك أمثلة على قضية هل الفتوى تتغير بفساد الزمان؟
المثال الثاني حديث عائشة الله يرضى عنها، قال: «لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء اليوم لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل المساجد». الآن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، ومات النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. الآن سيدتنا عائشة -طبعا عائشة التي توفيت 58 هجري يعني أنت عارف- تقول: لو رأى النبي عليه الصلاة والسلام مما أحدث النساء اليوم من الفساد، لمنعهن المساجد. إذاً عائشة هي تؤصل لفكرة أن حكم خروج المرأة إلى المسجد سيصبح التحريم إذا فسد حال النساء. شوف، الصحابة يقولون لك في وعي عند علماء الصحابة وإدراك أنه في كثير من الأحكام التي صدرت من النبي عليه الصلاة والسلام هي ليست أحكاماً ما نسميها نهائية لا تقبل التبديل، وإنما هي أحكام بناءً على معطى، إذا تخلف هذا المعطى يرجع الحكم مختلفاً، هذا هو عمق فقه الصحابة الله يرضى عنهم. فعائشة أعطتنا هذه الإشارة.
وهنا أصبح لنا مقولة مشهورة عند العلماء، ذكرناها مراراً وتكراراً، وهو أنه يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. يعني كلما أحدث الناس من الفجور وأكثروا وأكثر، يشدد عليهم في الأقضية. ولذلك لماذا في هناك اتفاق على أن المرأة يجب عليها أن تغطي وجهها في زمن الفتن، أو في مكان كثر فيه الفساق؟ يعني حتى لو قلنا بوجود خلاف فقهي في وجوب تغطية الوجه أو عدم وجوبه في الحالات الطبيعية، الكل متفق -حتى المالكية والحنفية- الكل متفق، ونقل هذا الاتفاق ابن رسلان، ونقل الفناري، ونقل غيره من علماء المالكية والحنفية: إذا فسد حال أهل الزمان، فتلزم المرأة بلبس غطاء الوجه. ما في خلاف حقيقي في هذا، ما في خلاف. لماذا؟ لأنهم رأوا أنه بقدر ما أحدث الناس من الفجور بدنا نضبط، وليس كما للأسف يفعل بعض الذين يتسلقون على الفقه اليوم؛ أنه كلما كثر فساد الناس يا أخي خلص تشدد على الناس، ترى الناس أمورها تغيرت، بالعكس، كلما فسد الناس أنا مطلوب مني أضبط أكثر وأكثر، مش المطلوب مني أفتح أكثر وأكثر.
لأنه أنا كلما فتحت، لن يشبع الناس ذلك، كلما وصلت لمربع بدك تنتقل معه من المربع الأوسع إلى المربع الأوسع إلى المربع الأوسع. فتحوا المهرجانات الإسلامية التي مليئة بالغناء واختلاط الرجال بحجة: يا أخي لازم نعمل بديلاً عن المهرجانات الفاسدة. فحصل من الفساد في الصف الإسلامي ما حصل، فتحوا كثيراً من المناطق الملوثة بحجة إيجاد البدائل، لكن للأسف لم نجد بدلاً، إنما وجدنا تفسخاً وضعفاً في حالة الالتزام وهشاشة دينية. فما يقوله العلماء من ضبط الأمور أكثر وأكثر إذا انتشر الفساد هذا مطلوب، بس بده يكون برضه بحكمة، حتى لا يؤدي برضه شدة الإغلاق إلى سرعة الانفجار؛ يعني في نوع من الحكمة ينبغي أن تكون مطلوبة.
ثانياً: تغير الأعراف والعادات، فبعض الأحكام مبنية على الأعراف، فلا بد أن يتغير الحكم بتغير العرف، وهذا كما قلنا في ألفاظ الطلاق؛ حبلك على الغارب، يعني احنا في النهاية ما هي ألفاظ الطلاق اليوم؟ كثير من ألفاظ الطلاق، كثير من ألفاظ البيوع، كثير من ألفاظ الأيمان ستتغير بتغير الزمان، والدلالة اللغوية لهذه اللفظة. كذلك العادات، الذي كان يدخل قديماً في مسمى الدار عند البيع، يختلف اليوم عما يدخل في مسمى الدار عند البيع، الذي كان يدخل قديماً في مسمى الأرض يختلف، وهكذا.
كذلك تغير المصلحة، ربما القضية مش تغير أعراف، لا قد تكون القضية مش عرفية، قضية مصلحة شرعية. فما بني من الأحكام على حصول مصلحة، فإنه قد يتغير إذا عدمت تلك المصلحة وانقلبت مفسدة. ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كان لما يناقش مسألة آية السيف وهل هي نسخت كل الآيات التي تتعلق بـ: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: 13]، و﴿أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]، قالوا: نسخت 123 آية من القرآن. قال له: هذا ليس نسخاً، وإنما هذا من قبيل ماذا؟ أنه آيات: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ وَأَعْرِضْ﴾ تستعمل في وضع الاستضعاف، لما لا تملك الأمة قوة على المواجهة فلا نفتتح مشاكل وحروباً أكثر من طاقتنا. ولكن لما تكون الأمة في قوتها وعزتها وتملك القدرة على المواجهة، تطبق آية السيف، فهو يرى أن هذا ليس نسخاً، وإنما كل آية لها مساحتها في التطبيق، وهذا ما يسمى تغير الحكم بتغير المصلحة.
لما أكون أنا مستضعفاً والعدو وضع مخالبه في عنقي ولا أستطيع التنفس، بالتالي فاعفوا عنه واصفحوا وأعرضوا والآيات التي تطالب بعدم المواجهة، ذاك وقتها. وفي المقابل لما يكون عندي قوة وممكنة وجيش وأستطيع المواجهة، سيتغير الحكم لآية السيف، فإذاً هذا تغير للحكم بما تقتضيه المصلحة. كذلك زي ما مثلاً سهم المؤلفة قلوبهم، لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام فعله لكن عمر أوقف العمل به؟ عمر أوقف العمل بسهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة، لأنه النبي عليه الصلاة والسلام في زمنه كان يحتاج إلى تأليف القلوب لعدم وجود جيش إسلامي ضخم يستطيع المواجهة الكبيرة. أما في زمن عمر لما فتحت العراق والشام ومصر والجزيرة كلها أصبحت في مكنة المسلمين، قال: اليوم ما عاد بدنا سهم المؤلفة قلوبهم، قال: اليوم بيننا وبينهم السيف، الذي بده يسلم حيا الله، واللي ما بده يسلم مواجهة، ما أنا مش محتاج أؤلف قلوب أحد، أنا القوي أصلاً اليوم، أنا القوي تمام. فبالتالي سهم المؤلفة قلوبهم يتغير الحكم فيه بتغير الزمان.
وحتى اليوم في السياسة الشرعية كثير من الأحكام التي تنكر في السياسة الشرعية، البعض يريد تطبيقها اليوم في واقعنا المعاصر في أي تجربة إسلامية معقولة جيدة، بده يطبق الأحكام التي كانت في زمن عمر، يقول لك: يا أخي عمر رضي الله عنه فعل وفعل وضرب. يا عم الله يكرمك، تطبق حكم الأمة اليوم الأمة المستضعفة التي لا تملك أمرها ولا قرارها، بدك تطبق نفس الأحكام التي كانت في زمن أبي بكر وعمر لما كانت الأمة في قوتها وعزتها؟ لما كان هارون الرشيد يقول: يا سحابة أمطري حيث شئتِ فخراجك يأتيني، يعني هذا كلام غير معقول، في تصور الناحية التطبيقية، الشريعة ستبقى هي الشريعة من حيث الكلام عن ضرورة إقامتها والدعوة إليها، لكن واقع الممارسة، السياسة الشرعية تعطي مساحة لتطبيق مساحة الإمكان، وهو نفس ما قلناه قبل قليل في آية السيف وآية فاصفح، وهو أنا الآن لا أملك قراري بالتالي عندي أحكام معينة تناسبني، لما أملك قراري حقيقة تصبح مجموعة ورزمة من الأحكام الأخرى هي المناسبة، أليس كذلك؟
وقس على ذلك ذهاب الصحابة للحبشة وكذا، لو كان الصحابة في أيام الحبشة هناك نظام إسلامي قائم يحتويهم ابتداءً لما قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام اذهبوا إلى الحبشة، مع أنها كانت أرض كفار لكن الظرف كان يقتضي هي مصلحة، فلما أنشئ النظام الإسلامي أتوا. طيب ليش ما أتوا؟ لأنه حتى النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الهجرة لم تكن ملامح الدولة قائمة لديه، يعني النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الجانب كان ينتظر، كان في نوع من الاجتهاد أنه يبني الدولة رويداً رويداً، فلما شعر في العام السابع الهجري بعد صلح الحديبية أنه تم الاعتراف رسمياً، أمر النجاشي بأن يرسل بقية الصحابة الذين في الحبشة، قالوا: خلص إذا أصبحت الدولة قائمة نستطيع الجميع أن يجتمع تحت ظلها بعد ما حصلنا الاعتراف في صلح الحديبية. لكن قبل ذلك، رأى النبي عليه الصلاة والسلام أنه خلي مجموعة من الصحابة في الحبشة لأنه لسه الأمور حروب في المدينة، لسه لم تستوِ الدولة وتقم، فليس من المصلحة الآن أن آتي بهم والتجربة ما زالت تنضج رويداً رويداً. صحيح، هذا كله فقه إخواني وسياسة وفهم لتصرفات ومقاصد أفعال النبي عليه الصلاة والسلام.
أيضاً الحالة الرابعة في تغير الفتوى: حدوث معطيات جديدة تستدعي تغير الحكم الذي بني على معطيات قديمة. مثال ذلك لما أوقف عمر الله يرضى عنه حد السرقة عام المجاعة. الآن حد السرقة كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام قائماً، أنه الذي يسرق تقطع يده. طيب لما حصلت المجاعة الشديدة في زمن عمر، لماذا عمر أوقف الحد؟ لأنه عمر كان مدركاً عمق الحكم، وهو أن هذا الحد إنما يقام بشرط ومعطى معين، وهو ما هو؟ وهو قدرة الدولة المسلمة على توفير الوظائف والطعام والقوت للشعب. فإذا أنا كدولة مسلمة كنظام قادر أن أوفر فرص العمل والطعام والقوت والغلة للشعب، ثم قام شخص فسرق، هذا بدي أقطع إيده. لكن لما أكون أنا كدولة وكنظام أمر بمجاعة شديدة جداً، الناس ستموت جوعاً، بالتالي أنظر إلى شخص سرق من جاره، أنا مدرك تماماً أنه الذي دفعه أن يسرق أنه هو يتألم من الجوع هو وأولاده، وأنا كنظام وكدولة مش قادر، فأنا كيف أقطع يده؟ وأنا مش قادر أن أوفر له فرص عمل وقوت وطعام يشتريه، أنا مش قادر أعمل له هذا الحكي، فهذا ما نسميه تغير الحكم بتغير معطياته. أنه الحكم بالقطع لما أكون أنا معطي مساحة صحيحة للتجارة والعمل وتوفير سوق وكذا ويجي شخص يتسلق على أموال الناس، آه بدي أقطع إيدك، لكن لما أنا مش موفر أي شيء من هذه الأمور، إذاً معطيات إقامة هذا الحد غير متوفرة.
هذه قضية في عمق التفكير الفقهي، أنه متى يقام الحد؟ الحد شريعة رب العالمين، لا يجوز لأحد تعطيله، لكن له فقه في إقامته، أنه هذا الحد له شروط وضوابط وفلسفة لازم تفهمها في الشريعة، فإذا كانت الظروف والضوابط غير متيحة إقامته، نعم يتوقف حتى تعود الشروط. ففرق -شوف فرق- بين أن أقول أن هذا ليس شريعة، وبين أن أقول أن هذه الحدود من الشريعة لكن لها ضوابط وشروط ينبغي مراعاتها. اليوم ما هو برضه الخطاب المخطئ يرى أنه أي عملية إيقاف لأي حد هي عملية إنكار لجزء من الشريعة، هذا غلط، بدك تفهم أنه هذه الشروط لها ظروف، عفواً هذه الحدود لها ظروف، إذا ظروفها توفرت ومنطق إقامتها متوفر، يجب أن تقام ولا يجوز لأحد إلغاؤها، وهنا تكون إشكالية عدم التطبيقات، لكن إذا كان منطق الحد الفقهي الذي أدركه عمر الله يرضى عنه مش متوفر، بالتالي نعم الحاكم قد يقبض يده عن إقامة الحد حتى يتوفر الظرف، وستأتي معنا الآن الأمثلة، قضية أن الحنابلة قالوا لا تقام الحدود في الغزو مثلاً، ستأتي معنا إن شاء الله.
طبعاً هو المثال الذي ذكره الشيخ كالمسائل التي تكلم فيها الفقهاء بناءً على طب عصرهم ثم تطور الطب فعرفنا أشياء جديدة الآن، هذا المثال هل يمكن أن نسميه تغير الفتوى ولا نقول أنه اكتشفنا أن الفتوى السابقة غير دقيقة بسبب اكتشافات طبية حديثة، زي موضوع الدخان؟
أمثل في هذا من باب البحث: هل هو تغير فتوى؟ نحن ممكن أن نقول إن الفتوى السابقة كانت بناءً على ما عنده من العلم، واليوم عندي معطيات حديثة في بعض الأمور أثبتت شيئاً كبيراً جداً من الخطر ما كان يدركه الفقيه القديم. هنا في اعتقادي، من جهة يمكن أن تسميها تغير فتوى، لكنها أقرب إلى أن تكون الفتوى السابقة غير دقيقة؛ لأنها بنيت على معطيات معينة ثبت الآن أنها ليست بهذه الصورة بل هي أسوأ، وفي أمور أعمق ما كان الفقيه القديم قادراً على أن يتصورها. فالفتوى السابقة ربما كانت أقصى ما يصل إليه الفقيه في زمنه، لكنها اليوم مختلفة. أنا وصلت إلى أشياء أكثر عمقاً في قضايا بعض المواد وبعض الأغذية وما شابه ذلك، فهو معذور في زمنه، لكنه ليس معذوراً في الزمن الذي اكتُشف فيه أمر أكثر.
لكن ستبقى قضية: هل لا يكون أحد قائم لله بالحكم الشرعي الصحيح في ذلك الزمان؟ إذا قلنا إن الفتوى القديمة كان فيها مشكلة لعدم بلوغهم مبلغاً صحيحاً في تصور هذا الشيء، فهل في ذلك الجيل في القرن التاسع أو العاشر لم يكن أحد يقول بالصواب في هذه المسألة؟ هذه تُسمى مسألة خلو العصر عن قائل بالصواب في المسألة؛ باعتبار أنه ما كان أحد متصوراً لها. معناه إذا نحن اكتشفنا بعد ذلك أن الحكم غلط، هل يعقل أو يتصور وجود هذا؟ كثير من أهل العلم يقولون لا يتصور هذا؛ لأنه معناه أن الأمة أجمعت على الباطل في ذاك الزمان. إذا كانت الفتوى غلط والعلماء كلهم يفتون بها، معناه في ذاك الزمان الأمة كانت مجمعة على باطل، ولا يجوز للأمة أن تجمع على باطل.
لذلك قالوا: هذه المسائل لا يوجد مثال متفق عليه، حتى الدخان وغيرها؛ حتى في تلك الأزمنة كان هناك من يقول بالتحريم وهناك من يقول بالكراهة، أما أن تكون كل الأمة تقول بالكراهة وهذا الذي أطبق عليه الشرق والغرب، ثم نأتي اليوم نقول اكتشفنا في الطب الحديث أن تلك الفتوى غلط واليوم سنقول بالتحريم، معناه تلك الأمة في تلك الحقبة كانت مجمعة على باطل، وهذا مُشكل. فلذلك نقول: تقدم الأحكام الطبية قد يكشف لنا أن أحد الأقوال القديمة غلط، ولا يمكن أن تكون كل الأمة قديماً أطبقت على فتوى غلط واليوم نحن اكتشفنا الصواب؛ فلا بد وأن يكون في ذاك الزمان من قال بالصواب، وتكون المسألة فيها وجهات نظر عندهم، والطب الحديث سيحسم أحد القولين، وأن القول الآخر بُني على تصور خاطئ.
طبعاً هنا ستأتي مسألة أصولية أخرى، وهي مسألة: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز الإجماع على أحد القولين؟ أذكر هذه المسألة بحثناها في أصول الفقه: إذا اختلف أهل العصر السابق على قولين، منهم من قال بالتحريم ومنهم من قال بالكراهة، فهل يجوز أن يجمع أهل العصر اللاحق على أحد القولين ويبطل القول الآخر؟ الآن حقيقةً يمكن أن نقول إن هذا فقط بحث؛ إذا كان أحد القولين عُرف بناؤه على تصور خاطئ غير دقيق طبياً، وبُني على شيء طبي فعلاً، وثبت أن هذا التصور غير صحيح بالتجارب المطردة، فهنا هل تموت الأقوال بموت أربابها في هذه الحالة؟ يمكن أن تُعطى هذه المساحة؛ لأنه هنا المسألة ليست قضية أمور اجتهادية ظنية حتى نقول إن المذاهب لا تموت بموت أربابها، بل قضية نحن متيقنون أنها بُنيت على أمر ثبت في الطب الحديث أنه خطأ.
إذا عُرف بالقطع مأخذ ذلك القول وأنه مبني على فكرة باتفاق أصحاب هذا القول، واكتشفنا خطأها، ممكن نقول هنا إن هذا القول سيتم استثناؤه. لكن هذه حالة صعبة جداً جداً حقيقةً، أن تُجمع على أحد القولين وتقول: خلص إجماع على أحد القولين وذاك لا عبرة به؛ لأنه هنا أنت يجب أن تتأكد أن القول الذي تريد أن تقول لا عبرة به، كل من قال به بناه على علة معينة، وأن هذه العلة قطْعاً ثبت فشلها وأنها غير دقيقة طبياً، مش بتجربة وتجربتين، بل بالتجارب المطردة؛ عندئذٍ ممكن نسمح بأن تُلغي ذلك القول. أما بغير ذلك حقيقةً، لا يحق لك أن تُلغي ذلك القول، ولا أن تقول إن المذاهب تموت، بل الأصل المحافظة عليه وتبقى المسألة مفتوحة للاجتهاد. فباختصار هي ليست عملية سهلة أن تقول لحكم معين: الله يسهل عليك، ما دام استقر العصر السابق عليه.
في ذكر بعض فروعها الفقهية، قال: فمن الفروع الفقهية التي تغيرت؛ مثلاً قرر الحنفية كراهة حضور النساء الشابات للجماعات، وجوزوا ذلك في حق العجائز، وقال بعضهم يخرجن في الصلوات كلها في العجائز لوقوع الأمن من الفتنة في حقهن. ولما فسد الزمان تغيرت الفتوى، فقال الإمام الموصلي صاحب الاختيار والمختار: في زماننا لا يجوز شيء من ذلك؛ لا تروح العجوز ولا تروح الشابة؛ لفساد الزمان والتظاهر بالفواحش. شوف، هذا يقول لك في القرن السابع والتظاهر بالفواحش! عن أي شيء كانوا يتحدثون؟ لو أتوا لزماننا، أنا لما أنظر لذاك الزمان والقرن السابع الهجري، وأنت تتكلم عن وجود الدولة الأيوبية ودولة المماليك وتوفر علماء، وزمن ابن تيمية وأعلام كابن دقيق العيد، وكل الجماعة الطيبين موجودين، يعني شو تظاهر بالفواحش؟ معناته إخواني، ما الذي يصير في يومنا؟ في قضية مخيفة في فهم هذا الكلام، فلذلك الشيخ أيمن يقول: فكيف لو رأى زماننا هذا، لعرف أنه مش تظاهر بالفواحش، لقال عبارة أعمق من ذلك.
ذكر الحنفية أيضاً مثلاً أن الوكيل في الخصومة، اللي هو المحامي، هو أيضاً وكيل قبض؛ إذا طلع لك الحق يستطيع أن يقبض عنك، وهذا ليس المذهب عندنا، إذا بتذكر في الأقضية المحامي وكيل الخصومة ليس له أن يقبض إذا طلع لك الحق، حتى أنت تعطيه مساحة القابض، بخلاف العكس؛ أن وكيل القبض هو أن يخاصم ويكون محامياً، لكن وكيل الخصومة ليس له أن يقبض. الحنفية ماذا قالوا ابتداءً؟ وكيل الخصومة وكيل قبض، خلافاً للإمام زفر، قال: ليه الإمام زفر مشى مع الحنابلة؟ قال: لأنه أنا رضيتك محامياً بس ما رضيتك تقبض، يجوز بآمن عليك أنك تقبض، بس ما آمن عليك أنك تكون محامياً، وهذا اليوم فعلاً واقع؛ أنا ممكن أتفاهم مع محامٍ، بس بآمن عليه، يعني لو طلعت المصاري وقبضها ممكن يحط في جيبته، بس هو شاطر في المحاماة؛ فأنت وكيل الخصومة يقول زفر قد لا أراه أميناً على القبض. والفتوى عند الحنفية أصبحت على قول زفر، كما قال الإمام الموصلي؛ لفساد الزمان وكثرة ظهور الخيانة في الناس. ولو نعود ونقول: فكيف لو رأى زماننا ورأى الخيانة التي تحصل من كثير ممن يأخذ هذه المهنة.
مثلاً، كره الإمام مالك تنزيهاً سفر المرأة مع ابن زوجها، يعني امرأة تزوجت زوجاً، وهذا الزوج له أولاد من امرأة أخرى؛ معروف أنه الأب إذا تزوج امرأة ثانية، فأولاده من المرأة الأولى محارم عليها، ممتاز. فشوفوا هذه الفكرة إخواني التي دائماً نناقش فيها ونحاول أن نبديها للناس، قال: شغلتين؛ فساد الزمان وحداثة الحرمة. شو يعني حداثة الحرمة؟ أنه هذا الجديد صار محرماً عليك، بالتالي شعوره بالمحرمية تجاهك وعدم وجود، سامحني، الشعور الغريزي، لساته بده شوي شوي يتولد أكثر وأكثر، وحتى شو ما صار سيظل بالنسبة له أنت امرأة جديدة؛ يعني هذا عمره صار 25 سنة، ابنه بدأت حياته، الآن أنت ضيف جديد على العائلة، ماشي ممكن تكشفي شعرك أمامه وكذا، محرم، ما بيقدر يتزوجك، انتهت، أبدي. بس في النهاية بدك تعرف أن هذه الحرمية، احفظوا كلامي هذا، المحرمية التي تنشأ من الصغر ليست كالمحرمية التي تنشأ من الكبر.
انتبهوا، المحرمية التي تنشأ من الصغر فتنغرس في قلب الطفل أن هذا الشخص محرم؛ هذه عمة، هذه خالة، هذه أخت، هذه أم، هذه جدة، هذه المحرمية مدى تجذرها في الإنسان أعمق بكثير كثير بكثير من المحرمية التي تنشأ عند الكبر؛ فتلك نعم فيها محرمية، لكن يبقى فيها الجانب الغريزي حاضراً في مساحة من المساحات. وعليه، كما قرر كثير من الفقهاء، مثلاً الفتاة التي تتزوج، حماكِ أختي الكريمة، صح محرم، بس هو ليس كأبيك، لأنه هذا أصبح محرماً لك وأنت عمرك 25 سنة، جديد صار محرماً، فريش كما يقولون، لكن والدك محرم منذ نشأة حياتك؛ بالتالي نظرة الحما ليست كنظرة الوالد لك. وكم رأينا من داهية، وكم تأتينا اتصالات من هذه الدواهي من فتيات لا يحسن اللباس أمام أحمائهن بحجة أن "حماي يا شيخ زي أبوي"، لا، ما هو صحيح. طيب مش كلهم محارم أنتم تقولون في الإسلام؟ نعم كلهم محارم، لكن فقهائنا الكرام جيلاً بعد جيل الكل يقول محرمية هذا ليست كمحرمية هذا؛ فذاك جديد، محرميته فمدى شعوره هو بالمحرمية تجاهك، دوافعها وقوتها ليست كشعور الأب بالمحرمية تجاهك، ذاك عنده بعد أبوي وغرائز وأمور أكثر في جبلة الإنسان. محاولة جحد هذه الحقائق مشكلة في قضية لباس المرأة أمام هذا وهذا.
فمثلاً الإمام مالك لاحظ هذا البعد، حداثة المحرمية؛ بالتالي أنا والله أخشى عليك تطلعي مع ابن زوجك، يعني فيها نظر حقيقة، فيها نظر. كذلك يعني أحياناً ممكن يعني حتى على المستوى الأقرب من ذلك؛ وصلتني قضية أن هذا الشاب عرف أن فلانة خالته بعد ما صار عمره 25 سنة، كانت مقيمة في بلاد أجنبية أو ذاهبة بعيداً، وحتى هي كان كأن المسألة أنها هي الخالة هذه أنجبت في بلاد الغرب، كان عمرها صغيراً، تمام؟ والشاب هذا اللي تكون هذه خالته عمره قريب من عمرها، بل بعضهم رأيت الخالة أصغر من الشاب في بعض الحالات، المهم عمره قريب من عمرها، وهي جديد عادت من الغرب إلى بلاد المسلمين مثلاً. فهو الآن عمره 25 سنة، الآن عرف أن هذه خالته، وعمرها قريب من عمره؛ الشعور الطبيعي لك تجاهها بالمحرمية، شعور المحرمية لم يتولد معك منذ نشأة حياتك، فسيكون ربما في أبعاد أخرى تقتضي أنه لا، اهدأ اهدأ، ما تأخذ أريحيتك الزائدة كما تتعامل مع المحرم الخالة أو العمة التي نشأت محرميتها منذ الصغر وأنت بتشوفها خالتك وعمتك وخلص ونشأت الحياة وكبرت بينهم، هناك محرمية راسخة، فمدى الشعور للمرأة ما يأتيك، تمام؟ حتى والعياذ بالله لبعض المفتونين، أما المحرميات الجديدة دائماً اعلم أنها تكون هشة.
مثلاً من الصور أيضاً التي تأتينا، شخص على عمر 25 ولا 27، بلغوه أن فلانة أخته من الرضاع؛ يعني متى عرف أنها أخته من الرضاع؟ لما صار عمره 27 من جيله، خلص فجأة ترفع الحجابات واقعدوا مع بعض واخلوا ببعض؛ لا اهدأوا، اهدأوا. يعني لو ثبت هذا حقاً بالأدلة عرفت، آه والله جاءت امرأة وقالت والله فعلاً رضعتكم مع بعض، خلص من أول ما حكت رضعتكم مع بعض خمس رضعات، العلاقة تماماً قوية، يا شيخ محرم، انتهت، لا أخي أنت الله يكرمك، والأخت بتلاقيها متفاعلة زيادة عن اللزوم كأنها انبسطت بهذا الشعور، وبالتالي بدها تلبس أي لباس؛ ليش يا أخي أخوي من الرضاع؟ شوف النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى رجلاً عند عائشة، دخل في قلبه شيء، هكذا حزن أو ما بعرف التعبير الأفضل، يعني كأنه لم يعجبه ذلك كثيراً، فقالت يا رسول الله: إنه أخي من الرضاع، فقال: «يا عائشة، انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة»؛ فكرة أنه ما بينفع، وهذه عائشة بتعرف منذ الزمان أنه أخوها، لا أنت اليوم تأتي امرأة كبيرة تقول عن شاب وشابة عمرهم في العشرينات: والله أنا رضعتكم، خلص الشابة تأخذ أريحيتها مع الشاب! طب افرض أن المرأة هذه ما كانت عارفة أحكام الرضاعة، افرض أن الكلام مش دقيق، نحن ماشيين رح نمشي أحكام الرضاع عموماً على ظاهر كلامها بس في احتمالات، خاصة مع فساد الزمان وقلة التفقه، ممكن هي مش فاهمة أصلاً شو معنى رضاع تماماً وشو يعني خمس رضعات إلى غير ذلك؛ فلا يستعجل في فسخ أو في إظهار أو في تشكيل العلاقات بناءً على المحرميات الطارئة، هذا مهم جداً.
نص ابن أبي زيد المالكي القيرواني عليه رحمة الله، أنه إذا لم نجد في البلد إلا غير العدول، أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً للشهادة عليهم. قال الإمام القرافي: ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم لئلا تضيع المصالح، وما أظنه يخالفه أحد في هذا؛ فإن التكليف مشروط بالإمكان، وإذا جاز نصب شهود فسق لأجل عموم الفساد، جاز التوسع في أحكام المظالم والجرائم لأجل كثرة فساد الزمان. يعني القرافي وابن أبي زيد كلاهما يتفقان على ماذا؟ على أنه أولاً إذا فسد حال أهل الزمان، فكل من يأتي شهوداً إلى القاضي ليشهدوا كلهم في فسق، طيب وبالنهاية طيب بدي حدا يشهد! كل ما جاء شهود القاضي يكتشف أنهم في فسق؛ أما فسق في العقائد أو فسق في الأعمال، شراب خمور، أصحاب علاقات محرمة.
يعافينا. فهنا يقول لك: حتى تمشي أمور الناس، سيتغير الحكم، سنقبل شهادة غير العدل، حتى في النهاية تثبت الأمور والوقائع. وهذا كلام ذكره أيضاً ابن القيم في الطرق الحكمية، أن مسألة الفسق التي تسقط بها العدالة في الشهود ينبغي أن تتغير بتغير الزمان. لماذا؟ لأنه في واقعنا المعاصر، لو بدنا نمشي على طريقة الأقدمين، ربما يطلع 80% من الناس إلى 90% عندهم حالة فسق، سواء عند الرجال مثلاً الذين يحلقون اللحية.
الحنابلة يقولون: من لا يحافظ على السنن الرواتب تسقط عدالته عند القاضي. طيب، هذا ماذا بدنا نسوي فيه نحن كحنابلة اليوم؟ نحن بدنا نصلي صلاة الفرض، يخلف عليك، حافظ على الصلوات الخمس المكتوبات والجماعات، جزاه الله خيراً. فعلى قواعد الأقدمين، كثير مما يقع فيه الناس أو يتركونه يؤدي بهم إلى الفسق وسقوط العدالة أمام القضاء. فلذلك وصلوا إلى قناعة أنه إذا غلب الفساد على أهل الزمان لا نقول نسكر باب القضاء ويقعد في البيوت، لأنه هي حقوق، فنستصلح الأفضل فالأفضل من الفساق كشهود.
وقاس عليه القرافي استصلاح الأفضل فالأفضل من الفساق ليتولوا القضاء. قال: منصب القضاء ما فيه إلا شخص فاسق يتولى، ماذا بدنا نسوي؟ قال: كما أن الفساق قبلنا شهادتهم لفساد أهل الزمان، فالقضاة سنقبل قضاءهم وإن كانوا فساقاً لفساد أهل الزمان. فهذه قضية الأصلح فالأصلح؛ كم يحتاج الشاب المهتم بالسياسة الشرعية وواقع الأمة أن يفهمها ويتعلمها، ويعرف أن كثيراً ما يتسرع بإلقائه في ممن ابتلي بالغلو، حرام ما بصير.
أنت عارف الواقع في كثير من بلدان المسلمين، وأن حال الوصول إلى القضاة الذين يعرفون حتى نظام الأقضية في كثير قد لا يكون أحد يعرف إلا شخصاً فاسقاً وكذا، بس هو أفضل من غيره الآن حتى تمشي الأمور؛ أفضل من أن آتي بشخص محترم ومؤدب بس لا يعرف شيئاً، فتضيع حقوق الناس وتحصل المذابح من أجل لا، أريد أن أولي شخصاً محترماً، هذا ما بيعرف في القضاء، لا، جيب لي شخصاً على قلة ديانة بس بيعرف في الإجراءات القضائية ويمشي الأمور، ولا تجيب لي شخصاً محترماً يصلي الفجر وقيوم الليل لكن أعرف إذا وضعته على منصب القضاء راحت البلد.
فالقضية ليست أن هذا شيخ محترم حبيب من إخواننا وذاك فاسق، ما القضية من الأصلح من الأكفأ الآن لهذا المنصب؟ هذه قضية الواقع هو الذي سيحددها.
نص الشافعية على صحة إقرار المريض مرض الموت لأجنبي ووارث، واختار جمع منهم عدم صحته إن اتهم لغلبه الفساد، بل قد تقطع القرائن بكذبه. الشافعية وجهة نظرهم أن المريض مرض الموت إذا أقر لأجنبي أو لوارث بشيء نقبله، على خلاف الحنابلة طبعاً؛ الحنابلة ضمن مساحة الثلث إذا كان لأجنبي، وإذا كان لغير لوارث لا يقبل حتى يوافق الورثة. نحن الحنابلة لا نعاملك معاملة الميت، لكن الشافعية قالوا: لا، إقرارات المريض صحيحة سواء لأجنبي أو لوارث، لكن قالوا: واختار جمع منهم عدم الصحة إن اتهم أنه يريد أن يمنع بعض الورثة أو يريد أن يضيع مال الورثة لغلبة الفساد، بل قد تقطع القرائن بكذبه. نحن الحنابلة من أول ريحنا حالنا، نقول الأصل أنك متهم، وبالتالي سداً للذريعة وإغلاقاً للباب لا يقبل حتى يأتي بالبينة، يعني لا يقبل حتى تجيب لنا وثائق.
نص كثير ممن قال بجواز كشف المرأة لوجهها على المنع من ذلك عند فساد الزمان وانتشار الفواحش. بل حكى إمام الحرمين الجويني اتفاق المسلمين على منع النساء من التبرج والسفور وترك التنقب، والجويني عليه رحمة الله من التبرج والسفور وترك التنقب قال: واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب وترك تفصيل الأحوال. الجويني إمام المقاصديين أو أحد أكبر المقاصديين في باب الفقهيات، يطلع لك شخص: يا شيخ هذا أشعري! يا أخي أنا ما لي علاقة الآن بالأشعرية، لا يتكلم هنا ببعده الأشعري بمسائل بدعية، هنا يتكلم ببعده الفطري العالمي، الإنسان العالم بمقاصد الشريعة الغيور عليها، هي انفكاك الجهة. بده يكون عندك جيد أنك تعرف أن هذا العالم لما يتكلم هنا يتكلم بأمور ما لها علاقة لا بالفلسفة اليونانية ولا بمدخلات كلامية، يتكلم ببعد الإنسان المستقرئ لنصوص الفقه.
فيقول لك الشريعة لا يليق بها تفصيل الأحوال، شو يعني تفصيل الأحوال؟ أن يقول والله هذه امرأة جميلة، خلص أنت استري وجهك، لا هذه امرأة جمالها 50% خلص يلا أنت مش مشكلة اكشفي وجهك. قال الشريعة لا تأتي بهذا، قال واللائق بمحاسن الشريعة حسم الباب وترك تفصيل الأحوال. مش نقول هذه جميلة وهذه قبيحة وهذه نصف وهذه 50%، نحن بدنا نقعد نقيم كل واحدة امرأة ونحط معايير، الشريعة لا تأتي بمثل هذا. فيقول كما تم تحريم الخلوة على وجه العموم، صح؟ هل الخلوة فصلت؟ يعني إذا كان والله في بعد غريزي بينك وبينها حرام الخلوة، أما إذا كان بس رايح تقعد تدرسها مش مشكلة؟ الشريعة لم تفصل الأحوال في الخلوات، عممت التحريم، كذلك ينبغي أن تحسم الباب في تغطية الوجه، أن الكل يغطي. اللهم ممكن تستثنى، قالوا الشوهاء التي وجهها فيه حروق شديدة مشان ما نتعبها، واضحة الأمور تماماً، يعني ممكن الحالات التي جداً جداً بعيدة هذه قد تستثنى، لكن قضية الجمال النسبي هذا لا ينبغي أن يصبح أن نقيم ونضع قرائن للتقييم. قال كتحريم الخلوة، تعم الأشخاص والأحوال إذا لم تكن محرمية، صحيح، ما دام ما في محرمية فالخلوة محرمة بجميع أشكالها، فكذلك قال ينبغي أن يتعامل مع مسألة تغطية الوجه.
وقد توفي مثل الجويني سنة 478هـ، يعني يحكي عن ذلك الزمان أنه أغلقوا الوجه تماماً فيه وأنه يا جماعة يا بتخالفونا، نحن ينبغي أن نتفق أنه الآن الزمان لا يصلح أي فتوى أن نقف عند حد الاستحباب. الزمان لا يسمح في 478هـ أن نقف عند حد الاستحباب، بل يجب أن نقول بالوجوب، ولذلك النفراوي المالكي ماذا يقول؟ الذي يقتضيه الشرع وجوب سترها وجهها في هذا الزمان، لا لأن الوجه عورة، وإنما ذلك لما تعورف عند أهل الزمان الفاسد أن كشف المرأة وجهها يؤدي إلى تطرق الألسنة إلى قذفها. تخيل في ذاك الزمان أن المرأة التي تكشف وجهها كان الناس تنال منها، وحفظ الأعراض واجب كحفظ الأديان والأنساب.
طبعاً هذا الكلام هو جاب لك مثالين، أنا وقفت على عشرات النصوص مثل هذا النص الذي يقول فيه علماء الزمان في القرن السابع والثامن والتاسع: يا إخوة هذا واجب باتفاق العلماء. لذلك الخلاف في أن النقاب واجب أو مستحب حقيقة كان مؤطراً ضمن مساحة الخلاف النظري، وأما عملياً إلى سقوط الخلافة العثمانية كان اللباس الرسمي في الدولة المسلمة النقاب. وافتح أي صور دائماً قلت افتحوا صور الجزائر، المغرب، الأندلس، حتى صور النساء الأندلسيات ممن بقي، البوسنة والهرسك، كل المناطق الكل منقب، حتى البلدان المالكية والحنفية التي المعروف أن عادة هؤلاء يقولون النقاب مستحب، الخلاف كان يبقى ضمن مساحة النقاش النظري، أما عملياً الكل كان ينقب إلا طبعاً يعني أكيد في بعض القصص أنه كانت فلانة كاشفة وجهها، كان البعض يترخص للحاجة أحياناً، البعض يترخص لكبار السن، فهذا نعم قد تجده منقولاً، لكن الحالة العامة المجتمعية هي النقاب.
بس ارجع لمئة سنة للوراء، يعني حتى لما قرأت عن سعد زغلول الذي كان يحارب النقاب عليه من الله ما يستحق، تلميذ محمد عبده، والذي سحب النقاب عن هدى شعراوي، كانت تقول إحدى النساء تؤرخ لتلك الفترة: وقد طلبنا من الأستاذ سعد زغلول أن نقابله وكنا مجموعة من النساء المنقبات في مصر، يعني هذا تحكي إذاً بعد سقوط الخلافة العثمانية أو عندها في فترات سقوطها 1911 و1917 وهي الفترات لسه كان محمد عبده موجوداً وغيرهم، واللي بعدها، يعني حتى سعد زغلول وما بعد ذلك. قال فرفض أن يقابلنا بحجة أنكن تلبسن النقاب، يعني النقاب كان موجوداً في مصر، يعني في 1915 وما حولها لسه كان النقاب هو لباس عامة نساء مصر، لسه ما تم إزاحة هذه القضية، وكانت مشكلة سعد زغلول ليش تغطوا وجوهكم. فهذا يدل إخواني على هذه القضية وهذه الفكرة.
طبعاً أنا أقول هذا الكلام من أجل تقرير فتاوى أهل العلم، يعني بعض النساء أخوات، بعض طالبات العلم وبعض كذا قد تكون كاشفة عن وجهها فتقول: يعني أنتم تلزموننا؟ نحن نقول ما يريدنا الله به في النهاية، أنا أدرك أن هناك أهل علم غيري يتكلم، وأعلم أن بعض الناس يسهل، وإنني أستثني شخصياً العجوز والمرأة الشوهاء والقبيحة، لكن كما قال الجويني: أما ما بعد ذلك من حال أهل الزمان، الأصل أن المرأة تغطي وجهها، ومن يأخذ بهذا يأخذ، ومن يأخذ بفتوى غيرنا من أهل العلم يأخذ، الله يهدينا جميعاً لما فيه الصواب.
من الفروع التي تتغير فيها الفتوى بسبب تغير العادات والأعراف، مثلاً موجبات الإيمان والإقرارات والنذور؛ اللي هي تفسيرها، تفسير اليمين، تفسير هذا الإقرار على ماذا يحمل؟ تفسير هذا النذر على ماذا يحمل؟ هذا له علاقة بالألفاظ ودلالاتها العرفية أكيد التي تختلف باختلاف الزمان والمكان. لو حلف لا يركب دابة، وكان عرفهم بإطلاق الدابة على الحمار خاصة، لم يحنث بركوب الفرس، بخلاف أهل بلد آخر عرفهم في الدابة الفرس، ونحن مثلاً في واقعنا المعاصر لو واحد في الأردن قال: والله ما بطلع في دابة، ربما أحمل الدابة على السيارة، إذا كلمة الدابة تطلق على السيارة، وإن كان نحن لسه هذا العرف لم يستقر عندنا. كذلك في ألفاظ الواقفين؛ عقد الوقف وكذا، ألفاظ الواقفين فإن الوقف إنما تفسر ألفاظه بحسب العرف الدارج في قضية مثلاً شروط الواقف أو ما شابه ذلك.
من الفروع التي تغيرت بسبب تغير المصلحة، وهو عم يجيب لك مثال على كل حالة؛ أولاً أمثلة على فروع تغيرت بسبب فساد الزمان، ثانياً فروع تغيرت بسبب تغير العادة، ثالثاً فروع تغيرت بسبب تغير المصلحة: أن النبي عليه الصلاة والسلام شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحب الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره. ومن هنا فإن أي إنكار على الملوك والولاة بطريقة الخروج عليهم أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، كما ذكر ذلك ابن القيم، وهو كما هو منصوص أحمد.
وهي الفكرة أنه وهذه دائماً أقولها أن العلماء ما بتعرفوا فتنة ابن الأشعث وخروج سعيد بن جبير وغيره من العلماء الكبار فيها من الفقهاء أكثر من 500 فقيه إذا لم يكن أكثر، كان فيها هؤلاء إخواني ترى ليسوا خوارج، دعوكم من قول بعض الطوائف أنهم لأنهم خرجوا على الحجاج فهؤلاء خوارج؛ الخوارج هي عقيدة وفكر، هؤلاء كانوا لسه في بداية الخلافة الأموية خلينا نقول، ورأوا أنه ممكن أن يصلح الأمر بإزالة الحجاج من خلال المواجهة، وفعلاً كانت العواقب وخيمة وفشلت الثورة بفشل ذريع. وبناء عليها أصبح من المستقر في الفتوى عند الإمام أحمد وغيره من أهل العلم أنه لا ينبغي مسألة الخروج باعتبار أنها تؤدي إلى مفاسد وضريبة ودماء أكثر من الحالة الموجودة.
ولذلك الجويني أفتى بهذا في الغياثي لما قال في قضية مسألة الخروج: ينبغي أن ينظر ما الناس مدفعون إليه على ما هم فيه، فإن كان بقاؤهم على ما هم فيه ضريبة أقل كفاتورة من الدماء والأرواح مما هم مدفعون إليه، لا يبقوا على ما هم عليه ولا يجوز، بخلاف ما لو كان هم وصلوا إلى بلغت القلوب الحناجر لأنه ما في شيء أسوأ من كذا، فما هم مدفعون إليه سيكون أقل ثمناً مهما كان من الحالة التي هم فيها، قال فهذه قضية أخرى. فلذلك لما تقرأ هذه النصوص لا تقرأها بتشنج بعض الشباب، خلص هو إما مؤطر هنا أو مؤطر هنا، والقضية التشنجية هي التي تحكمه، مش قضية الآن مسألة فقهية بدنا نبحثها. الآن نحن نبحث مسألة فقهية، فهذا الكلام قضية أن العلماء سواء أحمد بن حنبل ولا غيره ولا حتى ابن تيمية وابن القيم وغيرهم كانوا يرون أن مثل هذه الأمور من هذه الجهة أنه هي ليست القضية قضية عقيدة الخوارج، ما هي قضية فقهية من حيث حرام وحلال، يصح لا يصح، مش قضية عقيدة خوارج، تمام؟ لأنه معروف أهل البغي، الفرق بين البغي والخوارج هذا شيء وهذا شيء، القضية من حيث السياسة الشرعية صح ولا خطأ؟
فهنا كما يقولون، أصبح مستقر أهل السنة أن الخروج بهذه الصورة سيؤدي إلى دماء، خاصة التجارب التي صارت في الخلافة الأموية والعباسية، كل التجارب التي كانت بطريقة من هذه الطرق كم حجم الدماء فيها؟ مذهل. فاستقر عندهم أن هذا الكلام، وحقيقة هذا الكلام بالنسبة للواقع كثير منه يشهد بذلك، أن الضريبة تكون مذهلة، لا تتناسب مع حجم الشيء المقصود، فينبغي إعادة النظر في هذه القضايا وفق قواعد الشريعة وقواعدها الفقهية دون تشنج إلى هنا أو إلى هنا. النظر إلى...
مصلحة دماء المسلمين وحياة المسلمين وأموال المسلمين لا تكون القضية هكذا شعبوية وقضية تنحل بمنشورات فيسبوك. نحن أو قضية كذا سواء من هذا الطرف أو من ذاك الطرف، هذه قضية يرجع فيها لأهل العلم الذين يتقون الله.
نكمل في النقطة التي بعدها؛ ذكر الحنابلة أن من عنده شهادة بحد لله فله إقامتها وتركها، بل استحب بعضهم أن يتركها للترغيب في الستر. لكن قال ابن مفلح: ويتوجه هذا فيمن عرف بالشر والفساد ألا يستر عليه، ويتوجه فيمن عرف بالشر والفساد ألا يستر عليه. يعني الأصل العام هو عدم الشهادة على أصحاب المعاصي التي فيها حدود حتى نستر عليهم، إلا في حالة واحدة، ما هي؟ إلا إذا كانت المصلحة تقتضي أني أشهد عليه. إذا كان فاجراً معروفاً بفجوره وفاتحاً عنده خمّارة أو فاتحاً عنده خان أو حانوت للخنا لإقامة الفجور، لا، مثل هذا يجب أن يفضح لإقامة الحد عليه. وكذلك قال المرداوي، قال: وهو الصواب، بل لو قيل بالترقي إلى الوجوب، أنه مش بس قضية الأفضل أن يشهد، لا، هذا يجب أن يشهد، لاتجه ولكان لذلك حظ من النظر، خصوصاً إن كان بهذه الشهادة سينزجر عن ذلك.
الأصل أن السارق تقطع يده بشروط معروفة، فذهب الحنابلة مثلاً إلى أن من أتى حداً في الغزو، أنه مسلم إذا سرق وهو مع الجيش الإسلامي متجهاً لمعركة أو أتى ما يوجب قصاصاً، قال: لا يستوفى منه الحد أو القصاص في أرض العدو. ليه؟ حتى نرجع لديار المسلمين، لما نرجع لديار الإسلام بيجي الحاكم يقول له: تعال أنت سرقت في الغزو الآن بدي أقيم عليك الحد، قال: خُشي أن يكون خوفه من إقامة الحد عليه يدفعه إلى أن يقف في جانب الكفار ويذهب إلى أرض الكفار. شوف هي النظرة العميقة، هنا طبعاً مش تعطيل الحكم، هنا تأخير إقامة الحكم إلى الوقت الأنسب.
من الفروع الفقهية التي تغيرت الفتوى فيها بسبب وجود معطيات جديدة، تغير الأحكام المبنية عند الفقهاء على اعتبار ماذا؟ المرض المخوف. الآن قضية المرض المخوف هذه قضية حقيقة تختلف باختلاف الزمان؛ إذا كان يقصد الشيخ بقضية تغير القضايا الطبية هذا الملحظ، فهنا أقول كلامه صحيح، يعني مسألة مختلفة عما قلناه، هي مش مبنية على خطأ طبي، لا، هنا المسألة أن المرض المخوف قديماً كان التبرع بالدم، ربما اليوم الإنفلونزا الحادة تعتبر مخيفة، اليوم إنفلونزا حادة وإبرة -مش عارف فولترين ولا شو بتسموها- ما شاء الله بيرجع حصان. الرجل تقدم الحالة الطبية جعل ما كان مرضاً مخوفاً في تعريف الأقدمين، زي التهاب الصدر والرئة أو بعض الأمور التي في البنكرياس، يعتبر اليوم مرضاً أبداً مش مخوفاً، وبإبرة واحدة وبمجموعة حبات دواء يتعالج ويصبح المرض غير مخوف. فهذا الكلام صحيح أن المرض المخوف حقيقته اختلفت بسبب تغير الحال الطبي واكتشاف الأدوية الحديثة، وبالتالي إذا تغير ستتغير الأحكام المتعلقة بالمرض المخوف من حيث الإقرارات وما شابه ذلك.
أول ما ظهر شرب الدخان لم يعرف الناس أضراره، فكان يفتي بعض العلماء بكراهة شربه قياساً على الثوم والبصل، وبعد ما ثبت طبياً ضرره أفتى كثيرون بتحريم شربه. هسه كما قلت هذا أنا في اعتقادي مش تغير الأحكام تغير الزمان، هذا تغير حكم بسبب تغير المعلومة؛ فالأصل أنه ثبت لديك أن المعلومات القديمة كانت ناقصة، صح؟ فالحكم القديم أصلاً هو غير صحيح. يعني شو الفرق بين صورة هي وصورة المرض المخوف؟ صورة المرض المخوف أن المرض المخوف كان فعلاً مخوفاً قديماً والآن ما أصبح مخوفاً، أما صورة الدخان هو مش أنه كان مكروهاً فعلاً، كان مكروهاً صح واليوم أصبح حراماً، لا، ما هو نفس الضرر نفس المشكلة بس العالم ما كان مكتشفها في القدم، فأعطى بناءً على تصوره، ففتواه القديمة هو اجتهد جزاه الله خيراً، مأجور عليها إن شاء الله، لكنها من حيث الواقع غير دقيقة. متى عرفنا أنها غير دقيقة؟ لما تطور الطب فعرفنا أن تلك الفتوى، يعني عفواً زي واحد عالم أفتى أنه هي العشبة يجوز أكلها، بعد شهرين عملنا فحوصات طلعت العشبة قاتلة، نقول: لا يا عمي هي العشبة حرام أكلها، أنت اكتشفتها في غابات البرازيل رحت أكلتها وقلت أصله في النباتات الحل، أكلتها مت، فالآن اكتشفنا أنه هي طلعت العشبة ليست من المباح وإنما من الحرام. الآن هل نقول تغيرت الفتوى بتغير الزمان، ولا الفتوى الأولى كانت غلط بس صاحبها معذور لأنه اجتهد بناءً على معطياته والآن عرفنا الفتوى الصحيحة فيها وهي أنها حرام لأنها سامة؟ ففي اعتقادي هذا مغاير لقضية المرض المخوف.
تنبيه نختم به مجلس اليوم إن شاء الله، قال الإمام القرافي رحمه الله في كتابه الفروق في تمييز الفتاوى عن الأحكام: ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفتٍ لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضع الفتيا، هذا الكلام اللي قلته قبل قليل لكم، ألا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده وهل حدث لهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا، وإن كان اللفظ عرفياً فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا؟ يعني أنا بيجي واحد من أهل المغرب بيستفتيني بيقول لي: يا شيخ أنا قلت جملة كذا وكذا، هل مرتي طالق ولا لا؟ هنا أنا بستنى، بقول له هي الكلمة أنا عارف دلالتها اللغوية لكن هل عندكم عرف فيها أنتم في المغرب؟ طيب إذا كان لها عرف في الأردن ما بعتمدها برضه على عرفي في الأردن، ممكن يكون عرف المغرب مختلف عن عرف الأردن، بقول له والله أنا عرفنا في الأردن أن هذه الكلمة إذا أطلقت مش معناها طلاق معناها تهديد، أنتم عندكم معناها طلاق؟ قال: آه والله العرف عندنا كذا. فبدك تستفصل استفصالاً كاملاً حتى تتأكد أنك عرفت دلالتها، قال: ثم بعد ذلك تفتي، قال: وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواء، فإن حكمهما في الأردن يعني أن حكمهما ليس سواء، فحكم هذه اللفظة في الأردن قد يختلف عن حكمها في المغرب لاختلاف العادة والعرف الجاري فيها.
ولذلك حتى القرافي حقيقة من الناس الذين ينبغي أن تقرأ لهم كثيراً كثيراً، أنه مدرسة مثله الصديق وابن دقيق العيد، هؤلاء مدارس يقول لك: لا يجوز الإفتاء بما في بطون كتب المتون حتى تتأكد من أنها متطابقة للعرف. بيجي واحد بيفتح لك كتاب بيع الأصول والثمار عند الحنابلة، وبيجي بيطبق: من باع قفلاً، القفل يدخل في الدار، أو باع مفتاحاً، المفتاح داخل في بيع الدار. يا أخي أنت عارف أن المفتاح اللي بيحكي عنه ابن بلبان في زمنه يختلف عن المفتاح اللي بنحكي عنه نحن اليوم؟ اختلفت دلالة العرف في كلمة مفتاح، في كلمة مطبخ، في كلمة غاز، يعني أشياء كثيرة اختلفت. فالقرافي منتبه لهذا الخطأ منذ زمنه، يرى أن كثيراً من الناس تفتي بما في كتب المتون ويرى أن هذا غير ناضج؛ الفتوى هي لأنه هذا يعطيك أمثلة صح، الماتن يعطيك أمثلة، هذه الأمثلة تتغير بتغير الأعراف والعادات، فهذا ينتبه له.
وقال في الفروق: وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام على هذه القاعدة، فما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تتجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، التي هي قضية المتون، لا تظلك تقول أنا حافظ هيك في المتن، ما بينفع. هذه المتون إخواني هي فترة تعليمية أولى، بعدين بدك تترقى في فهمك للواقع، لا تتجمد على المسطور طول عمرك، والجمود على المنقولات أبداً اختلاف في الدين يؤدي إلى تنازع وإشكالات وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل