دخولتسجيل الدخول

المنحة الإلهية | المجلس 10(لا ضرر ولا ضرار 2)+(العادة محكمة 1)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الإخوة في مجلس جديد من مجالس التعليق على المنحة الإلهية بشرح القواعد الفقهية لشيخنا ومعلمنا الشيخ أيمن الحبشي متعه الله بالصحة والعافية. ما زلنا نعيش في أفياء القاعدة الكلية الرابعة من القواعد الكبرى وفي فروعها التي تندرج تحتها، وهي قاعدة لا ضرر ولا ضرار. هناك مجموعة من القواعد مندرجة تحتها، وصلنا إلى القاعدة التاسعة، وهي القديم يترك على قدمه.

هذه القاعدة ذكرها جمع من أئمة الحنفية، وهي إحدى قواعد مجلة الأحكام العدلية. أما معنى هذه القاعدة ما هو؟ فنقول القديم يراد به هنا مفهوماً معيناً يجب الانتباه إليه، أن القديم هو الذي لا يوجد من يعرف أوله؛ هو الشيء الذي لا يوجد من يعرف أوله متى حصل وكيف حصل، أي أول أمره وكيف نشأ. أما إذا كان أوله معروفاً فهذا لا يعد قديماً.

كأن نرى مثلاً ميزاباً من شقة أو من بيت ينزل على الطريق أو يطل على الطريق، أو وجدنا بيتين بينهما مظلة على سقف هذا وعلى سقف هذا، وكثير من الأمور التي نراها في طرقات الناس وفي منازلهم ولا نعرف متى ابتدأ حصول هذا الشيء؛ متى فتح هذا الميزاب؟ متى بنيت هذه المظلة بين هذين البيتين؟ متى فتح هذا الشارع وهذا الطريق في هذا الدرب النافذ؟ متى فتح هذا الجار هذا الباب في درب مشترك؟ كل هذه الأمور التي لا يعرف متى حصلت ابتداءً تسمى قديمة، هذا هو القديم هنا. أما إذا عرفنا متى نشأت، والله الجار فتح هذا الباب السنة الماضية، والله هذا الميزاب أخرجه هذا الجار من بيته قبل سنتين لما كانت سنة كذا وكذا، أي شيء موجود في الواقع وعرف متى نشأ وكيف حصل، فهذا ما عاد يسمى قديماً. إذاً القديم هنا له مصطلح معين وهو شيء موجود من ميزاب من طريق من فتح باب من ولا يعرف ما أوله وكيف نشأ.

هذه القاعدة تتعلق يا إخواني ويحتاج إليها عند النزاعات والخصومات مما لم يعرف أوله ونشأته، والله يا شيخ هذا الميزاب مطل على الشارع الرئيس، يا أخي لازم الحاكم يشيله، ولي الأمر أن يزيله، هذا الباب الذي فتحته أنت، لا يا أخي لا يحق لك تفتحه هذا درب مشترك، فبيقول هو لا هذا قديم قبل وجود الدرب أصلاً قبل أن يصبح درباً مشتركاً، والله أنا ساكن في المنطقة من الـ 1980 أنتم الذين أتيتم بعد ذلك، فيقول لا هذا باب أنت استحدثته، لا هذا باب قديم. فنقول والله إذا لم يعرف متى نشأ وكيف نشأ فالقديم يترك على قدمه. إذاً هذه القاعدة تتعلق بالشيء المتنازع فيه مما لم يعرف أوله ونشأته، فهذا يجب أن يبقى على حاله السابق ولا يحق لنا أن نطالب صاحب البيت أو الشركة أو المصنع بتغييره، بلا زيادة ولا نقص ولا تغيير ولا تحويل، لكن سيأتي لها ضابط، هذه القاعدة لا بد أن تضبط.

وجه إبقائه على حاله يختص بما توفرت فيه شروط؛ هي بدأت الآن بضبط هذه القاعدة لأنه أحياناً بعض الأمور القديمة التي لا يعرف متى نشأت لا يقبل بقاؤها حتى لو كانت قديمة ولا يعرف متى نشأت. فمتى نقول القديم يترك على قدمه؟ هناك شروط وضوابط؛ أولاً لا بد أن يكون الشيء المتنازع فيه لم يعرف كيف نشأ، هذه أول قضية التي شرحناها قبل قليل، أنه موجود في هذا البيت أو في هذه العمارة وهذه الشقة والعقار ولا يعرف نقطة بدايته وكيف نشأ شو قصته يعني. ثانياً لأنه إذا عرفنا قصته ساعتها خلص مباشرة يمكن للقاضي أن يفصل فيقول لا إذا هذا نشأ بعد وجود الدرب المشترك ما بحق لك تفتح هذا الباب، هذا نشأ بعد ما أصبح هذا الطريق للعامة والدولة فتحته للجميع إذا بحق لك تشيل هذا الميزاب لأنه الميزاب وضع بعد أن أصبح طريقاً عاماً وهكذا، فإذا عرف متى نشأ الشيء هنا سهل على القاضي أن يفصل أنه يصح ولا لا يصح.

لكن هي المشكلة إذا نحن مش عارفين هو الميزاب وجد قبل الطريق ولا الطريق وجد قبل الميزاب؟ هو الباب وجد قبل أن يصبح درب مشترك ولا الدرب المشترك وجد بعدين فتح الجار باب؟ والشباك هذا أنت فتحته على يعني أحياناً مثلاً أعطيك صورة قد أسهل عليك فيها؛ قد تكون عمارة أربع طوابق ما كان هناك أي عمارات حولها ففتحت كوات في الطابق الرابع، جاءت الآن عمارة جديدة، مقاول جديد بنى عمارة بجانبها، فأصبحت الكوة التي في الطابق الرابع مطلة على الشقة التي في الطابق الأول أو الثاني من العمارة الجديدة. فهل أنا أطالب صاحب الطابق الرابع بأن يغلق نوافذه؟ والله إذا عرفت أنه هذه النوافذ يا أخي فتحت ما كان في أي عمارة أخرى بجانبي إذا يستطيع القاضي أن يقول هو صاحب الحق؛ لما فتحت النوافذ لم يكن هناك أي عمارة، أنت الذي بنيت، أنت ارجع اعمل مخطط عمارة جديد وخلي الكوة لا تشرف على بيت رجل. أما إذا ثبت أنه لا الكوة هذه فتحها في الطابق الرابع بعد أن بنيت تلك العمارة وأصبحت مقابلة ساعتها القاضي يقول له أغلقها، هون متى عرفنا متى نشأ الشيء سهل أن نفصل فيه. لكن هنا الكلام عن ماذا؟ عن شيء موجود ونحن مش عارفين هل هي الكوة اللي في الطابق الرابع فتحت قبل أن تنشأ العمارة التي بجانبها ولا بعدها؟ لا يعرف، فهذا الأصل الإبقاء ولا عدم الإبقاء؟ الأصل الإبقاء، فهمتم؟ لأنه نحن لا نعرف متى نشأت، فيقول لك أن يكون المتنازع فيه شيء لم يعرف كيف نشأ.

ثانياً: أن يمكن حصوله على وجه شرعي، لا بد أن يكون أحد الاحتمالات أنها وجدت هذه الكوة أو هذه النافذة على وجه شرعي، هي النافذة اللي في الطابق الرابع ممكن تكون وجدت على وجه شرعي؟ نعم، لأنه أحد الاحتمالات أن تكون وجدت قبل أن تبنى العمارة التي بجانبها، أليس كذلك؟ ثالثاً: أن يقوم دليل على خلاف ذلك، وهذه قاعدة عامة، متى وجد دليل على خلاف ذلك ووجد دليل أنها وضعت على غير وجه شرعي خلص يرفع الدليل. كما قال الشيخ علي حيدر أحد شراح مجلة الأحكام العدلية: القديم الموافق للشرع يجب أن يترك على حاله، القديم ما لم يثبت خلافه، موطن الشاهد ما لم يثبت خلافه، طبعاً معنى قوله القديم الموافق للشرع يعني القديم الذي يحتمل أن يكون موافقاً للشرع، يعني أنه وضع على صورة شرعية ما فيها مشكلة. الشيء القديم ما معنى القديم الذي لا يعرف متى نشأ؟ إذا كان يحتمل أن يكون على وجه شرعي فإنه يعمل به ما لم يثبت خلافه، هذا معنى كلام الشيخ علي حيدر.

رابعاً الشرط الرابع: أن يكون في هذا الشيء القديم ألا يكون ذا ضرر عام على أهل البلدة أو القرية أو المنطقة أو الحارة، أو ضرر فاحش، ولو كان هذا الضرر الفاحش خاصاً. يعني باختصار أن يكون ضرره عام ولا خاصاً فاحشاً، ها هيك القضية، أن يكون ضرر عام ولا خاصاً فاحشاً. بقيت إذاً شو الصورة المستثناة؟ أن يكون ضرر خاص غير فاحش، هذا محل القاعدة أن القديم يبقى على قدمه ولو أدى إلى ضرر بالطرف الآخر، بشرط أن يكون طبيعة هذا الضرر ضرراً خاصاً غير فاحش، أما إذا كان ضرر عام أو ضرر خاص لكنه فاحش لا، هنا ستأتي القاعدة التي تليها أن القديم لا يبقى على قدمه.

وبناءً عليه فغير المشروع يزال ولا يبقى ولو تقادم عهده، بناءً على هذه الشروط الأربعة أي شيء قديم لكن لا يمكن أن يكون له وجه شرعي، هذا معنى غير المشروع يعني أي شيء قديم لا يمكن أن يكون له وجه شرعي فهذا يزال ولا يبقى ولو لم نعرف كيف نشأ تماماً. كذلك إذا ثبتت حجة تستدعي التغيير فهو مخالفة الشرط الثالث فإذا وجب التغيير، وكذلك إذا اشتمل القديم على ضرر فاحش خاص أو ضرر عام فإنه يزال كما سيتضح في القاعدة التالية إن شاء الله. والعلمة في ترك القديم على حاله إذا توفرت فيه هذه الشروط هو أن وجوده ده شوف الفكرة هي، لماذا القديم يبقى على حاله إذا لم نعرف كيف نشأ مع أنه محتمل أن يكون غير شرعي؟ بس نحن ايش بنقول؟ ما دام في احتمال يكون شرعي واحتمال أنه ما يكون شرعي شو بنقول؟ إن وجوده على هذه الحالة المشاهدة من الزمن القديم هو قرينة تدل على أنه وضع على وجه شرعي، يعني شيء صار له 30 سنة وما حدا اعترض عليه، الآن اعترض علي يا أيها المخالفون؟ لو كان وضع على وجه غير شرعي لكان ظهر في البداية من عارف، لكن بقاؤه على وجه يحتمل أن يكون شرعياً ويحتمل أن لا يكون شرعياً لكن بقي مدة طويلة على هذا الوجه هو أمارة على أنه وضع على وجه شرعي، فمن يريد أن يثبت خلاف ذلك هو الذي عليه بالدليل.

ممتاز لماذا قال إحساناً للظن بالمسلمين؟ إحساناً للظن بالمسلمين بسبب النظر اليوم في بعض أحوال المسلمين، تمام، لأنه بعض المسلمين للأسف لا يتق الله سبحانه وتعالى، إذ الأصل صحة معاملاتهم وموافقتها للشرع والأصل بقاء ما كان على ما كان. ذكرت قصة ذكرها لنا شيخنا الشيخ محمد نعيم ياسين رحمه الله تعالى، عندما كان يدرسنا كان يقول إنه هو يسكن في منطقة تتخرج بها في عمان حولين الجامعة الأردنية فقال: نحن بنينا في هذه المنطقة من زمن دهر طويل من التسعينات، أو حتى ربما أقدم، كل منطقة الجامعة ما حول الجامعة وكأنها البوابة الشمالية وخلفها من الجامعة، قال بنينا فيها، ثم بعد ذلك بعد سنين ربما بعد 20 سنة أو 25 سنة وجدنا أن هناك قضية مرفوعة على كل المنطقة، ثبت أنه هذه الأراضي التي بيعت لنا بيعت على غير وجه شرعي، وأن هناك وارث أحفاده استطاعوا أن يثبتوا أمام المحكمة أن هذه الأراضي حين أثبتوا في الـ 2013 أن هذه الأراضي لما بيعت في التسعينات بيعت على غير وجه شرعي. كان في نوع كأنه أحد الورثة تطاول على الآخرين وغصبها منهم وباعها وهي ليست حق لهم، والناس عمرت، قال الشيخ يعني أصبح هناك مستعمرات حول الجامعة الأردنية، عشرات مئات العقارات ومئات الأراضي، فهنا يعني صاحب الحق أو أحفاد صاحب الحق بقوا مستمرين على حقهم أنه هذه فيها حق لنا ونحن نريدها.

قال أين تريدونها؟ عاشت عليها أناس ونام عليها أناس وبنيت عليها، الآن هنا ما أُعطيت به أنه هنا القديم يعني لو أتينا ننظر إلى قضية القديم ربما نحن لا نعرف في 2013 القضاة لا يعرفون كيف بنيت هذه العقارات وما نشأتها ولم يستفصلوا هذا من الناس، والأصل ما دامت موجودة هذه العقارات على هذه الأراضي منذ 30 سنة الأصل أنها وجدت على وجه شرعي صحيح، يعني أنت الآن لو شفت أي عمارة في الشارع أو في الطريق ماذا سيخطر في ذهنك؟ عمارة قديمة منذ 30 عام ستقول الظاهر أنه وجدت على وجه شرعي، معقول بقيت هذه العمارة 20 سنة ولا أحد يشتكي عليها إلا الآن؟ لكن الذي فعله الورثة المتأخرون هؤلاء أو أحفادهم أنهم استطاعوا أن يثبتوا أنها على وجه غير شرعي، اللي هو الشرط الثالث اختل قام دليل على خلاف ذلك، ولو بعد 20، 30 سنة قام دليل على أنها على وجه غير شرعي.

الآن كيف سيعالج المشهد؟ هذه قضية أخرى، يعني الآن ثبت أن هذه عقارات وجدت على غير وجه شرعي، كيف سيرانى القضاء معالجة المشهد؟ هنا تدخل الاجتهادات القضائية لأنه في المقابل معالجة المشهد الآن تعني إفساد ملايين الدنانير، ملايين الدنانير. فصحيح أنت الآن صاحب حق، كيف سنعوضك عن هذا الحق؟ المنطق القضائي الشرعي لا يقبل طبعاً إزالة كل هذه العقارات والدول التي قامت على هذه المناطق. فهنا سنذهب إلى طريقة أخرى طبعاً لتعويض صاحب الحق، ينظر مثلاً في أملاك الطرف الغاصب أو أملاك أحفاده بطريقة ما مثلاً، ممكن يعوض مقابل هذه العقارات بعقارات أخرى، يعني سيفكر بهذه الطريقة، لأنه في النهاية الذين بنوا على هذه الأراضي هم ليس لهم علاقة، هم ما كانوا يعرفون أنها أخذت على وجه الظلم، فهنا القضاء سيأخذ منحى، أو أن القضاء في النهاية ممكن أحد خياراته إذا لم يجد أي طريقة لتعويض هؤلاء أن يقول خلص قدرك، تأخذ حقك عند الله سبحانه وتعالى، هذه إحدى الخيارات.

نعم، يعني لو كان في بيت مال المسلمين وأمور ممكن يتم التعويض بطريقة ما من بيت مال المسلمين، لكن دعنا نتكلم بواقعية اليوم ما في بيت مال المسلمين، هنا ينظر إلى الطرف الغاصب أو أملاكه، طيب إذا أملاك الطرف الغاصب أيضاً ذهبت، الطرف الغاصب من أيام الـ 90 مات، والآن تتكلم عن أحفاد وأحفاد، والأملاك متبعثرة وصعب إثبات أنه هذه من أملاكه مش من أملاكه، يعني ذهبت، أو قد تكون أملاكه نقود وهي النقود تبخرت مع مرور السنوات، طيب كيف سيتم تعويض هؤلاء الآن؟ تأتي على الملاك الذين بنوا تقول لهم يلا عوضوا هذا الشخص، يقول لك أنا دفعت حق أرض، بدك أدفع حقها مرتين؟ أنا دفعتها للغاصب.

أنا ما كنت أعرف أنه غاصب، فليس من المنطق أن تطالبني بالدفع، وليس من المنطق أن تطالبني بالإزالة؛ لأنك تتكلم عن ملايين الأموال فقط. أحياناً يصل القضاء إلى قرار أنه أنت أيها الصاحب الحق، بدك تسامحنا وتأخذ حقك عند الله سبحانه وتعالى. طبعاً هذا ينبغي أن يكون آخر الحلول، والقضاء يحاول معالجة المشهد.

المهم، ليس موطني الآن قضية أنه في النهاية القضاء لم يعطهم هذا، الذي فهمته يعني أن القضاء قالوا دبر حالك، انتهت هذه 30 سنة، ولا تأتون الآن وتقولون وتثبتون لنا كيف بدنا نعالج الموقف. المهم فكرة أن الأصل ما كان موجوداً فهو موجود على وجه شرعي حتى يأتي قرينة ووثائق تدل على خلاف ذلك.

يقول الشيخ: والذي يظهر في إدراج هذه القاعدة تحت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» هو أن إزالة القديم أو تغييره قد يكون فيه ضرر يلحق من ينتفع به. طبعاً أنا أعتقد أن القضية ربما تندرج تحت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» من جهتين؛ من جهة أنه هذا القديم إذا طالبنا صاحبه بإزالته سنوقع عليه الضرر، فمثل هذا يندرج تحت «لا ضرر ولا ضرار». وفي المقابل يمكن نقول إبقاءه على حاله سيسبب ضرراً للطرف الآخر، فإذا كان ضرراً خاصاً غير فاحش، فهذا من الضرر الذي يتسامح في بقائه، فيكون مستثنى من قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».

هناك ضرر عليك أن تستحمله إذا كان ضرراً خاصاً غير فاحش، فيكون أيضاً ذكر قاعدة «القديم يترك على قدمه» من هذه الوجهة كأنها نوع من الاستثناء في جواز إبقاء بعض أنواع الضرر الخاص إذا كان غير فاحش.

الجهة الثانية في ذكر بعض فروعها الفقهية يقولون: لو أن ميزاب دار شخص يجري من القديم على سطح شخص آخر. الميزاب عندي يصب لما تمطر الدنيا على السطح، فيأتي الميزاب ويصب على سطح جاري، فسطح جاري أسفل منه. فميزابي يصب على سطح جاري، هنا صاحب الدار الثانية بعد فترة طويلة جاء إلى القاضي ورفع عليه قضية، قال: يا الله يا قاضي، والله الجار ميزابه يصب على سطحي.

فهنا سنسألك: أنت تقول ميزابه يصب على سطحك، هل تستطيع أن تثبت لنا متى وضع الميزاب؟ إذا قال: وضع هذا حديثاً، يقول: ينبغي أن يزال الميزاب. إذا لم تستطع أن تثبت لي هل الميزاب وضع قبل أن تبني دارك ولا بعد أن تبني دارك، فهذا قديم، في احتمال أن يكون وضع الميزاب قبل ما أنت تبني تحته، وقد يكون هناك احتمال آخر أن يكون قد استأذنك.

تخيلوا معي هذه القضية التي يفرضها القضاء، أن ميزابي يسقط على جداري أو على سطح جاري منذ 20 سنة وعمره ما اشتكى، فجأة تجد القضية مرفوعة. نحن نريد أن نقر أن الميزاب وضع بعد ما بنيت الدار التي تحته، بس منذ 20 عاماً وهو يصب فوقها وما حدا اعترض، فتجيء أنت تقول لي الآن بعد 20 سنة رفع صاحب الدار السفلية شكوى عند القاضي.

فسيقول له القاضي: هل رُفع بإذنك؟ هل لما وضع الميزاب وضع بإذنك؟ قال: لا يا قاضي، ما وضع بإذني. قال: هل وضعه بإذنه؟ أيهما المقدم؟ من قال إنه وضع بالإذن، لماذا؟ لأنه نحن الآن بدنا نطبق القاعدة، هذا قديم، مش عارفين متى نشأ ولم يثبت بعد كيف نشأ.

في احتمال يكون بالإذن، وهو احتمال قوي ظاهر، لماذا؟ لأنه من 20 سنة وهو يصب وما اعترضت عليه، ألا تعطي هذه قرينة قوية للقاضي أن الرجل سامح؟ فلما يقول الطرف الآخر صاحب البيت السفلي: أنا ما أذنت، ويقول صاحب البيت العلوي: لا هو أذن، القرينة تصب بجانب من؟ تقول إنه أذن، لأن أحد الاحتمالات أن يكون أذن، وهذا الاحتمال يقويه تطاول الزمن مع عدم وجود شكوى.

فيبقى الذي يقول أنا لم أذن هو المطالب بالدليل، إذا لم تأتِ بدليل يبقى الميزاب على حاله؛ لأنه في منطق القضاء لا يقبل أنه 20 سنة أنت ساكت على الميزاب يصب فوق سطح داره، بعدين بعد 20 سنة تأتي تقول لي أنا ما أذنت. طيب ليش ما شكيت من قبل 20 سنة إذا كان فعلاً يضرك، إذا كان فعلاً عامل مشكلة، إذا كان فعلاً أنت ما أذنت؟ وجوده 20 عاماً يصب على ظهر بيتك قرينة واضحة ظاهرة، ليست يقينية، بس واضحة ظاهرة على أنه وضع بوجه شرعي؛ إما باستئذانك وإما أنه وضع قبل أن تبني بيتك، فأنت مطالب بالدليل.

واضح كيف المثال يفكر فيه؟ لو أن بالوعة دار تمر من دار أخرى، فصاحب الدار الثانية لا يحق له سد تلك البالوعة، مواسير المجاري وما نسميها اليوم والقاذورات، ومنع مرورها من داره لا يحق له أن يسد البالوعة ويمنع مرورها من داره. لماذا؟ لأنه ما دام ذلك قديماً يعتبر أن مرور ذلك الماء لابد وأن يكون مستنداً على حق شرعي. يعني هي البالوعة، دار عمرها 20 سنة ولها بالوعة تمر من بيت ما، من داخل أو من أسفل بيت ما.

نقول وجود هذا البيت منذ 20 سنة مع هذه البالوعة، نحن لا نعرف قبل 20 سنة كيف نشأت، أحياناً قد تكون البالوعة من أيام الأجداد، فصعب أن يأتي المرء ليسأل الأحفاد كيف نشأت لأنهم ما كانوا موجودين أصلاً لما بني العقار. فهنا ماذا نقول؟ وجود البالوعة منذ سنوات وهي تمر بهذه الطريقة ونحن لا نعرف وجدت بحق شرعي أو لا، يجعلنا نفرض احتمالاً أنه الأصل أنها وضعت بحق شرعي، إما بالاستئذان وإما قبل بناء العقار الثاني.

فنقول هذا الذي نرجحه لابد وأن يكون مستنداً على حق شيء، فلا نطالب بالإزالة. لو شك الجار نقول له: أنت أثبت أنها وضعت على غير حق شرعي وخذ حقك. قال: كان مثلاً الداران مشتركتين فجرى تقسيمهما، وكان من شروط التقسيم مرور ماء إحداهما من الأخرى، يعني هي إحدى الافتراضات أنه أصلاً ممكن الدار كانت عبارة عن مشتركة ثم تم تقسيمها، وعند القسم اشترط صاحب البالوعة أن تمر بالوعته من دار جاره أو من دار شريكة. هي احتمالات كثيرة، وباختصار ما دام هناك أحد الاحتمالات الشرعية، يعني أن تكون وضعت على وجه شرعي.

يقدم حتى يثبت الآخر خلاف ذلك، كذلك لو كانت جذوع داره على جدار جاره من القديم؛ شخص بنى بيتا منذ عشرين عامًا، ومنذ عشرين عامًا وخشب هذا البيت مستند على سطح الجار، بعد عشرين سنة جاء صاحب الدار قال: أنا أريد أن أشتكي للقضاء، لماذا جذوعك وأخشابك وحديدك مصبوية ومبنية على داري أو مائلة على داري؟

فهنا نقول بعد عشرين سنة أو بعد فترة أتيت لتقول ذلك وتشتكي، الظاهر لدينا أنها وضعت على غير وجه شرعي، إما أنه لم يستأذنك وإما أنها كانت موجودة أصلاً قبل ما أنت تبني بيتك. فإذا أردت أن تثبت أنها حدثت على غير وجه شرعي فانت المطالب بالدليل؛ لأن قدمه دليل على مشروعية وضعه.

لأن الأصل في معاملات المسلمين التصحيح، وانتبهوا لهذه العلة، الأصل تصحيح معاملات المسلمين القديمة التي لم يُعرف كيف نشأت وليس إفسادها. يعني أي سيارة وأي أملاك، هل الأصل أن نشكك في أملاك المسلمين وأنه كل أملاكهم التي اشتروها الأصل فيها الخطأ حتى يثبت الصواب؟ أم الأصل نقول إن أملاكهم صحيحة والمعاملات صحيحة حتى يثبت عكس ذلك؟ الأصل الصحة.

نقول الآن القاعدة العاشرة: «الضرر لا يكون قديماً»، هذه تقييد للقاعدة السابقة. القاعدة السابقة تقول: «القديم يُترك على قدمه»، تأتي هذه القاعدة لتقول: «الضرر لا يكون قديماً». ذُكرت في مجلة الأحكام العدلية وسنعرف معناها.

تعتبر هذه القاعدة تقيداً للقاعدة السابقة، إذ إن ظاهر القاعدة السابقة أن القديم يبقى على قدمه حتى ولو كان فيه ضرر، فجاءت هذه القاعدة تبين أن القديم المراد هناك هو مقيد بأن لا يكون فيه ضرر، سواء كان ضرراً عاماً أو ضرراً خاصاً فاحشاً. فالضرر، قديماً كان أو حديثاً في الحكم، لا يراعى قدمه ولا يعتبر بل يزال، متى؟ إذا كان ضرراً عاماً أو ضرراً خاصاً فاحشاً، فهذا معنى «الضرر لا يكون قديماً».

ما معنى «لا يكون»؟ هنا في نوع من المجاز، معنى «لا يكون قديماً» أي لا يقبل قدمه. حتى لو كان هناك ضابط للقديم، المعنى أن الضرر -وهو الشيء القديم إذا كان ضاراً ضرراً عاماً أو خاصاً فاحشاً- فلا يقبل بقاؤه ولا نعتبر أنه قديم، فكأنه لا يكون قديماً؛ لأننا لن نعتبره أبداً وينبغي إزالته.

فقولهم «الضرر لا يكون قديماً» معناه أن الضرر لا يصح اعتباره من القديم الذي لا يعرف منشأه وأوله، فلا يصح أن نقول ببقائه وعدم إزالته كما في القاعدة السابقة. وليس المعنى أن الضرر لا يتصور تقادم زمنه، فليس معنى «الضرر لا يكون قديماً» أنه لا يتصور أن يكون قديماً من حيث التصور، ممكن، لكن معنى «لا يكون قديماً» أي لا يقبل بقاؤه، هذا معنى أنه لا يكون قديماً، أي لا يصح اعتباره من ذلك القديم الذي ينبغي إبقاؤه.

وفي بيان علة القاعدة؛ إنما وجب إزالة الضرر هنا ولم نعتبر قدمه، لأن القديم إنما اعتبر بقاؤه على حالته لغلبة الظن بأنه ما وُضع إلا بوجه شرعي. نحن ماذا اعتبرنا في القاعدة السابقة؟ أن القديم أبقيناه على قدمه اعتباراً بالظاهر أنه وُضع على وجه شرعي، فإذا كان مضراً فضرره دليل على أنه ما وُضع على وجه شرعي؛ إذ لا وجه شرعي يجوز به الإضرار.

من هذا المأخذ نظروا إليها؛ أننا اعتبرنا القديم يبقى على قدمه لأنه هناك وجه شرعي لوجوده محتمل، وهذا الوجه الشرعي أكيد لما كان منذ القدم ما كان في ضرر، فإذا كان هذا القديم فيه ضرر فاحش خاص أو ضرر عام، فإن وجود الضرر العام أو الضرر الفاحش الخاص هو إشارة على أنه لا يمكن أن يكون وُضع في القدم على وجه شرعي؛ لأنه لا وجه شرعي يقر الضرر، فوجوده على ضرر -صورة ضرر عام أو فاحش خاص- هو قرينة على أنه من البداية بالعكس لم يوضع على وجه شرعي، فينبغي إزالته. فهمتم كيف فكروا فيها؟

في دفع التعارض بينها وبين القاعدة السابقة هنا إشكال، وهو أن قاعدة «القديم يترك على قدمه» قررت إبقاء القديم بشروط منها إمكان استحقاقه بوجه شرعي، مع أن ذلك قد يكون فيه شيء من الضرر، وهذا بين في الفروع المذكورة تحتها. وقاعدة «الضرر لا يكون قديماً» قررت إزالة الضرر القديم وعدم الالتفات إلى قدمه ما دام في ضرر، فالظاهر هناك تعارض.

والجواب أن يقال: الضرر القديم قسمان؛ القسم الأول ضرر عام، يعني شيء قديم ولكن واضح أنه ضرره عام، فهذا يزال مطلقاً سواء كان الضرر العام فاحشاً أو غير فاحش؛ لأن كونه عاماً يكفي في اعتباره فاحشاً، فهذا داخل تحت قاعدة «الضرر لا يكون قديماً» من فروعها. لو كان لدار مسيل ماء أو أقذار في الطريق العام يضر المارين، قال: فإن ذلك يزال مهما كان قديماً؛ لأنه في النهاية تعمل ضرراً عاماً.

ممتاز، هذه تعمل ضرراً عاماً، طبعاً تبقى فكرة فقهية ينبغي أن تُناقش؛ لو كان ثبت لنا أن هذا السيل أو هذا الميزاب موجود قبل أن يُفتح هنا طريق -يعني أصبح الطريق عاماً ومطروقاً بعد أن كان الميزاب موجوداً هنا- حقيقة هذا ما عاد قديماً، لأننا عرفنا أن وضع الميزاب كان قبل إنشاء الطريق، لكن ما المشكلة أنه ما زال يعمل ضرراً عاماً؟

ماذا يفعل هنا؟ هل يُحق الآن لصاحب الميزاب أن يكون له حق، لأنه لما وُجد ثبت لنا أنه وُجد قبل وجود الضرر العام، وأن الضرر العام حادث بسبب أن الدولة قررت أن تفتح طريقاً للعوام في هذه المنطقة، وهو لما وضع الميزاب ما كان في طريق فما كان في ضرر عام؟ فهنا لا يصلح أن تقول والله وجود الضرر العام دليل على أنه وُضع ابتداءً على غير وجه شرعي؛ لأنه هنا ثبت لدينا أنه وُضع على وجه شرعي باعتبار أن الطريق العام فُتح بعده.

طيب، هل يحق لولي الأمر أن يلزم صاحب الميزاب بأن يزيله مع أنه وُضع على وجه شرعي؟ الحقيقة هنا من حيث القواعد: إذا كان هناك حاجة عامة، الآن الاعتداء على أملاك الأشخاص محظور سواء من ولي الأمر أو من غيره، لكن الحاجة العامة ليست بمعنى أنها تنزل منزلة الضرورة الخاصة فتبيح المحظورات. فإجبار الحاكم أو ولي الأمر هذا الشخص أن يزيل ميزابه وقد ثبت أنه وُضع على وجه شرعي لأن هناك طريقاً عاماً تريد أن تفتحها الدولة وهذا الميزاب سيعطي الضرر؛ هنا نقول للحاكم: تعال، هل هذا الطريق العام حاجة عامة؟ إذا أثبت لنا فعلاً أن هذا الطريق حاجته...

عاما والناس تتضرر بدونه، فنقول: إذا الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة فتبيح المحظورات. ومن هذه المحظورات إلزام صاحب العقار أن يزيل ميزابه، مع أنه نحن قلنا وضع على وجه شرعي، لكن هنا المسألة لا يتكلم عنها، أنه نحن في طريق عام وفي ميزاب عليه وفي ضرر، ومش عارفين هل هذا وُضع قبل هذا أو بعد هذا، فهنا ما الذي سنعتمده؟ لا، لن نعتمد أن الحق قديم، بل نعتبر أن هذا الميزاب وُضع على غير وجه شرعي ويطالب بالإزالة ابتداء، وهذا واضح.

القسم الثاني أن يكون الضرر الذي ينتجه هذا الشيء القديم ضرراً خاصاً، وهذا إما أن يكون فاحشاً وغيره فاحش؛ فأما الفاحش فيُزال الضرر القديم الفاحش ولا عبرة بقدمه، وهو داخل تحت قاعدة «الضرر لا يكون قديماً» ومن فروعها: لو كان لرجل مسيل ماء أو أقذار يجري في دار آخر من القديم، وكان يوهن بناء الدار؛ يعني المجاري أو المياه القذرة تدخل تحت الأساس وتعمل إشكالات في السقف والجدران في الدار، هكذا ستنهدم مع الوقت، أو ينجس ماء آبارها، هنا فإن لصاحب الدار أن يكلف ذلك الرجل بإزالة هذا الضرر بصورة تحفظ البناء من التهوين والماء من التنجيس بأي وجه كان.

وهذه ممكن نقيس عليها المسألة التي مرت معنا في أقصى المختصرات؛ قضية من كان له شجرة أغصانها تدخل في بيت الجار وهواؤها، مش قلنا له أن الحق أن يطالبه بإزالتها؟ طيب، لو ثبت أنها الأشجار أصلاً موجودة في هذه المنطقة قبل ما يبني هو، وحضرته هو الذي بنى ودخل على مساحتها، يعني هي الأشجار والأغصان موجودة قبل، وهذا الشخص هو الذي دخل في منطقة ليست منطقته وتعدى فيها، هنا نقول له: إذاً هذه موجودة قبل ما أنت تبني بجانبه، فالأصل طبعاً -وهذا بشرط أن تكون الأغصان كما قلنا في هواء يملكه صاحب الشجر- فالأصل أنك لا تطالبني بإزالة أغصان الأشجار لأنها في هوائي، أنت المتعدي ومتجاوز الحدود والمناطق.

لكن ما أردت أن أطرحه: لو كانت هذه الأشجار جذورها تمتد وأصبحت توهن العمارة التي بجانبها. الآن هنا نقول هذا ضرر فاحش، فلن نبحث هل الشجرة هذه كانت قبل بناء العمارة التي بجانبها أو بعد بناء العمارة التي بجانبها، أنه في النهاية حتى لو كانت قديمة لا نعرف متى نشأت، لكن الضرر الذي تسببه بامتداد جذورها إلى أن تصل إلى العمارات التي حولها ضرر فاحش يؤدي إلى إفساد، فيلزم صاحب الشجر في إزالتها؛ كشجرة التين، يقولون شجرة التين جذورها طويلة وممتدة، وفعلاً تدخل في الأساسات وتفسد. فواحد زاد شجرة تين، ويوم من الأيام العمارة التي بجانبنا شكوا أن شجرة التين جذورها تنخر في الأساس، فهنا ما نأتي بنقول يا أخي هي شجرة التين قديمة والله موجودة من أيام الأجداد، ولا نأتي بنقول: تعال يا عمي ما دامت تسبب ضرراً فاحشاً فينبغي إزالتها ولا عبرة بقدمها وعدم معرفتنا متى نشأت وكيف نشأت.

وأما الضرر غير الفاحش فيبقى ولا يزال إن ثبت قدمه، يعني إن ثبت عدم معرفة كيف نشأ وسنغلب فيه جانب الصحة الشرعية، وهذا هو مقصود القاعدة السابقة: «القديم يترك على قدمه ولو أدى إلى ضرر غير فاحش بالجار». ومن فروعها الفقهية: لو كان لرجل حق إلقاء القمامات والثلوج، أو حق التسييل في أرض الغير أو في طريق خاص، فإن كل ذلك فيه نوع ضرر أكيد ولكنه دون الضرر السابق الفاحش، فإذا كان هذا الحق في إلقاء القمامات في مكان معين أو الثلوج أو حق التسييل من القدم، فيعتبر قدمه ويراعى، ولا يجوز المطالبة بتغييره أو تبديله بغير رضا صاحب الحق لأن فيه مأذناً كما تقدم مفسراً في شرح القاعدة السابقة.

فإن قيل: ما هو ضابط الضرر الخاص الفاحش والضرر الخاص غير الفاحش؟ هل يمكن وضع ضابط؟ يقول الشيخ أحمد الزرقاء: «كل ما يمكن أن يستحق على الغير بوجه من الوجوه الشرعية فهو ليس من الضرر الفاحش فيجب حينئذ مراعاة قدمه إذا كان قديماً». كل ما يمكن أن يستحق على الغير بوجه شرعي فهو لا يعتبر من قبيل الضرر الفاحش، بل يعتبر ضرراً غير فاحش، وذلك كحق المرور؛ يعني مثلاً أنا عندي حق المرور في مكان معين، أو حق إمرار ماء في مكان معين، حق المرور مثلاً من سطح الجار أو من درج الجار، هذا الضرر ضرره أني أمر من خلال سقف أو جدار أو سطح جاري، هذا الحق في المرور ضرره غير فاحش.

وتسييل الماء في أرض غيره، يعني مثلاً ماسورة أنا ممدها في أرض جاري تمر من النبعة وتصب عندي في أرضي، طيب هي الماسورة ما حجم الضرر الذي تحدثه؟ ضرر غير فاحش، مش عاملة مشكلة كبيرة. طيب كيف عرفت أنه ضرر غير فاحش؟ هل يمكن لعاقل أن يقبل وجودها في أرضه؟ أي والله ممكن، واحد يقبل أن جاره يمرر ماسورة في أرضه؛ لأن في العادة والغالب الناس تتسامح في مثل هذه الأضرار. هل يمكن للجار أن يأذن لجاره أن يمر من خلال سطح داره ويصير طلوعه ودخوله من السطح؟ ممكن. هل يمكن للجار أن يأذن لجاره أن يمرر ماسورة؟ ممكن.

فيقول الزرقاء: «كل ما يمكن أن يستحق على الغير بوجه من الوجوه الشرعية فهو ليس بضرر فاحش»، يعني كل ما يمكن أن يأذن لك فيه الآخر ويقبل الناس، لا يمكن أن تقبل شيئاً يكون فيه ضرر فاحش عليها. يعني هل ممكن الجار يقبل أنك تخلي شجرة الزيتون تهدم أساسات بيته؟ يعني لا يمكن للجار أن يأذن لجاره: آه خلي شجرة الزيتون تهدم الأساسات، هذا لا يفعل، هو عاقل تماماً إلا شخص عنده إيثار ما شاء الله عالي جداً جداً، يعني هذا من المقربين الأولياء الكبار، لكن الإنسان الطبيعي الهادئ، الإنسان المتوازن في هذه الحياة إذا رأى شيئاً سيهدم بيته لا يقبله، أي شيء لا يمكن أن يقبل في عرف العقلاء ولا يستحمل هذا ضرر فاحش، وأي شيء يمكن أن يستحمل ويؤذن فيه في عرف العقلاء يعتبر ضرراً غير فاحش. فإن أعطيتك حق المرور على سطح بيتي أو حق أن تمرر ماسورة من داخل مزرعتي، هذا مقبول في عرف العقلاء، صحيح ممكن أحد يسمح فيه، فهذا هو غير الفاحش على طريقة الزرقاء.

قال: فهذا كل ما مما يمكن أن يستحقه.

الإنسان على غيره بوجه شرعي، كما لو كانت مثلاً الدار أو الداران مشتركتين على الشيوع بين رجلين، فاقتسماها واختص كل واحد بواحدة على شرط بقاء الحقوق المذكورة. أو كانت الداران في ملك رجل فباع إحداهما وشرط حين البيع إبقاء الحقوق له في الدار المبيعة؛ يعني أنا عندي مثلاً بيت وبيت، والسقف هذا مفتوح على السقف هذا، أو السطح هذا مفتوح على السطح هذا، اضطررت أبيع أحد البيتين واشترطت عليك: اسمع، أنا سأبيعك هذا البيت بس أريد أن يظل حق المرور بين السطحين لي مكشوفاً؛ لأن لي خزانات على سطح البيت الثاني. والطرف الآخر ممكن أن يقبل شراء البيت مقابل هذه الشروط. فمثل هذه الشروط كلها تعتبر من الشروط، أو كل هذه الأضرار تعتبر كلها من الأضرار غير الفاحشة.

قال: وما لا يمكن أن يستحق على الغير بوجه شرعي فهو ضرر فاحش ويرفع مهما كان قديماً. فتوهين بناء الغير، وتنجيس مياه آبارهم، والنظر إلى مقر نسائهم لا يمكن أن يستحقه الإنسان على غيره بوجه من الوجوه، فاعتبر فاحشاً.

لو كان هناك عمارة في الطابق الرابع، شبابيك ونوافذ مفتوحة على بيت جارها كاشفة لها تماماً، ولم نعرف متى نشأت، نحن جاهلون متى نشأت؛ الآن إذا عرفنا أنها نشأت قبل أن تُبنى العمارة التي بجانبها، فصاحب العمارة التي بجانبها أنت المسؤول عن تصميم عمارتك. لكن نحن نقول إنها قديمة، بمعنى لا نعرف متى نشأت، فنقول ما دامت قديمة ولا يوجد دليل أن هذا قبل هذا أو هذا قبل هذا، فننظر الآن إلى الضرر مباشرة، ونقول: هل الضرر الذي تسببه هذه النوافذ فاحش ولا غير فاحش؟ والله إنها تكشف على نساء البيت المقابل، هذا يعتبر ضرراً فاحشاً، لا يوجد عاقل؛ لأن اليوم مع قلة الغيرة وانتشار عدم الحياء، خاصة بمن تقلد في المجتمعات الغربية، ممكن يحكي لجار: خذ راحتك، ليس مشكلة لو انكشفت حرمات بيتي، نحن مثل الإخوة! يوم تلاقي ناس عندها شيء من الدياثة والعياذ بالله، لكن الإنسان العاقل العفيف الشريف لا يقبل أن يستأذن جاره ليجعل النوافذ وإن كانت تكشف على حرماته من النساء، ما يقبل. فمثل هذا لا يعتبر فيه الضرر القديم معفواً عنه، بل يعتبر من الضرر الخاص الفاحش فيجب إزالته.

فتوهين بناء الآخرين، وتنجيس مياه الآبار، والنظر إلى مقر نسائهم، عرفتم الآن ما هو مثال مقر النساء؟ لا يمكن أن يستحقه الإنسان على غيره بوجه من الوجوه فاعتبر فاحشاً. وبناءً على هذا التفصيل يكون محل هذه القاعدة، وهي أن الضرر لا يكون قديماً، أين محل تطبيقها؟ في الضرر العام والضرر الخاص الفاحش، فهذان لا عبرة بقديمهما بل يزالان على كل حال.

القاعدة الخامسة من القواعد الكلية الكبرى، وصلنا إلى القاعدة الأخيرة من القواعد الكلية الكبرى وهي قاعدة: «العادة محكمة». أنهينا قاعدة «الأمور بمقاصدها»، وأنهينا قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، وأنهينا قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وأنهينا قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» وأبرز القواعد المندرجة تحتها، وصلنا إلى قاعدة «العادة محكمة». طبعاً هذه القاعدة مشهورة ومعمول بها في المذاهب الأربعة في كتب الفقه والقواعد الفقهية.

نبدأ الآن بتحليل معنى القاعدة. يقول: «العادة»، هذه القاعدة مركبة من كلمتين: «العادة محكمة». أما العادة فهي في اللغة من العود، وهو تثنية الأمر عوداً بعد بدء؛ تقول بدأ ثم عاد، ويقال عاوده بالمسألة إذا سأله مرة بعد أخرى، فهي تدل على شيء يعود. يقول صاحبنا الشنفري في قصيدته: والألف هموم لا تزال تعوده ... عياداً كحم الربع أو هي أثقل

في قصيدته المشهورة: «أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل»، يقول فيها: «والألف هموم»، وصف نفسه بأن له ألف هم لا تزال تعوده عياداً كحم الربع، يعني وهذه حم الربع -وقلنا طبيعتها أنها تصيب الإنسان ثم تتركه يومين ثم ترجع له- زي حم الربع أو هي أثقل. فهذا معنى العود، وهو تثنية الأمر عوداً بعد بدء؛ الشيء يحصل ثم يحصل مرة أخرى ثم ينتهي وهكذا. فالعادة كلمة تدل على تكرار الأقوال أو الأفعال.

أما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين، فهذا معناه اللغوي. فشهاب الدين القرافي يقول: «العادة غلبة معنى من المعاني على الناس»، هكذا عرفها القرافي. غلبة ماذا؟ معنى، وطبعاً كلمة معنى تشمل كل قول أو فعل، المعنى يشمل الأقوال والأفعال، غلب استعماله عند الناس ولا يكون كذلك إلا ما كان متكرراً. والسراج الهندي يقول: «العادة عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند الطباع السليمة».

فقوله: «ما يستقر في النفوس» خرج به ما لا تعرفه النفوس أصلاً، أو عرفته النفوس ولكنه لم يثبت فيها، كان مجرد شيء عابر. وقوله: «من الأمور المتكررة» خرج ما يقع مرة أو مرتين أو على وجه الندرة. وقوله: «المقبولة عند الطباع السليمة» خرج ما تنكره الطباع السليمة؛ فهو يقول إنه لو استقر في النفوس وتكرر ما دامت لم تقبله الطباع السليمة -على طريقته طبعاً- فهو يعتبر أنه لا يسمى عادة، وهذا عليه ملخص يأتي معنا.

يلاحظ على تعريفين، تعريف القرافي أو الهندي، أنه لا يدخل فيهما ما تكرر من الفرد، يعني ما تكرره أنت في حياتك اليومية ولا يكرره الناس، هل نسميه عادة؟ الآن القرافي قال: «العادة ما غلب على الناس»، إذاً جعل مفهوم العادة شيئاً مجتمعياً. كذلك هنا الهندي لما جعل العادة «ما يستقر في نفوس الناس السليمة»، أنا شخصياً إنسان أستيقظ في الصباح أريد أن أشرب كأساً من الينسون، كلما استيقظت في الصباح أشرب كأساً من الينسون، المجتمع لا يفعل هذا الحكي، أنا الذي أفعله، هل يسمى هذا عادة؟ على كلامهم أخرجوه من مفهوم العادة؛ لأنه يعتبر العادة ما يقوم به مجتمع الناس. فيقول: أول ملاحظة على التعريفين أنهم أخرجوا العادات الفردية، بل ظاهرهما الاقتصار على ما يغلب على الناس أو يستقر في نفوس الناس عموماً.

ويلاحظ على التعريف الثاني بالتحديد أنه قصر العادة على ما تقبله النفوس السليمة فقط، مع أن كثيراً من عادات المجتمعات عادات مستقذرة؛ اليوم اذهب إلى كثير من الهند والسند، ستجد عندهم عادات أكل الحشرات وأكل... هذه لا تسمى عادة وإن كانت عادة مستقذرة. ومع أن كثيراً ما تستعمل العادة في غير ذلك، فيقال: عادة أهل البلد الفلاني أكل الحيوان وهو حي، بعض البلدان يذهبون ليأكلوا الحيوانات وهي حية بدون أن يذبحوها، هذه عادة، وإن كانت عادة لا.

تقبلها النفوس السالمة، فهذه مشكلة. على التعريف، ابن أمير الحاج المالكي ماذا يقول؟ «العادة هي: الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية».

الآن الأشياء التي تتكرر في حياتنا اليومية؛ أما أن هناك رابطًا عقليًا بينها، كأن الكسر يؤدي إلى الانكسار، فهذا رابط عقلي. صح أنه إذا رميت حجرًا ينكسر الزجاج، هذه ما بنسميها عادة، هنا في ارتباط عقلي بين السبب والمسبب؛ أنه لما أوقدت نارًا تحت ورقة فإنها تحترق، هذه ما بنسميها عادة، بل هذا ارتباط عقلي. وأنه لما آكل أشبع، ما بنسميه هذه عادة، بل نسميه ارتباطًا عقليًا؛ فارتباط السبب بالمسبب لا يسمى عادة.

وإن كان في باب علم الكلام يسمونه ارتباطًا عاديًا، وهو أن الله جعل من عادة النار أن يحصل عندها الإحراق. فانتبه على المصطلح الكلامي، المصطلح الكلامي غير المصطلح الفقهي؛ ففي المصطلح الفقهي علاقة السبب بالمسبب تسمى ارتباطًا عقليًا. والارتباط العقلي لا يعني أنه لا يجوز أن يتخلف، فلا يجوز، فالنار يمكن لا تحرق، وهذا ما حصل مع سيدنا إبراهيم، لكن إنهم يقصدون بالارتباط العقلي أنه ارتباط السبب بالمسبب، هذا معنى الارتباط العقلي.

فيقول: «الأمر المتكرر»، قوله «الأمر المتكرر» خرج ما وقع مرة أو مرتين. وقوله: «من غير علاقة عقلية» خرج ما كان تكراره بعلاقة عقلية. قال: «كَتكرر الأثر كلما تكرر المؤثر»، يعني كلما تكرر المسبب كلما تكرر السبب، ممتاز، كالانكسار الحاصل بالكسر، وتحرك الخاتم بتحرك اليد، فإن ذلك ولو تكرر فلا يسمى عادة في الاصطلاح الفقهي؛ لأنه تكرر بعلاقة عقلية، وإن كان غير واجب عقلاً، لكن العقل أصبح يفهم أن هذا ينتج هذا، وإن كان الله عز وجل قد يمنع السبب من أن ينتج مسببه.

يقول الشيخ أيمن: وهذا التعريف أولى من سابقيه، لأنه أدخل العادات الفردية، ولم يحصر الأمر على ما غلب على الناس. الأمر المتكرر سواء كان على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمع، فالعبارة مطلقة تشمل العادات الفردية والعادات الجماعية، كما أنه أدخل العادات الصحيحة والعادات الفاسدة؛ لأنه لم يشترط أن يكون الأمر المتكرر عند أصحاب الطباعة السليمة، فقال: «أي أمر متكرر من غير علاقة عقلية».

فوجود مثلاً الاحتفالات والأعراس في خيم في بعض المناطق، هذا أمر متكرر بدون ارتباط عقلي بين العرس والخيمة، هل هناك رابط عقلي يربط أن العرس يسبب خيمة؟ لا، ما في رابط عقلي، فإنما هو رابط مجتمعي، تعارف الناس عليه. فهذا معنى قوله إنه هذا يشمل أي ارتباط، سواء كانت العادة صحيحة أو فاسدة.

فعلى التعريفين السابقين لا يسمى ما تكرر من شخص واحد عادة، لكن على تعريف ابن أمير الحاج يسمى عادة، كذلك ما كان فاسدًا من العادات. تعريف الهندي أخرجها، إذ اشترط في العادة أن تكون عند أصحاب الطباع السليمة، لكن هنا ابن أمير الحاج كلامه عام، يشمل أصحاب الطباع السليمة وغير السليمة؛ فلو كانت الناس تعتاد المعازف في الأعراس، بمعنى أن في هذه البلد ما في عرس إلا ومعنى ذلك أن في معازف، هذه عادة عندهم، لكن هل هي العادة سليمة ولا غير سليمة؟ هذه العادة غير سليمة.

وأما قوله: «محكمة»، فهي اسم مفعول من حَكَمَ يَحْكُمُ تَحْكِيمًا، فهو مُحْكَم وهي مُحْكَمَة، والتحكيم مأخوذ من الحكم. والحكم في الأصل في اللغة معناه المنع؛ ابن حنيفة: «احكموا سفهائكم» أي امنعوهم، وليس أغضب أني أغضب، ويأتي بمعنى القضاء. فمعنى أنها محكمة هنا: التحكيم بالاصطلاح الفقهي، معناها أن العادة لها أثر في الحكم الشرعي. هذا معنى «أصبحت العادة محكمة»، أي لها أثر في الحكم الشرعي.

فتبين إذاً من معنى القاعدة أن العادة تجعل حكمًا. هكذا قال الشيخ الزرقا: «إن العادة تجعل حكمًا لإثبات حكم شرعي لم ينص على خلافه بخصوصه». يعني أن العادة يمكن أن تؤثر وتكون حاكمة في حكم شرعي لم ينص في هذا الحكم على خلاف هذه العادة، الآن إذا نص في الحكم على خلاف العادة، جاء نص الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة، نرمي بالعادة عرض الحائط، لكن المسألة لم يأتِ فيها نص لا في الكتاب ولا في السنة ولا في كذا، والعادة لا تنافي مقاصد الشريعة، فالأصل أن العادة لها أثر في الحكم، إنها تؤثر في الحكم ولها وزنها فيه.

لكن هل الخطورة إخواني -وهذه قضية مهمة جدًا أن تفهموها في القاعدة- ما معنى أن العادة محكمة؟ هل هنا على الاستغراق، كل عادة مهما كان شكلها وصورتها تؤثر وتساعد في بناء الحكم الشرعي، أم ذلك له محله وشروطه وقواعده؟ كل شيء له محله وشروطه وقواعده، ما عندنا أمور هكذا فضفاضة.

فبالتالي إذا أردنا أن نعرف ما هي الشروط، سنبدأ رويدًا رويدًا نتعمق، فنقول أولًا: هل هناك فرق بين كلمة عادة وكلمة عرف؟ الآن القاعدة ماذا قالت: «العادة محكمة»، ما قالت «العرف محكم»، وهذا سؤال مشروع: هل هناك فرق بين كلمة العادة وكلمة العرف؟ نقول: لفظ العرف له تعلق بلفظ العادة، وكثيرًا ما يُرى في كتب الفقهاء، فناسب أن يُذكر هنا.

والعرف في اللغة هو ضد النكر، العرف هو ضد النكر، يعني كلها العرف أو العارفة أو المعروف، كلها كلمات متقابلة أو مترادفة أو متناسبة، معناها كلها أنها ضد النكر، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به، أي تأنس به وتطمئن إليه. هذا معناه العرف: كل ما تعرفه النفس من الخير، فالأصل في كلمة العرف أنه يكون مقابل النكر في اللغة، فهو في الأصل يستعمل في الخير؛ خذ العفو وأمر بالعرف. ربنا قال في سورة الأعراف، فالعرف هو خير، هو المعروف، وليس «وأمر بالعرف» يعني وأمر بالعادات. أصل كلمة العرف هو المعروف وهو ضد النكر.

أما في الاصطلاح الفقهي، كلمة العرف توسعت حتى في استعمال الناس لها، فله استعمالان: أولهما استعماله بمعنى العادة، أنه يصبح العرف هو زي العادة؛ فكما أن هناك عادة حسنة وعادة سيئة، هناك عرف صحيح وهناك عرف فاسد، وهذا كثير في كلام العلماء، فتكون النسبة بينهما الترادف، وقد عرفهما الإمام النسفي بتعريف واحد. وهذه كما يقول -وهي فائدة في الحاشية رقم ثلاثة- هناك كتاب اسمه المستصفى في فقه الحنفية للإمام النسفي، يقول: هذا غير المستصفى في أصول الفقه للغزالي، فإياك أن تهم؛ يعني أحيانًا سبحان الله اشتراك الأسماء يدع الإنسان يخطئ فينسب إلى الكتاب، يقول لك المستصفى، الآن هو علم على كتاب الغزالي، لكن هناك كتاب آخر اسمه المستصفى في فروع الحنفية.

الاستعمال الثاني هو التفريق.

بين العادة والعرف، وهؤلاء يرون أن العادة متعلقة بما يتكرر من الأفعال، وأما العرف فمتعلق بما يتكرر من الأقوال. فنقول: العرف إذا أطلقت هذه الكلمة، فإنه يراد بها كذا وكذا؛ مثلاً الشخص إذا قال: «علي الحرام ما أفعل كذا»، فما هو العرف في إطلاق هذه الكلمة؟ العرف يعني ما هي العقدة المتكررة عند الناس إذا أطلقوا هذه العبارة، ماذا يقصدون بها؟

فيكون العرف يستعمل فيما يتكرر من الأقوال، وأما العادة فيما يتكرر من الأفعال؛ مثل مراسيم الأعراس في المقدم والمؤخر وكذا. فما هي العادة فيها؟ هل هو فعل أن أسلم المهر أولاً كاملاً، أم تقسيمه إلى مقدم ومؤخر؟ العادة هي أن الشاب يعطي مقدماً 5000 ومؤخراً 5000، فهنا نقول العادة، ولا نقول العرف؛ لأنه فعل.

طبعاً هذا إذا أردت التفريق بين العادة والعرف، فتقول العادة لما يكون من الأفعال، والعرف لما يكون في تفسير الأقوال. ولذلك قال الكفوي في كتابه الكليات: «وليست العادة إلا عرفاً عملياً». فالكفوي جعل العادة هي العرف العملي، وبناءً على هذا الكلام، يجب أن يكون العرف نوعين: عرف عملي وعرف قولي، وسيكون العرف أوسع من العادة، أي أن العادة ستكون صورة من صور العرف وليست مقابلة له.

إذاً على كلام الكفوي، جعل العرف قولياً وعرفاً عملياً، والعادة هي العرف العملي؛ فالعرف يطلق على الشيء العملي، وأصبح العرف أوسع من العادة وليس مباينًا له على كلام الكفوي. وهذا الاستعمال مشهور في كتب الفقهاء والأصوليين.

وبناءً عليه، ذكر الإمام ابن رجب الحنبلي في قواعده قاعدتين؛ إحداهما في تخصيص العموم بالعرف، وهذه مسألة مرت معنا اليوم مع ابن دقيق العيد في تخصيص العام بالعرف. مش قلنا إن الإمام مالك لما أتى لحديث: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم»، لماذا خصصه في الماء والأشربة التي في الإناء، وقال إن الأطعمة إذا كانت في الإناء لا تدخل؟ قال: لأن العرف أن العرب كانت تحفظ الأطعمة التي في الآنية ولا تسمح للكلاب أن تأتي إليها، لكن كانت تتهاون في الأشربة التي في الآنية وتسمح للكلاب أن تأتي إليها. فالحديث يتكلم عن الآنية التي فيها الماء وليست الآنية التي فيها الطعام، وجعل هذا تخصيصاً للحديث بالعرف.

وهذه كما قال ابن دقيق العيد مسألة فيها منع عند كثير من الأصوليين؛ هل يجوز تخصيص العام بالعرف؟ لكن كما قلنا هي مسألة فيها خلاف، البعض يجوز والبعض لا يجوز. فيقول هنا مثلاً صاحبنا ابن رجب الحنبلي وضع قاعدتين في قواعده: القاعدة الأولى تخصيص العموم بالعرف وفرع عليها فروعاً قولية، ثم جعل قاعدة أخرى في تخصيص العموم بالعادة وفرع عليها فروعاً عملية.

فإذاً ابن رجب لما تكلم عن قاعدتين؛ تخصيص العموم بالعرف وكل الأمثلة التي أتى فيها تخصيص بالعرف القولي، ثم أتى إلى قاعدة في تخصيص العموم بالعادة وجعله من قبيل التخصيص العملي، لكن على كلام ابن دقيق العيد الذي مر معنا الصبح لما قال: «وأما مالك فخصه بالعرف»، فإن مسألة حفظ الآنية من الكلاب إذا كان فيها طعام هي عرف عملي وليس عرفاً قولياً، هي مسألة عملية، فأطلق ابن دقيق العيد العرف على الشيء العملي، وهذا يدل على أن القضية فيها تسامح، أي لا داعي للتدقيق الزائد، والله أعلم.

وقال جماعة من المتأخرين: النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق، فالعادة أعم مطلقاً؛ لأنها تشمل عادة الفرد والجماعة، والعرف أخص مطلقاً؛ لأنه يختص بعادة الجماعة. وهناك ملحظ آخر في التقسيم ليس هو القول والعمل؛ فالقول الثالث يرى أن العادة أعم من العرف، وملحظ العموم والخصوص هنا ليس القولي والعملي، بل هو أن العادة تشمل ما كان من الأفراد وما كان من الجماعات، وأما العرف فهو خاص بما كان من الجماعات، سواء كان قولياً أو فعلياً. يعني هنا سواء كان قولياً أو فعلياً، ما يقوم به الجماعة أو الأفراد كلاهما يطلق عليه عادة، وما يقوم به الجماعات فقط يسمى عرفاً، فالعادة أوسع والعرف أضيق.

هذا نقاش في قضية التفريق بين العرف والعادة. الآن نأتي إلى الفرق بين العرف والإجماع؛ لأنه سيسأل شخص: ما الفرق بين العرف وبين الإجماع الذي هو أحد مصادر التشريع، وإن كان هو في نوع من الوضوح حقيقة؟ الفرق بينهما أولاً: أن الإجماع لا يعتبر إلا من المجتهدين، أما العرف فليس من شروطه الاجتهاد ولا أي مواصفات، يكفي أن يكون من الناس.

ثانياً: أن الإجماع المعتبر لا بد من اتفاق جميع مجتهدي العصر، أما العرف فيكفي في اعتباره الأغلب ولا يشترط الكل. ثالثاً: أن الإجماع المعتبر يكون بعد وفاة النبي ﷺ، وأما العرف فقد يكون في حياته ﷺ معتبراً. رابعاً: أن الإجماع دليل شرعي إذا ثبت لا يلحقه تبدل ولا تغير، بخلاف العرف فهو متغير ومتبدل، ومهما تغير، إذا كان الحكم مبنياً على العرف سيتغير الحكم بتغير العرف. خامساً: أن الإجماع حق وصدق دائماً، بخلاف العرف فهناك عرف فاسد وهناك عرف صالح.

نأتي إلى تقسيمات العرف، فيقول: للعرف تقسيمات متعددة باعتبارات مختلفة. الاعتبار الأول من حيث موضوعه: طبيعة العرف والعادة؛ واضح أنه هناك عرف قولي وهناك عرف عملي. فالعرف القولي هو أن يتعارف قوم على إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذلك المعنى، ولا يكون ذلك لغة لهم. والذي يظهر أنه يقصد لا يكون لغة، يعني هو ليس من الدلالة اللغوية، وإنما هي دلالة ناشئة في داخل بيئة ما.

لو كان هذا هو المعنى اللغوي الأصلي، فلا أقول إن هذا عرف قولي، بل هذا هو المعنى الأصلي للفظ؛ فاطق كلمة الأسد على الحيوان المفترس، هل نقول العرف القولي أن الأسد يطلق على الحيوان المفترس؟ لا، نقول هذه الدلالة اللغوية أصلاً، إن كلمة أسد في اللغة معناها حيوان مفترس. وهذا طبعاً سيرجع لإشكالية من واضع اللغات، فالفكرة أن العرف شيء خلاف الدلالة اللغوية. نحن مثلاً نجد بعض الإخوان الذين يعملون في الصنائعية في الورشات، مثلاً يحكي لشب: «أعطني الكلبة»، وتكتشف أن الكلبة حديدة معينة يستخدمونها ليعلقوا عليها شيئاً، أو يقول: «أعطني الخنزيرة»، وهكذا.

بتعرف أن الخنزيرة كأنها هي المساطب، هي اللي الزقالة، الزقالة زي الخشبة اللي بيطلعوا عليها. وهنا أنت تعرف أنه صارت كلمة الخنزيرة أو الكلبة هي في دلالتها اللغوية شيء، لكن في العرف القولي عند هؤلاء الناس أصبح لها معنى مختلف.

أصبح لها معنى مختلف. طيب، يعني إيش بدي يفيدني؟ هذا جداً مفيد في القضاء والخلافات والنزاعات؛ فإذا جاء شخص وقال للقاضي: "والله أنا طلبت منه الخنزيرة وما أعطاني"، وسرق إلخ، القاضي على إيش بده يحكم؟ الخنزيرة على المعنى اللغوي ولا على المعنى العرفي اللي بينهم؟ فلو يقول: "والله لا أعطيك خنزيرة" أو "كلبة"، لما أفسرها بدي أفسرها بالمعنى العرفي اللي عنده. فإذا أعطاك كلب حقيقي، ما عندي مشكلة، لن يحنث في يمينه.

باختصار، هناك عشرات ومئات الأحكام التي تنبني على قضية العرف القولي. العرف القولي هو أن يتعارف قوم على إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه بينهم إلا ذلك المعنى، ولا يكون ذلك لغة لهم، يعني الذي يظهر لي أنه يقصد، ولا يكون ذلك لغة لهم؛ أي أنه ليس هو المعنى اللغوي الأساسي للمفردة.

وهذا قسمان؛ قد يكون العرف القولي في المفردات، وهذا تارة يكون بإطلاق لفظ عرفاً على معنى له لفظ لغوي خاص، كاستعمال لفظ الغائط على الخارج النجس من الإنسان، مع أنه في اللغة الأصل في الغائط هو المكان المطمئن من الأرض. واستعمال كذلك لفظ الحمام مثلاً، شوفوا لفظ الحمام، إحنا في عرفنا إيش معناها؟ الحمام هو مكان قضاء الحاجة، بس لما نشرح في كل كتب الفقه، إحنا عارفين أنه الحمام في لغة الفقه، هي على اللغة القديمة في العرف القديم، يطلق على ماذا؟ على أماكن الاستحمام. فيقول: واستعمال لفظ الحمام في موضع قضاء الحاجة، مع أنه في الأصل اللغوي يطلق على ما بني للاغتسال خاصة، يعني إطلاق الحمام على مكان قضاء الحاجة هو العرف، وأما استعمال الحمام في مكان الاستحمام فهو الحقيقة اللغوية.

إذن العرف القولي في المفردات يقول: وهذا تارة يكون بإطلاق لفظ عرفاً على معنى له لفظ لغوي خاص. فهنا مكان الاستحمام، والخارج من الإنسان؛ يعني أنا بدي أحاول أربط بين كلامه وبين الأمثلة، لما يقول: "وهذا تارة يكون بإطلاق لفظ على معنى، هذا المعنى له في اللغة في الأصل لفظ لغوي خاص"، هسه الخارج من الإنسان له معنى لغوي خاص، بنسميه مثلاً العذرة. فإطلاق الغائط على العذرة في العرف هو إطلاق لفظ عرفاً على معنى، هذا المعنى هو في اللغة له لفظ لغوي خاص به؛ فهو أصلاً الخارج من الإنسان اسمه عذرة، والذي يخرج من القبل أو الذكر اسمه بول، لكن أن يسمى الخارج الخلفي، هو الذي يخرج من الدبر، يسمى غائطاً مع أنه في الأصل اسمه عذرة.

هذا نوع من أنواع العرف القولي. إذاً نلاحظ أن العرف القولي في الحقيقة هو نوع من أنواع المجاز، هو المجاز. لكن أي مجاز؟ المجاز إذا غلب على الاستعمال عند الناس يسمى عرفاً. هذه الفكرة، الآن كلمة غائط هي مجاز علاقته المجاورة، لكن لما غلب استعمالها واشتهر، فاضطررنا نسميها مجاز، وإن كانت في الحقيقة مجازاً، تطورت إلى عرف قولي. فالعرف القولي باختصار هو مجازات؛ هو نفس المجاز لكن إذا أصبح هو المتداول والمشهور والمتكرر بحيث كانت الحقيقة أصبحت متناسية. فالغائط إحنا ما عدنا نستعمله على المكان المطمئن، المعنى الحقيقي لكلمة الغائط كأنه تم نسيانه، وأصبح المتبادر هو أن يطلق الغائط على الخارج من الإنسان، فهذا ليس فقط مجازاً، بل مجاز تكرر تكرر تكرر حتى نسيت حقيقته، فأصبح هذا المجاز عندئذٍ عرفاً.

ونفس الشيء لفظ الحمام، هسه الآن أي موضع قضاء حاجة ماذا كان يسمى عندهم؟ حش. ممتاز، إطلاق لفظ الحمام على الحش في عصرنا هو عبارة عن عرف قولي صحيح؛ لأنه الأصل أن كلمة الحمام لها معنى، وهو مكان قضاء الحاجة له لفظ لغوي موضوع له، لكنني استعملت لفظاً لغوياً آخر له وهو الحمام، وكررت استعماله حتى أصبح هذا المجاز نوعاً من أنواع الحقيقة العرفية.

أقول كلام جيد، لكن في اعتقادي التعبير، تعبير الشيخ أيمن، ممكن يحتاج إلى إعادة نظر فيه. يعني هو ماذا يقول؟ أنا ما زلت أرى أن التعبير قلق نوعاً ما. يقول: "وهذا تارة يكون بإطلاق لفظ عرفاً على معنى له لفظ لغوي خاص". الآن أنا الذي فهمته من كلامك أن هناك معنى له لفظ لغوي خاص، لكنني ما عبرت باللفظ اللغوي الخاص، أتيت بلفظ آخر. لكن من خلال الأمثلة التي أتى بها، أنا أشعر أنه كان يريد شيئاً آخر، وهو يريد أن يقول: إن يطلق اللفظ عرفاً على معنى، مع أن هذا اللفظ كان له معنى لغوي آخر خاص.

يعني هو كأنه لأن قال الغائط في الأصل هو المكان المطمئن، والحمام في الأصل هو مكان الاستحمام، إذاً أنت ماذا تريد أن تقول؟ لا، أنت تريد أن تقول هذا اللفظ استعملته استعمالاً عرفياً في معنى، مع أن هذا اللفظ كان له في اللغة معنى حقيقي خاص. فالغائط كان له في اللغة معنى وهو المطمئن من الأرض، ثم انتقل وأصبح يطلق على الخارج من الإنسان، والحمام يعني هي مش فكرة أنه موضع قضاء الحاجة كان له اسم حش وأنا أطلقت عليها حمام، لا، هو يريد أن يقول أن الحمام إيش كان معناها اللغوي؟ المكان المعد للاستحمام، ثم أصبحت تطلق على ماذا؟ على مكان قضاء الحاجة.

في الحقيقة، أنا أعتقد العبارة قلقة، يعني ينبغي أن تكون هكذا: "وهذا تارة يكون بإطلاق لفظ عرفاً على معنى، ولهذا اللفظ معنى لغوي خاص به في الأصل". فكلمة الغائط لها معنى لغوي في الأصل ثم أصبحت تستعمل بمعنى الخارج من الإنسان، وكلمة الحمام لها معنى لغوي في الأصل وهو الذي ذكره مكان الاغتسال، ثم أصبحت تطلق على ماذا؟ على المكان المعد لقضاء الحاجة. فتمثيله وطريقته في التمثيل تتنافى مع الجملة التي أطلقها: "إطلاق لفظ عرفاً على معنى له لفظ لغوي خاص".

ممكن أشرحها أنا شرحاً صحيحاً كما شرحت قبل قليل، لكن طريقتك في التمثيل لا تتماشى مع عبارتك. فالأصل أن تكون العبارة: "إطلاق لفظ عرفاً على معنى، ولكن هذا اللفظ له معنى لغوي خاص أصلاً"، وهذا الذي يتماشى مع الأمثلة التي أتى بها. قال: وتارة يكون.

هذه الحالة الثانية من العرف في المفردات، بقصر اللفظ عرفًا على أحد مسمياته. وهذا الذي يؤكد لي أنه في خطأ في التعبير السابق، وهو جعل العرف في المفردات كيف يكون؟ إنها اللفظة التي لها عرف؛ قوليًا، قبل أن ينشأ لها هذا العرف، كان لها معنى قديم.

ممتاز، مثل الغائط؛ الغائط كان له معنى قديم وهو المطمئن من الأرض، ثم نقلناه إلى معنى جديد وهو الخارج من الإنسان. ركزوا: هل المعنى الجديد هو أحد أفراد المعنى القديم أو مباين له؟ الخارج من الإنسان شيء، والمطمئن من الأرض شيء؛ فالمعنى الجديد ليس أحد أفراد المعنى القديم، هذا ما أراد أن يقوله.

نفس الشيء الحمام؛ المعنى القديم له مكان الاستحمام، والمعنى الجديد له مكان قضاء الحاجة. هل المعنى الجديد، مكان قضاء الحاجة، هو فرد من أفراد المعنى القديم وهو مكان الاستحمام، أم منفصل عنه؟ هذا معنى وهذا معنى. فهذه الصورة الأولى من صور العرف القولي، وهو أن يكون المعنى الجديد للفظ باختصار مباينًا للمعنى القديم. لو قال كده، ترى ريحنا، أو أن يكون اللفظ قد أعطي معنى جديدًا على سبيل المجاز لعلاقة من علاقات المجاورة أو ما شابه، ويكون المعنى الجديد مباينًا للمعنى القديم بمعنى أنه ليس فردًا من أفراده.

الحالة الثانية، ألا يكون اللفظ في العرف قد أعطي معنى جديدًا تمامًا، بل استعمل اللفظ في العرف على صورة فرد من أفراد المعنى القديم، فالمعنى القديم عام والمعنى الجديد هو فرد من الأفراد. كاسم الدابة؛ فاسم الدابة يطلق في الأصل اللغوي على كل ما يدب على الأرض من ذوات الأربع، أو من ذوات الاثنين، أو حتى من ذوات الواحد إذا وجدت. لكنه بعد ذلك في العرف أصبح يطلق لفظ الدابة على ذوات الأربع فقط؛ فلما تقول لفلان: "دابة" بيزعل، صح؟ ليه؟ يعتبرها مسبة؛ لأنك تشبهه بذوات الأربع، مع أن أصلها في اللغة أننا كلنا دواب، الحمد لله، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].

فإن كان في اللغة يطلق على كل ما يدب على الأرض، لكن قصر لفظ الدابة على ذوات الأربع هو صورة من صور العرف، وأصبحت في العرف تدل على ذلك. طبعًا هي أصلها مجاز، لكن المجاز يُحفظ عندما يتكرر بحيث يتم تناسي الحقيقة، فيصبح اسمه عرفًا. هكذا المجاز يطور حتى يصير عرفًا؛ لما يكثر استعماله حتى تصبح الحقيقة في حكم المهجور، يسمى المجاز حينئذٍ عرفًا قوليًا.

كذلك لفظ اللحم؛ أن يقصر لفظ اللحم على لحم بهيمة الأنعام، وإن كان يطلق في اللغة على كل لحم حيوان كالسمك والدجاج. الآن لما أقول: "والله لا أشتري لحمًا"، فذهبت واشتريت سمكًا، هل أعتبر حانثًا في يميني؟ قالوا: لا؛ لأنه في العرف السمك لا يسمى لحمًا، وإن كان اللحم في الأصل يطلق على كل لحم حيوان سواء كان سمكًا أو دجاجًا أو لحم غنم.

نحن في عرفنا لما أقول لك: "بالله يا فلان اذهب واشترِ لي لحمًا"، إذا ذهبت وأحضرت لي دجاجة، سأقول لك: "أنت أخطأت في حقنا، وكلتك أن تشتري لحمًا وأحضرت دجاجًا". لو قلت لي: "يا أخي أنا فتحت المعجم اللغوي ووجدت أن اللحم يطلق على السمك وعلى الدجاج وعلى لحم الخروف"، سأقول لك: هذه اللغة شيء والعرف شيء. في العرف، أصبحت كلمة اللحم مخصوصة بلحم بهيمة الأنعام: غنم، بقر، جمل. فلم يعد في العرف كلمة اللحم يدخل فيها السمك والدجاج، وإن كان في الأصل اللغوي داخلًا فيها؛ فهذا اسمه أن العرف خصص اللفظة بأحد مسمياتها.

هذه صورة أخرى من صور العرف؛ فالعرف إما أن يأتي بمعنى مباين للمعنى القديم، أو يأتي بأن يطلق اللفظ على صورة من صور المعنى القديم. هكذا باختصار العرف في المفردات: أن يكون اللفظ في العرف يطلق على معنى مباين للمعنى اللغوي، أو أن يطلق اللفظ في العرف على مفرد من مفردات المعنى اللغوي.

الحالة الثانية: العرف في الألفاظ المركبة في الجمل؛ كقول الرجل: "والله لا أضع قدمي في دار فلان"، أو "والله ما أضع يدي في يدك". الآن ما معنى "لا أضع قدمي"؟ معناها الظاهر على الحقيقي في اللغة أنه لا يدخل قدمي داخل بلاط بيتك، أو "لا أضع يدي في يدك" أي لا أصافحك. لكن العرف جعل هذه الكلمات المركبة أو هذا التركيب متعلقًا بأنني لن أدخل دارك أصلًا؛ لا رجلي ولا يدي ولا رأسي، ليس مجرد "لا أضع القدم".

وأما العرف الفعلي، انتهينا من العرف القولي، انتقل للعرف الفعلي؛ قال: وهو أن يوضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقية أنواعه. العرف الفعلي هنا ماذا قصد به؟ أطلق العرف الفعلي على أن يوضع اللفظ لمعنى، لكن يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المعنى، وقال لك المسمى، ولو خلاها "المعنى" دون بقية أنواعه كما يقول القرافي.

مثال ذلك الخبز؛ الخبز يطلق على ماذا؟ على خبز الفول، والخبز المصنوع من الحمص، والخبز المصنوع من البر، والخبز المصنوع من الأرز، والخبز الأبيض. لكن الشائع في الأردن مثلا لما نقول: "اذهب واشترِ خبزًا"، لو ذهبت وأحضرت لي خبزًا مصنوعًا من الفول، سأقول لك: "هذا ليس خبزًا، وكلتك أن تشتري خبزًا". الخبز عندنا هو البر الأبيض. فكان عرفًا عمليًا.

هنا أريد أن أنبه على القضية حتى لا نخطئ؛ هو عندما قال إن العرف ينقسم إلى عرف قولي وعرف فعلي، لا نريد أن نخرج العادة. نحن الآن إذا قلنا إن العادات تطلق على الأمور العملية، فأول فرق بين العادة والعرف هو أن العادة هي السلوك العملي المتكرر، والعرف هو اللفظ القولي المتكرر. العادة هي سلوك عادي ما له دخل بالألفاظ، هو سلوك اعتيادي متكرر يصدر منك أو من الجماعة في صبيحة كل نهار أو عند مناسبات، لكن هنا لما فرق بين العرف القولي والفعلي...

هنا العرف كله في مساحة الأقوال، لكنه تكلم عن ماذا؟ تكلم عن أنه قسم العرف إلى قولي وعملي؛ باعتبار أن العرف القولي هي ألفاظ تستعمل استعمالًا لفظيًا في غير دلالتها الأولى، وأما العرف العملي فهو أيضًا في الألفاظ، لكنه في الاستعمال العملي تم تخصيصه بصورة من الصور، وهو خبز البر والخبز الأبيض.

أنت تلاحظ هنا، ركز معي، نحن نتكلم عن لفظ لكن هذا اللفظ كان يشمل الخبز بكل أنواعه، بس عرف أهل البلد العملي -ليس عرفهم القولي- هو الذي جعل الخبز يُحمل على خبز الحنطة أو خبز البر أو الخبز الأبيض. ركز الآن، لنضع مثلاً كلمة الغائط وكلمة الخبز حتى نفهم أكثر لماذا جعل كلمة الغائط من العرف القولي وجعل كلمة الخبز من العرف العملي، مع أنهما كلاهما قول.

هو اعتبر ما الذي شكل العرف؟ هناك استعمال الغائط للخارج من الإنسان، الذي شكل هذا المجاز ليس السلوك العملي، وإنما الذي شكله ألفاظ الناس واستعمالاتهم اللفظية هي التي جعلتنا نطلق الغائط على الخارج. أما الخبز، فالذي يشكل المراد منه ليس الاستعمال اللفظي، وإنما الواقع العملي الحياتي للناس؛ فأنا في الأردن لما أقول لك "خبز" بتحمله على إيش؟ على خبز البر أو الأبيض، ولما تروح على سريلانكا وتحكي "خبز" بجوز الخبز عندهم هو خبز الفول، ولما تروح على دولة أخرى تحكي "خبز" بتلاقي الخبز شيئًا آخر، خبز القشطة؛ المهم أن الذي يحدد دلالة الخبز والعرف فيها ما هو الواقع العملي، محلات البيع في البلد.

فأصبح بالتالي عندنا الآن -ركز معي- أصبح عندنا العادة وعندنا العرف. العادة هي أصلاً أمور ما لها دخل بالأقوال، لها دخل بالسلوكيات؛ عادة الناس في الأعراس، عادة الناس في الشوي، عادة الناس ما لها دخل بالألفاظ اللفظية أصلاً، هي سلوكيات عملية؛ عادة أهل البلد بيصحوا الصبح على الساعة السابعة، بتيجي المواصلات، بيروحوا على الشغل، بيرجعوا، مش هيك بتحكي العادة؟ هي ما لها دخل في كل الأقوال.

أما العرف فهو يتكلم فيه عن ألفاظ، بس الألفاظ قسمها قسمين: ألفاظ عرفية عرفها قولي، وألفاظ عرفية عرفها عملي. الألفاظ القولية التي عرفها قولي هي الألفاظ التي كانت الناس تستعملها في شيء، ثم للمجاز نقلوا استعمالها لشيء آخر إما مباين أو صورة من الصور، زي ما حكينا في الغائط والحمام، وزي ما حكينا في الدابة؛ فهذا استعمال العرف هنا نشأ من جهة القول.

وأما الحالة الثانية، وهي أن اللفظ يتشكل معناه عرفيًا مش بسبب القول، بل بسبب العمل والسلوك الإنساني في المجتمع؛ فأصبحت كلمة "خبز" في السلوك الشامي تطلق على خبز البر، لكن نفسها في السلوك العراقي قد يختلف، في السلوك الحجازي قد يختلف. فالذي حدد كلمة الخبز هنا ليس أن الخبز أُطلق مجازًا بشكل متكرر على خبز البر -يعني مش زي كلمة الغائط- وإنما المراد أن كلمة الخبز في العرف السلوكي لأهل الأردن هو خبز البر، فلما أقول لك اشتري خبز أنت مسؤول عن ذلك.

ونفس الشيء قضية مثلاً لما يتكلموا في مسألة الدنانير والدراهم النافقة؛ لما أقول لك اشتري لي بدرهم، هسه الدرهم العراقي قديمًا كان غير الدرهم المصري، فلما أروح أقول لك اشتري بدرهم، كلمة الدرهم زي كلمة الخبز، هي تطلق على الدرهم الأردني والدرهم العراقي والدرهم المصري، لكن ما الذي يجعلك أنت ملزمًا -إذا كنت في العراق وقلت درهم- لازم وكيلك يروح يشتري بدرهم عراقي؟ إن العرف العملي خصص كلمة الدرهم بالدرهم العراقي. لكن لو كنت في مصر وقلت لشخص اشتري لي بدرهم، العرف العملي خصص كلمة الدرهم في مصر بالدرهم المصري.

فهنا نحن لا نتكلم عن حقيقة ومجاز ابتداءً، هنا نتكلم أنه في عرف عملي هو الذي يخصص دلالة هذه الكلمة، كلمة خبز أو كلمة درهم أو كلمة دينار. يعني لو أنا كنت في الأردن وحكيت لك: "والله روح اشتري لي بدينار من البياع كذا وكذا"، فرحت أنت نزلت على الصراف وجبت دينارًا عراقيًا ورحت اشتريت فيه، أقول لك: "الدينار العراقي حبيبي دينارين أردني الله يكرمك، ما بيزبط". أنا لو قلت لك روح اشتري بدينار، أنت الأصل في الأردن تحمل كلمة دينار على الدينار الأردني، لكن لو أنا وإياك رحنا على الكويت ونزلنا وحكيت لواحد: "والله روح اشتري لي شغلة بدينار"، هناك سيحمل الدينار على الدينار الكويتي؛ لأن الكويت برضه عملتها الدينار، لأن هناك العرف العملي غير العرف العملي هنا. فتلاحظ أن الألفاظ التي تعتمد على العرف العملي تختلف دلالتها بحسب اختلاف ما هو العرف العملي في البلد. اكتب مثل كلمة الخبز، اكتب مثلها كلمة الدينار والدرهم وما شابه ذلك.

لذلك قال: "وعرف..."، وعرف جمع من المعاصرين العرف العملي بأنه: «ما جرى عليه عمل أكثر الناس في جميع البلدان أو في بعضها». ومن أمثلته تعارف الناس على البيع بالتعاطي دون تلفظ بالصيغة. هنا بدأت أمور تدخل ببعضها في كلام الشيخ؛ ليه؟ لأن هنا أنت انتقلت للعرف بمعنى العادة. قبل شوي كان الكلام عن ماذا؟ أن العرف الفعلي هو أن يوضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمى. نقول هنا أنت كنت تتكلم عن ألفاظ تم تحديد دلالتها من خلال العرف العملي.

لكن المعنى الذي ذكره هنا، وهو قول: "جمع من المعاصرين العرف العملي ما جرى عليه عمل أكثر الناس مثل البيع بالمعاطاة"، هذا عرف بيع الأشياء الثقيلة، تعارف أن يكون حملها إلى محل المشتري على البائع؛ لما أنت تشتري مثلاً ثلاجة من شركة مشهورة في الأردن، في العرف مين اللي بيوصل الثلاجة؟ أصحاب المحلات، بيقولوا لك: "احنا بنوصل لك الثلاجة"، هيك العرف. أنا إذا اشتريت منك سيارة، أو اشتريت كذا، طبعًا ممكن في بلد آخر يختلف العرف، ممكن في بلد آخر شيء ثقيل ولا خفيف أنت بدك تجيبه، أنا ما لي دخل كبائع إلا في البيع.

نقول هنا رجع للعرف بمعنى العادة، وهي الأمور التي ليس لها مدخل في الأقوال وإنما سلوكيات الناس؛ بيع المعاطاة، من الذي يشحن هذه؟ هذه ليست أعرافًا قولية، هذه عادات، أمور عملية. فكلام الشيخ هنا -في اعتقادي- أصبح فيه إدخال لموضوعين مختلفين في بعضهما البعض. كنا نتكلم عن العرف الفعلي باعتباره شارحًا لدلالة القول، هنا أصبح يتكلم عن العرف بمعنى العادة عمومًا فقط كعادات. فبالتالي لو أنها حررت أكثر لكان أفضل، بس المهم أنكم فهمتوا الآن أين الإشكال، أنه لما قال: "وعرف جمع العرف العملي بأنه ما جرى عليه عمل أكثر الناس"، إذا بطلنا نتكلم عن ألفاظ رجعنا للحالة الأصلية.

الفرق بين العادة والعرف أن العادة سلوكيات والعرف أقوال. هذا الكلام رجعنا أن العرف هي العادة، لكن قبل قليل كان العرف بشرح القرافي. القرافي هنا لا يتكلم عن العرف بمعنى العادة، يتكلم عن العرف باعتباره شارحًا لمعنى اللفظة ومحددًا لها؛ أن العرف العملي يشرح معنى اللفظة ويحددها.

ممكن أن يقترح من الفروق أيضًا أن يقال: لو شرى سمكًا بدل اللحم بالنسبة للحالة الأولى في العرف القولي، فسيقال له: طلبنا لحمًا لا سمكًا. أما الخبز فلو شرى خبز الفول فلن يقال له هذا ليس خبزًا، بل يعترض بأنه هذا ليس من عادتنا؛ ممكن نقول فعلاً إن هذه الطريقة من طرق التفريق.

نكتفي اليوم بهذا القدر، وإن شاء الله نكمل ما بقي من مسائل هذا الباب في الدرس القادم. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.