دخولتسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصل وسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية لشيخنا ومعلمنا الأستاذ أيمن الحبجي، متعه الله بالصحة والعافية. وما زلنا نعيش القاعدة الأخيرة من القواعد الكلية الكبرى، قاعدة «العادة محكمة». كنا في المجلس الماضي تكلمنا عن مفهوم العادة وعن مفهوم العرف، وهل هناك فرق بين العادة والعرف؟ وتكلمنا أيضا عن أنواع العرف.

اليوم إن شاء الله نكمل ما تبقى من المقدمة قبل الشروع في الفروع المندرجة تحت القاعدة. وصلنا إلى قضية من القضايا التي تبحث -وعادة تبحث في أصول الفقه- قضية تخصيص العموم بالعرف. تخصيص العموم بالعرف مرت معنا بعض الأمثلة في شرح ابن دقيق العيد لما تكلمنا عن مذهب الإمام مالك؛ لماذا رأى أن الإناء خاص بالإناء الذي فيه شراب وليس الإناء الذي فيه طعام؟

إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، الآن كلمة «إناء أحدكم» على عمومها، وإن كان ممكن تأتي المسألة قضية استغراق، لكن نناقش فيها القضية: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، هل المراد الإناء الذي فيه شراب، ولا حتى الإناء الذي فيه طعام؟ فإنه إذا كان في أي شيء نفس الحكم يجب أن يغسل سبعا. فمالك خصص القضية بماذا؟ بالإناء الذي فيه الشراب، وأخرج الحديث منه الإناء الذي فيه طعام وما شابه، وجعل المخصص لهذا هو العرف.

فقال: إن العرب كانت تتحفظ في أطعمتها فلا تجعل الإناء الذي فيه الطعام متاحا للكلاب والسباع، وأما الإناء الذي فيه شراب فلم تكن تتحفظ فيه، فكان يكون متاحا بين أيدي الكلاب والسباع، فيتصور أن يأتي الكلب. بالتالي رأى أن العرف يخصص عموم حديث «في إناء أحدكم» بالإناء الذي فيه شراب فقط، وأما الإناء الذي فيه طعام فهو غير مشمول، كيف أخرجه؟ أخرجه بالعرف.

وكذلك كثير من تخصيصاته في المذهب المالكي؛ مثلا من القول المشهور في قضية الخارج من السبيلين، أن الخارج من السبيلين الذي ينقض الوضوء هو الخارج المعتاد، أما الخارج غير المعتاد كمن بلع قرشا فخرج، أو ما شابه ذلك، هذا عندهم لا ينقض الوضوء، أو الديدان، أو الأمور التي نادرا جدا أن تخرج، قال: هذا لا ينقض الوضوء عندهم وإن خرج من أحد السبيلين باعتبار أنه ليس معتادا. فخصص عموم ما يخرج من السبيلين بماذا؟ بنوع من العادة، أن العادة جعلت الغائط أو البول هو الذي ينقض، أو الدم إذا كان أخذ به، وما عدا ذلك لا ينقض. لاحظ كيف جعل العادة مخصصا لعموم أن ما يخرج من السبيلين ناقض.

فهذه القضية، هل يجوز أن نأتي إلى عمومات في الكتاب أو السنة فنخصصها بالأعراف والعادات؟ هذا سؤال. قال: وصورة المسألة أن يرد لفظ عام ويجري العرف على استعماله في بعض أفراده، فهل يخص العام بتلك الأفراد؟ الجواب أن هذا يحتاج إلى تفصيل، أو علينا أن نفرق بين العرف القولي المتعلق بالأقوال ودلالاتها في العرف، والعرف العملي.

الحالة الأولى: إذا كان العرف قوليا متعلقا بالألفاظ، فلا إشكال أن يخصص العام به، أطلق ذلك جماعة من الأصوليين، وحكاه الإمام ابن الهمام الحنفي، حكى الإمام ابن الهمام الاتفاق على ذلك أن العرف القولي يخصص به. وقال الزركشي: أطلق كثيرون التخصيص بالعادة، وخصها المحققون بماذا؟ بالعادة القولية وليس بالعادة الفعلية.

فيكون هناك لفظ عام في الكتاب والسنة، لكن تقول هذا اللفظ عام يخص بصورة كذا وكذا بسبب العرف. عن أي عرف يتحدث؟ قال: ركز هنا، وللتخصيص بالعرف القولي شرط، وهو أن تكون سابقة لوقت اللفظ المستقر ومقارنة له، حتى تجعل كالملفوظ بها. باختصار: أن يكون هذا العرف القولي سابقا على وقت التلفظ بنص الكتاب أو السنة، أو على الأقل مقارنا له.

إذا أنا خصصت به عموم الكتاب أو السنة، هنا أكون كأني جعلته كحكم الملفوظ به في السياق وإن لم يلفظ به، كأنه لفظ به. قال: فإن العادة الطارئة بعد التلفظ بالعام لا أثر لها؛ إذا كان العرف القولي طارئا بعد زمن النبوة، طرأ في زمن الصحابة أو التابعين ولم يكن في زمن نزول الكتاب أو السنة، لا يجوز أن يخصص به عمومات الكتاب والسنة. وقال: ولا ينزل اللفظ السابق على العرف الطارئ قطعا، كما قال ذلك الزركشي رحمه الله أيضا في البحر المحيط.

تمام، هذه قضية ننبه لها، أنه لا بد وأن يكون العرف القولي الذي تخصص به عمومات الكتاب والسنة هو سابق عليها من أيام الجاهلية أو مقارن لها، مثلا من حلف: «لا آكل شواء». وطبعا هل هذه المسألة بحثناها فقط في نصوص الكتاب والسنة؟ الحقيقة في القواعد الفقهية المسألة أعم من ذلك، وتبحث في كل عمومات أقوال المكلفين.

أنا هنا لست في أصول الفقه حتى أبحثها من ناحية أصولية، أنا هنا في الفقهية، فأنا أبحثها من جهة أقوال المكلفين. فعمومات أقوال المكلفين هل تخص بالعرف القولي السائد؟ نقول: إذا كان العرف القولي سابقا على تلفظك يا أيها المكلف باللفظة، أو كان العرف القولي مقارنا، فنعم يخصص عموم كلامك بالعرف السائد.

أما إذا كان العرف طارئا بعد أن تكلمت؛ يعني واحد حلف يمينا عاما في سنة 1930 على شغله، وما كان في عرف متعلق بهذه الشغلة، مثلا نحن اليوم إذا قلت: «والله ما بهاتفك»، العرف عندنا أن المهاتفة هي بالجوال. لكن في عام 1930 مثلا، إذا قال: «والله لا أهاتفك»، ما كان في جوالات، فالمهاتفة الأصل فيها أن تكون بالمحادثة، أن أجلس أنا وإياك ونتكلم. الآن الذي يخلي المهاتفة هي الجوال لو شخص حلف عام 1930 ولساته عايش لليوم، فقلنا له: لا يا حاج، هذا الحج ختال صار عمره 97 سنة.

يقول لك لو قلنا له: يا عم اليمين تاعك يحمل على المهاتفة بالتلفون، تقول له: أنا لما حلفت «والله لا أهاتفك» كان عمري في العام 1930، وما كان العرف أن المهاتفة بالتلفون موجود، فالأصل لما حلفت ذلك اليمين أن تبقى المهاتفة على عمومها وهي المحادثة، وتخصصها بالمهاتفة بالتلفون أنت حملتها على عرف طارئ بعد 50 أو 60 سنة، فهذا العرف الطارئ لا يجوز أن يعود بأثر رجعي على الكلام السابق.

حتى العرف القوي لكي يكون مخصصًا لابد أن يكون كما قلت مقارنًا للوقت الذي تلفظت به، أو يكون سابقًا على الوقت الذي تلفظت به، أما قبله أو مقارن له. فهنا مثلاً من أمثلة تطبيقها على أقوال المكلفين: من حلف «لا آكل شواء»، حنث بأكل اللحم المشوي، لا، بأكل البيض المشوي، في بيض مشوي، ترى صح ولا لا؟ موجود في محلات كعك، هو بيض مشوي. قال: «ولا آكل الباذنجان المشوي»، لو أنا قلت: «والله لا آكل عندك شواء»، يوم من الأيام جئت زرتك أنت، ما قدمت لي لحم مشوي، ايش قدمت لي؟ قلت تفضل شيخ هي باذنجانة مشوية، هل سأحنث إذا أكلت الباذنجان المشوي؟

قال: لن يحنث إلا إذا كان نوى هو من البداية: «لا آكل أي شيء مشوي»، أما إذا هو أطلق وقال: «والله لا آكل شواء» دون أن ينوي في قرارة نفسه كل شيء مشوي، سواء باذنجان ولا بيض، كذا ما كانت هذه النية حاضرة عنده، سأعامل هذا اللفظ صح وإن كان نكرة في سياق النفي، سأعامله على ماذا؟ على أنه مخصوص في العرف باللحم، قال: لأن العرف يخص الشواء باللحم.

طيب النية ليش لا تستطيع أن تعمم؟ لأنه مر عندنا أن الحنابلة يرون أن النية قادرة على تعميم الألفاظ، فما بالك أنه أصلاً كلمة شواء هي أصلاً نكرة في سياق النفي، «لا آكل شواء» هي أصلاً نكرة في سياق النفي هي عامة، فإذا أنت نويت عمومها كأنك ختمت، خلص انتهى، فالعرف لن يستطيع أن يتدخل إذا أنت لم تنوِ عمومها.

وشوف هذا الكلام الدقيق هنا، هو ما بين الشيخ بهذا التفصيل فانتبه له؛ كلمة شواء هي أصلاً نكرة في سياق النفي، يعني هي أصلاً عامة من حيث اللفظ، إذا أنت نويت العموم نويته أنت كأنك ختمت عليه أنه خلص ثبت، إذا أنت ما نويت العموم فهنا أستطيع أن أخصص هذا العموم بالعرف القولي. فهمت كيف صارت القضية؟ فعم نيتك هي التي ستساعدك على أن يخصص عموم اللفظ بالعرف القولي، ونخص بالشواء اللحم، نص على ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو قال: مقتضى مذهب المالكية.

طيب، من حلف «لا يركب دابة»، متى يحنث؟ قالوا يحنث إذا ركب ما هو من ذوات الأربع، لكن لا يحنث لو ركب ما هو من ذوات الاثنين، أو من ذوات الواحد إذا وجد. ممتاز، لأنه هذا هو العرف، تقول لك: «والله ما أركب دابة»، فلو جبنا له من ذوات الاثنين فركبها، تقول له: أنا ليس هذا مشمولًا تحت كلمة الدابة.

وسؤال هنا مثلاً: هل السيارة أعتبرها من ذوات الأربع اليوم؟ السيارة الحديثة، ولا كلمة الدابة في العرف هي لازم يكون حيوان يدب، يعني شيء فيه حياة له أربعة أقدام؟ ولماذا السيارة لها أربع عجلات؟ لأنه ممكن يقال إن السيارة تسمى دابة إذا أردت أن تحرر المعنى، لكن خلينا نشوف العرف؛ العرف عرف أن كلمة دابة هل هي مركبة من ما فيه حياة زائد له أربعة، أو أي شيء فيه أربعة هو دابة سواء فيه حياة ولا لا؟ إذا قلنا لا، العرف يقتضي أن الدابة هو ما فيه حياة من ذوات الأربع، بالتالي لو حلفت: «والله لا أركب دابة»، لا تحنث إلا إذا ركبت حيوانًا من ذوات الأربع، صحيح، ولا تحنث إذا ركبت سيارة.

قال: إلا النوى بكلمة دابة عمومها، لأن هي نكرة في سياق النفي وأنا نويت العموم تبعها: «لا أركب دابة» بمعنى لا أركب أي شيء يدب على وجه الأرض سواء فيه حياة أو لا حياة. فهنا طبعاً نبقى قضية أنه في حياة، هل أصلاً يجوز إدخاله تحت مقتضى كلمة الدابة؟ هي قضية أخرى أنه في اللغة، هل يجوز إدخال الجمادات تحت كلمة دابة من حيث الدلالة اللغوية الأصلية لكلمة دابة؟ وأنا ما عدنا نناقش من حيث الدلالة العرفية، من حيث الدلالة الأصلية؛ ألم تكن الدابة تخص فقط ما فيه حياة ثم خصت ما فيه حياة من ذوات الأربع؟ يعني هذا النقاش، فالمهم الأصل من حلف «لا يركب دابة» إذا بقي على العموم ونواه بأي شيء من ذوات واحد ولا اثنين ولا أربعة ولا خمس بده يحنث.

إذا ما نوى شيئًا فنقول صحيح اللفظة عامة، لكن العرف يخصصها بذوات الأربع، فلو ركبت ذوات الثمان أو ركبت ذوات الاثنين أنت غير حانث، شو اللي خصص عموم كلمة دابة؟ العرف القولي، العرف القولي، وعلى هذا قال المذاهب الأربعة.

أما الحالة الثانية وهي قضية العرف العملي، إذا كان العرف عمليًا فهل يمكن أن يخصص به العموم؟ وهذا هو المثال الذي ذكرناه عن مالك في مسألة الكلاب والإناء، أنه هو يريد أن يخصص الإناء في أحاديث: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم»، مالك يريد أن يخصصها بالإناء التي فيها الشراب، ويخرج الإناء التي فيها الطعام، كيف أخرجتها بالعرف العملي؟ أن عادة العرب في حياتهم أن الإناء التي فيها الطعام يتحفظ فيها ولا يسمح للكلاب الاقتراب منها، فهذا العرف العملي السلوكي يريد أن يجعل مالك مخصصًا لعموم الإناء.

فهمتم الآن شو صورة العرف العملي قبل ما ندخل في الخلاف فيه؟ نفس الشيء في قضية الحدث، أن نفسر مالك، مالك حمل الحدث مثلاً في قوله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث»، حمل الحدث على المعتاد، أما الحدث غير المعتاد زي ما قلنا مثل خروج قرح من الدبر أو غير ذلك من الطاهرات ورطوبة فرج المرأة مثلاً وغيرها، اعتبرها أن هذه لا تنقض الوضوء، ممتاز، باعتبار أنها كلمة الحدث العرف العملي يخصصها بالمعتاد خروجه، وهذا شيء عملي، قضية معتاد خروجه وعدم معتاد خروجه، هذا مش عرف قولي، هذا عرف عملي، شيء حياتي في حياة الإنسان.

فهل يجوز تخصيص العمومات بالعرف العملي؟ يقول فيه قولان؛ القول الأول أنه يخصص اللفظ العام به، قال: وهذا مذهب الحنفية وجزم به بعض المالكية، وهذا الذي بالتالي بيكون مشى عليه في القضايا التي ذكرها ابن دقيق العيد عن مالك، أن اعتبروا تخصيص اللفظ العام بالعرف العملي. قال: مذهب السادة الحنفية وجزم به بعض المالكية، وفي ذلك يقول الدسوقي المالكي، وذكر ابن عبد السلام أن ظاهر مسائل الفقهاء اعتبار العرف وإن كان فعليًا، ونقل النووي عن الباجي أنه صرح الباجي.

أبو الوليد الباجي، أحد عمالقة أصول الفقه عند المالكية، يرى أن العرف العملي يعتبر مخصصًا ومقيدًا، وبه يرد ما زعمه القرافي. وصرح اللغمي باعتباره أيضًا.

الرد على ما زعمه القرافي، كما قال في الحاشية: أن القرافي حكى الإجماع على عدم التخصيص بالعرف العملي. ومعكم القول الثاني: أنه لا يخصص بالعرف العملي، وهذا هو مشهور مذهب الشافعية والحنابلة، وبه قال القاضي عبد الوهاب من المالكية، والقرافي من المالكية، بل قال القرافي وقد حُكي فيه الإجماع. ولكي نكون لطيفين مع القرافي، فالقرافي ليس هو الذي ينقل الإجماع، بل يقول: «وقد حُكي»، أي أن هناك من حكى الإجماع، فهو ليس يجزم بالإجماع، وهناك فرق بين أن أقول «قال القرافي بالاجماع» وبين أن أقول «قال القرافي حُكي فيه الإجماع»، فهو ليس متأكدًا، لكنه يرى أن هناك من نقل الإجماع وهو يميل مع هذا الرأي.

وبعد ذلك يقول: «وهذا هو المشهور في كتب الأصول». لذلك ابن دقيق العيد لما رد على مالك في هذه المسألة، قال: «وفي التخصيص بالعرف منع عند جمهور الأصولية». فهذا هو الذي مشى عليه ابن دقيق العيد، أن التخصيص بالعرف العملي فيه منع. واشتهر التمثيل له بما رواه مسلم في صحيحه، من حديث معمر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: «الطعام بالطعام».

الآن ما المراد بالطعام؟ قالوا: يخصص عموم الطعام بأن المراد به -وكان طعامنا يومئذ الشعير- فانت ترى أن عرفهم العملي مختص بالشعير، مع أن لفظ الطعام يطلق على ما هو أوسع من الشعير، كالبر والشعير وغيرهما. الحنابلة خصصوا الطعام هنا بنوع معين، خصصوه بالمكيل أو الموزون؛ فمثلا لما يقول: «الطعام بالطعام»، فإن أنواع الأطعمة التي ينبغي أن يكون فيها المماثلة هي كل ما كان مكيلًا أو موزونًا، باعتبار أن هذا هو الطعام الذي كان سائدًا في زمنهم، كالموزونات مثل اللحم، والمكيلات مثل البر والشعير وما شابه ذلك، أما ما كان معدودًا بالحب فلم يكن هو الطعام السائد في العرف العملي في زمن النبوة.

قال بعد ذلك: «فهل يخص عموم لفظ الطعام بالعرف العملي هنا؟» نقول حينئذ إن المراد هو بيع الشعير بالشعير، أو يبقى اللفظ على عمومه مقتضى المذهب الأول مذهب الحنفية أنه يخص بالعرف، ومقتضى المذهب الثاني عدم التخصيص. لكن ينبه على أن العادة إذا كانت موجودة في عصر النبي ﷺ وعلم بها وأقرها، فإنها تكون مخصصة للفظ العام ولو كانت عملية. والمخصص حقيقة هنا لن يعتبر العرف، بل سيعتبر إقرار النبي ﷺ.

الخلاف أساسًا يهمك في قضية: هل يخص بالعرف العملي أم لا؟ لكنه ينقلك لمربع آخر، وهو: هل العرف في زمن النبوة هو مجرد عرف، أم يمكن أن ينظر إليه من زاوية أخرى، من جهة كونه سنة تقريرية؟ حقيقة إذا نظرت من زاوية معينة أخرى ستجد أن كثيرًا من الأعراف في زمن النبوة خصص بها الشافعية والحنابلة، لكنهم لم يخصصوا بها من جهة أنها عرف، بل سموها سنة تقريرية.

فهمت ما يحصل معك؟ ستقول لي: «طيب، أنتم كحنابلة كيف خصصتم الطعام بالمكيل والموزون، ونحن اتفقنا أن الحنابلة لا يأخذون بالتخصيص بالعرف العملي؟» فنقول: نحن هنا لم نسمه تخصيصًا بالعرف، بل سميناه تخصيصًا باعتبار السنة التقريرية، أي أن هذا هو الأمر في زمن النبوة، وبالتالي فإن النبي ﷺ لما تكلم بهذه الأحاديث كان في نوع من الإقرار أن المراد هذا النوع؛ لأن في نوع من السنة التقريرية أن المراد هذا النوع من الأطعمة، فنحن أخذنا بالعرف ولكن ليس من جهة اعتباره عرفًا، بل من جهة اعتباره تقريرًا عن النبي ﷺ.

لذلك قال: «لكن ينبه إلى أن العادة إذا كانت موجودة في عصر النبي ﷺ وعلم بها وأقرها، فإنها تكون مخصصة لللفظ العام ولو كانت عادة عملية»، والمخصص سيكون في الحقيقة هو إقرار النبي ﷺ وليس العادة. نبه على هذه الفكرة الإمام الرازي من الشافعية، ولاحظ أن الشافعية يخصصون أحيانًا بالأعراف ولكن لا يسمونها أعرافًا، بل يسمونها سنة تقريرية، ومن هذا الجانب يصبح البحث آخر.

وقد يستأنس لهذا بقضية قول النبي ﷺ: «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة». أقول إن هذه كان فيها إشارة إلى اعتبار العرف في زمن النبوة، فقد كان النبي ﷺ كثيرًا ما يتكلم بعبارات مثل: «بوزنٍ بوزن، كيلاً بكيل»، ثم نبه الصحابة في مجلس آخر: «إني متى قلت وزن فأقصد وزن أهل مكة، ومتى سمعتموني في باب المعاملات أذكر لكم المكيال فأقصد المكيال مكيال أهل المدينة». أليس في هذا تنبيه منه ﷺ إلى اعتبار قضية العرف النبوي في تقرير معاني كلامه؟ أقول إن فيها إشارة إلى ذلك، لأنه كثيرًا ما تكلم بعبارة الكيل والوزن وكأنه في مقام معين نبههم فيه أنه يتكلم باعتبار العرف السائد في زمنه، وهذه فيه إشارة للأمة أن العرف النبوي له خصوصية عن سائر الأعراف، فهو في قوة السنة التقريرية.

أما نحن في زماننا إذا تكلمنا بكلام، فهنا نأتي لتطبيق الخلاف بين الحنفية والحنابلة في قضية: هل العرف العملي يخصص عموم كلامنا أم لا؟ وإن كان مقتضى هذا الكلام -كما بحث الشيخ أيمن ونسبه إلى الرازي- أن القضية سيبقى فيها نوع من الإشكال؛ لأنه لما ابن دقيق العيد نقد كلام مالك في التخصيص، فإنه ناقش قضية تخصيص الآنية بالذرة فقط، وقال إن مالك خصص بالعرف، ومع ذلك يرى ابن دقيق العيد أن فيه منعًا، مع أن هذا العرف الذي يتكلم عنه مالك هو عرف موجود في زمن النبوة، فمالك لم يكن يتكلم عن عرف عملي بعد زمن، بل كان يتكلم عن العرف الذي كان في زمن النبي ﷺ، حين كان الناس تتحفظ في الطعام بما لا تتحفظ في الشراب، ومع ذلك يرى ابن دقيق العيد أن هذا من صور التخصيص بالعرف.

العملي وهو ممنوع وإن كان في زمن النبوة. فباختصار كلام الرازي، لا أظن أنه محل اتفاق؛ هل كل عرف في زمن النبوة سيعامل معاملة السنة التقريرية، أم القضية فيها تحرير أكثر؟ تحتاج القضية إلى وضع معايير أو ضوابط أكثر.

كما قلت، ظاهر كلام ابن دقيق أنه عمم المنع؛ لأنه اعترض على مالك في التخصيص بالعرف، ومالك خصص بعرف فعلي موجود في زمن النبوة. إذاً ابن دقيق يرى أن هذا مشمول في المنع في التخصيص بالعرف، ولم يجعله من قبيل السنة التقريرية، وإلا كان يعترض عليه. فكلام الرازي أن العرف في زمن النبوة دائماً أو مطلقاً يعامل معاملة السنة التقريرية أظنها تحتاج إلى بحث أدق، والله أعلم.

قال ومثاله مثلاً: أن يعتادوا بيع الموز بالموز متفاضلاً بعد ورود النهي ويقره النبي ﷺ، فإن العادة هنا ستكون مخصصة. قال: كان يعتاد بيع الموز بالموز متفاضلاً بعد ورود النهي ويقره النبي ﷺ، فإن هنا العادة -عادة بيع الموز بالموز متفاضلاً بعد ورود النهي عن التفاضل- ستكون مخصصة؛ أن هذا النوع من التفاضل ليس فيه مشكلة لأنه كان موجوداً، ومع ذلك النبي ﷺ ما منعهم منه، فيكون مخصوصاً من عموم قوله: «لا تبيع الطعام إلا بمثل».

وكان من عادتهم أنهم يبيعون الموز متفاضلاً، فسكوت النبي ﷺ عن هذه الحالة وبقاء الصحابة يعملون بها هو فيه إشارة إلى سنة تقريرية، وهو أنه أقرهم على بيع الموز بالموز متفاضلاً. إذاً هذا مستثنى من عموم "الطعام بمثل" ومخصص له. فيكون التخصيص هنا ليس بالعرف، بل من جهة إقرار النبي ﷺ لهذا العرف وعدم اعتراضه عليه، فهي جهة أخرى غير الجهة العرفية، هي جهة السنة التقريرية. أقول هذا الكلام ذكره الرازي، ويمكن فعلاً أن يحمل على أوجٍ صحيحة، لكن بقيت القضية: هل هو على إطلاقه؟ هل فعلاً الموضوع على إطلاقه تماماً؟ هذه فقط أقول اجعلها نقطة بحث.

قال: فمما يتفرع على الخلاف في تخصيص عموم كلام المكلفين -لأننا عموماً في القواعد الفقهية مش هدفنا تحليل كلام الشارع، هدفنا أحكام الأحكام، أما هنا في المنحة الإلهية نتكلم عن كلام المكلفين- مثال تخصيصه بالعرف العملي: من حلف «لا آكل خبزاً» فأكل خبز الأرز، أو خبز الذرة، أو خبز الدخن. فنص الشافعية والحنابلة على أنه لا يحنث، أي لا يحنث بفعله بذلك؛ سواء كان في مكان يعتاد أكل هذا الخبز فيه، أو في مكان يندر أكل خبز الذرة فيه. وخالفهم الحنفية وابن عبد السلام من المالكية، فقالوا: لا يحنث بما جرت عادة أهل بلده بأكله.

لاحظوا هنا أنه كما قلنا في الدرس الماضي فرقنا بين موضوع اللحم وبين موضوع الخبز؛ أن اللحم صار في عرف قولي في إطلاقه، أنه يطلق على لحم الغنم ولا يطلق على الدجاج والسمك. أما الخبز، فموضوع أننا في الأردن نطلق الخبز على خبز الشعير أو حبة القمح ولا نطلقه على خبز الذرة، هذا اعتبروه ليس من قبيل العرف القولي، بل من جهة العرف العملي؛ أن العمل الدارج في الأردن أن الخبز الذي يباع في المحلات هو خبز القمح.

بالتالي لما أقول لك: "روح جيب خبز" أو "والله لا آكل خبزاً"، ورحت أنا أكلت خبز ذرة، هل نقول العادة العملية -وهي أن الخبز الذي يشترى هو خبز القمح والبر- تخصص عموم "والله لا آكل خبزاً"؟ فلا أحدث إلا إذا أكلت خبز القمح والشعير. من أين جئت بهذا التخصيص؟ من العرف العملي، وهو أن الناس إنما يشترون خبز القمح والشعير فقط.

قال: لا، عند الحنابلة حتى لو اشترى خبزاً ليس من الخبز المتداول، راح اشترى خبز تميس أو راح اشترى خبز ذرة أو خبز دخن، لا يعتبر هذا حانثاً. تقول: يا شيخ، عادة الخبز المستعمل هو البر أو الشعير، أقول لك: بالنسبة للعرف العملي على قواعدنا لا يخصص، فحتى لو اشتريت خبزاً نادراً موجوداً وأكلته أنت لا تحنث. أما الحنفية فقالوا: لا يحنث إلا إذا أكل الخبز الذي هو عادة أهل بلده.

لكن هنا عندي بحث في النظر في كلمة الخبز؛ هل فعلاً القضية هنا فقط عرف فعلي، أم أن القضية أصبحت فيها أيضاً عرف قولي؟ هل قضية أن الخبز يحمل على خبز البر أو الشعير ما زالت في مساحة العرف الفعلي، أم مثلها مثل اللحم؟ تلاحظ أن اللحم يعتبرونه عرفاً قولياً، لكن الخبز يعتبرونه عرفاً عملياً. هل هذا باعتبار أن كلمة الخبز ما زالت تستعمل لما هي أوسع؟ يعني ما زال لها استعمال في خبز الذرة، وما زال لها استعمال في خبز الحمص أو خبز الفول، لكن أنتم هنا لا تستعملونها كثيراً، بل ممكن في منطقة أخرى يستعملونها. أما اللحم، فكلمة اللحم هُجرت دلالتها على السمك والدجاج، وأصبحت دلالتها على لحم الضأن هي البارزة.

إذن هناك بحث دقيق؛ أظن أن العرف العملي في مرحلة معينة ممكن يتطور لعرف قولي، ويمكن يبقى ضمن مساحة العرف العملي. كيف صارت اللحم تطلق فقط على الضأن أو بهيمة الأنعام وما عادت تطلق على السمك والدجاج، بينما الخبز لا، أنت تعتبره أنه ما زال يطلق على كل أنواعه، بس العرف العملي في بلدك هو الذي جعله خاصاً بخبز البر والشعير؟ تشعر كأن هناك أعرافاً فعلية عملية تتطور بصورة معينة مع مرور الزمان لتصبح عرفاً قولياً. فممكن في فترة من الفترات يصبح الخبز إذا أطلق، خلص، لا يتبادر من الذهن في القول إلا خبز الشعير والحنطة.

ما المانع أن يصبح الخبز مثله مثل اللحم؟ هل في مانع من اللغة؟ لا. فالسؤال الذهني: ما الذي جعل إطلاق الخبز ما زال على عمومه والعرف العملي هو الذي يخصصه، بينما إطلاق اللحم صار عرفاً قولياً؟ نقول، والذي يظهر والله أعلم أنها قضية مدى الاشتهار وتناس الأصل؛ يعني اللحم وإن كان يطلق على أي لحم حتى السمك، لكن كأنه نوع من الأصل المهجور، وأصبح فعلاً في اللسان "اللحم" والعرف العام عند البلدان يطلق على ما كان بهيمة أنعام فقط، وأما الخبز فلا، ما زال استعماله في كل الأنواع موجوداً ولكن عادته...

الناس في قرية بيستعملوه في كذا عادة، والناس في قرية بيشتروا نوع ثاني، فما زال كلمة الخبز دارج استعمالها في كل الأنواع؛ فيقال خبز الحمص، خبز الفول، اسمه خبز. لكن كلمة السمك ما عاد حدا بيحكي لحم سمك، ما حدا بضيفك لحم السمك، قال له بجيب لي سمك، هذا هو الدارج.

فالذي يظهر لي -والله أعلم وأقول هذا بحثًا ولا أقوله إقرارًا وجزمًا- أن العرف العملي في مرحلة معينة إذا تنسوسي الأصل يصبح عرفًا قوليًا يفسر به القول، لكن في مرحلة بدائية قد يبقى مجرد عرف عملي ليس حاكمًا على القول، فهذا ينتبه له.

وهذا سيعينك أصلًا على حل إشكالاتي بين مثال الخبز ومثال اللحم، أنني أريد أن أعرف ما الفرق بينهم، فهمت علي؟ هو عم بيساعدك على حل إشكالات كذلك. ولو قال خياط يخيط جميع أنواع الثياب ويطلق عليها جميعًا هذا الاسم، وكان عادته لبس الثوب الخليجي فقط، هذا ممكن يساعدك أكثر وأكثر على تطوير الفكرة، فهل يحنث بلبس الثوب المغربي مثلاً، القفطان هذا؟

قد يقال مقتضى القول الأول، وهو قول الحنفية، التخصيص بالعرف العملي يقتضي عدم الحنث، ومقتضى القول الثاني وهو أنه لا يخصص بالعرف العملي -التخصيص بأيش؟ بالعرف- عفواً، عدم التخصيص بالعرف؛ الحنابلة والشافعية يرون عدم التخصيص بالعرف العملي.

يعني شو صورة المسألة؟ واحد خياط مقيم في الخليج، ايش قال؟ والله لا أخيط ثوبًا. هسه في الخليج كلمة الثوب تطلق على إيش؟ على الثوب الخليجي، الدشاديش هذه التي نلبسها. العرف العملي إذاً هل سيخصص كلمة الثوب في الثوب الخليجي، بحيث لو هذا الخياط جاء واحد من المغرب قال له والله بدك تخيط لي ثوبًا مغربيًا، قال: آه ما في مشكلة، لأنني حلفت لأخيط ثوبًا، والعرف يخصص بالثوب الخليجي لأنه هذا هو العرف العملي، بالتالي ما في مشكلة إذا أخذ ثوبًا مغربيًا؟

عند الحنفية نعم، يصلح التخصيص بالعرف العملي، أما عند الحنابلة والشافعية كمقتضى مذهبهم لا يجوز له أن يخيط لا ثوبًا خليجيًا ولا ثوبًا مغربيًا لأننا لا نخصص بالعرف العملي. ففي نفس الشيء هنا كلمة الثوب نلاحظ أنها ما زالت تستعمل في عموم الثياب، سواء الثياب الخليجية ولا المغربية ولا السودانية ولا كذا، لكن في الأردن أو في الخليج المتبادر منها نوع معين، شكل معين، وفي المغرب المتبادر منها شكل آخر.

فتلاحظ أنه هنا الثوب لم يجعل لها عرف قولي، بقيت وجود فقط عرف عملي؛ لأن كلمة الثوب ما زالت تطلق على هذا وعلى هذا وعلى هذا، بس في الخليج يطلق على شكل معين وهنا يطلق على شكل آخر، فهنا تقول ثوب خليجي وهنا تقول ثوب مغربي، فكلمة الثوب ما زالت مستعملة هنا وهنا، لكن الإقليم الذي أنت فيه يجعل لها شكلاً ونمطاً معيناً، بخلاف كلمة اللحم؛ هنا كلمة اللحم تنسوسي إطلاقها واستعمالها في السمك أو الدجاج، فبالتالي صارت من قبيل العرف القولي وليس فقط ضمن العرف العملي.

هذا كله داخل تحت التقسيم الأول بالتفريق بين العرف القولي والعرف العملي، أليس كذلك؟ في تقسيمات العرف، الصفحة 15، وكان أول شيء تقسيم العرف باعتبار هو: عرف قولي ولا عرف فعلي. وقلت إنه هنا أصلاً في إشكال في تقسيم الشيخ؛ لأنه هنا العرف القولي أو العرف الفعلي هو في كلا الحالتين يتكلم عن ألفاظ، بس هناك ألفاظ لها عرف قولي كلفظه مثل اللحم، يطلق على غير السمك والدجاج، وهناك ألفاظ لها عرف عملي.

بينما في أصل تقسيمه لهذه القاعدة هو تكلم عن الفرق بين العادة والعرف، وتكلم عن العادة باعتبارها عادة مالها دخل بالألفاظ، وتكلم عن العرف باعتباره قول في الكلام، يعني في نوع من التداخلية في هذا الموضوع، كان ينبغي أن يحرر أكثر في اعتقادي. لأنه لما تكلم عن قضية تخصيص العموم بالعرف، أراد أن يفرق بين العرف القولي والعرف العملي، بس باعتبار أن العرف العملي يساعد على تفسير الألفاظ وشرحها؛ يعني هو لا يتكلم هنا عن العرف فقط باعتباره عرفًا عمليًا أو عادة، لا، هو يتكلم عن دور العرف في تفسير الألفاظ.

فقال لك العرف القولي نعم يساعد ويشارك في تفسير الألفاظ ويخصص عموماتها، لكن العرف العملي هل يساعد ويشارك في تخصيص الألفاظ؟ هنا ذكر الخلاف بين الحنفية وبعض المالكية وبين الشافعية والحنابلة.

نذهب إلى الطريقة الثانية في التقسيم، وهي تقسيم العرف باعتبار مصدره؛ فقال ينقسم العرف إلى عرف عام وعرف خاص وعرف شرعي، الذي نحن نسميه الحقيقة الشرعية. قال وهي ما يسمى عند بعض الأصوليين بالحقيقة العرفية العامة والحقيقة العرفية الخاصة، والحقيقة الشرعية بحثناها في بلغة الوصول، إذا تتذكرون قلنا إن هناك حقيقة لغوية وحقيقة شرعية وحقيقة عرفية، والحقيقة العرفية تقسم إلى حقيقة عرفية عامة وحقيقة عرفية خاصة.

قال فالحقيقة الشرعية هي اللفظة التي استُفيد من الشرع وضعها لمعنى جديد يختلف عن المعنى اللغوي الأصلي نوعًا ما؛ قال الفخر الرازي: كإطلاق لفظة الصلاة على الأقوال والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، وإطلاق لفظ الصيام على الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذه كلها عرف شرعي، وإلا في اللغة. فالأمر أوسع من ذلك.

وأما الحقيقة العرفية فهي التي انتقلت عن مسماها إلى غيره، ليس إلى معنى شرعي، بل انتقلت إلى معنى آخر في حياة الناس في عرف الاستعمال، كما قال الفخر الرازي. فإن كان ناقلوها عن المعنى الأصلي طائفة مخصوصة فهي حقيقة عرفية خاصة، مثلما حكيت لكم في الدرس الماضي قضية الخنزيرة والكلبة، أن كلمة الخنزيرة تطلق على الخشبة شبه التي يطلع عليها العامل، هذه في عرف مَن؟ في عرف الصنائعية يسمونها خنزيرة، أو الكلبه تطلق على قطعة حديدية معينة، هي من نقل الكلبه إلى قطعة حديدية معينة؟ هم عرف الصنائعية، فهذا عرف خاص.

وأما إذا كان الذين نقلوها هم أهل المجتمع عمومًا فهذا يسمى عرفًا عامًا، مثل لفظة الدابة إطلاقًا على ذوات الأربع، هذا ليس أهل حرفة معينة، هذا عموم الناس عليه، وكذلك مثل قضية إطلاق اللحم على نوع معين، هذا عرف عام. وتوضيحها أن اللفظة إذا نقلها الناس عن معناها اللغوي إلى معنى آخر، فتارة يكون اصطلاحًا لطائفة مخصوصة كالنحوي مثلاً: رفع ونصب.

والجر من معانيها اللغوية إلى معاني خاصة. فالنصب في المعنى العام أن تكون نصابًا تضحك على الناس، لكن النصب عند النحاة له دلالة خاصة، وهي تلك الحركة من الفتحة أو ما ينوب منابها والتي تظهر عند عامل معين، هذا عرف خاص. وكذلك مفهوم مثل القياس والنسخ والعلة، في معانيها اللغوية عند الأصوليين أصبح لها معاني مختلفة نوعًا ما، فهذه لها حقائق عرفية خاصة أو عرف خاص.

وكذلك مثل ذلك في كل ما اصطلح عليه أرباب علم معين أو مهنة معينة، وتارة يكون ناقلها عن المعنى الأصلي ليست طائفة مخصوصة بل هو نقل عام مجتمعي، مثل لفظة الدابة كما قلنا. ومن ثم يتبين لك أن حقيقة اللفظ أربعة أنواع على التفصيل: حقيقة لغوية، حقيقة شرعية، عرفية عامة، وعرفية خاصة؛ هكذا هي دلالات الألفاظ.

ويلخص سعد الدين التفتازاني هذه القضية فيقول: فإن كان ذلك التعيين من جهة واضع اللغة، أي أن هذا اللفظ عينت له معنى، من الذي عين؟ إذا كان الذي عين هذا المعنى لهذا اللفظ هو واضع اللغة -وفي خلاف من واضع اللغة، توقيف اللغات عند الأكثرية، ومذهب الماتريدية والأشاعرة في مسائل كثيرة فيها من الواضح هل الله... المهم خذ الفكرة العامة الآن- إذا كان الذي حدد هذا المعنى لهذا اللفظ هو واضع اللفظ، فهذا يسمى عند إذ حقيقة لغوية.

وإلا، فإذا كان الذي حدد هذا المعنى لهذا اللفظ هو الشارع سبحانه فهذه حقيقة شرعية. وإلا، فإن كان من حدد هذا اللفظ لهذا المعنى هم قوم مخصوصون كأهل الصناعات من العلماء، فهو عرفي خاص ويسمى اصطلاحًا. وهنا معنى دائمًا التعريف الاصطلاحي، أكيد بتمر معكم في كل الكتب، التعريف الاصطلاحي ماذا يعني؟ اصطلاح هو اتفاق أهل الفن، هذا كله يسمى عرفًا خاصًا.

وإلا، فإن كان الذي وضع هم عموم الناس، ولكن ليس الواضع الأصلي، وإنما الناس تواطؤوا على أن خلص الدابة على ذوات الأربع، فهذا اسمه عرف عام. وبالتالي هنا أنبهك على قضية، أن كثيرًا من الشباب مثلا في باب العلوم الوسائل، زي أصول الفقه أو مصطلح الحديث، يأتي كثيرًا بقول: عرف أصول الفقه شرعًا. نقول هذا الكلام ليس دقيقًا، عرف لي الإجماع شرعًا، عرف لي القياس شرعًا، ونقول الصواب أن يقول: عرفه اصطلاحًا؛ لأنه لما تقول لي عرفه إياه شرعًا كأنك تزعم أن هناك حقيقة شرعية منحك إياها الله سبحانه وتعالى وقال لك هذا معناه كذا.

الحقائق الشرعية لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة -إذا قيل بحجيتها- لا تؤخذ مما وضعه العلماء المتأخرون من اصطلاحات. ما ينفع تقول لي التأويل شرعًا هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر، لا ما ينفع، تقول لي النص شرعًا هو ما دل على معنى واحد، هي كلها مصطلحات أصولية اصطلح عليها أهل الأصول، أو أهل مصطلح الحديث، أو علماء الجرح والتعديل، كذا. ما ينفع تأتي تقول هذه معانيها الشرعية، نقول هذه معانيها الاصطلاحية عند أهل هذا الفن. فمن المهم جدًا أن تفرق بين الحقيقة الشرعية والمفهوم الشرعي والحقيقة الاصطلاحية في العلوم الشرعية.

تنبيه: يطلق العرف العام ويراد به ما كان في جميع البلدان، والخاص ما كان في بعضها، وهذا مشهور عند الحنفية. وهذا ما فعله الشيخ الزرقا لما أتى إلى قضية أن الحاجة تبيح المحظورات، سواء كانت حاجة عامة أو خاصة. تذكروا كيف عالج الشيخ الزرقا الموضوع، وكيف أن الحاجة تبيح المحظورات سواء كانت حاجة عامة أو خاصة؟ قال لك: ليس المراد بالحاجة الخاصة حاجة فرد، بل المراد بالحاجة الخاصة حاجة فئة معينة، والمراد بالحاجة العامة حاجة مجتمعات عمومًا، فجعل حتى كلمة خاصة تدل على فئة وليس على فرد.

فإذاً أحيانًا قد يطلق كلمة عرف عام وعرف خاص بالتحديد عند الحنفية، انتبه المراد عندهم بالعرف الخاص ليس عرف أهل صنعة معينة؛ لا يطلقون العرف الخاص على ما كان مشهورًا عند الناس بس في بلد معين، هذا عند الجمهور يسمى عرفًا خاصًا، لكن عند الحنفية يدخل تحت العرف العام. عرف بلد معين عند الجمهور يبقى داخلًا تحت العرف العام، وعند الحنفية يجعلونه تحت العرف الخاص.

وفي ذلك يقول ابن عابدين عن العرف العام في رسالته في العرف: «وهو ما تعاملت به عامة أهل البلاد عامة، سواء كان قديمًا أو حديثًا». وهذا هو المراد عند تقريرهم في الأصول أن النص يخص بالعرف العام دون الخاص. كيف استفدنا هذه؟ كلام مهم؛ مش نحن قبل شوي لما قلنا أن الحنفية يرون أن الألفاظ العامة تخصص بالعرف العملي؟ هنا ينبهنا إلى قضية، وهي أن الحنفية لما كانوا يقولون أن اللفظ العام يخصص بالعرف العملي، يقصدون بالعرف العملي العرف العملي العام الذي عليه أهل البلدان عمومًا، مش العرف العملي لطائفة معينة.

فيقول: وهذا هو المراد عند تقريرهم في أصول الفقه أن النص الخاص يخص بالعرف العام دون الخاص. فبدك تنتبه أنه العرف الخاص لأهل بلدة معينة أو ناحية معينة، هل يخصص عموم الألفاظ؟ ظاهر كلام الشيخ أيمن أنه لا يخصص، بل لابد في العرف العملي حتى يخصص أن يكون عرفًا عمليًا عامًا، يعني هو قول جمهور الناس في هذا الزمان.

نأتي إلى النقطة الثالثة وهو تقسيم العرف. إذا تكلمنا عن تقسيم العرف باعتباره هل هو عرف قولي ولا عملي، وتكلمنا عن تقسيم العرف باعتبار مصدره، عرفنا هناك عرفًا شرعيًا وهناك عرفًا حياتيًا ومجتمعيًا، وهذا العرف المجتمعي ممكن نسميه عرفًا عامًا وعرفًا خاصًا. نذهب إلى العرف من جهة اعتبار الشارع له، فينقسم العرف إلى عرف صحيح وعرف فاسد.

العرف الصحيح هو العرف الذي لا يخالف الشرع، وأما العرف الفاسد فهو الذي يخالف الشرع. وبناء على هذا، يدخل في العرف الصحيح ما أمر به الشارع كستر العورات؛ فإنه مأمور به وجرت به عادة العقلاء، فستر العورة عرفي وشرعي. ويدخل أيضًا ما كان غير مأمور به لكن لم ينهَ عنه الشارع الحكيم، مثل التعارف على أنظمة المرور، وإنشاء الجامعات، وتقديم الخطيب هدايا لخطيبته دون أن تحتسب هذه من المهر، وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل. كل هذه أعراف عملية، أليس كذلك؟ وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل هذه أعراف عملية لم يأمر بها ربنا سبحانه، لكنه في نفس الوقت لم ينهَ عنها، بالتالي تعتبر صحيحة ومعتبرة. فالعرف الصحيح هو كل عرف لا يخالف الشرع، سواء أمر به الشرع وأكد عليه أو سكت عنه.

وأنا أنظر في قضية أن المهر معجل ومؤجل، مع كلام الشيخ سابقًا أن مرادهم في أصول الفقه أن النص يخص بالعرف العام دون الخاص؛ أن هذه القواعد يجب أن تحرر عند الحنفية أكثر وأكثر. هو على كلامه أن العموم إنما يخص بالعرف العام في شرحهم، أي عرف أهل البلدان عمومًا، ولا يخص بالعرف الخاص الذي هو عرف أهل المنطقة.

هذا يحتاج إلى تقرير أكثر وأكثر؛ نحتاج أن ننظر في المذهب الحنفي في من أعطى مهرًا وكان المهر في هذا البلد العرف العملي أنه ينقسم إلى معجل ومؤجل، لكن في البلد الذي بجانبهم ما عندهم هذا التقسيم. فهل أنا مثلا في الأردن إذا قلت مهرًا، والعرف العملي أنه ينقسم إلى معجل ومؤجل، نعتبر أنه في الأردن إذا قال واحد لزوجته يتزوجها مهرك 5000، والعرف أنه نصفها معجل ونصفها مؤجل، فبالتالي لو أنا ما نصيت على أنها نصفها معجل ونصفها مؤجل، العرف العملي الموجود سيخصص عموم كلامه عند من؟ عند الحنفية؛ لأن هذا عرف عملي هم الذين يخصصون به، وهم الحنفية وبعض المالكية.

سؤالي: هل هذا العرف العملي الذي يخصص هو موجود في كل البلدان؟ أن الذي يقول 5000 أو 10000 إذا لازم بالنص: "نصفها معجل ونصفها مؤجل"، أم عرف قد يكون في بعض البلدان ومع ذلك يخصص به؟ الإشكال هو لما نقل كلام الحنفية قبل قليل في أعلى الصفحة أن العرف الذي يخصص به هو العرف العام، وما هو العرف العام؟ قال هو الذي يؤخذ به في جميع البلدان.

بناء على هذا الكلام، إذا واحد في الأردن قال لزوجته: "لك مهر 10000"، وكان العرف أنه اللي بيحكي هيك في الأردن العرف العملي أنه هي بتكون نصها معجل ونصها مؤجل، بس في العرف الخليجي لا، بتكون إذا حكى 10 كلها معجلة، وفي العرف العراقي أو العرف الأفريقي بتكون كلها مؤجلة؛ هل الحنفية سيقولون لا نخصص بالعرف العملي تبع الأردن في هذا المكان؟ ليه؟ لأنه عرف خاص بأهل الأردن، وبالتالي إذا قلت لزوجتك 10000، الأصل نتعامل مع منطوق اللفظ وعليك العشرة كلها، ولا نقبل تخصيص العرف بالعادة العملية باعتبار أن العادة العملية هنا هي عادة خاصة بأهل الأردن وليست موجودة في الخليج والمغرب.

مفهوم كلام الشيخ أيمن هكذا أنه العرف العام فقط هو الذي يخصص، وأما العرف الخاص بأهل بلد لا يخصص إطلاقات أهل هذا البلد. هذا يحتاج إلى تحرير أكثر حقيقة في فهم مذهبهم في هذا؛ لأنه أحيانًا قد يكون ما هو مراد في أصول الفقه غير ما هو مراد في القواعد الفقهية. في أصول الفقه أنت تتعامل مع نصوص الكتاب والسنة، فممكن فعلاً تكون قضية العرف العام فقط هو الذي يخصص عمومات الكتاب والسنة، لكن في أقوال المكلفين هنا -أنا ما بتكلم عن المصادر التشريعية، بتكلم عن كيف أفهم كلام المكلف- فهل أيضًا فقط أعتبر العرف العام؟ لأن حقيقة أكثر الأعراف هي أعراف أهل بلدان وتختلف من بلد إلى آخر.

فأقول هذا أيضًا مما يحتاج إلى التنبه؛ لأن الشيخ يقول مما قرروه في أصولهم أن النص يخص بالعرف العام. هل النص هنا يشمل كلام المكلفين وكلام الشارع، ولا بس كلام الشارع؟ إذا كان بس كلام الشارع، فممكن أقبل قضية أنه يخص بالعرف العام دون الخاص، لكن إذا كنت برضه تشمل فيها كلام المكلفين، فهنا سيقع كثير من الإشكال في هذه الأمثلة؛ لأن أكثر الأعراف هي أعراف تختلف من مكان إلى مكان. فما معنى قولك إن العرف العام اتفق عليه أهل البلدان؟ يعني ما المراد بأهل البلدان هنا؟ برضه صار بدها تحرير؛ هل الأردن تعتبر بلد ولا بلدان على كلامكم؟ هذه كلها نقاط أثيرها حتى ينظر في تحريرها أكثر وأكثر.

نعود سريعًا لقضية العرف الفاسد والعرف الصحيح. عرفنا أن العرف الصحيح ما هو؟ هو كل ما لا يخالف الشرع، سواء أمر به الشرع أو سكت عنه، وأن العرف الفاسد هو الذي يصطدم مع الشارع ومع الشريعة. كمثل نكاح الشغار الذي كانوا يفعلونه، وهو نكاح البدل؛ اليوم موجود للأسف أنه واحد مثلاً يعطي أخته لشخص مقابل أن ذاك الشخص يعطيه أخته زواجًا بس ما يكون هناك مهر مالي بينهما. كذلك ما يكون في كثير من الأعراس مثلاً من الاختلاط، ومن الرقص الفاحش، ومن سماع المعازف؛ تقول لك والله هيك العرف، نقول هذا عرف يصطدم مع الشريعة. كذلك السفور، بعض الناس يقول لك يا أخي أصبح السفور عادة فلا ينبغي محاربته، نقول: أي عادة أتكلم؟ العادة التي تخالف الشريعة يضرب بها عرض الحائط. التعامل بالربا، وتوريث الذكور دون الإناث في بعض البلدان، ومشاهدة العورات في المصارعات الحرة والألعاب الرياضية؛ بعض الناس يقول لك مشاهدة العورات يا شيخ صار عرف، أقول أي عرف هذا الذي يصادم الشريعة؟ ما يقبل. بدنا ننتبه لكثير مما يعيشه الناس اليوم من المحرمات يحتجون عليه بالعرف، ويقول العرف؛ العرف لا يحل حلالًا ولا يحرم حرامًا إذا اصطدم بأصول الشريعة يضرب به عرض الحائط.

الاعتبار الرابع في تقسيم العرف من حيث عمل أهل العرف به: التقسيم الرابع للعرف هو تقسيم العرف من حيث مدى العمل به في داخل المجتمع. فنقول هناك عرف مضطرد، وهناك عرف غالب، وهناك عرف مشترك، وهناك عرف نادر؛ أربعة أقسام: مضطرد، غالب، مشترك، نادر.

ذلك أن ما يتعارف عليه الناس إما أن يكون معمولًا به عند جميع أهله دون تخلف أحد منهم عن ذلك، فهذا يسمى في علم القواعد عرفًا مضطردًا؛ كل أهل البلدة يعملون بهذا الشيء، ما في واحد ما بيعمل به، وهذا أظنه نادر جداً، يعني وجود هذه الصورة نادر، أن لا أحد يتخلف عن أهل العرف. هذا نادر، مثل ايش؟ ممكن نحمل هذا الشيء في مجتمعنا، عرف الكل يعمل به، يعني أخشى أن كل مثال سيكون محل طعن. ستقول لي مثلاً بيع المعاطاة، الكل يروح على المخابز يحط النقود ويطلع؛ يعني إذا بدي أجي أقول أقرب شيء لهذا أنه، عمري في حياتي في الأردن ما شفت واحد وقف عند البياع يقول اشتريت منك هذا الخبز بمقدار كذا، يعني عمري ما شفت واحد عند بيع الخبز يروح يوقف، ما حدا فاضي أصلاً، المحاسب يقول له خلصني. فإذا بدي أعتبر عرفًا مضطردًا، ها، بس كمثال مش عشان رأيه، اعتراض مثاله إذا قد كفى الفرض ولا احتماله، أنه مثلاً قول زي بيع المعاطاة في الخبز.

مضطرد جداً في بلادنا أنه ما في حدا يقعد يقول للبيع بعتك إياه بنصف دينار، فيقول ذلك قبلت. إذا حدا فيكم شاف يخبرني؛ بس أنا لا أعلم أحداً. فهذا قد يكون عرفاً مضطرداً على الأقل في المحرجات.

وأما أن يكون غالباً؛ يعني يعمل به الأكثر، وإن كان البعض قد لا يعمل به، مثل قضية المهر المعجل والمؤجل، فالغالب وجود مهر معجل ومؤجل، بس ممكن البعض يقول لك: أنا بدي إياه كله معجل، موجود مثل ذلك.

وأما أن يستوي العمل به وتركه؛ يعني تقريباً 50% يعملون فيه و50% لا يعملون فيه، فهذا يسمى العرف المشترك. تمام، مثل ماذا ممكن نقول مثال على العرف المشترك؟ بغض النظر طبعاً عرف فاسد ولا صحيح الآن، فلو أتينا مثلاً للأسف في واقع مجتمعنا، ممكن نقول مثلاً بالنسبة لوضع المعازف، ممكن نقول إن نصف الناس تضع وممكن لا تضع، ولا هذا مثال حالِم، ممكن نقول مثلاً التعامل بالربا، ممكن نقول للأسف أن هذا بعض عرف فاسد، لأنه حتى بعض من ضعفت ديانته قد يتخوف من التعامل في الربا، فممكن نقول مثلاً 50% إلى 50%. تمام، مثل نسبة النجاح في الثانوية العامة، يعني في عرف صار أن عادة نسبة النجاح 55%، السنة طفرت شوي صارت 24، بس أنه في العادة بتلاقي في العرف أن نسبة النجاح نصف بالنصف، إذا سميناها عرفاً طبعاً.

وأما أن ينظر العمل به ويغلب العمل على خلافه، فهذا هو العرف النادر. مثلاً أن يأتي شخص ويشتري منك مثلاً بـ 20، ويكون يقصد بـ 20 دولاراً. هسا هذا في الأردن أن شخصاً يشتري منك سلعة ويقصد بمبلغ غير المبلغ المتعارف عليه وهو الدينار الأردني هذا نادر؛ بأي مكان أنت بتروح عليه في الأردن كله بيتعامل بالدينار، يعني لو رحت له قلت له بدي أعطيك دولار بقول لك الله يسهل عليك. شيخ بس ممكن مثلاً في بعض الفنادق الفخمة العالمية يقبلون بالدولار، ممكن بعض الفنادق المتقدمة، بس أن هذا شيء نادر ليس شائعاً.

فالآن طيب بناءً على هذا التقسيم الرباعي ما الذي يستعمل ويبنى عليه أحكام وما الذي لا يستعمل ولا يعتبر في الأحكام؟ يقول: فالأولان معتبران، اللي هو العرف المضطرد والعرف الغالب. فبالتالي مثلاً إذا كنت أنت تقول بالتخصيص بالعرف القولي، فالعرف القولي المضطرد أو الغالب هو الذي يخصص به العموم، وإذا كنت ممن يقول بالتخصيص بالعرف العملي، فالعرف العملي المضطرد والغالب هو الذي يخصص به، أما العرف المشترك أو النادر لا، هذا ما بدخله مثلاً في التخصيصات سواء في التخصيص القولي أو التخصيص العملي.

طبعاً أنتم ملاحظين أن العرف بناءً على الكلام السابق هو تدخله فقط في تخصيص العمومات؟ ولا هو أوسع من ذلك؟ حقيقة العرف تدخله في ما هو أوسع من تخصيص العموم، بل هو أيضاً يشرح المجملات. قد تكون القضية ليس نصاً عاماً بدي أخصه، لا، قد يكون لفظاً فيه إجمال زي لفظ الدينار. هنا أنا مش بدي أخصصه بالدينار الأردني، لا، هذا لفظ مجمل، بعته بدينار، يمكن يحمل على الدينار الأردني والدينار الكويتي والدينار الكويتي والأبصر شو في دورة ثالثة عملة الدينار. بالتالي لما نقول المراد الدينار الأردني، حقيقة هنا قد لا يكون أصلاً في عموم، قد يكون لفظاً مطلقاً: بعتك بدينار. هل هنا في لفظ عموم؟ ما في عموم، نكرة في سياق إثبات، نكرة في سياق إثبات ما هي عموم، لكن هنا العرف كان دوره شرحاً لهذا المجمل؛ كونه الدينار أصبح في حكم اللفظ المشترك الذي يطلق على الدينار الأردني وغيره، فالعرف هو الذي حدد لي ما المراد. فالعرف إياك أن تظن أنه فقط فائدته تخصيص العموم، وتحصر حالك أنه يا عرف قولي أخصص به العموم يا عرف عملي وبالتالي إذا عرف عملي أنا كحنبلي لا أخصص وانتهيت، لا، العرف مساحة تدخله أعلى من ذلك؛ فقد يشارك أيضاً في كما قلنا شرح المجملات وتحديد المبهمات، كل هذا يحتاج فيه إلى العرف. فلكن أي عرف؟ العرف المضطرد أو الغالب، هذا ما نريد الوصول إليه.

طيب، في ذكر بعض أدلة القاعدة، أحسن من استدل بهذه القاعدة ممن وقفت على كلامه الإمام العلائي. تمام، وهذا الإمام يعني حقه مهضوم عند كثير من طلاب العلم حقيقة، رجل من أصحاب العقليات يستشهد به في الأصول والقواعد، يعني له كلام عالٍ وتبعه على أكثر استدلالاته الإمام المرداوي، والمرداوي كثيراً في التحبير ما يستدل بكلام العلائي ويأتي به في مناقشاته الأصولية. بس الفائدة، قال فمما ذكراه أدلة من الكتاب وسنة وأقوال الصحابة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]. يقول القرافي معلقاً على الآية: فكل ما شهدت به العادة قضي به، أنه قال: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، من معاني ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أن نقضي بما شهدت به العادة، بس طبعاً بالضوابط السابقة، أن تكون عادة صحيحة ومضطردة أو غالبة، يعني هذه دائماً هذول أهم شرطين تخليهم على ذهنك؛ العادة الصحيحة بالنسبة للتقسيم: صحيح ولا فاسد، ومضطردة أو غالبة بالنسبة للتقسيم: أنها مضطرد غالب مشترك.

قوله تعالى أيضاً: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. المراد بمعاشرة النساء للرجال والرجال بالمعروف بما تعارف الناس عليه، بس برضه بشرط أن يكون صحيحاً، مش وعاشروهن بالمعروف يكون هذا المعروف الذي تعارفوا عليه فاسداً، فيه محرمات ومنكرات؛ والمرأة تتزين بما لا يرضى به الله وتعمل عمليات تجميل في أماكن غلط وكذا، يقول: ما هو ربنا قال ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يا شيخ، فأنا بدي أعاشر زوجي بالمعروف فبدي أعمل عمليات تجميل في مناطق وكذا وأغير. لا، أنت هذا عرف فاسد، هي العمليات حتى لو انتشرت عند النساء وأصبحت موضة عندهم، ما دامت لا ترضي الله فعرف انتشارها عرف فاسد، لا يدخل تحت ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور: 58]. فأمر الله بالاستئذان في هذه الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال، الابتذال يعني التخفف من الثياب، أن يكون الواحد هيك شوي متخفف، ماخذ راحته ووضع الثياب، ما بكون قاعد رسمي بوقار وهيبته، بكون متخفف وجالس برداء داخلي أو مش لابس الدشداش الشرعي، قال فبُني الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه. وكان القضية مثلاً ايش بقول لك، لو أن الناس في بلد معين أوقات الراحة عندهم اختلفت، ما عادت في هذه الأوقات الثلاث؛ يعني لما ربنا قال ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، هل هذا مبني على أنه هي أوقات نحن متعبدون فيها بأنه نرتاح، ولا ممكن أهل بلد ثاني اختلف الليل والنهار عندهم، يكون وقت راحتهم وقتاً مختلفاً؟ يعني باختصار العلة هنا الوقت ولا الابتذال أنه لازم يستأذنوا؟ الذي يظهر أن الأوقات التي يغلب فيها الابتذال للراحة هي التي ينبغي أن يستأذن فيها الأطفال. هسا في العهد النبوي كانت هي هي الأوقات الثلاث، صحيح، لكن ربما في مكان آخر قد تختلف الأوقات ويكون مثلاً الناس بسبب ظروف الحياة، عوامل القمر والشمس وأشياء معينة، في بعض الناس الليل عندهم طول الليل، يعني بتقعد ست أشهر الشمس وست أشهر ليل، وتختلف حياتهم، بالتالي ممكن تنشأ عندهم أعراف في النوم وطبيعة الحياة تختلف عن العرف الذي مثلاً جاء عليه القرآن ابتداءً. فهنا أنت إذا فهمت أن قضية ثلاث عورات ليست تعبدية، وإنما معقولة المعنى، ممكن في عرف آخر أن يمنع الأطفال من الدخول في أوقات الراحة في بناءً على تلك المنطقة وأحوالها.

طبعاً فبنجي بنقول للأطفال وملك اليمين والله هذول الجماعة بيرتاحوا مثلاً بطبيعتهم بيرتاحوا مثلاً بعد الفجر، هنا قال ﴿مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾، ممكن في بلد يصير الناس بطبيعتهم يرتاحوا بعد الفجر بسبب قلت لك عوامل الشمس والقمر والليل والنهار. فإذا صار عرف الناس يرتاحون بعد الفجر أو الساعة مثلاً تسعة في هذا البلد الكل بسكر وقت راحتهم فبصير الطفل ممنوع في هذا الوقت من الدخول، فهنا بتيجي قضية مدى فهمك أو قدرتك على توسيع دلالة النص، وأنه الثلاث عورات هذا ربما كان في زمن معين وهي أفضل، أكيد أعراف النبوة، لكن في أزمنة أخرى ممكن تختلف القضية، فيمنع الطفل من الدخول في وقت آخر لأنني أنا فهمت العلة وهي التكشف.

لذلك هو ماذا قال العلائي، وهذا بشوف من فهم العلائي أن هي الثلاث عورات إنما بني الحكم عليها بناءً على ما كانوا يعتادونه، أنه إنما حددت مش بناءً على أنها متعبد بها، أنه الناس تروح لازم أنت في الأوقات تروح تغير أواعيك، وإنما كانت عادة الناس في ذاك المجتمع.

طيب ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام لهند بنت عتبة لما شكت إليه أن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». أحالها على ايش؟ على المعروف في التحديد، فجعل ما تستحق من النفقة راجعاً إلى العرف، وهذا باب آخر أيضاً يتدخل العرف فيه، غير موضوع فك المشكلات والمجملات، تحديد المقادير هذا أيضاً يرجع فيه إلى العرف. يعني العرف كما قلنا يدخل في تخصيصات العموم، ويدخل في تفسير الألفاظ المجملة، يدخل أيضاً في تحديد المقادير؛ فالله سبحانه وتعالى أمر الزوج بالإنفاق على زوجته ولكن لم يحدد ذلك بمحدد شرعي، بالتالي بتيجي القاعدة: كل ما لا يوجد فيه ضابط لغوي أو شرعي يرجع في تحديده إلى العرف. صحيح، نفس الشيء مثلاً ابن تيمية لما اختار قضية أن السفر، الجمع والقصر، مبني على إيش؟ مش على المسافة ولا على مدة الإقامة ابتداءً أربعة أيام ولا أقل، وإنما على العرف؛ فإذاً العرف أيضاً يتدخل في ماذا؟ في تحديد المقدرات.

وبالتالي إذا اختلف الزوج مع الزوجة في مقدار النفقة، مش بروحوا على الحاكم والحاكم ينظر في الوضع المالي للزوج والوضع المالي للزوجة؛ هذا موسر، هذه موسرة، هذا موسر، هي معسرة، وبناء عليها بصير يقدر، هنا العرف يتدخل إذاً أيضاً في تحديد المقدرات، فهذه فائدة أخرى للعرف ولتحكيمه.

أيضاً العرف سياتي معنا يتدخل في تقرير بعض الأحكام الشرعية ابتداءً، زي قضية الدخول إلى الحمامات العامة وإلى سيارات الأجرة بدون الاتفاق ابتداءً على مبلغ، وهذه حتى ذكروها الحنابله في قضية أنه يجوز أنك تدخل على هذه الأماكن وبعد ما تخلص بتعطيه وبتضلك طالع بناءً على ايش؟ أنه جريان العرف أن هذه الأماكن، لكن الإنسان بيدخل وبيخلص حاجته وبيطلع وبيدفع المطلوب منه ويغادر. هسا هنا العرف لما كان منضبطاً، قبل اعتماده في بعض الأحكام دون الحاجة إلى إيجاب وقبول مسبق والاتفاق، أريد أن أدخل الحمام لمدة كذا مقابل كم؟ بقول له يلا مقابل خمسة بصير، خلص القضية عرفية. أنت بتطلع في الباص العام وبوصلك وخلص التعرفة الموجودة بتدفعها وبتضلك طالع، تمام؟ فبيكون دفع المبلغ بعد الانتهاء، أصلاً بعد ما حصلت الخدمة وذهبت، واللي صحح هذا جريان العرف، كثيراً ما يقول لك لجريان العرف بذلك، وهذا العرف منضبط لا يؤدي إلى خلاف، بالتالي يمكن تحكيمه.

مثلاً هذا أيضاً من صور استعمال العرف، لأنه أنا بيهمني هي قضية، أنا كنت أتمنى أن الشيخ أيمن بينها في باب؛ أحد الأمور التي ينبغي أن تُبحث كجهة أخرى غير الجهة الخامسة، أن يكتب الطالب أين يتم استثمار العرف في الأحكام الشرعية؛ أنه ضبط هذه الأماكن التي أنا سأستعمل فيها العرف مهم، أنه بعض الناس عم يستعملوا العرف في غير مكانه، إخواني، ولا يعرف أين المساحة التي يمكن أن يتدخل فيها العرف، وبتيجي مثلاً القاعدة المشهورة اليوم التي عم تُستعمل بشكل خاطئ: تتغير الأحكام بتغير الأعراف والأزمان والأماكن. اليوم كثير من الناس للأسف عم تستعمل هي القاعدة لضرب أصول الشريعة؛ فبيجي بقول لك الشيخ مش القاعدة بتحكي تتغير الأحكام بتغير الأماكن والأعراف والأزمان؟ أقول له أنت عارف أين تستعمل هذه القاعدة؟ الله يكرمك، بدك تعرف أن تغير الأزمان والأماكن هي معناتها تغير الأعراف أصلاً. متى يكون تغير العرف يؤثر على الحكم الشرعي؟ أنت لن تضبط هذه القاعدة: تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان، إلا إذا ضبطت ما هي المساحات التي يتدخل فيها العرف؟ فهمت علي؟

فبتقول والله العرف، آه، يتدخل في تفسير المجملات، العرف يتدخل في تحديد المقدرات، العرف يتدخل في تخصيص العموم على الخلاف الذي ذكرناه والنقاش، العرف نعم يقبل أن تبني بعض العقود والأحكام عليه إذا جرى بها عرف منضبط زي مسألة الأجرة وما شابه ذلك. بس غير كذا وين بدك تستعمل العرف؟ أعطيني ما عندك مساحات أخرى، يعني العرف مساحة تدخله في الأحكام مساحة محدودة، مش مساحة مطلقة كما يزعم البعض ويتوهم البعض اليوم، للأسف كثير من أطروحات بعض حتى المنظرين في الجماعات الإسلامية المعاصرة بتلاقي أنه في إشكالية أنه.

العرف اليوم أن المرأة تحكم الدولة المسلمة، والعرف اليوم أنه.. طب أنت كل مسألة عم بتحطها للعرف، تحطها في العرف، تحطها في العرف، وترى أن العرف، طب أعطني ما هي معايير استعمال العرف؟ ما بصير يصير العرف أعلى من النص، ما بصير يصير العرف يدخل على النصوص رايح جاي هكذا بهذه الطريقة التي تريدها. لابد أن نحدد مساحة استعمال العرف في الحكم الشرعي ونضبطها، حتى نطرد ولا نترك مساحة لأهل الأهواء. أما إذا بقيت كلمة العرف كلمة فضفاضة، وأنه العرف محكم يا شيخ والعادة محكمة، هذا بيعمل إشكال؛ أنه تصبح تحكم في غير أماكن تحكيمها، تصبح تحكم في مكان لا يجوز أن تحكم فيه، فهذا ننتبه له.

مثلًا حديث حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب، كانت له ناقة ضارية، يعني متوحشة شوية، فدخلت حائطًا أي بستانًا، هذا معنى الحائط، فأفسدت فيه، خربت الزريعة. يعني عنده ناقة شوية هيك هوجاء، دخلت على بستان واحد خربت، فرفعوا الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم فيها، فماذا قضى النبي عليه الصلاة والسلام؟ أن حفظ الحوائط البساتين في النهار مين المسؤول يحفظ البستان في النهار؟ صاحبه؛ لأنه أنت مستيقظ يا صاحب البستان، فالأصل تتأكد أن الباب مغلق وأن السياج كامل. فإذا دخلت ناقة أو غنم على مزرعتك لعدم تحفظك ما من ضمن الراعي، المشكلة عندك، وحكم عليه الصلاة والسلام أن حفظ الماشية بالليل على مين؟ على أهلها، وأما بالليل صاحب المزرعة بده ينام، فحضرتك يا أيها الراعي حضرتك أنك تضب الغنمات في مكانها، فإذا غنماتك أنت ما انتبهت على إغلاق الباب وخرجت الغنمات وراحت وأفسدت الزرع، آه، أنت المسؤول عن النقص والإشكال وأنت من سيضمن التلف.

طب من الذي حدد هنا أو جعل اعتبار أن حفظ الحوائط في النهار على أصحابها، وأن حفظ الماشية بالليل على أصحابها؟ العرف، أن العرف السائد حتى في زمن النبوة أنه الرعاة بروحوا بالليل بالغنمات، وأنه أهل المزارع صاحيين بالنهار، فهذا حدد الموضوع. لو فرضًا اختلفت حكاية الناس في بلد من البلدان فصارت الناس في النهار بتنام، والرعاة بياخذوا الغنمات بنايموهم، وبالليل الرعاة بيطلعوا، أصحاب المزارع بصحصحوا، سيختلف الحكم وسيصبح، لأنه أنا سأتبع معقولية الحكم وليس النص. لذلك مثلًا هم يقولون ماذا في باب القسمة؟ الآن الأصل في القسمة أن الرجل يقسم لنسائه ليلًا، صحيح؟ الأصل في قسمة النساء أنه أنا مطلوب إذا كان عندي أربع نساء أنا مطلوب مني أبات متى؟ في الليل، أما في النهار ما تيجي واحدة تحكي لي وينك وتتصل فيّ؟ لأنه أنا في النهار في شغلي، شيء طبيعي، فإنت حقك في الليل. بس إذا واحد كان طبيعته حارس ليلي، زي هدول جماعة الأمن الليلي بيحرسوا في الأمن ليلًا، بالتالي هذا زوجته متى رح تطالبه بالمبيت؟ في النهار، لأنه هذا عرفك، أنت اختلفت القضية، ممتاز. فهذه القضايا معقولة بناؤها على الأعراف، لاحظ أن كيف العرف عم يتدخل في التحديد، كل هذه الأماكن العرف ايش عم يتدخل في التحديدات في كل هذه الأمثلة التي نذكرها.

قال العلائي: وهو أدل شيء على اعتبار العادة في الأحكام الشرعية وبناها عليها، لأن عادة الناس إرسال مواشيهم بالنهار للرعي وحبسها بالليل للمبيت، وعادة أهل البساتين والمزارع أن يكونوا في أموالهم بالنهار، غالبًا بيكون في المزرعة بيزرع بيحرث بيعمل، ويكون غالبًا روحوا على بيته بينام بالليل، فبنى النبي عليه الصلاة والسلام التضمين على ما جرت به العادة. ولذلك أكثر شيء قاتل لطالب العلم أنه يكون مش فاهم أن هذا الحكم مبني على العادة، فبيصير أنه بده يمشي هذا الحكم خلص في النهار على أهل المزارع، طب يا أخي في بلد معين تغيرت القضية، لا خلص النبي عليه الصلاة والسلام قال في النهار على أهل المزارع، حتى لو كان أهل المزارع صاروا يطلعوا بالليل بضلوا هم مسؤولين في النهار عن مزارعهم، بالتالي أنت عندك نوع جمود لأنك أنت لم تعرف النص الذي حكم فيه بناءً على العادة، والنص الذي بيحكم فيه النبي عليه الصلاة والسلام بناءً على التعبد، وأنه هذا مقصود لذاته. النهار والليل هنا مش مقصود لذاته وإنما لمعنى فيه، بينما في أشياء أخرى لا النهار والليل مقصود لذاته، في أوقات الصلوات لا والله النهار في الليل مقصود لذاته، فالظهر مستحيل تصير تتصلى بالليل يعني كأصل، يعني هي الظهر ظهر أصلها نهارية تمام، عاد إلا إذا في كما قلنا الأماكن اللي بيصير فيها الليل ست أشهر هذه قضية أخرى، بس الأصل أن الظهر صلاة نهارية، مش قضية على العرف والله في ناس حابين يصيروا يصلوها بالليل، يعني ناس عندهم ليل ونهار، بس والله العرف اختلف صرنا نصلي الظهر بالليل مشان نستغل النهار، لا لا هذا عرف كله يضرب به عرض الحائط لأنه مخالف للشريعة. فالأحكام تفرق فيها بين ما هو مقصود لذاته وما هو مقصود لغيره في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مرتبة من الفهم يعني تكون عند العلماء الكبار.

ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم مثلًا قول ابن مسعود لما قال: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»، نقول هذه من أشهر الأدلة التي يذكرها من ألّف في القواعد الفقهية، وإن كان لا يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. طبعًا هم يذكرونها بناء على ايش؟ هي عادة وين بتذكر؟ في الإجماع، هي عادة يذكرونها أحد الأدلة على حجية الإجماع، ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن. الصحيح أنه موقوف من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، لكن ممكن أيضًا يستأنس فيها في الاستدلال على العرف باعتبار أن ما رآه المسلمون حسنًا، يعني العرف العام الذي يتواطأ عليه أهل الإسلام فهو إن شاء الله عند الله مقبول. ما رآه المسلمون حسنًا، يعني يمكن أن تفسر بمعنى أن العرف الذي يتواطأ المسلمون عليه بما فيهم أهل الصلاح والعلماء فهو إن شاء الله عند الله حسن وله اعتباره وحظه.

الجهة الثالثة: يقول شروط اعتبار العرف والعادة، سبق أن العادة المعتبرة لها شروط إذ ليس كل عادة تحكم، ومن خلال استقراء كلام الأئمة يظهر لنا أن العرف والعادة دخوله في الأحكام له أربعة شروط أساسية. الشرط الأول: زي ما حكينا ألا يكون العرف مخالفًا للشرع، وهو ما سميناه العرف الفاسد. يقول الإمام السرخسي عليه رحمه الله: "وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر". والإمام السرخسي حقيقة إمام كبير إخواني، إمام كبير في الفهم والدراية والتعليل وإدراك المقاصد وفهم الأمور، ولذلك من العلماء الذين ينصح أن تقرأ لهم في غير مذهبك السرخسي، سواء في كتاب المبسوط تمام أو حتى في أصوله، أصول السرخسي في أصوله أو في المبسوط في الفقه. السرخسي كثيرًا ما يعلل بتعليلات تدل على النضج في الفهم وعلى ذكاء وعلى توفيق وإدراك كيف تبنى الأحكام، فهذا من الناس العقلاء، دائمًا كل مذهب في مجموعة من المميزين ينصح بالقراءة لهم لأنهم يثرون عقلك وينضجون طريقتك في التفكير والنظر في الأمور.

الشرط الثاني: أن يكون مضطردًا أو غالبًا، كما قلنا فلا عبرة بالنادر والمشترك. ولذا قلنا في القاعدة السابقة أو ستعت.. عفى الله عني، إحدى القواعد الآتية، إحدى القواعد ستأتي معنا إن شاء الله، ما عنوانها؟ إحدى القواعد الفرعية تحت قاعدة العادة محكمة ستأتي معنا إن شاء الله: "إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت"، فهذه القاعدة الفرعية هي ضبط أصلًا للقاعدة الكلية.

الشرط الثالث: ألا يعمل به في موضع صرح فيه بخلافه، الآن شرط العمل بالعرف أن يكون وقع تصريح بخلافه، وذلك لأن العرف إنما يعمل به عند عدم النص، فإذا ورد النص فلا ملجأ إلى العرف حينئذ، إذا النص أقوى بلا ريب. فإذا صرح مثلًا المتعاقدان على شرط يخالف العرف، فالشرط مقدم إلا إذا كان الشرط يخالف الشريعة. مثلًا زي ما قلنا العرف عندنا أن المهر معجل ومؤجل، صح؟ فإذا قال واحد أنا بدي أعطيك 5000 واشترطت أن كلها معجلة، خلص ما حدا يجي بعدين يقول لك لا ما هو العرف يا شيخ أنه معجل ومؤجل، أقول لك أنا نشطت واشترطت خلاف العرف، وهذا الشرط ما بيخالف الشريعة، بحمد الله أن يكون المهر كله معجل أو يكون كله مؤجل، ما دام بالتراضي فبالتالي العمل بالنص. كذلك مثلًا العرف أن من يجيء على باب بيع الأصول والثمار، العرف أن من اشترى دارًا مش قلنا دخل في ذلك سقفها وجدرانها وسلما منصوبًا وبابًا منصوبًا؟ طب لو أنا بعتك الدار بس أنا اشترطت أن هذا السلم المنصوب أنا بدي آخذه وأنت وافقت، هل في إشكال؟ ولا بنقول لا يا أخي العرف يقتضي أن السلم المنصوب في البيت والكذا.

مثلًا في عرفنا المعاصر خزائن المطبخ، العرف المعاصر أن خزائن المطبخ بتكون ضمن الشقة، أنه من باع دارًا تشمل أنه يكون في مطبخ كتأسيس موجود. فأنا بعتك الشقة وقلت لك اسمع بس المطبخ بدي آخذه وأنت وافقت، في مشكلة؟ ما دام ما في مشكلة، حتى لو كان الشرط على خلاف العرف أنا نصصت على خلاف العرف والشرط لا يخالف الشريعة فيكون الشرط المنصوص الصريح مقدم على ماذا؟ على العرف. متى نص على خلاف؟ قال كما لو جرى العرف على حمل البائع الأشياء الثقيلة إلى محل المشتري لكنه صرح في العقد بأن الحمل على المشتري. اليوم مثلًا بدك تشتري عفوا من أي محل خاصة الشركات الكبرى، تشتري غرف نوم بيجي بيقول لك خلص نحن بنوصل لك إياها يا شيخ، هذا العرف. لو هو حكى لك لا يا شيخ سامحنا نحن عندنا اليوم مشاكل في التوصيل، أنت بدك تحملها، أنت كمشتري بدك تحمل بضاعتك وغرفة النوم وتجيب حدا يحمل لك إياها وأنت وافقت، خلص بنقول هذا العرف أنت خالفته بالشرط، والشرط لا يخالف الشريعة فيعمل بالشرط.

وهنا سأضيف قضية كذلك ربما هو لم يشر إليها بشكل واضح، كذلك التي لمح لها قبل قليل إذا كان العرف يخالف النية، هي مرت معنا في الأيمان، إذا قال ايش المثال اللي مر معنا؟ مثال إذا قال لا آكل شواء، مثال الشواء، إذا قال الشواء قلنا إذا كان نوى بنيته كل أنواع الشواء، أنت هيك نويت، خلص بتقدر بعدين تيجي تحكي بدي أعمل بالعرف؟ لأنه أنت نويت كل الأنواع حتى الباذنجان، لكن إذا ما نويت دخلنا العرف وحكمناه في تفسير كلامك. فإذا ممكن نضيف على هذه القاعدة وهي "ألا يعمل به في موضع صرح فيه بخلافه" أو في.. طبعا هذا في صرح فيه بخلافه هذا إخواني لما يكون في شخصين في باب التعاقدات، لكن في أمورك أنت الشخصية، فنقول أن يعمل به في موضع صرح فيه بخلافه إذا كان بين متعاقدين، أو نوى فيه خلافه إذا كان في أمره الشخصي. أنت هم عادة بيشترطوا هذا الشرط، إذا صرح فيه بخلافه للكلام عن العقود، لأنه هنا ما في موضوع النيات، أنا بعرف شو في قلبك وأنت ما بتعرف شو اللي في قلبي، فالعقود مبنية على الألفاظ، فإذا أنت ما تلفظت انتهينا، العرف حاكم بيني وبينك في الإجارة في البيوع في الشركات، أما في الأمور الشخصية التي ما فيها طرف آخر، حلفت أني ما آكل شواء، حلفت أني ما أعمل كذا، هنا إذا كانت نيتي على خلاف العرف فنيتي ملزمة لي، فإذا أنا نويت لا آكل شواء، نويت كل أنواع الشواء، فلا يجوز بعد ذلك أن أتحكم في العرف لأن العرف جاء على خلاف ما نويت، وقس على ذلك غيره. فلو أنت أضفت هذه أظن ستكون إضافة جيدة.

الشرط الرابع: أن يكون العرف كما قلنا سابقًا أو مقارنًا للحظة التلفظ، أن يكون العرف سابقًا أو مقارنًا للحظة التلفظ، فإذا لم يكن كذلك، بأن كان طارئًا بعد التلفظ، فهنا ماذا سنقول؟ لا عبرة بالعرف الطارئ، هذه قاعدة من القواعد المندرجة تحت قاعدة العادة محكمة، وهي في الحقيقة قاعدة ضابطة لها، لا عبرة بالعرف الطارئ.

طيب الجهة السابعة، قال الفقهاء محل اعتبار العادة، وهو اللي هي المسألة التي أنا قلت أتمنى أن الشيخ يذكرها بس ذكرها بطريقة عامة جدًا، هي ايش محل اعتبار العادة؟ يعني العرف وين يستعمل؟ مش نحن قلنا تخصيص العام، نقاش في تحديد المقدرات، تفسير المجملات، ايش قلنا أيضًا؟ وكذلك يعتبر في تقرير بعض الأحكام الفقهية زي بعض أنواع الإجارات بناها على الأعراف. فهنا وضع القاعدة العامة أنه كل ما ورد به الشرع مطلقًا ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة يرجع في تحديده إلى العرف. يعني ممكن البعض يقول أنت يا شيخ كل الحالات الأربع التي ذكرتها التفصيلية ممكن تكون هذه القاعدة تجملها. هنا مثلًا الإخوة يقولون في الحاشية: فصل الحافظ ابن حجر في فتح الباري فذكر أربع حالات، وهي باختصار أربع حالات للرجوع إلى العرف، قال أولًا الرجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر ضبة الفضة وكبرها، الآن نحن نقول ضبة يسيرة من فضة لحاجة هي الوحيدة التي يجوز في أنواع الضبات، طب ما ضابط اليسيرة؟ العرف، هذا اللي قلت اسميه ايش تحديد المقدرات، وأنت هنا أنت ايش عملت؟ أنت كلمة يسيرة شو اللي ضبطها؟ العرف. كذلك مثلًا لما يقولون أن الخارج النجس الكثير ينقض الوضوء.

هنا ما جعلوه عاما جعلوه كل إنسان بحسبه، فجعلوا عرفك الشخصي محددا؛ كأن عرفك الشخصي هو الذي سيحدد وليس عرف المجتمع. فإذا هذه بترجع لقضية تحديد المقدرات، مثلا الرجوع إليه في المقادير كالحيض والطهر، وأكثر مدة الحمل، وأكثر مدة الحيض؛ هذه أيضاً بترجع لقضية تحديد المقدرات. في اعتقادي هي الرجوع إليه في فعل غير منضبط يترتب عليه الأحكام، مثل إحياء الموات: ما الذي يعتبر إحياء للموات وما الذي لا يعتبر؟ فمثلاً يقولون إذا حجر أو وضع علامات يعتبر إحياء، إذا زرع يعتبر إحياء. تمام؟

والإذن في الضيافة، ما الذي يعتبر إذناً في الضيافة؟ هل مثلاً إذا أنا قدمت السدر في العرف يعتبر إذناً ولا لا يعتبر إذناً؟ هذه الحالة التي قلت لكم أنا هي بناء أحكام، هذه أقرب إلى حالة بناء الأحكام على العرف. تمام؟ طبعاً أنت ستلاحظ أنه في النهاية برضه ممكن تعتبرها شكلاً من أشكال التحديد، أنه شو ضابط الإذن؟ حدد لي ما هو الإذن؟ ممكن تعتبرها أنت من جهة ما تحديداً، ممكن تعتبرها من جهة ما لا؛ يعني هنا أنا أبني الحكم على العرف في قضية إحياء الموات، الإذن في الضيافة، ودخول بيت قريب.

في قضية صديقكم، شو ضابط الصديق في دخول بيته بدون استئذان؟ ما يعد قبضاً، بس هذه برضه كما قلت هي فيها نوع من أنواع التحديد، أنه القبض مفهوم، يلا حدد لي إياه؛ يا هو مجمل بده شارح، يا هو تحديد مقدرة. الرابع: الرجوع في أمر مخصوص كألفاظ الأيمان في الوقف والوصية إلى ما يقتضيه العرف. بالتالي قضية تخصيص العموم، أو تحديد المقدرات، أو شرح المجملات، أو زي ما حكينا بناء بعض الأحكام على العرف، هذه الأمور يمكن أن تكون كلها مردها إلى أن كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط له من تحديد شرعي أو تحديد لغوي، فالأصل أن يرجع فيه إلى العرف. ممكن تكون هي القاعدة العامة التي تجمع تحتها الصور الجزئية الفرعية، لكن معرفتك للصور الجزئية أنا بيهمني حتى تبقى أنت مدرك طرق الاستعمال. طيب، من الذي قرر هذه القاعدة؟ قررها ابن تيمية والزركشي والسيوطي وغيرهم.

الآن نأتي إلى الجهة الثامنة ونختم بها إن شاء الله درس اليوم في ذكر بعض الفروع الفقهية للقاعدة. أول فرع فقهي مثلاً ضبط الحنفية كثرة العمل المفسد للصلاة بالعرف، في هذا يقول ابن نجيم: العمل المفسد للصلاة مفوض إلى العرف، بحيث لو رآه رجل لظن أن هذا الرجل لا يصلي. تمام؟ يعني لو في واحد برأ الصلاة عم بطلع عليك، إذا شافك بتتحرك بطريقة قال لك هذا شكله ما بيصلي، معناتها عملك وصل إلى درجة من الدرجات أن يظن الظان أنك خارج الصلاة، إذا هو عمل كثير. فهذا ضابط الكثير، ممتاز هكذا ضبط الحنفية القضية. طبعاً ستجد أن البعض لا، ضبط الكثرة بالثلاث، فقال ثلاث حركات باعتبار أن الثلاث هي أقل الجمع، وما اعتبر العرف في هذا بناء على أن الثلاث أقل الجمع، بس الحنابله قريبين من الحنفية أننا ألجأنا الأمر إلى العرف، العمل المتوالي الكثير عرفاً كما قال أصحابنا.

ذكر المالكية أن من تيمم لفرض فله أن يصلي بعده نفلاً بالتيمم السابق إن لم يطل الفصل بينهما. طبعاً أنتم عارفين هذا خلاف الحنابلة، الحنابلة عندنا أنت أصلاً إذا تيممت للفرض تقدر تصلي نوافل وتعمل ما هو أقل منها حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى، هذا ظاهر مذهب المالكية أنه بتستطيع تصلي نفلاً بس بشرط ألا يطول الفصل بين النفل وبين الفرض. طيب ما هو ضابط الفصل الذي هو ضابط الموالاة؟ خلينا نقول ضبطوها بالعرف، قال الدردير: ويسير الفصل عفو، ومنه مثلاً آية الكرسي والمعقبات، تمام؟ وإلا يعني مثلاً أنه يقرأ يصلي الفرض إذا قرأ آية الكرسي، وقرأ الإخلاص، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، كانه سماها المعقبات، الله أعلم، بعدين صلى النافلة، هذا بنعتبره يسير فصل.

طبعاً ممكن يعتبر المعقبات هون التسبيحات حتى بس يكون ممكن المعقبات يقصد بها عموم التسبيحات: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، المهم لأنها كعقب الصلاة، يعني كانه يقول المعقبات هي الأذكار التي تكون عقب الصلاة. هذا فقط الضابط الذي يفصل فيه بين اليسير في النفل والفرض، قال: وإن كثر في نفسه جداً بالعرف. وأنت طبعاً ممكن تقيس عليها عند الحنابلة قضية الموالاة في الأذان، الموالاة في قراءة الفاتحة، الموالاة في الوضوء، ما كل موالاة؟ مش نحن حطينا كل موالاة لها ضابطها وعرفها؟ فأنت تحتاج إلى موالاة في الأذان، وأنت تحتاج إلى موالاة مثلاً في سجود السهو، إذا نسيته بعد الصلاة متى تعتبر ما زلت يعني في إمكان تاتي به ولا انقطعت الموالاة؟ في موالاة في قراءة الفاتحة، وفي موالاة في الوضوء، ولذلك تجدهم يضعون كل موالاة في كل مكان بما يناسبه في العرف، فيقول مثلاً الموالاة في الوضوء ألا يؤخر العضو الذي يليه حتى يجف العضو السابق في الزمن المعتدل، فإذا جف العضو السابق في الزمن المعتدل معناته انقطعت الموالاة. مين اللي وضع هذا الضابط؟ العرف، العرف يدخل في تحديد كذلك.

ضبط الشافعية الفاصل المؤثر المبطل للموالاة بين الصلاتين في جمع التقديم، احنا جمع التقديم يحتاج إلى موالاة صح، وهذا حتى عند الحنابلة، طب ما هو الضابط؟ قال الإمام النووي عليه رحمه الله: لا يضر فصل يسير ويعرف طوله بالعرف. احنا الحنابلة ضبطوا العرف هنا بوضوء خفيف وإقامة، تمام؟ ضبطوا العرف عندنا في الجمع ألا يفصل بينهما بأكثر من وضوء خفيف وإقامة، إذا فصلت بينهم أكثر من وضوء خفيف وإقامة، تمام؟ أنت هنا تعتبر أخللت بالموالاة فبطل جمع التقديم، ولاحظ أن كلياتها ضبط عرفي.

حتى مثلاً لما الحنابلة قالوا يجوز للمجنب أن يقرأ بعض آية، خلاف شديد في المذهب، ما هو ضابط بعض؟ قال يجوز أن يقرأ بعض آية ما لم تطل. طيب شو الضابط أنه هذا البعض طال ولا لم يطل؟ صار هنا البعض يقول لك باعتبار ثلاث آيات متوسطات، أن تكون البعض هذا لا يتجاوز طوله طول ثلاث آيات متوسطات من غيرها، وصارت القضايا هنا تدخل فيها مساحة من الاجتهاد اللي صعب تقول إنه فلان أصاب وفلان أخطأ، لأنه فيها مساحة من التقدير العرفي.

المسألة الرابعة: قال أصحابنا من الحنابلة بطلان صلاة من انكشف كثير من عورته، فلا تبطل إن انكشف اليسير، هذا طبعاً في حال عدم التعمد، وقالوا وحد اليسير ما لا يفحش في النظر عادة، يعني إذا نظر إلى هذا المكان المكشوف هل ستراه العين فاحشاً يعني واسعاً أم ستراه العين محدوداً؟ إذا نظر إلى المكان المكشوف من العورة فرأته العين واسعاً سنحكم ببطلان الصلاة، طبعاً مع طول الزمن، فحش مع طول الزمن، وأما إذا رأته العين يسيراً فحتى لو طال زمن انكشافه فإننا لن نحكم ببطلان الصلاة.

لذلك مثلاً كثير ممن يصلي وينحدر للسجود ممن يلبس البنطال والقميص المعاصر قد ينكشف شيء من ظهره، الآن أنت تنظر، إذا كان المنكشف من الظهر العين رأته فاحشاً مع طول الزمن هنا سنقول بطلت صلاته، لكن إذا كان شيئاً يسيراً مع عدم تقصد، طبعاً لأن البعض مشكلته بكون لا هو متقصد ويعرف أنه مكشوف ويتهاون، هذا تبطل صلاته المتعمد، لكن إن كان شيئاً يسيراً وهو لا يدري حتى لو طال الزمان وتكرر الأمر فإن الصلاة لا تبطل في هذه الحالة.

المثال الخامس: قال يبطل خيار المجلس عند الشافعية والحنابلة بتفرق الأبدان، واختلفوا في كيف يكون التفرق بالأبدان، يعني هل الخروج من المحل هو فقط التفرق بالأبدان، أم لو كنت أنا في هذا المكان وانتقلت إلى الطاولة التي أمامي يعتبر تفرقاً بالأبدان؟ حتى التفرق بالأبدان أصبحت قضية تحتاج إلى عرف، إذا كنا في صحراء متى يكون تفرق بالأبدان؟ ما في هنا باب أخرج منه، إذا كنا داخل سفينة، فهنا لجؤوا إلى العرف في تحديد مفهوم التفرق بالأبدان. قال ابن حجر: المشهور الراجح مذهب العلماء أن ذلك كله موكول إلى العرف، فكل ما عد في العرف تفرقاً حكم به، وما لا فلا.

مثلاً ذهب المالكية إلى أن علة الربا في الأصناف الأربع هي الادخار والاقتيات، هذه علة الربا عندهم مش الكيل والوزن، طيب ولا حد، طب ايش ضابط أنه هذا الطعام يدخر أو هذا طعام لا يدخر؟ قالوا لا حد لذلك إلا العرف، ما كان في عرف الناس يدخر ويجفف هو المدخر، وما كان في عرفهم لا يدخر وغير مدخر، وهذا لاحظوه مثال على عرف عملي.

اشترط الفقهاء من المذاهب الأربعة للقطع في السرقة أن يكون من حرز، صح لازم تسرق من حرز، طب ما ضابط الحرز؟ قالوا كل مال بحسبه، العرف هو الذي يحدد ما هو حرز الثياب، وما هو حرز السيارات، وما هو حرز الذهب والفضة، وما هو حرز النقود، وهكذا. قالوا: ولو قال والله لا أضع قدمي بدار فلان، فإنه يحنث بدخولها ماشياً وراكباً وحافياً ومنتعلاً، لأن العرف القولي في استعمال هذه العبارة أنه لا أدخلها مطلقاً على أي شكل كان، مش أن القدم بالتحديد ما بحطها، نص على ذلك الحنفية والحنابلة.

ضبط الشافعية الرضاعات الخمس الموجبة للحرمة بالعرف، فبنوا على ذلك أن الرضيع لو قطع عن الثدي أعراضاً فهي رضعة واحدة، لكن إن قطع عن الثدي حتى يتنفس ثم يعود يلتقم مرة أخرى، فإنه هنا ما زلنا في نفس الرضعة لأن العرف يفرق بين تلك الانقطاعة وهذه الانقطاعة.

تنبيه: قد تجد في كتب الفقه ما تنازع أهل العلم في رده إلى العرف، ومنها بعض المسائل التي ذكرتها لك آنفاً، والسبب يعود إلى اعتبار أدلة أخرى أو اعتبارات أخرى قد اعتبرها البعض فلم يأخذ العرف فيها، ولكن لم يعتبرها آخرون فأخذوا بالعرف. إذا العرف إنما يصار إليه كما قلنا عند فقد النص أو الاعتبار الشرعي واللغوي كما سبق. الدرس القادم إن شاء الله ندخل في قضية إذا تعارض العرف مع الشرع واللغة ما الذي يقدم، لأنه حقيقة هذه القاعدة مهم جداً جداً أن تضبط تشكلاتها وممارساتها لأنها تتوغل في كثير من الأحكام الفقهية، ولكن ينبغي أن تدخل بالشكل الصحيح وليس بالشكل الفوضوي كما يفعله كثير من المعاصرين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.