دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، ونصلي ونسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلاة تتراوح على آله وصحبه ومن به نهج واقتفى.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية لشيخنا وأستاذنا ومعلمنا الأستاذ ابن الحبشي، أطال الله بالصحة والعافية. وصلنا في قاعدة «العادة محكمة» للجهة التاسعة في بحث موضوعها، وإلى مسألة تعارض العرف مع الشرع واللغة.

هذه المسألة كما تلاحظون في أثناء شرحنا لابن دقيق العيد والإحكام، نتطرق إليها في مسألة تعارض الحقيقة الشرعية مع الحقيقة العرفية مع الحقيقة اللغوية في نصوص الكتاب والسنة. أما هنا فالبحث عن تعارض الحقائق هذه في أعمال المكلفين، أي في أقوالهم التي تصدر منهم. وبشكل عام هي كثير من القواعد الأصولية التي تطبق في أصول الفقه، هي نفسها تطبق على أقوال المكلفين باعتبارها ألفاظاً.

والمراد في الجهة التاسعة، مستعينين بالله، تعارض العرف مع الشرع واللغة. والمراد من ذلك هنا أن اللفظ الواحد قد يكون له معنى لغوي، وثانٍ شرعي، وثالث عرفي؛ فعلى أيهما يحمل؟ كلام أهل العلم يختلف باختلاف مذاهبهم عندما تتعارض الحقائق الشرعية مع اللغوية مع العرفية.

طبعاً كما قلت، أنا لست هنا في صدد إعادة تعريف كل شيء؛ فإذا قلت لي: قل لي معي الحقيقة الشرعية، اللغوية، العرفية، أقول لك: ارجع ادرس في لغة الأصول أو ادرس المتون الأخرى التي شرحناها سابقاً، فهذه قضايا الأصل منتهى من تعريفها.

فأما عند الحنفية، فعند تعارض المدلول العرفي للكلمة مع المدلول الشرعي، المدلول العرفي مقدم، خصوصاً في باب الأيمان، يعني في باب الحلف في تفسير ألفاظ المكلفين في أيمانهم كما نص على ذلك ابن نجيم. ولذا قال: «إذا حلف لا يجلس على الفراش أو على البساط أو لا يستضيء بالسراج لم يحنث بجلوسه على الأرض ولا بالاستضاءة بالشمس، وإن كان الله سمى الشمس سراجاً وسمى الأرض فراشاً وبساطاً».

لكن أنا هنا عندي نظر، هل تسمية الله عز وجل الأرض بساطاً وفراشاً هي حقيقة شرعية؟ أم هو من أنواع المجازات التي أتى بها القرآن على طريقة العرب في التخاطب؟ نوع من أنواع الاستعارات التي جرى فيها القرآن على طريقة العرب وليس المقصد تأسيس حقيقة شرعية. حتى نأخذ من هذا أنه هناك حقائق شرعية؛ يعني أنا في اعتقادي ربما هذا أقرب لتعارض الدلالة العرفية مع المجاز اللغوي الذي لم يصل بعد إلى أن يصبح عرفاً.

ولو حلف «لا يأكل لحماً» لم يحنث بأكل السمك، وإن كان الله سبحانه وتعالى سماه لحماً في القرآن. نقول هنا أيضاً، هل تسمية السمك لحماً -وتستخرجون منه لحماً طرياً كما قال الله عن المخلوقات البحرية- هل هذه تسمية شرعية، هل هي حقيقة شرعية أم على مقتضى اللغة؟

فنقول: كون السمك لحماً، هذه دلالة لغوية تعارضت مع دلالة عرفية، وليست دلالة شرعية تعارضت مع دلالة عرفية. وهذا قد يكون في اعتقادي من أحد الأمور التي ينبغي أن تناقش مع بعض الفقهاء. وقد يكون فيه تصور في الجانب الخطأ من جهة اعتقاد لكون اللفظة وردت في القرآن هكذا، إذاً هي حقيقة شرعية. لا، كون الله سمى السمك لحماً ليس تأسيس لحقيقة شرعية، بل هو مشي على مقتضى اللغة، هنا وافقت اللغة والشرع، أو الشرع وافق اللغة في الدلالة ولم يأتِ بدلالة جديدة.

فهنا إذا قلت «أكلت لحماً» أو «والله لا آكل لحماً»، وأنت لا تقصد، ولو أخرجنا من ذلك السمك بالعرف أن يسمى السمك لحماً، هذه ليست حقيقة شرعية ولو وردت في القرآن؛ هذه حقائق لغوية جرى فيها الشرع على مقتضى اللغة. كذلك في قضية تسمية الشمس سراجاً، هذا نوع من أنواع المجازات، اسمه استعارة، علاقة التشبيه، وهذه الاستعارة وهي مجاز لغوي هي التي تعارضت ربما مع الدلالات العرفية التي يمكن أن تكون لكلمة الأرض والشمس وما شابه ذلك.

هنا ماذا قال؟ «فإذا حلف لا يجلس على الفراش أو على البساط أو لا يستضيء بالسراج، لم يحنث بجلوسه على الأرض». لماذا؟ نعود لنقول: كلمة الفراش في اللغة هي حقيقة في ماذا؟ الفراش في اللغة حقيقة في السرير، وإطلاق الفراش على الأرض مجاز. فهنا ما الذي تعارض؟ هل هنا أصلاً في حقيقة عرفية تعارضت؟ أو مثلاً البساط، البساط في الأرض هو مثل هذه السجادات الرقيقة التي تطلقونها بساط، فإطلاق لفظ البساط على الأرض هذا مجاز لغوي. فالذي تعارض في قضية الفراش والبساط هنا هي الحقيقة اللغوية مع المجاز اللغوي، وهو أن يطلق البساط على الأرض.

فأنت هنا ماذا قدمت؟ لذلك لا أعرف هل هذا المثال الذي أتى به الشيخ في هذا السياق هو مناسب لقضية تعارض العرف مع المدلول الشرعي؟ المفهوم عند الحنفية أن العرف يقدم على المدلول الشرعي عند التعارض، لكن هل هذه الأمثلة التي أتى بها الشيخ هي مثال صحيح على هذه الأحوال؟ لأنني أرى في مسألة الفراش أن الذي تعارض هو الحقيقة اللغوية مع المجاز اللغوي، ولا أدري إذا أحد يخالفني في هذه القضية. الحقيقة اللغوية للفراش تعارضت مع المجاز اللغوي للفراش، فنحملها على الحقيقة اللغوية.

كذلك في مثال اللحم، أصلاً ما في حقيقة شرعية هنا؛ اللحم نعم فيه حقيقة عرفية تعارضت ليس مع حقيقة شرعية، بل تعارضت مع الحقيقة اللغوية، فقدمت الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، لكن الحقيقة الشرعية كلها ليست موجودة معنا في هذه الأمثلة حتى يعتبر مثالاً على تعارض المدلول العرفي مع المدلول الشرعي.

قال: «ثم ذكر ألفاظاً قدم فيها المدلول الشرعي كالصلاة والصوم». وهنا يقول الشيخ في الحاشية: «ويظهر في هذا الموضع استفادة ابن نجيم في كتابه من الأشباه والنظائر». الآن أين قدم المدلول الشرعي؟ هذا إذا تعارض المفهوم والمدلول اللغوي مع المدلول الشرعي يقدم المدلول الشرعي. يعني إذا قال شخص: «والله لا أصلي»، هنا الحقيقة اللغوية للصلاة هي الدعاء مثلاً أو العطف، والحقيقة الشرعية لها الصلاة المختتمة، هنا يقدم المدلول الشرعي على المدلول اللغوي.

وأما إذا تعارض المدلول العرفي مع اللغة، فقد نقل ابن نجيم عن الزيلعي وغيره أن الأيمان مبنية على العرف لا على الحقائق اللغوية، وسبق بيان ذلك والتفصيل فيه عند شرح قاعدة «العبرة في الأيمان بالألفاظ لا بالأغراض». لذلك حقيقة خلاصة مذهب الحنفية هو أنهم في...

الأيمان يقدمون الحقيقة العرفية ثم الحقيقة الشرعية ثم الحقيقة اللغوية. هذه هي الفكرة، وإن كان الكلام يحتاج إلى إعادة الترتيب حتى يفهم مذهبهم؛ لأنه إذا تشعر الكلام متداخل، وغير واضحة ما هي المعالم النهائية. خلاصة ما يريد أن يقوله أنهم يقدمون الحقيقة العرفية ثم الشرعية ثم اللغوية عند التعارض.

ومن ذلك فروع، منها لو حلف أن لا يأكل خبزاً، حلف بما يعتاده أهل بلده. ففي القاهرة لا يحنث إلا بخبز البر، وفي طبرستان ينصرف إلى خبز الأرز، وفي زبيد في اليمن ينصرف إلى خبز الذرة والدخن. ولو أكل الحالف خلاف ما عندهم من الخبز لم يحنث. هذا تعارض بين الحقيقة العرفية مع الحقيقة اللغوية؛ فالخبز في الحقيقة اللغوية يحمل على كل أنواع الخبز، لكن أنت لن تحنث إلا بالخبز في مفهومك العرفي. إذاً هنا قدمت الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية. ومنها الشواء، فإنه يحمل على اللحم، فلا يحنث لو أكل شواء الباذنجان، وهنا نفس الشيء قدمت الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية.

فإذاً كما قلنا، تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة الشرعية وعلى الحقيقة اللغوية، ثم تقدم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية، فالحقيقة اللغوية آخر ما ينظر إليه. وأما عند المالكية قال: فالتقرير في باب الأيمان يدل على تقديم العرف على الاستعمال اللغوي والشرعي عند التعارض. وهم في ذلك من حيث تقديم العرف موافقون للسادة الحنفية. وهنا أنبه على أن المراد في تقديم العرف على الدلالة اللغوية والشرعية هو في كلام المكلفين. هنا النقاش عند التعارض في كلام المكلفين وليس في كلام الشارع سبحانه وتعالى؛ وإلا في كلام الشارع عز وجل الذي يقدم هو الدلالة الشرعية والحقيقة الشرعية. أما في أقوال المكلفين، فهنا يأتي تقديم ما يسمى الحقيقة العرفية عند الحنفية وعند المالكية.

يقول الشيخ خليل وهو صاحب المختصر المشهور عند المالكية: مرد الأيمان أولاً إلى النية. فإذا عدمت النية ننظر إلى البساط، والمراد بالبساط سياق الكلام، وهو السبب الذي هيج اليمين. إنك تشوف إنسان حلف، قوله: إيش قصدك بهذه اليمين؟ شو نيتك؟ قال: والله ما كنت ناوي من شدة الغضب، والله ما أنا عارف يا شيخ شو اللي نويته. قوله: ما فيش نية، شو السياق؟ شو كانت المشكلة؟ والله عصبتني المرة وكذا وكذا وقلت لها أنت كذا. آه، يعني السبب أنك استفزتك، فلما قلت لها أنت تحرمي علي، بصير أنا أحاول أحدد ما المقصود من خلال السياق والسبب الذي هيج. فإن عدم البساط والسياق فنذهب إلى العرف القولي. ما العرف القولي لهذه الكلمة؟ فإن عدم العرف القولي فالمدلول اللغوي، فإن عدم المدلول اللغوي عندئذٍ ذهب خليل إلى اعتبار المدلول الشرعي. على كلام خليل، المدلول الشرعي هو آخر المدار، حتى بعد المدلول اللغوي وهذا خالف الحنفية فيه. لكن ماذا قال الدردير في شرحه؟ قال: ما مشى عليه من تأخير الشرعي عن اللغوي ضعيف، والراجح تقديمه عليه. وهكذا يكون في نوع من التوافق إذاً بين الحنفية والمالكية في أن العرفي ثم الشرعي ثم اللغوي عند التعارض.

وعلى كلا القولين في مذهبهم، فالمدلول العرفي هو المقدم في تفسير ألفاظ المكلفين. فمن حلف أن لا يشتري دابة وكان العرف على تخصيص الدابة بالحمار، فاشترى فرساً لم يحنث. طبعاً هذا بعد أنه ما يكون في نية ولا في بساط نذهب إلى مباشر العرف القولي.

أما عند الشافعية، قال فإذا تعارض المدلول العرفي مع المدلول الشرعي فلا يخلو اللفظ من حالتين. الأول أن لا يتعلق بالعرف الشرعي حكم، فالمقدم هو العرف الاستعمالي، أي العرف. فلو حلف أن لا يأكل لحماً لم يحنث بالسمك، وإن سماه الله لحماً طرياً؛ وليه؟ لأنه إحنا قلنا تسمية الله له لحماً طرياً ليس لأن هناك حقيقة شرعية جديدة، وإنما القرآن مشى مع مدلول اللغة. فهنا الذي تعارض هو العرف مع اللغة في الحقيقة. ولو حلف لا يجلس على بساط أو تحت السقف أو في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطاً، ولا تحت السماء وإن سماها الله سقفاً، ولا في الشمس وإن سماها الله سراجاً. فقدم العرف في جميع ذلك لأن هذه الألفاظ استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم وتكليف. وكما قلت لكم الأصل أن يعلل ذلك بأن الشرع بقي على المدلول اللغوي واستعملها بنوع من التجاوز، أي إطلاق الشرع البساط على الأرض نوع من المجاز اللغوي المعروف عند العرب.

الثاني أن يتعلق بالعرف الشرعي حكم، فيقدم حينئذٍ على عرف الاستعمال. فلو حلف لا يصلي لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك، أو لا ينكح حنث بالعقد لا بالوطء، باعتبار أن النكاح في الشرع هو العقد، ويطلق على الوطء مجازاً على هذا الكلام. وأما إذا تعارض المدلول العرفي مع اللغة ففيه قولان عندهم، أحدهما تقديم المدلول اللغوي وهو قول القاضي حسين، والثاني تقديم المدلول العرفي وهو قول الإمام البغوي عليه رحمة الله. قال الرافعي: الشافعي يتبع مقتضى اللغة تارة وذلك عند ظهورها وشمولها وهو الأصل، وتارة يتبع العرف إذا استمر واطرد. وقال ابن عبد السلام: قاعدة الأيمان البناء على العرف إذا لم يضطرد فإن اضطرب فالرجوع إلى اللغة. يعني إذا العرف لم يضطرد أو يغلب؛ فالعرف يحكم إذا اضطرد وغلب، فإذا لم يضطرد ولم يغلب، وهذا معنى قوله مضطرب، فعندئذ لا يصح تحكيم العرف وإنما يجب الرجوع إلى اللغة.

خلاصة ذلك إذاً، إنه أنت تقدم الحقيقة الشرعية فيما له حقيقة شرعية يبنى عليه أحكام، فإن لم يكن فأنت ستقدم العرف ثم بعد ذلك تذهب إلى اللغة في آخر المطاف إذا كان العرف لا يصلح. فمن فروع ذلك من حلف لا يشرب ماء، بماذا سيحنث؟ حنث بالمالح وإن لم يعتد شربه، يعني لو راح شرب كأس من ماء البحر، يعتبر حنث وإن لم يعتد شربه؛ ليه؟ اعتباراً بالإطلاق والاستعمال اللغوي. الآن كلمة ماء من حيث اللغة تشمل الماء المالح والماء الحلو، لكن من حيث العرف أنت إذا قلت لا أشرب ماء في العادة تقصد الماء العذب، صح؟ فلو قال شخص لا أشرب ماء قال يحنث بالمالح، وإن كان ليس العرف عليه، فهذا من تقديم اللغة على العرف. والظاهر أن هذا ناشئ لأن كأن العرف لم يطرد ولم يغلب في قضية أن الماء هنا خاص بالماء العذب؛ فكلمة ماء في كثير من الأعراف قد تطلق حتى على الماء المالح والسياقات. فإذا كان العرف لم يطرد ولم يغلب الأصل أن نبقى على الدلالة اللغوية.

ومنها لو حلف لا يأكل الخبز حنث بخبز الأرز وإن كان من قوم لا يتعارفون عليه، وذلك لإطلاق الاسم عليه لغة؛ كأنه رأى أن قضية الخبز ما فيها عرف مطرد أو غالب، يختلف اسم الخبز من مكان إلى مكان، فلما رأى أن الدلالة اللغوية تبقى أوسع وأشمل جعل كل من أكل خبزاً حتى ولو كان هذا الخبز ليس هو المتعرف في بلده يحنث. إذاً في اختلاف في النتائج بين الشافعية وبين المالكية والأحناف بناءً على أنه متى نقدم العرف ومتى نقدم اللغة، ومتى يعتبر هنا اللغة أوسع وأشمل والعرف مطرد ومتى لا يعتبر. فقد يكون جزء من الخلاف هو خلاف في تحقيق المناط، أي هل العرف هنا مطرد أم غير مطرد، وهنا قد يكون الشافعي له رأي يختلف عن رأي مالك وهكذا.

ومنها لو حلف لا يأكل البيض أو الرؤوس، قال لم يحنث بأكل بيض السمك ولا الجراد ولا بأكل رؤوس العصافير؛ ليه؟ لعدم إطلاقها عليها عرفاً، فالعرف لا يقتضي أن يأكل الواحد رأس عصفور، وإن كان هو رأس. فهنا في العكس، قدمت الدلالة العرفية على الدلالة اللغوية عكس الأمثلة السابقة، وهذا كأنه يشير إلى أن الدلالة العرفية كلما كانت مشتهرة جداً بحيث تصبح الدلالة اللغوية شبه مهجورة، هنا يقدم العرف عندهم على اللغة. لكن إذا بقيت الدلالة اللغوية حاضرة ومستعملة مع وجود شيء من الأعراف العملية، كأنه رأى أن المحافظة على المدلول اللغوي مقدمة وأن العرف لم يغلب غلبة كثيرة.

عند السادة الحنابلة قال: إذا تعارض المدلول العرفي مع المدلول الشرعي، فالمقدم الشرعي، نصوا على ذلك في مسائل الأيمان. ابن النجار الفتوحي ماذا يقول؟ ويقدم شرعي فعرفي فلغوي. وإذا قدم الشرعي فلا ينصرف إلا إلى الصحيح منه؛ فمن حلف لا ينكح فنكح نكاحاً فاسداً أو باطلاً لم يحنث، لأنه هذا لا يسمى نكاحاً على وجه الشرع، أي الحقيقة الشرعية التي استكملت شروطها وأركانها. ومن حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً كبيع محرم كخمر وآلات لهو محرمة لم يحنث، لأنه هذا البيع لا ينعقد. ويستثنى من ذلك من حلف أن لا يحج ولا يعتمر فإنه يحنث بالحج والعمرة وإن فسد. ليه؟ لأن الحج الفاسد يجب المضي فيه إلى آخره، فلو حلف أن لا يحج فحج حجا فاسداً حنث في يمينه، بخلاف باقي الأمور كالصلوات الفاسدة والصيام الفاسد، فكما قلنا لا يعتبر حانثاً في يمينه بها.

وأما إذا تعارض المدلول العرفي مع اللغوي، فكلامهم في باب الأيمان يدل على تقديم المدلول العرفي على اللغوي. حقيقة لا يوجد خلاف بين الحنابلة والشافعية، لأنه هو ما جعله قسمين الشيخ أيمن الحبشي في كلام الشافعية؛ الحقيقة الشرعية التي لم يترتب عليها حكم هذه أصلاً ليست حقيقة شرعية، هي مسألة اللحم، فتشعر من الكلام كأنه في فرق بين الحنابلة والشافعية وفي الواقع ما في فرق، هي نفس الفكرة إنه تقدم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية. وأما ما ذكره من تفصيل فعند الشافعية فالحنابلة يقولون به، إنه الأمثلة التي ذكرها وأن تسمية السمك لحماً هي ليست حقيقة شرعية يا رعاكم الله، وإنما جرى فيها القرآن على مقتضى الاستعمالات اللغوية.

فباختصار حتى ألملم لك الأمور: الحنفية والمالكية في أقوال المكلفين يقدمون الحقيقة العرفية على الحقيقة الشرعية، ثم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية. والشافعية والحنابلة يقدمون الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية. فالنقاش إذاً الخلاف في لفظة لها حقيقة شرعية ولها حقيقة عرفية؛ فعند المالكية والحنفية الأصل أن يقدم في كلام المكلفين الحقيقة العرفية على الشرعية، وعند الشافعية والحنابلة الأصل أن تقدم الحقيقة الشرعية على العرفية، حتى أنت تحصر نفسك وتخرج من كل هذا الشتات. قال: فمن حلف لا يطأ دار فلان، حلف بدخولها ماشياً أو راكباً أو حافياً أو متنعلاً؛ لأن هذا هو الدلالة العرفية، كأن يقول والله ما أحط رجلي في دار فلان، تشمل كل أشكال الدخول بأي صورة كانت.

محل هذه المسألة وهو تعارض العرف مع الشرع أو اللغة عند الحنابلة، إنما هو عند فقد النية والسبب المهيج، مثلنا مثل الشافعية. فالحنابلة والمالكية هذان المذهبان كثيراً ما يقدمون النيات على ظواهر الألفاظ بخلاف الشافعية والحنفية. مشان هيك قال الحنابلة: إن الحنابلة نعم يبدأون تفسير الأيمان بالنيات ثم السبب. بس طبعاً احنا عندنا نقطة ثالثة ما ذكرها المالكية، التعيين؛ احنا عندنا أول شيء ينظر إلى نيته، فإن لم توجد فالسبب، فإن لم يوجد سبب واضح هيج ننظر إلى هل.

إذا عينا شيئًا وأشار إليه معينًا له انتهى. فإن لم يكن نذهب إلى تقديم الدلالة التي ذكرناها: الدلالة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية.

إذاً الإيمان في مذهب الحنابلة يبنى أولاً على النية كما قال؛ فإذا عدمت النية يرجع إلى السبب، فإن عدم السبب يرجع إلى التعيين، فإن عدمت الثلاث يرجع إلى مدلول اللفظ وهي محل المسألة التي معنا. فيقدم الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي كما سبق بيانه. إذا عرفتم خلاصة الأقوال في هذه المسألة والخلاف، إذاً سيكون بين الحنفية والمالكية من جهة، وبين الشافعية والحنابلة من جهة أخرى.

الجهة العاشرة فيما تثبت به العادة. لما نقول إخواني إن هناك عادة في شيء معين، متى يتحول الأمر إلى عادة؟ إذا تذكروا قلت لكم إن كثيرًا مثلاً من المجازات هي مجاز لغوي لم تصل بعد إلى أن تصبح عرفًا قوليًا، وهذا معنى أن العرف لم يضطرد ولم يغلب؛ وهو أن الكلمة استعملت في المجاز اللغوي، لكن متى يصل هذا المجاز ويتحول إلى أن يصبح عرفًا مستقرًا؟ هذه مسألة مهمة حقيقة تحديدها.

قال وكلام أهل العلم في هذا الموضع مختلف؛ ففي بعض المسائل يضبطون العرف بعدد معين، وفي بعض يطلقون التكرار دون التقييد بعدد. ومن أهم المسائل التي ذكروها مسألة ثبوت العادة في قدر الحيض. مثلاً، إنا قلنا المرأة في باب الحيض، المرأة المبتدئة كيف نثبت لها عادة في الحيض؟ نقول لها: يا أختي عادتك أربعة أيام، أو سبعة، أو ثمانية؟ بماذا ثبتت العادة؟

فالأصح عند الشافعية والمالكية أنها تثبت بمرة، وبه قال القاضي أبو يوسف من الحنفية وعليه الفتوى عند الحنفية. وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن العادة تثبت بمرتين. أما الحنابلة فرأوا أن العادة هي عبارة عن شيء بدته يكون فيه معنى الجمعية، وأقل الجمع ثلاثة؛ فقالوا أقل ما تثبت به العادة ثلاثة.

ومن المسائل التي ذكرها الشافعية مسألة اختبار الجارحة في الصيد. مثلاً متى نعتبر هذا الكلب أو السبع أصبح معلمًا؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4]. متى نعتبر أن هذه الجارحة، هذه الآلة من الكلب أو الصقر، أصبحت جاهزة ويدخل في قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؟

قال الزركشي: لا بد من تكرار يغلب على الظن حصول التعلم به. إذاً القول الأول هو التكرار الذي يغلب على الظن أن هذا الجارح أصبح متعلمًا، أي غلبة الظن. وقيل يشترط ثلاث؛ أن ترسله ثلاث مرات وتعطيه ثلاث أوامر وينفذها بالشكل الصحيح، بعدين نعتبره معلمًا. وقيل يكتفى بمرتين. إذاً لاحظ كيف تثبت العادة؟ ما هو أقل شيء حتى تثبت به العادة؟ هي مسألة غير متفق عليها، وفيها تتفاوت الأنظار.

والاعتماد على غلبة الظن قد يكون أحد الوسائل؛ أن يعتمد على غلبة الظن، أو أن تعتبر أقل الجمع كما اعتبره الحنابلة، وقد يكون لها منطقية. ومن الأمور أيضًا: متى نحكم على الصبي أنه مميز؟ الذي يحدد سنًا معينًا يبني على ماذا؟ يبني على أن هذا السن في العادة يصبح الصبي قادرًا على التعلم والاستجابة للتعليمات والأوامر والفهم والأخذ.

والبعض يقول لا، التمييز لا ينبغي أن يضبط بسن سبع سنوات، بل ينبغي أن يغلب على الظن من خلال العادة والتجربة المتكررة أن هذا الصبي أصبح يفهم الكلام والتعليمات والأخذ والرد والنقاش، فعندئذٍ يصبح مميزًا. فإذًا حتى التمييز هو في الحقيقة شيء نحتاج له؛ ما هي العادة؟ متى يميز الإنسان؟ هل العادة أن يميز الإنسان عند الرقم سبعة، سبع سنوات؟ وهذا اعتمد فيه الحنابلة وغيرهم على حديث «علموهم لسبع»، اعتبروا أن هذا الحديث كأنه يعطيك إشارة إلى سن التمييز. أم نعتمد على ما يقرره من الفهم والتصرفات السديدة، بالتالي نقول هذا وصل إلى التمييز؟ هذا قد ينظر فيه أيضًا في تثبيت هذه القضايا.

ننتقل الآن إلى الجهة الحادية عشرة وهي قضية القواعد المندرجة تحت قاعدة «العادة محكمة». عندنا القاعدة الأولى: الحقيقة تترك بدلالة العادة. القاعدة الثانية: استعمال الناس حجة يجب العمل بها. القاعدة الثالثة: إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت. القاعدة الرابعة: العبرة للغالب الشائع لا للنادر. القاعدة الخامسة: لا عبرة بالعرف الطارئ. القاعدة السادسة: الكتابة كالخطاب. القاعدة السابعة: الإشارات المعهودة من الأخرس كالبيان باللسان. القاعدة الثامنة: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. القاعدة التاسعة: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. القاعدة العاشرة: المعروف بين التجار كالمشروط بينهم. القاعدة الحادية عشرة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان أو الأزمان.

وقلت لكم هذه قاعدة خطيرة، ويمكن كثيرون سيتلاعبون بها اليوم ويغيرون كثيرًا من الأحكام الشرعية بحجة أنها أحكام عرفية، مثل ما أصبح في الحجاب والسفور. كثير من الناس اليوم لما يتكلمون عن الحجاب، مثل قاسم أمين ومن جاء بعده ممن ألف في مصر، جعلوا الحجاب موضوع عادة؛ قالوا: هذه عادات الأمم القديمة أن يلبسوا الحجاب أو النقاب أو الجلباب، هذه عادات وليست شرائع، والأحكام تتغير بتغير العادات والأزمان. مشكلة.

المهم، نبدأ بهذه القواعد الفرعية، قاعدة قاعدة، نعرف ما الذي يعتبر ضابطًا للقاعدة الأم وما الذي يعتبر فيه فوائد جديدة يضيفها. القاعدة الأولى: الحقيقة تترك بدلالة العادة. هذه أول قاعدة فرعية مندرجة، ذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ عند بعض الحنفية، وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، والكلام عليها من جهتين.

أولًا: من جهة معناها. سبق ذكر أنواع الحقيقة أنها حقيقة لغوية وشرعية وعرفية، ولكن ما المراد في هذه القاعدة؟ المراد بالحقيقة في هذه القاعدة الحقيقة اللغوية بالتحديد؛ فكأن القاعدة تقول: الحقيقة اللغوية تترك بدلالة ماذا؟ العادة. وهذا كما لاحظناه قبل قليل هو اتفاق المذاهب الأربعة، فعند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة العادة والعرف مقدم على الحقائق اللغوية، إذ هي المقصودة عند إطلاق حقيقة اللفظ.

والعادة هنا إما أن يقصد بها العرف العملي خاصة، وقد سبق أن أحد استعمالات الفقهاء أن العادة غير العرف؛ سبق معنا في أول القاعدة أن العادة تطلق على الممارسات العملية والعرف يطلق على الأقوال، بل قال الإمام ابن الهمام: «وليست العادة إلا عرفًا عمليًا». وإما أن يقصد بالعادة هنا العرف القولي، فقد قال بعضهم في هذه القاعدة: العادة نقل اللفظ عن موضوعه الأصلي إلى المعنى المجازي عرفًا، بحيث يصبح المعنى المجازي مشهورًا مضطردًا غالبًا، وتصبح الحقيقة قليلة الورود على الذهن. وأنا أخشى أن تظن أنه كل مجاز هو عرف، ليس كل مجاز عرفًا، بل ينبغي أن يصبح مجازًا مضطردًا بحيث يتبادر إلى الذهن أكثر من تبادر الحقيقة، هنا يسمى عرفًا المجاز.

قال: وبهذا المعنى تظهر صلة هذه القاعدة بمسألة تعارض العرف واللغة، وسبق ذكر خلاف الفقهاء ومذاهبهم. وتعلق هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى: «العادة محكمة». فإنها تبحث في العرف إذا عارض اللغة، هل يكون العرف محكمًا أم لا؟

وهنا سنأتي لقضية: متى يكون العرف العملي أيضًا محكمًا كالعرف القولي؟ هذه أيضًا كلها مسائل تم دراستها سابقًا في قضية مثلًا تخصيص العموم بالعرف العملي؛ لأنه قلنا العرف القولي الكل يخصص به، لكن العرف العملي تذكروا قلنا إن الحنفية وبعض المالكية خصصوا به، بينما الشافعية والحنابلة رفضوا التخصيص بالعرف العملي.

بسم الله. قال: وها هنا فائدة مهمة وهي حالات تعارض الحقيقة والمجاز، وأيهما يقدم؟ والجواب هنا تفصيل جيد، هنا سيتكلم لكم عن المجاز متى يصبح عرفًا. يقول: الجواب لا يخلو اللفظ من حالتين؛ أن يكون للفظ استعمال حقيقي وليس له استعمال مجازي، فالعبارة بالحقيقة بالاتفاق.

لأنه هنا مسألة أصولية بحثناها أظن في «بلغة الوصول»، إذا تذكروا هل كل حقيقة لغوية لها مجاز؟ وتبحث بالعكس هل كل مجاز لغوي له حقيقة لغوية؟ قلنا نعم، كل مجاز لغوي له حقيقة لغوية، لكن ليس كل حقيقة لغوية شرط أن يكون لها مجاز. فنقول رعاكم الله: أن يكون للفظ استعمال حقيقي بس ما له مجاز، خلص إذاً ساعتها وكفينا النقاش في هذه المسألة أصلاً.

الحالة الثانية: أن يكون للفظ استعمال حقيقي وآخر مجازي. فذكر الحنفية له أربع حالات، وعنهم نقل جمع من الأصوليين. الحالة الأولى: إما أن يكونا مستعملين والحقيقة ما زالت أغلب في الاستعمال من المجاز، فالعبرة إذاً بماذا؟ بالحقيقة بالاتفاق.

زي كلمة الأسد؛ خلينا نقول استعمالها في الأسد موجود وفي الرجل الشجاع موجود، والأصل والأكثر ما زال استعمالها في الحقيقة وإن كانت تستعمل في المجازات في سياق. نفس الشيء مثلاً كلمة البساط؛ إطلاق البساط على السجاد هذا هو الحقيقة وهي الأكثر استعمالاً، وإطلاق البساط على الأرض النقية بدون ما يكون عليها شيء هذا استعمال مجازي بس مش مشتهر ولا غالب، فهنا الحقيقة ما زالت أغلب من المجاز في الاستعمال، فالعبرة بالحقيقة بالاتفاق.

قال: الحالة الثانية، وإما أن يكونا في الاستعمال سواء، يعني الحقيقة مستعملة والمجاز مستعمل 50% 50%، يعني ما نقول أحدهم أشرف من الآخر، فالعبرة بالحقيقة أيضًا، وحُكي فيها الاتفاق وانتقد بأن فيه خلافًا، وأنه حكاية الاتفاق ليست سديدة.

قال: الحالة الثالثة، أن تهجر الحقيقة بالكلية بحيث لا تراد في العرف، فالعبرة إذاً بالمجاز بالاتفاق. كمن حلف مثلاً ألا يأكل من هذه النخلة، فيحنث بأي شيء؟ بأكل ثمرتها لا، إذا راح خمش جذعها. ليه؟ لأنه لما تقول والله لا آكل من هذه النخلة، هسا كلمة النخلة تطلق بالكلية على جذورها وجذعها وثمارها، بس في العرف ما حدا أبداً بيقصد «لا آكل من النخلة» يقصد جذعها. فإذا أكل من جذعها لا نقول إنه أخل، باعتبار أن الحقيقة هنا أصبحت هجرت بالكلية، فأصبح المجاز تطور حتى أصبح عرفًا.

الحالة الرابعة والأخيرة: أن يغلب المجاز لكن الحقيقة لم تهجر بعد هجرًا كليًا، زي لفظة الغائط؛ أن الغائط يطلق على ماذا؟ مثلاً على الخارج من الإنسان، وإطلاقه على المكان المطمئن المنخفض من الأرض مش مهجور تمامًا لكنه قليل جداً. فهنا في خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ فأبو حنيفة قال: أقدم الحقيقة وإن كانت قليلة الاستعمال، والصاحبان قدما المجاز.

شوف أسباب الخلاف مثلاً بين أبي حنيفة وتلاميذه، كل شخص ما الذي يرى أنه هو أصوب في وجهة نظره، وإن كان تلاميذه يتبعونه في المذهب العام والقواعد العامة، لكن لا مانع أن يحصل اختلاف في بعض التفاصيل. ما هو المنطق في التفسير لأقوال المكلفين هنا؟ هل المنطق أن أفسر كلامه بالمجاز المشتهر ولا بالحقيقة اللغوية ضعيفة الاشتهار؟ خلص، كل واحد يغلب ما يراه، والله عز وجل يأجر من أصاب بثوابين ومن أخطأ بثواب إن شاء الله.

الجهة الثانية في ذكر بعض فروعها الفقهية لهذه القاعدة، وهي قاعدة: الحقيقة تترك بدلالة العادة. قال: لو حلف لا يضرب زوجته فعضها -مش حد فيكم يعملها، هذا بس مثال- لو حلف ألا يضرب زوجته فعضها، أو خنقها، أو جز شعرها جزًا يؤلمها قاصدًا للإضرار بها، انحلت في يمينه.

ليه؟ قال: مع أن ذلك لا يسمى ضربًا، الخنق وجز الشعر لا يسمى ضربًا من حيث اللغة، لكن من حيث العرف، أنت لما قلت لا أضربها، أنت تقصد كل أشكال الأذى، والعض يعتبر شكل من أشكال الضرب، أو الخنق يعتبر شكل من أشكال الضرب في دلالة الضرب العرفية، كما نص على ذلك الحنابلة، وقال ابن قدامة: وبه قال أبو حنيفة.

ثم علل هذا الحكم بأن لفظ «لا يضرب امرأته» في العرف يستعمل لكف الأذى المؤلم عن الجسم عمومًا، فيدخل فيه كل ما اختلفنا فيه. ولهذا يقال «تضارب» إذا فعل كل واحد منهما هذا بصاحبه وإن لم يكن معهما آلة. يعني نقول تضارب إذا فعل كل واحد منهما هذا بصاحبه وإن لم يكن معه آلة للضرب، بأي شكل من الأشكال حصل، حتى لو معكش آلة؛ هذا يسمى تضارب. ممكن أضربك بالعصاية، ممكن أضربك بالصوت، هذا يدل على أن مفهوم الضرب هو أي أذى تلحقه ببدن الآخر، سواء استعملت آلة، استعملت إيديك، استعملت بأي شكل من الأشكال، استعملت أسنانك، كلها نفس الفكرة.

مثال آخر على تقديم الدلالة العرفية على الحقيقة اللغوية في مسألة الضرب: لو قلنا لو وكلت إنسانًا بشراء طعام وليمة، فلا يعد ممتثلاً إلا بشراء طعام معتاد في مثلها، لا بشراء كل ما يؤكل. يعني أنا لو قلت لواحد: والله يا شيخ خذ هذه 50 دينار، جايين اليوم ضيوف، اعملهم وليمة، فراح أخونا الله يجزاه الخير جاب لي صحن زيت وصحن زعتر وعلبة زيتون، وداخل لي على الدار قال لي: تفضل شيخ. هنا لو كانت وكالة بأجرة، هل يستحق؟ هل فعل المطلوب؟ أو جعلت له جعالة، ما أنا بقول له: أنت ما فعلت المطلوب، يقول لي: مش أنت قلت وليمة؟ هذه وليمة، زيت وزعتر وصحن ومخلل. وبقول له: يا أخي كلمة وليمة لها عرف معتاد، أن الوليمة في بلادنا الشامية لابد أن يكون فيها في العادة إما شيء من الأرز أو الدجاج أو اللحم، طبق من الأطباق الرئيسية، فالزيت والزعتر نعمة الله عز وجل نحن نقر، لكن في العرف...

هنا لا تسمى وليمة، فبالتالي لا يكون ممتثلاً إذا اشترى وليمة ليست معتادة أن تكون وليمة. لو قال: اشتر لي، فلا يمتثل بشراء إزار ورداء في بلادنا اليوم. فإن الثوب وإن كان يطلق في اللغة على كل ما يلبس، إلا أن المجاز الغالب الذي أصبح في حكم العرف هو إطلاقه على القميص.

طبعًا حتى قضية إطلاقه على القميص يختلف بحسب البلدان. لو كان الآن قديمًا في زمن النبوة، الإزار إزار الإحرام، هذه القطعة تسمى ثوبًا، والرداء يسمى ثوبًا. فلو قال لك شخص اليوم في الأردن: خذ هذه 20 دينارًا، اذهب واشتر لي ثوبًا، في الحقيقة نحن عندنا الثوب في العرف الأردني إذا أطلق يكون "الدشداشة" للرجل؛ إذا قلت له اذهب واشتر لي ثوبًا، الكل يتبادر إلى ذهنه الدشداشة.

وهذا هو القميص، إذا كان يقصد الشيخ بالدشداشة القميص بالمعنى، فإنه في المعنى النبوي القميص هو الدشداشة. فلو ذهبت به إلى السوق وقلت له: اشتر لي ثوبًا، فجاء لك بإزار، أو جاب لك منشفة بيضاء وقال لك: اشتريت لك ثوبًا؛ والله يا أخي، أنت الله يرضى عليك تقول لي: الدلالة اللغوية للثوب تشمل الإزار والرداء، بقول لك تمام، بس هنا نحن عندنا عرفًا. العرف أنه إذا قلت لك اذهب واشتر ثوبًا يعني اذهب واشتر دشداشة، فلا تدخل لي الدلالة اللغوية، فالعرف والعادة مقدمة على الحقيقة اللغوية.

والله يا إخواني مهم جدًا فعلًا فهم فلسفة كيف نفسر ألفاظ المكلفين، وما هي فلسفة كل مذهب في هذا. حقيقة موضوع مهم جدًا، وكان موضوع رسالة الماجستير الخاصة بي هو: كيف أعرف ما هو منهج الحنابلة في تفسير أقوال المكلفين من خلال القواعد الأصولية التي يذكرونها؟ دلالة الاقتضاء، دلالة الإشارة، مفهوم الموافقة، مفهوم المخالفة، العام والخاص، المطلق والمقيد.

حاولت أن أسقط كل القواعد المتعلقة بدلالات الألفاظ التي عادة تسقط على الكتاب والسنة على أقوال المكلفين، من خلال أيضًا تتبع ما ورد في فروع الأصحاب في المنتهى والكشاف، فيما ورد عندهم من فروع؛ لأنظر هل هناك اضطراد في تطبيق هذه القواعد -قواعد دلالات الألفاظ- بين مصادر التشريع وبين أقوال المكلفين؟ تجد في مناطق توافق، وفي مناطق اختلاف.

ضرورة ماذا؟ أن كلام الله ورسوله معتمد على العصمة، وقصد أي شيء يمكن أن يقصد، إذ لا يمكن أن يسهو ربنا عز وجل. أما البشر، فالذي قد يختلف بين كلامه وبين كلام الله هو احتمالية وقوع السهو، ومعرفتنا بالنقص البشري وعدم العصمة. فهل كل المقاصد التي تكون محتملة لكلامهم ينبغي أن تكون مقصودة؟ لا، فما هو في العادة يمكن أن يقصد، وما كان احتمال قصده بعيدًا فإنني لا أفسر به.

احتمالية السهو والغلط وعدم القصد واردة في كلام البشر، لكن في كلام الله ورسوله -وأقصد بكلام الله ورسوله الكلام الذي خرج على وجه العصمة- هذا لا يمكن أن يقع فيه السهو والغلط والجهل، فهنا تكون في بعض الفوارق في قضية دلالات الألفاظ.

نذهب إلى القاعدة الثانية: «استعمال الناس حجة يجب العمل بها». لاحظ كلمة الاستعمال، «استعمال الناس حجة يجب العمل بها»، وهذه قاعدة في المحكم في مجلة الأحكام العدلية، والكلام فيها أولًا في معناها. تبين لك هذه القاعدة إنما يرجع إليه في الأحكام استعمال الناس، ولفظ الاستعمال ما المراد به هنا؟

يُفسر الاستعمال بتفسيرين: قد يفسر الاستعمال بأنه العادة، وبهذا تكون القاعدة مرادفة لقاعدة «العادة محكمة»، أي قريبة منها، وقد استظهر هذا الاحتمال الشيخ الزرقا. والثاني تفسيره بأنه نقل اللفظ عن موضوعه الأصلي إلى معناه المجازي عرفًا، ومنه نقل اللفظ عن موضوعه الأصلي إلى معناه المجازي أيضًا شرعًا وغلبت الاستعمال فيه.

باختصار، هل كلمة الاستعمال هنا أعم فتشمل العادة، العرف، العادة العملية والقولية؟ أم كلمة الاستعمال هنا خاصة بالعرف القولي فقط؟ إذا جعلناها تشمل الأمرين كأننا جعلناها هي نفس قاعدة «العادة محكمة»، أما إن جعلنا كلمة الاستعمال خاصة فقط في الأعراف القولية دون الأعراف العملية، فإنا هنا جعلناها أخص.

وعلى هذا الاحتمال الثاني تكون القاعدة متعلقة بالعرف القولي إذا فسرنا الاستعمال فقط بالأمور القولية، ويكون المراد أن الحقيقة إذا كانت مستعملة والمجاز أكثر استعمالًا منها، فيحمل اللفظ على معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز. فهي بهذا المعنى تصح على رأي الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن، إذ إنهما يقدمان المجاز المستعمل على الحقيقة، ولا تصح على رأي الإمام أبي حنيفة لأنه يقدم الحقيقة على المجاز المتعارف عليه.

لكن لم يظهر لي ما معنى كلام الشيخ أيمن في السطر السابق لما قال: «وعلى هذا الاحتمال تكون القاعدة متعلقة بالعرف القولي ويكون المراد منها أن الحقيقة إذا كانت مستعملة والمجاز أكثر استعمالاً منها فيحمل اللفظ على معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز». كيف يعني يحمل اللفظ على معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز؟

خاصةً الكلام الذي شرح عليه بعد ذلك، ظاهره أنه إذا كان المجاز مشهورًا والحقيقة مستعملة لكنها ليست بتلك الشهرة؛ فمحمد -زي ما مر معنا- وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني يقدمون المجاز المشهور، وأبو حنيفة يقدم الحقيقة. فتبقى عبارة الشيخ في الأعلى: «فيحمل اللفظ على معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز».

يعني في اعتقادي العبارة قلقة قليلاً، ماذا يعني: «فيحمل اللفظ على معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز»؟ أنت في النهاية إما ستحملها على الحقيقة أو ستحملها على المجاز، فكيف سأحملها على معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز؟ هذه الجملة تصلح على رأي من يرى جواز حمل اللفظ على كلا معنييه، الحقيقة والمجاز في آن واحد إذا لم يكن بينهما تعارض، وهذا بحثناه مع ابن دقيق في أحكام الأحكام.

أما إذا كنت تريد أن تختار أحد المسارين، إما على الحقيقة أو على المجاز، فالتعبير السابق «فيحمل اللفظ على معنى أعم يشمل الحقيقة والمجاز» سيكون تعبيرًا فيه إشكال، تعبير أقول فيه إشكال والله أعلم.

وتتعلق هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى «العادة محكمة» تعلقًا ظاهرًا واضحًا، سواء إذا قلنا الاستعمال هو بالمعنى العام أو قلنا الاستعمال في العرف القولي خاصة، فهي ستكون إما مطابقة لقاعدة «العادة محكمة» أو جزءًا منها.

الجهة الثانية في ذكر بعض الفروع الفقهية إن أخذ بالاحتمال الأول لمعنى القاعدة، وهي أن العادة تشمل العملي والقولي. ورأيت شراح هذه القاعدة يذكرون لها فروعًا من العرف العملي أيضًا.

فمن ذلك لو استأجر شخص عاملًا ليعمل له في بستانه يوميًا، كأن يقول: «أنا استأجرت عاملًا يعمل يوميًا في بستاني»، ولم يحدد وقت العمل؛ فتحديد الوقت عائد إلى العرف والعادة في تلك البلدة، وهذا كلام سليم.

أنا أحيانًا إخواني في الأردن يحصل معنا أنه يذهب ويتفق مع عامل من العمال الوافدين إلى بلادنا بقوله: «تعال والله عندي حكورة بدي إياك تحفر»، ما يتفق معه أنه من الساعة الثامنة للساعة الرابعة. فالذي يحدث مع البعض أنه ما يتفق على الوقت، فيأتي العامل الساعة الثامنة فتجده قد بدأ بالعمل، وعلى الساعة الرابعة يقف العامل ويقول: «يعطيك العافية، السلام عليكم»، فتقول له: «لا يا أخي، بدك تكمل للساعة السادسة»، فيقول: «لا، العرف في العمال في الأردن أن العامل يقف الساعة الرابعة».

هنا ممكن تختلف أنت وياه، وحقيقة سنُسأل أهل الخبرة، نرفع تليفونًا على أهل الخبرة يا جماعة: هل هذا عرف مستقر؟ إذا كان عرفًا مستقرًا فكلام العامل صحيح، وإذا كان العرف مضطربًا فعقدك باطل. ولماذا عقدك باطل؟ لأنك إذا لم تحدد المدة، فالأصل أنك حددت المدة ابتداءً، فإذا كان عرفك باطلًا فعقدك باطل.

أما إذا قلت عقدك باطل وتظن أنه لا حق له في الأجرة، فلا؛ فإنه يأخذ أجرة المثل حتى لو ثبت عندنا أن العقد باطل، لأنك أنت أيضًا مقصر مثله، فيأخذ أجرة المثل وليس الأجر المسمى. إذا بطل العقد يأخذ أجرة المثل وليس الأجر المسمى؛ لأنه ممكن يكون هو طالبًا أكثر أو أنت تريد إعطاءه أقل، فيأخذ أجرة المثل. وأما إذا ثبت وجود عرف فأنت ملزم بما سميت له، ويأخذ بناءً على المدة المحددة عرفًا. فهذا مثال على عرف عملي؛ فقضية أن العمال من الثامنة للأربعة هذا ليس عرفًا قوليًا، هذا عرف عملي. إذن هذا مثال على استعمال الناس حجة.

أيضًا إذا استعان شخص بآخر في شراء شيء، وبعد الشراء طلب المستعان به أجرة من المستعين. هذه مسألة مرت معنا في الأخصر في قضية «من نصب نفسه للعمل ومن لم ينصب نفسه للعمل»؛ فإن كان من العادة في السوق أخذ أجرة في مثل هذا فله أجرة المثل، وإلا فلا.

مثلاً، كنت في مول اشتريت بضاعة، وهناك شخص يلبس لباس المول، بعد أن حاسبت استعنت به ليحمل لك الأغراض إلى السيارة، وبعد أن حملها قال لك: «أعطني أجرة». طبعًا المشكلة هنا في عدم ضبط الاتفاق على الأجرة ابتداءً. وعادةً هؤلاء يقبلون بأي شيء مقابل أن تعطيه، فإذا قلت له: «لا، أنا استعنت بك ولكنك لم تخبرني أنك تريد أجرة»، فهو سيقول: «ألا تراني ألبس لباس المول؟ ألا أقف هنا لكي يستعملني أحد؟ فما دمت استعنت بي وأنت ترى سياق عملي، فلي أجرة على الأقل مثلي»، وأجرة المثل هنا تُقدر حسب العرف السائد.

أما إذا كان شخصًا غير موظف نفسه للعمل، فقلت له: «يا فلان، تعال ساعدني»، وكان ماشيًا في الطريق فقال: «أبشر»، فحمل معك الأغراض ووضعها في السيارة، ثم قال: «بتقدر تعطيني مقابلًا؟»، فتقول له: «لم يظهر أنك مصدر نفسك للعمل، أنا أتيت عليك في سياق المونة وأنت قبلت»، وبالتالي لم تتفق معه ابتداءً على أجرة.

ذكرتموني هنا بقصة، دخلت مرة في خلاف بين عائلتين، بين أولاد أخوين؛ لأن أحد الأخوين مسن جدًا والثاني مات. فكان في أثناء الخلاف أن الأخ الذي على قيد الحياة يطالب من ورثة أخيه المتوفى مبلغ ثلاثين ألف دينار، وهذا مثبت في الوثائق. واكتشفت أن هذا الأخ قبل أن يموت كان يخبر أولاده: «أنا أصلًا أريد من أخي أموالًا».

لقد كنا مقيمين في السعودية قديمًا، وكان كل فترة يتصل بي هاتفيًا ويقول: «والله يا أخي نريد أن نذهب لنحضر جرة غاز»، أو «نريد الذهاب لبسطة الخضار»، فكنت أخرجه بالسيارة. هل له حق في ذلك؟ عندما أتكلم مع شقيقي وأقول له: «تعال نذهب لنحضر جرة غاز»، هل شقيقي نصب نفسه عامل توصيل؟ كلاهما معلمان أو مهنيان. فبعد سنين من العمر، عندما تجد عليك مبلغ ثلاثين ألفًا، تأتي لتقول: «أنا أصلًا أريد حقي لأني كنت أوصلك لتجيب جرة غاز أو خضار؟».

أنت عندما فعلت ذلك، هل كنت تنصب نفسك للعمل مقابل أجرة؟ أم أن السياق كان خدمة؟ طبعًا واضح من السياق أنهما مدرسان، ولا أحد يعرف أنه يعمل في التوصيل. وإنما هو في عرفك أن أحد الأخوة يقول للآخر: «فلان ليس معه سيارة، هل يمكنك توصيلي؟»، فيقول: «هيا أنا قادم». القضية أنه لا توجد بينكما أجرة نتحاسب عليها بعد ثلاثين سنة على كل المشاوير، وهنا تعرف كيف يدخل الهوى على بعض الناس فيظن أنه يطالب بحق وهو ليس حقًا له.

النقطة الثالثة: لو أهدى شخص إلى جاره طعامًا ووضعه في صحن ورقي أو بلاستيكي، ولم يرد المهدى إليه الصحن أو يكبّه حتى أتلفه؛ فبعد يومين ذهب إليه وقال: «السلام عليكم يا جار، والله وضعت لك في كرتون أو صحن بلاستيك كيك، هل بقي عندك؟».

هنا بنقول: «قال لك اتلفته والله». أنا والله ما فكرت أنه بدك إياه، لا، بدك تضمن لي إياه. هنا بنقول ما بضمنه؛ لأنه جريان العادة أنه أي واحد يرسل لشخص -وهي عادة عملية- أي شخص يرسل إلى جاره أو إلى صديقه شيء بصحن بلاستيك أو كذا، معناتها كأني بقول لك: أنه خلص لا ترجع لي فيه، فلا يصلح أن تضمنه إياه. وهذا كثير يا إخواني، كثير من الناس يقفز على العادات في هذه القضايا لما يصبح له هوى.

ما جرت به العادة في زماننا من أخذ أصحاب مكاتب العقار أجرة معينة معلومة مقابل دلالة شخص ما على شراء شيء أو استئجار، بس طبعًا الأصل أن يكون المبلغ منضبطًا، يعني يكون في تسعيرة من الدولة. إذا ما في تسعيرة ومكاتب العقار بتختلف في السمسرة، بدك تتفق معه ابتداءً حتى ما يصير هناك خلاف.

فالآن إذا في مكتب عقاري أنت رحت عليه، والزلمة ما اتفقت أنت وياه، الآن إذا جاب لك الشغلة، جاب لك قطعة الأرض، الآن إما أن يكون في تسعيرة ثابتة للعقارات أنت تجهل بها، أو لا يكون تسعيرة ثابتة وتختلف من مكتب عقاري إلى آخر. فأنت وياه اختلفتوا، لك أنا بدي 20% أو 30%، اختلفتوا أنت وياه وما في عرف نتحاكم إليه؛ إذاً هنا العقد باطل، لأنه العرف مضطرب وما في شيء نتحاكم إليه.

كان الأصل تحديد الأجرة ابتداءً، ولكن في نفس الوقت لن نضيع الجهد الذي بذله المكتب العقاري، نعطيه أجرة المثل كما قلنا قبل قليل بتحديد الخبراء، أنه عادةً هذا يؤخذ عليه كذا، المتوسط الحسابي زي ما بنقول.

ومن فروع القاعدة على الاحتمال الثاني، وهو أن يكون المراد العرف القولي فقط: من حلف أن لا يشرب من نهر دجلة فشرب منه بإناء، قالوا لم يحنث حتى يكرع منها كرعًا بفمه، يحط فمه بهذه الطريقة. هذا عند الإمام أبي حنيفة، وهذا على طريقة جمود الظاهرية يعني إذا بتذكروها.

من حلف أن لا يشرب من نهر دجلة، ما معنى لا أشرب منه؟ الحقيقة اللغوية الحرفية إني ما أحط فمي جوا النهر وأكرع. طيب لو أنا ما حطيت فمي وكرعت، بس جبت لي فنجان ولا كأس ولا شيء وأخذت وشربت، هل يقال أنني شربت منه؟ عند أبي حنيفة بيقول لك لا، أنا سأجبرك على الحقيقة اللغوية. الآن أبو حنيفة هو مقر أن هذه الحقيقة ضعيفة الاستحضار، وأنه المجاز أغلب منها، بس هو قاعدته أن الحقيقة اللغوية ما دامت تستعمل ولو 20% تبقى تقدم على المجاز المشهور الذي أصبح عرفًا، هيك قاعدته.

بخلاف صاحبيه؛ فأما أبو يوسف ومحمد بن الحسن قالوا: إذا شرب من نهر دجلة بالإناء يحنث، لأن هذا هو المتعارف، فهذا صحيح، الشرب بالإناء هو مجاز، ولفظة "سأشرب من النهر" هي مجاز، لكنه أصبح هو المعروف والمتداول. وهذا مبني على أن المجاز الراجح أولى عندهما من الحقيقة المستعملة، فيصار إلى المجاز الراجح. وأما أبو حنيفة فالعكس، عنده الحقيقة المستعملة أولى فلا يصار إلى المجاز.

القاعدة الثالثة: «إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت». هذه القاعدة مرت معنا، وهذه القاعدة هي ماذا؟ هي مقيدة لعموم قاعدة "العادة محكمة". هل كل عادة محكمة، أم العادة المحكمة هي التي اطردت أو غلبت؟ يقول الإمام ابن نجيم -وقد ذكرها بهذا اللفظ- وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، وذكرت أيضًا في بعض كتب القواعد بألفاظ أخرى قريبة.

تؤكد هذه القاعدة ما سبق تقريره من اشتراط الاطراد أو الغلبة حتى نعتبر العرف القولي أو حتى العرف العملي مقيدًا ومخصصًا وملزمًا، وبهذا يظهر أنها مقيدة لتلك القاعدة الكبرى. وبعض فروعها الفقهية قلنا لو كان في البلد عملتان إحداهما غالبة والأخرى نادرة، فتبايع الرجلان وأطلقا الثمن دون تعيين العملة، فهنا سنحملهما على ماذا؟ على العملة الغالبة دون النادرة.

فمثلًا لو قلنا أن هناك أكثر مثلًا من دينار في الأردن، هناك الدينار الأردني الأصلي والدينار الغير، مثلًا حتى الدنانير الذهبية، في دينار ذهبي رشيدي وفي دينار ذهبي عثماني كأنه. أنا مش خبير كثير في الذهب، بتعرفوني مش شيخ. الفكرة أنه إذا قال للبياع: أنا بدي دينار ذهبي، فالبياع باعه إياه وسلمه المبلغ وراح، بعد ما روح على البيت لقى دينار ذهبي بس مش الدينار الذهبي الرشيدي، نوع ثاني.

فهنا رجع البياع قال له: أنت شو اللي بعتني إياه؟ قال له: دينار ذهبي مثلًا عثماني أو شيء آخر. قال له: لا يا أخي، أنا الدينار الذهبي إذا أطلق فالعرف يحمل على الدينار الرشيدي. قضية أنه يطلق على دينار ذهبي نوعية أخرى هذه ما يحمل عليها العرف، فالبياع قال له: لا يا أخي أنا بعتك على هذا.

فهنا كيف سنحل ونعالج المشكلة؟ لابد ننظر للعرف، إذا كان مضطرداً أو غالباً. فنقول فعلاً إذا ثبت اضطراد العرف وغلبتُه في الدينار إذا أطلق أن الدينار الذهبي هو الرشيدي، يلزم كلاهما بمقتضى العرف، والآخر هو المحقوق. أما إذا لم يضطرد العرف، فهنا سنقع في إشكال أن البيع وقع فيه خلل، لم تذكر الصفات المؤثرة؛ أصبح البيع في خلل أنه لم تذكر فيه الصفات المؤثرة إلا إذا كان باعه على الرؤية.

لأنه إذا كان باعه على الرؤية وأنت شفتها قبل ما تأخذها، أنا هنا أديت العيب يا بائع، صحيح؟ إذا أنا بعتك على الرؤية مش على الوصف، بعتك على الوصف أكون أنا قصرت في ذكر الأوصاف رشيدي، لكن إذا بعتك على تفضل هذه هي، وأنت بعتها، الآن رجعت للبيت وقلت لي: لا يا أخي هذه مش اللي اتفقنا عليه، أقول له: شو اتفقنا عليه؟ مش أنت شفتها قبل ما تشتريها؟ الرؤية تقوم مقام الوصف، فتتحمل نتيجة عدم سؤالك وعدم انتباهك.

لو جرى العرف في بلد على تقسيم المهر إلى معجل ومؤخر، فلا يلزم إلا إن كان مضطرداً أو غالباً في البلد. يعني هل يلزم كل مواطن أردني أن يكون مهره مقدم ومؤخر؟ أم يمكن نقول لا عادي الإنسان ممكن يكون بده كل مهره معجل أو كل مهره مؤخر؟ نقول لا نستطيع أن نلزم كل مواطن أردني بأن يكون مهره جزء مقدم وجزء معجل إلا إذا كان هذا العرف أصبح مضطرداً أو غالباً في البلد، فعندئذٍ طبعًا هو شو الإلزام؟ الإلزام ما لم ينص على خلافه.

يعني إذا قال شخص: زوجني ابنتك، قلت: زوجتك ابنتي على 10,000، أنت قلت: قبلت.

قلت له: «يلا هات الـ 10,000»، قال لك: «لا يا عمي أنا قلت لك 10,000 بس، أنا قلت لك كلها معجل»، لأنه في معجل وفي مؤجل.

فالآن هنا بنيجي بنقول: هل الأب ملزم بأن يقبل أنه لازم ينقسم هذا إلى معجل ومؤجل؟ ولا بإمكانه يطالب بها فوري؟ هسه شو بنقول؟ إذا كان العرف الغالب المطرد أو الغالب أنه إذا انحكى 10,000 أو هي المبالغ مباشرة تنقسم إلى معجل ومؤجل، فكأب أنت ملزم. إذا كان العرف مضطرداً أو غالباً، وفي اعتقادي أنه في الأردن هذا العرف غالب.

لكن إذا ما كان العرف غالباً، وكان إما متساوياً أو أقل، وأنا قلت لك زوجتك بنتي 10,000 وأنت قلت قبلت، فالأصل أن الـ 10,000 معجل، هذه هي الحقيقة. فإذا قلت لا أنا قصدي معجل ومؤجل، بقول لك حبيبنا هذا في بلادنا ليس مضطرداً ولا غالباً، فالأصل أن يفسر الكلام على حقيقته، فالأصل الآن يسلمني الـ 10,000.

أعيد صياغة المثال بطريقة أوضح. القاعدة الرابعة: «العبرة للغالب الشائع لا للنادر». هذه إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، والكلام عليها من جهتين؛ الجهة الأولى في معناها. قال: المراد بالشائع المنتشر بين الناس؛ شاع الخبر في الناس، يشيع شيوعاً وشيعاناً وشعوعاً، فهو شائع أي انتشر وافترق وذاع وظهر، وقولهم هذا خبر شائع وقد شاع في الناس معناه قد اتصل بكل أحد فاستوى علم الناس به ولم يكن علمه عند بعضهم دون البعض.

ويراد بالقاعدة شيئان؛ أولهما: أن الاعتبار في بناء الأحكام في الشريعة على ماذا إخواني؟ على الغالب من الأحوال، فلا تبنى على النادر. فلو بني الحكم على أمر غالب فإنه يبنى عاماً، ولا يؤثر على عمومه واطراده تخلف ذلك الأمر في بعض الأفراد أو في بعض الأوقات.

إذاً هذه القاعدة: «العبرة بالغالب الشائع». لما تعمل أي عقد مالي، أو عقد زواج، أو غيرها من العقود، العبرة في تفسير هذه العقود على الغالب الشائع في البلد، ولا ينظر إلى القضايا النادرة التي يمكن أن تكون على خلاف ذلك، ولا ينظر إلى القضايا النادرة التي قد تأتي على خلاف ما هو شائع.

فمثلاً، الأصل نقول الآن العرف في الأردن أنه من أجر بيت لشخص، فإن البيت يكون شاملاً لمطبخ. أنا بدفع لك 300 دينار أجرة بيت، البيت يكون شاملاً لمطبخ، قضية هذا هو العرف الشائع صحيح؟ قضية أنه لا، أنا بأجرك بيت بـ 300، تدخل بتلاقيش ولا قطعة في المطبخ، لا في خزائن ولا في جرانيت ولا في شيء من ذلك؛ بنقول والله هذا موجود بس نادر، يعني موجود مش بقول لك مش موجود، بس هذا قليل ونادر.

فإذا المؤجر اختلف مع المستأجر، قال له المستأجر: لا أنا ماشي على العرف الغالب أنه من يؤجر بيت اليوم في الأردن بأجره بمطبخ، أنا مش طالبك بأدوات المطبخ، أنا بطالبك بالخزائن والجرانيت الأساسي، فهل له حق المطالبة بذلك؟ نعم له الحق أن يطالب بذلك. فهذا معنى: «يبنى الحكم على أمر غالب فإنه يبنى عاماً ولا يؤثر على عمومه واطراده تخلف ذلك في بعض الأفراد أو في بعض الأوقات».

والثاني: أن الاعتبار عند تعدد العرف بالعرف الغالب لا النادر. هذا الأمر الثاني الذي قد يعنى، وهذا يصبح مثل القاعدة السابقة، أن الاعتبار بالعرف المطرد أو الغالب لا بالنادر، رجعنا للقاعدة السابقة، وهي بهذا تشابه أو تترادف القاعدة التي قبلها في أنها تقييد لقاعدة «العادة محكمة».

الجهة الثانية في ذكر بعض فروعها الفقهية؛ إن فسرنا القاعدة بالمعنى الثاني، ففروعها هي نفس فروع القاعدة السابقة. وأما إن فسرناها بالمعنى الأول، وهو أنه يبنى الحكم على أمر غالب، أو لو بني الحكم على أمر غالب فإنه يبنى عاماً ولا يؤثر على عمومه واطراده تخلف ذلك الأمر في بعض الأفراد؛ فيقول مثلاً: أنيط جواز قصر الرباعية بالسفر، لأنها في الغالب مظنة السفر.

طبعاً لابد حقيقة أن يكون الكلام أدق؛ أنيط جواز قصر الرباعية بالسفر مسافة 81 كيلو، مش أي سفر، على الأقل عند الحنابلة. طبعاً الرواية الثانية، وإذا بدك الرواية المعتمدة 137، الرواية الثانية رواية الجمهور 81، إنه مش أي سفر، لأنه في الغالب السفر بهذه المسافة هو مظنة المشقة، ولم يلتفت إلى النادر من الناس أن منهم من قد يسافر في نعيم وحال مرهفة، فهذا حتى لو كان في أعلى درجات النعيم يبقى له أحقية الجمع والقصر.

نفس الشيء مثلاً قضية الجمع للمطر؛ إذا مطر يبل الثياب قالوا الكل له أحقية الجمع، حتى النساء في بيوتهن، ماذا قالوا مثلاً الحنابلة؟ وحتى الشخص الذي لا يتأذى بالمطر، مع إنه إحنا عارفين إنه الجمع من أجل المطر؛ ليه؟ لغلبة المشقة في الذهاب إلى المسجد. ومع ذلك ماذا قالوا؟ الحكم إذا بني على أمر غالب فإنه يبنى عاماً، ويستفيد منه حتى الحالات النادرة التي لا تندرج تحت الأمر الغالب.

فهذا ربما مختلف عن القضية هنا، في قضية إذا بني الحكم على أمر غالب فإنه يبنى عاماً، يقصد والله أعلم، هذا بس رجوع مني لتفسير القاعدة الأولى، أو المعنى الأول. يقول: إذا بني الحكم على أمر غالب فإنه يبنى عاماً، فيشمل حتى الصور النادرة التي لا يوجد فيها ضابط الغالب.

إذ بني الحكم على أمر غالب فإنه يبنى عاماً، ولا يؤثر على عمومه واطراده بعض الصور التي لا يوجد فيها الإشكال الذي في الغالب. وهذه إخواني أظن أنها مهم أن تفهمها في الشريعة؛ أنه كثير من أحكام الشريعة بنيت على الغالب، ويأتيك بعض الأفراد بيقول لك: طب أنا مش هيك؟ بنقول له الحكم سيعم إغلاقاً للباب.

مثلاً زي قضية كثير من الألعاب اللي فيها صد عن ذكر الله وعن الصلاة، بيجيك شخص بيقول لك: يا شيخ بس أنا بلعبها بدون صد عن ذكر الله وعن الصلاة، بنقول له لا بيصير لك تلعبها، اللعبة إذا تم تحريمها من أهل العلم لغلبة ما يغلب فيها الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، قضية طب شيخ لو لعبتها خمس دقائق؟ بنقول له لا، هنا سنحسم الباب. لذلك لعبة الشطرنج لماذا الجمهور حرمها؟ هي أقوى علة أو أشهر العلل عندهم هي أنها بطبيعتها الغالب فيها لمن يحسنها أنها تجلس ساعتين ثلاث، فهي صادة. طب يا شيخ أنا والله بلعب مع أصحابي بس...

أدرك أنه قد لا يكون ضابط الإلهاء موجوداً فيك، بس الحكم يقول: إذا بني الحكم على أمر غالب فإنه يبنى عاماً. فحتى هذه الصور القليلة النادرة التي قد لا يوجد فيها صدق، نحسم الباب فيها؛ لأنها هي نوع من السرطان الذي يقبل التفشي في أي لحظة، أليس كذلك؟

أي مثلًا، بناءً على كلامك يا شيخ، أي لعبة سواء إلكترونية ستأخذ حكم الشطرنج؛ إذا أصبح الغالب في الواقع أنها تأخذ ساعات، ستصبح محرمة؟ أقول نعم. فالقضية ليست الشطرنج نفسه بحد ذاته، وإن كان البعض حاول يضع عللاً خاصة بها، لكن كلها علل لا تنهض. وأقوى ما ذكروا طبيعة اللعبة نفسها وحاجتها إلى الوقت، فكل لعبة يغلب فيها هذا الساعات المستهلكة من عمر الإنسان، فهنا تعمم مطلقاً حتى ولو كان الشخص يلعبها نصف ساعة.

وقس على ذلك أفكار كثيرة، نسد فيها الذرائع ويعمم فيها الحكم حتى في الحالات التي لا توجد فيها العلة، خلينا نقول من باب طرد الحكم. حتى مثلًا في لباس المرأة، بعض النساء تقول لك: يا شيخ أنتم تقولون إن كل امرأة لازم تسافر بمحرم، وفي بعض الأسفار آمنة ما فيها أي إشكال. نقول يغلب على السفر أن المرأة ستحتاج لمعاملة الرجال.

القضية في سفر المرأة بمحرم ليست فقط الخوف، هي فيها جانبان: الخوف وصيانة المرأة عن الحاجة إلى الرجال؛ لأنه ممكن تكونين أنتِ آمنة ولكن في قضية ثانية إحنا نخاف منها، وهي قضية الرجال والتعامل معهم؛ تضطرين للتعامل معهم في الباسبورت، في قضية الجواز، في قضية الحقائب، وفي قضية خاصة إذا سافرتِ بالبر كذلك، تنزيل كذا على الحدود كذا. طبعاً هذه أمور كلها قد يحصل معك فيها ظرف، وقد تنام المرأة في الطائرة فتتكشف ولا يوجد أحد، أمور كثيرة والله رأيناها بأعيننا، فالقضية ليست فقط الأمان، بل الأمان والصيانة.

فإذا فرضنا أن هناك امرأة تقول لك: بس أنا سأسافر سفراً لا أحتاج فيه للتعامل مع الرجال، أنا أعرف أموري ولا خوف علي، فهل تجوزونها لي؟ نقول لها لا، حتى لو فرضنا في حالات نادرة لن تحتاجي، الحكم إذا بني على الغالب يعم، حتى الصور النادرة.

فمثلاً عدم الرشد في الصبيان هو الغالب، فالأصل في الصبي أن يمنع من التصرف في ماله بدون إذن سيده، اللهم إلا في المحقرات كما قلنا. فلو وجد صبي ناضج، واضح في بعض الصبيان -ربنا عز وجل يخلي عندهم نضوج مبكر- يكون يفهم أكثر من واحد عمره ثلاثون سنة في البيع والشراء، هل هذا خلاص يصير مثلاً إذا كنت أنا ولي وهو يتيم أدفع له ماله بحجة أنه صبي ناضج؟ لا، لأن الحكم في الصبيان بني على الغالب، والغالب على الصبيان أنهم لا ينضجون إلا بعد البلوغ. فإذا وجدت حالات قليلة نضج فيها الصبي قبيل البلوغ، فهذه لا نستثنيها، تبقى في الأصل تحت الحكم العام ولو كانت العلة متخلّفة فيها.

وهذه مسألة تبحث في أصول الفقه تحت عنوان: الحكم إذا تخلفت عنه العلة، هل يبقى قائماً في بعض الصور؟ أي حكم بنيناه على علة وهو عام، متى وجد الحكم توجد العلة، فإذا في بعض الصور تخلفت هل نبقى محافظين على عموم الحكم سعياً للاضطراد؟

أحياناً تبحث في مسألة -ولأكون دقيقاً قليلاً- الحكم إذا بني على علة هي مظنة لحكمة، هكذا يقول: الحكم إذا بني على علة، هذه العلة هي مظنة لحكمة. زي مسألة السفر؛ السفر هو علة مظنة حكمة المشقة، فإذا وجدت العلة لكن في صورة نحن متيقنون أن الحكمة ليست موجودة فيها، وهو السفر الذي في غاية النعيم، فهنا يقولون نعم، يبقى الحكم مرتبطاً بعلته ولو تخلفت الحكمة.

يبقى الحكم نفس الشيء، كثير من الأحكام التي بنيت على عللها الأصل حتى لو وجدت العلة دون وجود المناسبة التي من أجلها. مثلاً لو شخص شرب المسكر، حرمة شرب المسكر؛ فإذا شربت أي شراب مسكر أنت فعلت حراماً حتى ولو كانت الكمية التي شربتها لا تؤدي إلى الإسكار. لو شربت بمقدار أعلم أنه شراب مسكر لكن لن يؤدي إلى الإسكار لأن الكمية محدودة، نقول حتى ولو كنا متيقنين أن المعنى غير موجود هنا، يبقى اسمه شراب مسكر فيجب أن تمتنع من شربه.

القاعدة الخامسة: لا عبرة بالعرف الطارئ. ذكر هذه القاعدة ابن نجيم ومعناها مشهور ومقرر. تفيد هذه القاعدة بأنها مقيدة لقاعدة "العادة محكمة"، وهذه مرت معنا أنها تقيد في ماذا؟ أن العرف الذي يتدخل في تفسير نصوص الكتاب والسنة أو حتى في تفسير أقوال المكلفين هو العرف القديم أو المقارن، وليس العرف الذي طرأ بعد القول ونشأ بعده.

تفيد القاعدة بأن المعتبر في العرف إنما هو المقارن الموجود حال القول أو الفعل، أما العرف الطارئ، أي الحادث بعد ذلك، فلا يعتبر محكماً لذلك القول أو الفعل. يقول الإمام القرافي رحمه الله: «العوائد الطارئة بعد النطق لا يقضى بها على النطق»؛ فإن النطق سالم، يعني لما صدر منك هذا النطق خرج ولم يكن له أي معارض، فيبنى على اللحظة التي خرج فيها فيحمل على اللغة. فإذا تكلم عربي مثلاً بكلام ثم حدث بعد ذلك عرف قولي لكلامه، فإنما يحمل كلامه على لحظة صدوره وعلى المعنى اللغوي عندئذٍ لا على العرف الطارئ.

من أمثلة هذه القاعدة: إذا وقف شخص وقفاً بألفاظ معينة، ثم طرأ بعد زمن على تلك الألفاظ عرف يخالف معناها في اللغة، فإنها تحمل على معانيها اللغوية. فلو كان مثلاً شخص قال: «والله أوقفت هذا البيت على الفقراء»، الآن البيت يحمل على سقفه وجدرانه وما فيه وفنائه الموجود. نفرض بعد عشرين سنة أصبحت كلمة البيت لها دلالة مختلفة، أصبح يطلق البيت على حجرة من الحجر داخله، وأما البيت بمعناه القديم أصبح يسمى منزلاً، وأصبح يطلق البيت فقط على حجرة، فهل نقول الوقف هنا سيتغير لأن كلمة البيت التي أطلقت عندما قال الواقف تغير مدلولها في العرف؟ نقول لا، ستبقى كلمة البيت على مدلولها القديم.

وأما كون الآن كلمة البيت يطلق على حجرة واحدة من الحجر، وأصبح البناء يسمى منزلاً، فهذا عرف طارئ بعد أن وقف الواقف، فلا عبرة به.

نفس الشيء الثمن في العقود؛ إنما يحمل على العادة الحاضرة في النقد، فلا عبرة بعادة متأخرة بعد العقد، كما لو تبايع رجلان بألف دون تعيين عملة، فإنها ستحمل على عملة البلد. فلو كان بالدين مثلاً: أنا بعتك سيارة بـ 5000 دينار، وكان ساعتها في الأردن، إذا أطلق الدينار فالمراد الدينار الأردني. بعد مدة وأنا أنتظر منك أن تسدد لي هذا الدين، مر مع الزمن نشأ دينار آخر في الأردن غير الدينار الأردني صار يزاحمه، فجاءني الرجل يريد أن يسد لي الدين، فسدد لي إياه بالدينار الجديد. أقول له: خلص، مش أنت قلت دينار؟ أي دينار في الأردن موجود؟ فيقول: لا، هذا الدينار الجديد ما كان موجوداً لما تعاقدنا. فالأصل أن يحمل الدينار على الدينار الذي كان موجوداً عند تعاقدنا، ولا عبرة بالعرف الطارئ.

ومثل ذلك يقال في ألفاظ الأيمان والنذور والإقرارات والوصايا، فتفسير ألفاظ المكلفين ينبغي أن يحمل على العرف. مثلاً كلمة: «علي الطلاق»، أو كلمة: «بالحرام»، أو «تحرم علي زوجتي». هذه قد تكون، مثلاً، «علي الطلاق» في العرف في الأصل هي نوع من أنواع إلزام نفسك بالطلاق. «علي الطلاق إذا خرجتِ من البيت»، فـ «علي الطلاق» في العرف القديم هي تعليق للطلاق، يعني معناها: إذا خرجتِ من البيت فأنتِ طالق. لكن إذا نشأ عرف طارئ جديد، أصبحت في هذا العرف الطارئ كلمة «علي الطلاق» معناها: سأقوم بتطليقك إذا خرجتِ، وهذا حقيقة وعد بالطلاق أنك ستفعله إذا خرجت، وليس معناها أنكِ طالق إذا خرجتِ.

الآن في فرق بين «أنتِ طالق إذا طلعتِ» وبين «عليّ الطلاق» بمعنى سأقوم بتطليقك إذا خرجتِ؛ ففي الأولى إلزام، وفي الثانية وعد بأنك ستقوم بهذا الفعل. فالآن كلمة «عليّ الطلاق» هل هي بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني؟ هل معناها أنتِ طالق إذا طلعتِ؟ أو معناها سأقوم بالطلاق إذا طلعتِ؟ حقيقة في التفسير الفقهي القديم «عليّ الطلاق» هي إخبار، يعني بمعنى: أنتِ طالق إذا خرجتِ، «عليّ الطلاق» يعني الطلاق واقع كائن عليّ إذا أنتِ خرجتِ.

لكن اليوم بدنا ننظر في أعراف أهل البلد، إنه ممكن هذه الكلمة في بعض الأعراف تتطور وتصبح دلالتها وعداً، بمعنى: «إني راح أطلقك إذا خرجتِ». لكن كيف سيكون التمثيل؟ إذا شخص قال «عليّ الطلاق» على المعنى القديم المتعارف عليه، يعني أنتِ طالق إذا طلعتِ، وبعد عشر سنين مرت -طبعاً ما شاء الله قعدت المرأة عشر سنين ما طلعت- بعد عشر سنين نشأ عرف جديد، أصبحت «عليّ الطلاق» معناها سأقوم بالطلاق، هكذا صار معنى الكلمة. فهل يأتي هذا الشخص للشيخ ويقول: «يا شيخ، أنا حكيت لزوجتي قبل عشر سنين عليّ الطلاق، بس كان المعنى القديم اللي إحنا عارفينه إنه أنتِ طالق، الآن صارت الناس تستعمل عليّ الطلاق بمعنى سأقوم بتطليقك، بيصير أحمل لفظتي على المعنى الجديد؟». نقول له: لا، لأنه هذا عرف طارئ لم يكن موجوداً لما تلفظت، فلا عبرة به بالنسبة لك.

لو تبايع رجلان أرضاً، وكانت العادة الجارية على أن تكون إجراءات الإفراغ والتوثيق ورسومه المالية على البائع، ثم تغيرت العادة فأصبحت على المشتري، فالعبرة بالعادة الأولى لأنها المقارنة للعقد، والأخرى طارئة بعده فلا تعتبر. والمراد أنه أنا وإياك تبايعنا أرضاً، وفي لحظة البيع كانت العادة الجارية أن إجراءات التنازل يدفعها البائع. أنا وإياك تأخرنا في التنازل، وهذا كثير يحدث في السيارات؛ أشتري منك السيارة، وإجراءات التنازل كانت على البائع، بس أنا قلت للبائع: شوف أنا مش مستعجل، خلص خليها باسمك يا بائع وأنا بضل أسوقها، وبعدين بس أجي محتاج فعلاً أغيرها لاسمي بنروح أنا وإياك على دائرة السير وبتتنازل.

مر الموضوع خمس سنين، وبعد خمس سنين جاء المشتري وقال للبائع: والله يا بائع أنا محتاج إنك تتنازل بالسيارة لاسمي. في اللحظة هذه كان العرف أن إجراءات التنازل على المشتري. فهل البائع يقول للمشتري: اسمع، ترى قبل خمس سنين كانت إجراءات التنازل عليّ وأنت ما استغللت الفرصة، الآن إجراءات التنازل صارت عليك، أنت بدك تحملها الآن؟ هل يحق للمشتري الاعتراض؟ نعم، فيقول له: إحنا إلنا العرف القديم، أنا متى اشتريتها منك؟ قبل خمس سنين، وأنا لما اشتريتها اشتريتها على سعر أصلاً، مش هيك عادةً يكون سعر التنازل عليك، أنت أصلاً بعتني إياها بسعر على أساس سعر التنازل عليك. فذاك العرف هو الذي كان سائداً في ذلك الوقت، فعليك أن تبقى تعمل بها حتى ولو كان الآن العرف الطارئ مختلفاً، فالعبرة بالعرف القديم.

قال: «الكتاب كالخطاب» في القاعدة السادسة. ذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ في بعض كتب الحنفية، وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية، ومعناها -كما عبر السرخسي- أن البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان، وذكرها ابن نجيم، وبعض الحنفية بلفظ: «الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر». يعني إذا كان شخص غائباً عن البلد وكتب كتاباً للقاضي أو للمحكمة، فهذا الكتاب منه بمنزلة كأنه الآن حاضر في البلد ويخاطب المحكمة، كأنه حاضر. فهمتم؟ هذه قضية يحتاج إليها الناس لما يكون المدعى عليه أو المدعي أو بعض الورثة خارج البلد فيكتب كتاباً بوكالات، أو بأمور، أو بإجراءات، أو باعترافات، أو بإقرارات وما شابه ذلك. ومعناها المراد بالكتاب هنا الكتابة، والمراد بالخطاب المشافهة، فالقاعدة تعني أن بعض الأحكام تترتب على الكتابة كما تترتب على المشافهة.

وفي اللفظ الثاني للقاعدة هناك تقييد ذلك بحالة الغيبة، واللفظ هو: «تبع الكتاب من الغائب»، وهذا يختلف اعتباره باختلاف المسائل عند الفقهاء، فقد يعتبر في مسائل دون أخرى وعند فقهاء مذهب دون آخر. باختصار، مسألة أن الكتاب يأخذ حكم الخطاب عموماً، سواء كان صاحب الكتاب حاضراً في البلد أو كان غائباً عنها، هذه المسائل تختلف فيها المذاهب في مدى اعتبار الكتابة ومدى عدم اعتبارها.

ويظهر تعلق هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى وهي «العادة محكمة» من جهة أن الكتابة -بما جرت العادة في العقود ونحوها أن تقوم مقام المشافهة- فيها تنصيص على اعتبار نوع من العادات، كأن الكتابة تجري عادة الناس أنها تقوم مقام الكلام المباشر، فهي إذن عادة عملية، عرف عملي. مثلاً بعض الفروع الفقهية يجوز فيها عقد البيع بالكتابة حتى لو لم يحصل تلفظ، ويعتبر إرسال العقد من خلال الفاكس أو عبر الواتساب أو بأي طريقة إيجاباً، وتحويل الثمن من المشتري قبولاً.

وهذا من المتعارف عليه في زماننا اليوم عن طريق الفيس. كثير اليوم بتلاقي أنه عبارة عن أن هذه السلعة كذا وكذا، ومن يريد يشتريها يتواصل معي على الخاص، أو يتواصل مع الشركة على الخاص. يرسل لك العقد، ويقول لك ببيعك إياها بخمس دنانير، هذا كله مش صوتي، مكتوب كتابة، وأنت تقول له قبلت وترسل له الثمن.

طبعًا لازم ترسل له الثمن؛ ليه؟ حتى لا يكون دينًا بدين. فأنت إذا ما ترسل الثمن قبل تفرقكم، هنا بنعتبر أنك أرسلت الثمن فتبقى السلعة دينًا في ذمته، أما إذا لا، هذا سلم سلعة ولا هذا سلم ثمن، فهذا بيع دين بدين لا يجوز. ومثل ذلك بيع السلع عن طريق الإنترنت.

ومثل ذلك كتاب القاضي إلى القاضي. قديمًا كان القاضي في محكمة أو بلد معين يكتب إلى قاضي في بلد آخر لينفذ، يسموه قاضي التنفيذ. أو قضية فتحت مثلا في العراق، يعاد فتح موضوعها مرة أخرى في الشام، فيكتب القاضي في الشام للقاضي في العراق: هل نظرت في هذه القضية سابقًا؟ وما هي إحداثياتها؟ فيكتب له القاضي كتابًا ويختمه ويشهد عليه اثنين ثم يرسلهما بهذا الكتاب إلى القاضي الآخر، والقاضي الآخر يقرأه بعد أن يرفع الشمع عنه.

إذا كتب لزوجته صريح الطلاق ونواه؛ يعني واحد عم يكتب في كتاب: «أنت يا فلانة طالق»، كتبها هكذا وما تلفظ بها. هنا قالوا إذا كتب صريح الطلاق ونواه، لأنه هو ممكن عم يجرب خطه مش إنه بده يطلق، فهنا تعتبر كأنها من الألفاظ الكنائية، كأنه يحتاج إلى نية. وإذا كتب صريح الطلاق ونواه وقع عند الحنابلة وأكثر الفقهاء، قال الموفق به، قال أبو حنيفة ومالك وهو المنصوص عن الشافعي، واختلف فيما إذا لم ينوِ.

لو كتب حاضر لحاضر، إيش كتب له؟ زوجتك، فكتب له ذاك الآخر قبلت، لم ينعقد النكاح عند الحنفية. فإن كان أحدهما غائبًا انعقد. يعني هنا لازم يكون غائبًا، اشترطوا صحة الكتاب حتى يقبل الكتاب أن يكون أحد الأطراف غائبًا، أما إذا كان حاضرًا لازم يتكلم.

خلاص نكتفي اليوم بهذا القدر ونكمل ما تبقى في الدرس القادم. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.