بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المنحة الإلهية بشرح القواعد الفقهية، مع شيخنا وأستاذنا الشيخ الفاضل أيمن الحبشي، متعه الله بالصحة والعافية. وصلنا أيها الكرام إلى القاعدة الرابعة من القواعد الكبرى، وهي قاعدة: لا ضرر ولا ضرار. وهذه القاعدة كما لا يخفى على جليل علمكم هي نص لحديث نبوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».
هذا الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والانقطاع طبعاً عند الأصوليين والفقهاء لا يؤثر إذا كان الذي أرسل ثقة. وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه. وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به.
وقول أبي داود إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف. وكان أبو داود وهو محدث لما يقول إن هذا الحديث يدور الفقه عليه ويعتبره أحد الأحاديث الكلية التي يدور عليها الإسلام، هذا يدل على أن هذا الحديث تلقي بالقبول، وهذا يكفي لقبوله. ولذلك كان ابن القطان الفاسي يخبر لماذا بعض الأحاديث تروى منقطعة أو مرسلة عند أهل العلم مع أن عليها العمل؛ فيقول: وهذا لشهرتها يكتفى فيها عن الإسناد.
يعني كان كثير من المحدثين الأوائل يروي الحديث منقطعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولا يذكر سلسلة الإسناد اكتفاء بشهرة الحديث عن روايته بسنده المتصل؛ فلا ينبغي أن يستعجل الإنسان ويقول بتضعيف الأحاديث، خاصة مثل هذا النوع من الأحاديث الكبرى التي عليها العمل واستقبلها العلماء أو تلقاها العلماء بالقبول جيلاً بعد جيل.
يقول الشيخ أيمن: هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم، وقد تلقته الأمة بالقبول واعتبره الأئمة قاعدة كبرى متفقاً عليها. وقد روي عن الإمام أبي داود صاحب السنن أنه قال: الفقه يدور على خمسة أحاديث، يعني الأحاديث الكبرى المؤثرة في الفقهيات: «الحلال بين والحرام بين»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وقوله: «الأعمال بالنيات»، وقوله: «الدين النصيحة»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم».
هذا من حيث المقدمة، أما من حيث معنى هذه القاعدة، سنبدأ الآن بتشريح هذه القاعدة الكلية ثم بعد ذلك الدخول في القواعد المندرجة تحتها. الآن من حيث الإجمال نقول: هذا الحديث وهذا النص لا ضرر ولا ضرار يدل على شيء؛ أولهما أنه نص خبري من حيث العبارة، إخبار عن عدم وجود الضرر والضرار في الشريعة.
الآن لو أردنا أن نحللها من الناحية اللغوية سريعا: لا ضرر؛ لا نافيه للجنس، وضرر اسم لا النافية للجنس مبنية على الفتح في محل نصب، وأين الخبر؟ محذوف تقديره: لا ضرر كائن ولا ضرر موجود. ويستحيل أن يكون المراد لا ضرر كائن في الوجود والواقع، فإن الناس ليضر بعضهم بعضاً كثيراً، وإنما المراد: لا ضرر كائن في الشريعة.
أي في شريعة الله لا يمكن أن تكون هناك مسألة شرعية مبنية على الإضرار بالآخرين أو الضرر؛ فالضرر منفي في شريعة الله سبحانه وتعالى، والإضرار منفي في شريعة الله سبحانه وتعالى. يبقى علينا أن ندرك ما هو الفرق بين الضرر والضرار؛ التقدير: لا ضرر موجود في الشريعة، ولا ضرار موجود في الشريعة، فالله سبحانه وتعالى لم يكلف عباده فعل ما يضرهم. وأصل الضرر في اللغة هو ضد النفع.
واختلف العلماء في التفريق بين الضرر والضرار على قولين. هل هناك فرق بين لا ضرر ولا ضرار؟ هذا دائما في شرح الأربعين النووية وفي غيره من الكتب تجد هذه القضية مبحوثة. الطريق الأولى من يرى أن هذا للتأكيد فقط وأنه لا فرق بين الضرر والضرار، هذا بعيد؛ لأن الأصل أن الزيادة في المبنى تؤدي إلى زيادة في المعنى، وكلمة ضرار فيها من الحروف ما ليس في كلمة الضرر.
القول الثاني من يرى وجود تفريق بينهما، وهؤلاء الذين قالوا بالتفريق بينهما اختلفوا على طريقتين، وهي في الحقيقة أكثر لكن الشيخ أيمن اختصر ما هو المفيد لكم. الطريقة الأولى من ترى أن معنى الضرر هو ما فيه منفعة لفاعله؛ والمراد أن الضرر أن تفعل شيئاً ينفعك يا أيها الضار، يعني أنت قمت بالإضرار للآخرين، قد تضر الآخرين وتنتفع، وقد تضر الآخرين والمشكلة أنك لا تنتفع من هذا الضرر، كحال كثير من الناس يضر الآخرين مع أن هو نفسه على الصعيد الشخصي لن يأتي له شيء من هذا الضرر، لكن سبحان الله بعض النفوس المريضة.
فيقولون: إذا كان الضرر الذي توقعه بالآخرين يجلب لك نفعاً دنيوياً من جهة ما، فهذا يسمى ضرر. وأما إذا كان ما تفعله بالآخرين من الضرر لا يجلب لك نفعاً، وإنما هو فقط يسيء للآخرين ولا ينتفع منه الإنسان بنفسه، فهذا يسمى إضرار. فكانهم لما رأوا الزيادة في المبنى أرادوا أن يجعلوا المعنى في الضرار أعلى من المعنى في الضرر؛ فالضرر أنت تضر الآخرين وتنتفع، والضرار أقبح، أنت بتضر الآخرين ولا تنتفع أنت.
فلذلك لاحظوا معنى المبالغة هنا؛ كمن يمنع عن آخر شيئاً ينفعه، قال في الضرار ما لا منفعة له فيه، كأن أمنعك من ركوب سيارتك مع أني لا أنتفع من عدم ركوبتك لسيارتك. تأتي إلى جارك في الصباح الباكر، الجار نازل على سيارته يريد يركبها يخرج للعمل، تأتي أنت تقول له: لا تركب سيارتك. يا أخي أنت ايش علاقتك؟ خلص ما أريدك أن تركب سيارتك. يا أخي أنت تنتفع بعدم ركوبي لسيارتي؟ لا أنتفع، بس فقط أريد أن أضرك، هذا لا يسمى فقط ضرر، يسمى ضرار.
بخلاف ما لو تريد أن تمنع جارك من الاصطفاف في مكان من أجل أن تستحوذ عليه أنت بسيارتك، هنا أنت ضررت؛ منعته أن يصطف في مكان من أجل أن تصطف أنت في مكانه؛ فضررت الآخرين لمنفعة لك، فهذا يسمى ضرر. هذا اختيار ابن عبد البر وابن الصلاح في التفريق بينهما.
الطريقة الثانية من ترى أن الضرر هو ما توقعه ابتداء بالآخرين دون أن يؤذوك، وأما الضرار فهو أن تؤذي الآخرين لأنهم آذوك، فكأنه نوع من أنواع المقابلة. وهذا القول الثاني به قال ابن الجوزي وابن الأثير، ورجحه الشيخ الزرقا واعتبره أحسن الأقوال.
إذاً هذا هو المعنى الخبري للنص: لا ضرر موجود في الشريعة، ولا إضرار موجود في شريعة العالمين. هذا المعنى الخبري، ننتقل إلى المعنى الإنشائي؛ فالقاعدة والحديث وإن كان بصيغة الخبر لكنه في معنى الإنشاء، وأنه يطلب منك ضمنياً ألا تفعل الضرر ولا الإضرار بالآخرين، فإذاً هو نهي عن الضرر وإن كان بصورة النفي؛ إذاً الحديث إنشاء جاء في صيغة الخبر.
والمنهي عنه هو أن تدخل الضرر على الآخرين طبعاً بغير حق؛ لأنه إدخال الضرر بحق هذا تقبله الشريعة. فالضرر والضرار المنفي ينبغي أن يقيد بأنه الضرر أو الإضرار الذي لا حق فيه. قال: فإما إدخال الضرر على أحد بحق، لأنه تعدى حدود الله مثلاً فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم آخرين فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير مراد قطاعاً. الضرر بحق هذا غير مراد.
يقول الشيخ الزرقا: القاعدة مقيدة إجماعاً بغير ما أذن فيه الشرع من الضرر، فالقصاص هو ضرر ألحقه بك، لكنه ضرر شرعي مقابل ما جنيته. والحدود، حد الزنا وحد السرقة هو ضرر، لكنه ضرر عقوبة لك مقابل ما فعلته ولزجر غيرك. وجميع التعازير لكنها بنيت على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، على أنها لم تشرع في الحقيقة إلا لدفع الضرر أيضاً، هي أصلاً هذه الأمور إنما شرعت لنفي الضرر.
يعني لو سألتك: القصاص لماذا شرعه الله؟ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، فهو إن كان ضرراً لكنه شرع لرفع الضرر. حد الزنا، الرجم، وإن كان ضرراً لكنه شرع لرفع الضرر، فيجب أن تنظر إلى هذا البعد فيها. وهي ربما ندخلها تحت قاعدة ارتكاب أهون الشرين أو الضررين لدفع أعلاهما، هذا ما يدخل تحتها قضية العقوبات، ارتكاب أهون الضررين لدفع أعلاهما، أنني أريد أن أدفع الضرر الأعلى بانتشار الفحشاء في المجتمع انتشار الجريمة في المجتمع من خلال الضرر الأدنى وهي إقامة العقوبات.
ذكر بعض أدلة القاعدة عموماً، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233]. نفى الله الإضرار في كتابه فمنع الأب أن يضر الأم في ولدها خاصة إذا كانت مطلقة، فيمنعها من إرضاعه، والعكس كذلك. ومنع الأم أن تضار الأب في ولده فتمتنع من الإرضاع إلا بأجرة، مع أن الولد محتاج لشرب اللبن والأب قد لا يكون معه مال أو يتعسر عليه، أو معه لكن مقدار معين وهي تطلب مقدار أعلى، فمنع أن يستغل كل واحد منهما حاجة صاحبه فيضر به من خلاله. فهذا نص في أن الشريعة تمنع الإضرار.
كذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: 282]، فنهى سبحانه وتعالى عن إيقاع الإضرار بالكاتب الذي كتب الدين أو الشهود، فإن يدعوهما صاحب الحق إلى الكتابة أو الشهادة وهما مشغولان في أمر أنفسهما، طبعاً هذه صورة، صورة حقيقة يعني أنك تدعوه أن يكتب لك الدين وهو مشغول، فتلجئه إلجاء وكرهاً إلى أن يكتب لك دينك أو أن يشهد، هذه صورة من صور الإضرار أيضاً، أن يتم ابتزازه بهذه الشهادة أو أي استعماله أو قهره على أن يدلي بما ليس مطلوباً إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن يضر بها الكتاب والشهداء.
فإذاً هذا أيضاً نص في نفي الضرر. وباختصار أنت إذا تتبعت نصوص الشريعة وما وردت فيه، سواء في الكتاب الكريم أو في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ستجد أن الشريعة بالاستقراء تقوم على نفي الضرر وإبعاده والمطالبة بإزالته، وتمنع أن يعتدي المسلم على حق أخيه المسلم، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] إلى غير ذلك. لكن هنا الشيخ إنما أتى بهذين الآيتين مع أن نفي الضرر في القرآن أوسع من ذلك، كما قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] و﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] هذه كلها نصوص على نفي الضرر، لكن أتى بهاتين لأن لفظ المضار موجود فيهما. فهمتم لماذا اختار هذين المثالين؟ لأنه هذا اللفظ وهو الإضرار موجود فيهما، وأما النصوص الأخرى فجاءت لا تقتلوا أنفسكم، لا تأكلوا أموالكم، فهي تدل بالعموم على هذه الفكرة.
في ذكر أنواع إلحاق الضرر بغير الحق وفروعه الفقهية، ذكر الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله عليه نوعين لإلحاق الضرر بغير حق، وذكر لكل منهما فروعاً وأمثلة، وإليك خلاصة ما ذكر: النوع الأول يكون له غرض سوى الضرر بذلك الغير، اللي هي الصورة الأولى اللي حكينا عنها، اللي هي صورة الضرار الذي أنت لا تنتفع فيه، هذا معنى الضرار صحيح؟ مش قلنا إنك تضر غيرك وأنت لا تنتفع؟ قال: فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه. من أمثلة ذلك مثلاً الإضرار في الوصية وهو محرم، بأن يخص مثلاً بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له، فيكون له مجموعة أبناء فيوصي أن أحد أبنائي بده يأخذ من الوصية أكثر من حقه، وهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». الصورة الثانية: أن يوصي لأجنبي بزيادة عن الثلث، فهذا أيضاً لا يجوز، حتى لو كان غير وارث ما بصير توصي لصديقك أو لأحد أحبائك بزيادة عن الثلث، لأن هذا فيه إجحاف بالورثة والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «الثلث، والثلث كثير».
مثلاً من صور الإضرار: الإضرار في الرجعة في النكاح. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: 231]، هنا لاحظ كيف التعبير بلفظة الضرار، ولا تمسكوهن ضراراً. إذاً لفظة الضرار واردة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]، فدل سبحانه من كان قصده بالرجعة... الآن الرجعة حق لمين؟ للزوج، قال في الآية الثانية: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، الزوج خلال فترة العدة هو أحق بإرجاعها إن كانت رجعية، لكن يا أيها الزوج الله سبحانه وتعالى يحذرك من أن يكون قصدك بإرجاعها الإضرار بها، بأن ترجعها ثم تطلقها مرة أخرى لتبدأ عدة جديدة وهكذا تطول عليها العدة وتحسب أشهر بعد أشهر، قال فهذا لا يجوز، فإما أن ترجعها بنية صافية صادقة أنك تريد استمرار الحياة الزوجية، أو تتركها بتسريح بإحسان ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130].
الصورة الثالثة مثلاً قال: الإضرار في بيع المضطر. وهذا بيع المضطر ورد النهي فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع المضطر، على خلاف في الحديث من حيث الصحة والضعف، لكن عموماً هناك أكثر من تفسير لمعنى بيع المضطر، فمثلاً أحمد بن حنبل سئل.
بيع المضطر أن يجيئك شخص وهو محتاج لسلعة معينة وأنت عارف أنه يريدها، فيأتي إليك فتبيعه ما يساوي 10 بعشرين، مثل حالات الاحتكار أو الحالات التي أعرف فيها أن عندي بضاعة ليست موجودة عند غيري وهذا الأخ يريدها الآن، فأستغل حاجته وأقول له: لا، لن أرفع السعر بل سأبيعها بعشرين، فأضطره إلى أن يشتريها؛ فهذا لا يجوز.
هناك صورة أخرى لبيع المضطر، فهنا المضطر في تفسير أحمد هو المشتري، لكن هناك صورة أخرى للمضطر أن يكون المضطر هو البائع. وصورة بيع المضطر للبائع شرحها الإمام الخطابي عليه رحمه الله أن الاضطرار للبائع يكون من وجهين: أحدهما أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه، فهذا عقد فاسد لا ينعقد؛ يعني آتي بمسدس أضعه على رأسك: تبيعها ولا لا تبيعها؟ هذا بيع مضطر مكره على العقد، فالعقد فاسد؛ لأنه لا يصح لعدم وجود الرضا الحقيقي، وأحد شروط البيع: «إنما البيع عن تراض».
الحالة الثانية: ألا يكون أحد قد وضع مسدساً على رأسك، وإنما أنت واقع في كرب شديد أو دين شديد، والغرماء يطالبونك وما عندك ما تسدهم به وقد تسجن، فتذهب فتأخذ سيارتك وتنزلها إلى السوق المفتوح أو تذهب بها إلى الحراج وتبيعها مع أنك والله يعز عليك أن تبيعها. فيأتي شخص وقد عرف أنك محتاج إلى البيع وإلا ما كنت ستبيع السيارة، فيأخذها منك؛ لأنه لما تنزلها بسرعة ستنزل بسعرها، فيعرف أنك محتاج للبيع لأن هناك غرماء ينتظرونك، فيبدأ يستغل حاجتك ويشتريها منك، حتى ولو لم ينزل من سعرها. قالوا حتى ولو لم ينزل من سعرها، الفقهاء قالوا يكره الشراء من المضطر بهذه الصورة؛ لأنه قلبه متعلق بسلعته ولولا اضطراره لما قدمها للبيع، قالوا فيكره الشراء منه.
طبعاً ما الحل؟ قالوا الحل أن يذهب إلى الغرماء ويطلب منهم أن ينتظروا به ويرفقوا به، لكن كان أظن الشيخ ابن عثيمين يقول: لعلهم أخذوا من ابن تيمية هذا المعنى، إلا إذا كان خلاص لازم أحد يشتريها يا جماعة وإلا سأسجن، فلا تأخذوا بالكراهة، خلصوني ومشوها واشروها؛ فهنا إذا كانت الوسيلة الوحيدة لمساعدته أن تشترى منه فتشترى منه، لكن الفكرة أنه توجد حلول أخرى لمساعدته دون أن نجعله يفقد سلعته. كما قلنا، إما أن يذهب إلى غرمائه فيطلب منهم المسامحة أو الانتظار، وإما أن يأتي شخص مليء يقرضه، يقول له: يا أخي أنت عليك ديون لفلان وفلان، خذ هذه ألف دينار وروح سد جماعتك وبعدين أنا أنتظر فيك، فيكون نوعاً من التكافل المجتمعي بدلاً من أن يجبر الشخص على بيع مكتبته، وكثير ما قرأنا في كتب الطبقات من العلماء الذين اضطروا إلى بيع مكاتبهم الشخصية وكانوا يندبونها بعد أن باعوها ويبكون عليها، وواحدهم بعد أن باعها بثمن لحاجة وقع بها واضطرار كتب في رثائها قصيدة، فوصلت القصيدة إلى من اشترى المكتبة منه، فرثى لصاحب المكتبة وأعاد له مكتبته جزاه الله خيراً وأبقى له الثمن؛ هذه بعض السلع يبيعها الإنسان وهو يعز عليه أن يفارقها.
فهاتان صورتان لبيع المضطر، وهنا المضطر في كلام الخطابي هو البائع، أما بيع الإلجاء الذي يضع مسدساً عليك فهذا بيع غير صحيح، وأما لأنك محتاج إلى المال، وقلنا هذا الأصل أن يساعد بطريقة أخرى، لكن عموماً إذا لم توجد طريق لمساعدته إلا بشراء السلعة منه فهذا قد يكون حقيقة تفريجاً لكربته.
هذه الحالة الأولى من الإضرار: أن تضر دون أن تنتفع، وإن كانت قضية أنني أضررت دون أن أنتفع لا تظهر لي كثيراً؛ لأنه لما قلت له: أبيعك إياها بعشرين بدل عشرة، أنا أضررتك ولكنني انتفعت. فكيف ما انتفعت؟ انتفعت كذلك في الصورة المعاكسة، لما أكون مثلاً أعرف أنك محتاج لبيع سلعتك فأشتريها منك، ماشي أنت تضررت بس أنا برضه انتفعت. فأعتقد أن المثال الأول والثاني لا يصلح مثالاً لما لا منفعة فيه، أما بيع المضطر هل يصنع مثالاً لما لا منفعة فيه؟ هنا يحتاج إلى نظر.
هذا المثال النوع الثاني أن يكون له غرض صحيح، يعني أضرك وأنا في المقابل منتفع بهذا الإضرار، ففي منفعة بس هنا له غرض آخر صحيح. قال: وهو قسمان، القسم الأول أن يتصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره. كيف أنا يمكن أن أضرك ويكون لي غرض شخصي ومنفعة شخصية صحيحة؟ هذا قسمه إلى قسمين، الصورة الأولى أن أتصرف في ملكي أنا بطريقة يتعدى الضرر فيها إلى غيري، وهذه ما يسمى مسألة التعسف في استعمال الحق. يعني إحدى التطبيقات المهمة لمسألة التعسف في استعمال الحق أنني تصرفت في ملكي، فبعض الناس للأسف اليوم ثقافته في المجتمع: أنا تصرفت في ملكي لي أن أفعل ما أشاء، الملكية تعطيني حرية التصرف في أملاكي. هذا المفهوم بهذه الفضفضة غير دقيق، الملكية تعطيك نعم حرية التصرف في أملاكك، بس بشرط ألا تستعمل ملكك لإلحاق الضرر بالآخرين.
فإذا أصبح استعمالك لملكك يؤدي إلى الإضرار بالآخرين فهنا ننظر؛ إذا كان الضرر الذي ستلحقه بالآخرين نتيجة التصرف في ملكك ضرراً على غير الوجه المعتاد، فهنا قطعا ستمنع منه، قالوا: كمن يؤج في أرضه ناراً في حر المصيف؛ بده يحرق القمح الناشف، بتعرف الصيف يكون هناك القمح اليابس، هذه الفسائل اليابسة وتتجمع حشرات وعقارب وحيايا في الصيف، فبيجي أهل المزارع يقول لك: أخي بدي أحرق المزرعة مشان أذهب هذا الهشيم المحتضر، فنقول: انتظر شوي، اليوم إذا ولعت ناراً في أرضك في حر وفيها ريح، فإذا ولعت رح تولع الحارة كلها وراح تحرق الأراضي التي بجانبك، فممكن هو يعاند: لا يا أخي أنا أرضي وأنا حر بدي أولع فيها. يا أخي الله يرضى عنك، تمام أرضك لك وأن تفعل فيها، لكن انتبه لا يجوز لك أن تتصرف بطريقة تؤدي إلى مشكلة أكبر، هذا الذي نسميه التعسف في استعمال الحق.
فهنا يمنع من ذلك، وإذا فعل وأصر واحترقت المزارع التي بجانبه عليه الضمان، عليه الضمان. وأما إن كان الضرر الذي سيلحقه نتيجة تصرفه في ملكه ضرراً على وجه معتاد، فهنا للعلماء قولان مشهوران؛ القول الأول: من لا يمنع من ذلك حتى ولو أدى إلى الضرر باعتبار أنه ضرر معتاد بين الناس، يعني كأنهم اعتبروا العادة هي التي أباحت، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة. القول الثاني: لا، من يرى المنع حتى ولو كان الضرر على الوجه المعتاد، وهذا هو مذهب السادة الحنابله رضوان الله عليهم ووافقهم الإمام مالك في بعض الصور، ونظروا هنا إلى المقاصد. فمثلاً من ذلك قالوا: لو فتح قوة في بنائه العالي؛ فتح نافذة في طابق ثالث أصر أن يفتح نافذة مع أنه يعلم أن هذه النافذة ستطل على ساحة جيرانه السفلية أو على شقة سفلية مقابل لجيرانه وعنده نساء، أو بنى بناءً عالياً يشرف على جاره ولا يستره، فهنا أحمد بن حنبل يلزمه بالستر ويمنع من فتح القوة. يا شيخ هذا جدار حائطي وأنا حر أفتح فيه نافذة كما أشاء، يقول: أنت تتعسف في استعمال ملكك، أنت تستعمله بطريقة تضر بالآخرين.
هذه قضية مهمة جداً يا إخواني ينظر إليها، هذه فكرة التعسف في استعمال الحق، وكيف أن كثيراً من الناس حتى اليوم في حقوق الملكية الفكرية يتعسف في استعمال الحق حتى يمنع طلاب العلم من الانتفاع بالعلم بالتحجير الواسع على قراءة الكتب وكذا بحجة ملكي، وهذا الملك للفكرة وأنا يحق لي أن أنتفع بها فيحجر طرق المعرفة والوصول إليها، خاصة المعرفة الشرعية التي يحتاجها الناس، وصور ذلك كثيرة ينبغي النظر بها.
وكذلك العكس، بعض الناس مثلاً يأخذ كتاباً له حقوق ملكية، فيعتبر لأن الكتاب ملكه يلا بدي أطبع منه مليون نسخة وأوزعها على المجتمع العربي، بنقول: لا، صحيح الكتاب ملكك، هذا الكتاب ملكك، لكن في النهاية أيضاً صاحب الكتاب له حق أن ينتفع بكتابه. أنا ضد تعسف استعمال حق الملكية الفكرية من المؤلف، تعسف في ذلك، وفي نفس الوقت ينبغي ألا نتعسف في أن المشتري يطبع الكتاب الذي اشتراه أو السي دي أو القرص الذي اشتراه بحجة أنه ملكي ويتصرف فيه كما يشاء؛ لأنه سيقول لك في النهاية ملكي وأنا حر، أطبع الكتاب كما أشاء وأوزع على من أشاء، أنت ملكك حقك مثلاً أنك تطبع الكتاب نسختين لأحبابك لأصحابك، لكن أنك تطبعه بصورة طاغية تؤدي إلى إفساد البيع على صاحب الكتاب الأصلي، كل هذا يسمى من الضرر التعسف في استعمال الحق، أن تتصرف في ملكك على وجه يؤدي إلى إضرار الآخرين.
طيب الصورة الثانية، احنا قلنا إذا الصورة الأولى فيما لك فيه غرض صحيح، أن تتصرف في ملكك بما يتعدى ضرره إلى الغير، الصورة الثانية هي مش أنت التي تتصرف في ملكك لا، الصورة الثانية أن تمنع الجار من أن ينتفع بملكك أنت يا صاحب الملك. جاري عنده بناء أو عنده قضية معينة لا تنجز إلا إذا استفاد من ملكي، فجاء استأذنني وقال لي: يا جار بالله تسمح لي أحط لي هيك شوية خشب على جدارك أو أحط سلم أو كذا؟ قلت له: لا. ما في، طبعاً هيك ضررته، أنا منعته من أنه يبني أو يعمل مشروعه. لما منعته من أن يتصرف في ملكي، نعم هو أنت كجار يلزمك أن تستأذنني، لكن هل يمنعك من الانتفاع في ملكي إذا كان انتفاعك انتفاعاً طبيعياً على وجه لا يلحق الضرر بي؟ أنا إذا منعتك أنا ضريتك صحيح.
فيقول هنا: فإن كان ذلك يضر بملكي أو انتفع بملكي، فللمالك المنع بالتاكيد. إذا جاري استأذنني يفعل شيئاً في ملكي وهذا الشيء ممكن يؤثر على أساسات بيتي أو على الجدار ويؤدي إلى سقوطه، لا هنا لي حق أني أمنعه، اليس كذلك؟ ومثاله: من له جدار واهن لا يحتمل أن يطرح عليه خشب أو حديد، يجي الجار يقول لي بده يحط عليه حديد، أقول له: لا، هذا بيوقع.
الحالة الثانية: وأما إن كان لا يضر بملكي وجاء استأذنني، فهل يجب عليه أن يمكن جاره ويحرم عليه الامتناع من مساعدته أو لا يجب عليه أن يمكن جاري؟ هنا خلاف. قال: فمن قال في القسم الأول لا يمنع المالك من التصرف في ملكه وإن أضر بجاره، المراد طبعاً من القسم الأول هم الشافعية وأبو حنيفة، يعني من قال في القسم الأول في الضرر الذي على الوجه المعتاد، في القسم الأول في الضرر الذي على وجه المعتاد، مش قال مالك الشافعي وأبو حنيفة: يجوز أن تفعل في ملكك ما يضر ضرراً اعتيادياً؟ فالشافعية وأبو حنيفة الذين قالوا سابقاً لا يمنع من ذلك ولك أن تتصرف في ملكك بما تضر به الجار ضرراً اعتيادياً قالوا في هذه المسألة نفس الشيء، اضطردوا فقالوا: نعم، لك أن تمنع جارك من أن يتصرف في ملكك ولو كان لا ضرر عليك فيه؛ لأنه ملك لك.
فقالوا هنا للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه. تمام؟ الآن قضية الإذن إخواني الإذن هو مطلوب دائماً، لكن هنا فرق بين إذا أذنت، الطرف الثاني من يلزمه؟ هو يقول له: روح استأذنه، فإن لم يأذن ضعه جبراً. القسم الأول شو بيقول لك؟ روح استأذنه، فإن لم يأذن ما بصير تفعله، فالإذن مطلوب على كلا القولين، لكن الذين يقولون له أن يمنع قالوا للجار المنع من التصرف بغير إذنه، فإن لم يأذن لا يجوز التصرف.
ومن قال هناك بالمنع، وهم الحنابلة، من قالوا لا يجوز في المسألة السابقة، من قال لا يجوز أن يتصرف في ملكه بما يضر به غيره ضرراً معتاداً كالحنابلة ومن وافقهم من المالكية، فهنا اختلفوا في هذه الصورة على قولين. طيب ليش اختلفوا على قولين؟ أنه تلك الصورة السابقة أنت تتصرف في ملكك، أما في هذه الصورة الجار يريد أن يتصرف في ملكك، فهي أبعد قليلاً هنا، اختلفوا على قولين: القول الأول قالوا للجار أن يمنع من التصرف في ملكه بغير إذنه، وهو قول مالك. والثاني وهم الحنابلة ماذا قالوا؟ لا، ما دام لا ضرر لا يجوز له أن يمنع جاره، فإن منعت، فاستأذنتك فمنعت، ولا ضرر ممكن القاضي أو الهيئة تجبره غصباً عنه أن يضع الخشبة على جداره، بس هون مش أنت اللي تروح تأخذ حقك بإيدك لأنها بتصير حرب، وإنما تذهب إلى الجهات القانونية وهي التي تعطيك هذا الحق.
وهو قول الشافعي في القديم، طبعاً المثال الشهير على هذا قول حديث أبي هريرة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره». النبي عليه الصلاة والسلام منعك أنك تمنع جارك من أن يغرز خشبه في الجدار إذا كان لا يضرك؛ أنه قديماً إخواني كانوا إذا أرادوا البناء احتاج، كانها طريقة البناء القديمة، احتاج أن يضع الخشبات الأساسية في ماذا؟ يسندها على سقف بجانبه ولا يجد.
لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره. ثم قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. البعض حمل النهي على التحريم، والبعض حمل النهي على الكراهة. طبعًا هذا كله في حالة عدم وجود ضرر عليك؛ في حال وجود ضرر عليك لا، فالحديث ليس على عمومه، بل هو مخصوص بحالة عدم وجود ضرر عليك: لا تمنع جارك أن يغرز خشبه في جدارك.
هكذا نكون انتهينا من بيان قضية ما هو الضرر الذي يجوز وما الذي لا يجوز، وقضية متى يكون لك غرض صحيح ومتى لا يكون لك غرض صحيح. نذهب إلى القواعد الفقهية العامة المندرجة تحت قاعدة لا ضرر ولا ضرار. ذكر هنا عشر قواعد: قاعدة الضرر يزال، قاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان، قاعدة الضرر لا يزال بمثله، قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، قاعدة يختار أهون الشرين، قاعدة إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، قاعدة يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح، والقديم يترك على قدمه، والضرر لا يكون قديمًا.
هذه عشر قواعد ذكرها، لكن بعضها يتداخل؛ فبعضها فيه نوع من التشابه كما سيلاحظ أثناء التعليق. فمثلًا القاعدة الأولى: الضرر يزال. نبدأ بهذه القاعدة؛ جعل جماعة من أهل العلم هذه القاعدة مرادفة تمامًا لقاعدة لا ضرر ولا ضرار، إلا أن استعمال حقيقة العنوان العريض لا ضرر ولا ضرار أفضل من استعمال هذه القاعدة لتكون كلية كبرى. لماذا؟ أولًا: أنه لا ضرر ولا ضرار نص حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام حسنه الجماهير، وإذا صح ثبوته لا يمكن أن تأتي بعبارة أجمع من كلام محمد صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: أنه لا ضرر ولا ضرار أعم من الضرر يزال؛ لأن الضرر يزال إنما تتكلم عن الضرر الواقع الذي وقع وانتهى، فتقول لك: هذا الضرر الذي وقع وانتهى ينبغي إزالته. وأما لا ضرر ولا ضرار، فإنها تشمل كلا الصورتين: تشمل الضرر الذي لم يقع بعد فتقول لك لا توقعه، والضرر الذي وقع ضمنيًا تقول لك ارفعه، فهي إذن أشمل للضرر الذي لم يقع والذي وقع. وأما الضرر يزال فتشعر أنها خاصة بالضرر الواقع فقط. وبناءً على ما سبق، فجعل هذه القاعدة الضرر يزال المندرجة تحت القاعدة السابقة وجيه جدًا، وهكذا فعل الشيخ مصطفى الزرقا.
طبعًا أظن أن أحد الإخوة قال لي مرة إنها مصطفى الزرقا بضم الزاي، ولست متيقنًا من ضبطها، يعني كأنه في هناك قول آخر في ضبط اسم الشيخ. وجميع الفروع المذكورة في الجهة الثالثة من القاعدة السابقة تتعلق بدفع الضرر قبل وقوعه، فناسب هنا أن تذكر فروع فقهية لإزالة الضرر بعد وقوعه. كان الشيخ أيمن من باب التنويع يقول: الأمثلة التي ذكرتها في القاعدة الكبرى في الجهة الثالثة، قضية ما ليس فيه غرض وما فيه غرض صحيح، كل هذه الأمثلة هي مثال على دفع الضرر قبل وقوعه، ومن باب التنويع هنا سأقتصر على أمثلة على رفع الضرر بعد وقوعه.
فمثلًا خيار العيب: خيار العيب مشروع لرفع الضرر بعد وقوعه، فأنت اشتريت سلعة فوجدت فيها عيبًا، فتريد أن ترفع العيب أو الضرر الذي وقع عليك بسبب العيب، فتقول للبائع: إما أن ترد السلعة وآخذ ثمني، وإما أن تدفع لي الأرش. فخيار العيب الذي درسناه في باب البيوع هو من أشكال الضرر يزال. كذلك وجوب الضمان على من أتلف شيئًا عمدًا أو سهوًا؛ الضمانات كلها تحت قاعدة الضرر يزال، أنا أتلفت سيارتك، أنا أوقعت عليك ضررًا، فينبغي رفع الضرر بأن أضمن الشيء إن كان مثليًا بمثله، وإن كان قيميًا بقيمته. كذلك وجوب رد المغصوب إلى مالكه لرفع الضرر عنه، فإذا كان المغصوب قد تلف عند الغاصب، فإن كان مثليًا رد مثله، وإن كان قيميًا رد قيمته. فهذا كلام سريع عن القاعدة الأولى المندرجة ولا تحتاج إلى أكثر من ذلك.
القاعدة الثانية المندرجة: قاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان. وهذه قاعدة هكذا مذكورة في مجلة الأحكام العدلية، وهي تنبه إلى فكرة عامة؛ قال: مفهوم القاعدة يتعلق بدفع الضرر قبل وقوعه، فالواجب دفعه بالكلية، فإن عجز المرء عن ذلك دفعه بحسب استطاعته. هذا منطوقها؛ لماذا هذا المنطوق؟ لأنه استعمل كلمة يدفع، والدفع غير الرفع، سواء في أصول الفقه ولا في القواعد الفقهية يحسنون التفريق بين الدفع والرفع. الدفع يكون قبل وقوع الشيء؛ ففي شيء يريد أن يقع من الضرر لسه ما وقع، فأنت تحاول أن تدفعه قدر المستطاع.
الواجب دفعه الآن، إما أن تستطيع أن تدفعه بالكلية، وإما أن تستطيع دفعه ٤٠ أو ٥٠ أو ٦٠ بالمئة، أليس كذلك؟ وإذا ثبت دفع الضرر قبل وقوعه على قدر الإمكان، فمن باب أولى أنه إذا كان واقعًا فإنك ترفعه أيضًا على قدر الإمكان؛ لأن الواقع الذي وقع وانتهى أقوى في رسوخه من المتوقع. أي الضررين أرسخ: الضرر الذي تتوقع حصوله، ولا الضرر الواقع والذي انتهى وقوعه؟ الضرر الأرسخ هو الموجود، هذا متجذر أكثر، وبالتالي رفعه يحتاج إلى عناء أكثر. فدلت القاعدة ومنطوقها على الدفع، وبمفهومها الموافق الأولوي كذلك؛ شايف كيف قضية تستفيد من مفهوم الموافقة؟ الضرر يدفع بقدر الإمكان، وبمفهوم الموافقة ويرفع بقدر الإمكان.
وهذه قاعدة مهمة في السياسة الشرعية إخواني، خاصة في أزمنة الاستضعاف. أي ضرر يتوقع حصوله أو هو حاصل منتهٍ، لما تأتي لترفعه بعض الناس لجهلهم يريد أن يرفع كله أو يبقى الضرر كما هو، تمام؟ إما أن تزيل الاستبداد كاملًا، أو أن يبقى الاستبداد كاملًا! فإذا وصلت إلى أنصاف الحلول يا أخي نرفع من الضرر ٥٠ بالمئة أو ٦٠ أو ٣٠، يجعلك إما خارجًا من الملة، أو ضعيفًا في الذهن، أو متبرئًا من معالم التوحيد، أو إلى غير ذلك من العبارات الشاقة والتي لا تدل على شيء من فهم الشريعة.
الآن الواقع التطبيقي غير النظرية إخواني؛ في النظرية أنت تدعو إلى الدين الكامل، لكن لما تأتي إلى واقع الحياة العملي، فالضرر الموجود لست أنا من أوجده، فعندما أرفعه نظريًا: إما أن ترفعه كاملًا أو تخليه، وإلا ستكون أنت متبرئًا من دين الله؛ هذا كلام لا نعلم له أصلًا في شريعة رب العالمين، يعني بالإجماع لا نعلم له أصلًا في شريعة رب العالمين، وإنما هو من ثمار الغلو المعاصر التي لا تقنع إلا بما يشفي غلوها ونظراتها التي ليست مبنية على علم ولا على برهان ولا على فهم. وإنما الإنسان في عملية الإصلاح والتغيير، سواء في دفع الضرر المتوقع أو في رفع الضرر، القاعدة تقول: يرفع بقدر الإمكان. طبعًا إذا القضية ستأتي: ما هو قدر الإمكان هنا؟ سيكون النقاش مع العقلاء الآن. غير العاقل هذا مش محسوب، الكلام مع العاقل: ما هو قدر الإمكان؟ نعم قد يحصل من بعض الناس تقاعس وعجز فيكون بإمكانه أن يدفع أكثر، لكن كسلًا أو تمييعًا أو هروبًا أو لأي سبب لا يفعل ما يمكنه بل يفعل ما هو أقل، فهذا يحاسبه الله وهو آثم ومسؤول. ومنهم من فعل فعلًا ما هو الإمكان، لكن السؤال: من الذي يحدد في كثير من المسائل قدر الإمكان أو الممكن من غير الممكن؟ من كان متلبسًا بالواقع محتكًا به، لا يصلح وأنت متكئ على أريكتك تأكل وتشرب وتنظّر على إخوانك في مشارق الأرض وفي مغاربها.
إذا لم تكن محتكًا بالواقع مطلعًا عليه اطلاعًا شبه تام، فسيكون كلامك في تحديد مقدار الإمكان خبط عشواء ورجمًا بالغيب، وتكون مسؤولًا أمام الله عن الفتن التي يحدثها كلامك. فلذلك رحم الله امرئًا صرف لسانه عما لا يحسنه واشتغل بما يعنيه، وعرف من أين تؤكل الكتف وكيف تدار الأمور، وترك الأمر إلى أهله. فهذه قضية مهمة جدًا قاعدة الضرر يدفع بقدر الإمكان ويرفع بقدر الإمكان، تطبيقاته في السياسة الشرعية، حتى في نوازل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كان كثيرًا ابن تيمية رحمه الله عليه، كما علقنا سابقًا في رسالة الأمر بالمنكر، يتكلم عن مراتب المنكر، وكيف أن الإنسان إذا لم يستطع أن يزيل المنكرات جملة فيبدأ بأسوئها.
وكذلك إذا تزاحم عليك منكر ومعروف، كيف عليك أن توازن وأن تنظر، فتدفع بقدر الإمكان ما تستطيع من المنكر، وإن كنت في بعض الأحيان ستكون مجبرًا على قبول بعض المنكرات تحصيلًا لمعروف أعلى، إلى غير ذلك من التفاصيل التي إذا لم يتقنها المفتي والمتصدر سيجني على الأمة كثيرًا في أمور دينها.
الجهة الثانية في ذكر دليل هذه القاعدة: يستدل لهذه القاعدة بأدلة نفس أدلة قاعدة لا ضرر ولا ضرار؛ تصلح دليلًا على هذه القاعدة، فالعموم فيها يشمل دفع الضرر ورفعه. وأيضًا يستدل عليها بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، و«إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فنحن كما أننا مأمورون بجلب النفع، مأمورون بدفع الضرر، فدفع الضرر مأمور به، وما دام دفع الضرر مأمورًا به، إذا هو خاضع تحت قاعدة: «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». هذا إخواني شيء يعني عفوا بديهي عند أهل العلم، لكن المشكلة أنك تجد اليوم من يناقش في البديهيات.
في ذكر بعض فروعها: مثلًا مشروعية خيار المجلس وخيار الشرط، قالوا: هذا لدفع ضرر متوقع على أحد المتعاقدين، وفي هذا دفع للضرر بالكلية. تمام، ربما المثال ليس واضحًا كثيرًا احتكاكه بالقاعدة لأنه هي بشكل عام فكرة خيار المجلس وخيار الشرط في باب البيوع والتي درسناها في الأخصر وفي غيره من الكتب، الفائدة منها هي فعلًا رفع الضرر. الآن قضية قدر الإمكان يمكن أنك تتأول فيها تأولًا، أنه الشريعة لما رأتك عقدت عقد بيع وشكلًا وتقع في ورطة، فأرادت أن تدفع عنك هذا الضرر المتوقع من هذا العقد؛ الضرر المتوقع دفعته عنك بقدر الإمكان كان من خلال ماذا؟ خيار المجلس وخيار الشرط، أعطتك فسحة. الآن هل هي رفعت عنك الضرر بالكلية؟ في اعتقادي كلا، من جهتي ماذا؟ أنه ممكن بعد خيار المجلس تجد نفسك أنك أكلت مقلبًا في السلعة، ممكن صحيح، ممكن أن هذه السلعة لا تناسبك أو ليست هي الأنسب. لا أقصد أن فيها عيبًا؛ فيها عيب أنت عندك خيار العيب، لكن أقصد أنها غير مناسبة معك، لكن في النهاية لا عيب فيها، فالبائع غير ملزم بأن يرجعها بعد انتهاء مدة الخيارين. فالشريعة كأنها لما شرعت خيار المجلس وخيار الشرط سعت أن تدفع الضرر المتوقع حصوله على قدر الإمكان، أعطيناك خيار مجلس، أعطيناك خيار شرط، بعد كذا إذا حصل ضرر خلاص هذا قدرك، فنحن رفعنا عنك وساعدناك على قدر المستطاع، تمام، كان هكذا لسان حال الشريعة.
كذلك شرعت الشفعة بالإجماع، عرفنا الشفعة أيضًا ودرسناها في الأخصر، وهو أن هناك شريكين في مشاع من الأرض، مشاع من العقار، أنا وإياك شركاء في أرض، فأنا إذا بعت حصتي لشخص أجنبي، أنت لك حق الشفعة وتقول: أنا لا أرضى بكم، بعته والله بعته بـ ٥٠٠٠، أنا أريد أطالب بحق الشفعة وأريد أخذها بـ ٥٠٠٠. حق الشفعة ما فائدة أصل مشروعيته؟ هي دفع الضرر عن شريكي؛ لأنه قد لا يرغب بمشاركة غيري، فأنا لما بدون علمه أروح أبيع لأجنبي، كأنني أجبره على مشاركة شخص هو قد لا يرضى بمشاركته. فنقول شرعت الشفعة بالإجماع لدفع الضرر عن الشريك، لدفع الضرر عن الشريك الذي قد يتأذى من شريك السوء؛ وشريك السوء هو الشخص الأجنبي الجديد الذي قد يكون شريك سوء، فنحن أعطيناك حق الشفعة حتى ندفع عنك هذا الأذى قدر المستطاع.
طبعًا لاحظ قدر المستطاع، ليه؟ لأنه إذا ما معك مال تشتري خلاص يعني راح تقبل بالشركة، راح تقبل، نحن أعطيناك حق الشفعة حتى نخدمك قدر المستطاع ونعينك على أنه ما يدخل عليك الشريك الذي لا تهواه، لكن في النهاية ما معك مال تشتري قطعة الأرض، وأنا أريد أطلع من الموضوع أنا كشريك ما أريد أظلني أو محتاج لسيولة، فأنت ما بتقدر تجبرني أظلني معك؛ يا بتاخذها بحق الشفعة، يا إما بتسلم للأمر الواقع، يا إما بخصك وتخلص بالموضوع كامل.
أذى المعتدي على العرض إن لم يندفع إلا بدفع مال إليه فإنه يشرع الدفع في هذا الحال؛ إزالة لبعض الضرر ودفعًا لبعضه، حسب الإمكان. أذى المعتدي على العرض، بعض الناس للأسف يكون مستضعفًا ربما في بلاد الكفار، تمام، أو حتى البعض يعني يخبرنا في كثير من مناطق فلسطين الداخل، إذا سمعتم بهم الإخوة في فلسطين الداخل؛ للأسف هناك كثير من عصابات القتل والأذى عندهم يخبرونني، وبالتالي يصبح الإنسان حتى يحمي عرضه ونساءه مضطر أن يدفع مالًا لمن؟ لبعض العصابات حتى تحميه؛ يعني هي عصابات قتل، يقول لي إذا تتبعتم الأخبار، عصابات تقتل الناس، ويعني قتل عن جب وطرف، وتكون مدعومة من الاحتلال اليهودي عليه من الله ما يستحقون، هؤلاء العصابات من العرب يصبح بعض الناس حتى يحمي عرضه ونساءه وبيته ومصلحته مضطر أن يدفع لهم شيئًا من الإتاوة حتى يحموه ولا يقع فريسة لجماعة عصابات أخرى، فهنا الشريعة أذنت لك أن تدفع المال لهذه العصابة مع أنها عصابة قتل، شيخ ادفع المال لعصابة قتل!
حتى ترفع الضرر عن نفسك بقدر الإمكان، فإذا كان يكفي في دفع الضرر مبلغ ألف فلا تعطِ ألفين؛ فالفكرة هي دفع الضرر بقدر الإمكان. فيقول لك: إذا المعتدي على العرض لم يندفع إلا بدفع المال إليه، فإنه يشرع الدفع في هذه الحال إزالة لبعض الضرر ودفعاً لبعضه على حسب الإمكان. وإن كان في النهاية ما حدا يحميك، فافعل على قدر الإمكان؛ فهي وسيلتك ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وإن كان يمكن أن يعتدى عليه بعد كل هذا، فكذلك الحجر على المفلس، فما فكرة الحجر على المفلس ولماذا أتت بها الشريعة؟ إذا طالب غرماؤه بالحجر عليه، أليس لدفع الضرر عن الغرماء على قدر الإمكان؟ لأنه إذا ظل غير محجور عليه، فإنه يظل في هذا المجتمع يتداين ويتصرف في أملاكه الشخصية، وبكرة يروح يعمل فيها أشياء ولا يعطينا حقوقنا. فنحن لما نحجر عليه في أملاكه حمينا حقوق الغرماء على قدر الإمكان؛ لأنه في النهاية قد تنباع كل أغراضك وبيتُك ولا يأتيك إلا ربع حقك أو خمس حقك، زي كثير من هذه الشقق أو العقارات التي تنزل على المزاد؛ في النهاية قد لا تؤدي الحق كاملاً، بس في النهاية على قدر الإمكان يرجع لي 40% أو 50% خير من أن لا يرجع لي أي شيء من حقي. فهذه كلها على فكرة أن الضرر يدفع أو يرفع على قدر الإمكان.
نأتي مثلاً للقاعدة الثالثة: وهي قاعدة «الضرر لا يزال بمثله». ذكرت هذه القاعدة في كثير من كتب الفقه والقواعد، والمذكور وتعبير مجلة الأحكام العدلية؛ طبعاً أظن أنكم تعرفون مجلة الأحكام العدلية، وهي المجلة الدستورية التي صدرت في الدولة العثمانية لما أرادوا أن ينقلوا الأحكام الفقهية من كتب الفقه العامة ويتم وضعها وتقنينها على شكل مواد قانونية. فوضعوا الفقه الحنفي باب المعاملات على شكل مجموعة من القواعد التي تساعد القضاة والأساتذة على إنزال الأحكام وضبط المجتمع. فهنا في مجلة الأحكام العدلية ذكرت هذه القاعدة بهذه الصيغة: «الضرر لا يزال بمثله»، وهو أولى من تعبير الكثيرين بلفظ «الضرر لا يزال بالضرر»؛ لأن هذه قاعدة فضفاضة، فالضرر لا يزال بالضرر كلام مش دقيق، لأن الضرر يزال بالضرر الأدنى، لكن لا يزال بالضرر المساوي أو بالضرر الأعلى، فيقول: هذه القاعدة بهذا التعبير أدق.
والكلام من ثلاث جهات في معناها؛ تعتبر هذه القاعدة مقيدة لقاعدة «الضرر يزال»، لماذا؟ فقد أطلق في تلك القاعدة أن الضرر يزال، بل هي حتى مقيدة للقاعدة الأصلية «لا ضرر ولا ضرار». قال: وقد يكون إزالة للضرر بلا ضرر مطلقاً، وهذا إن أمكن فهو واجب بالاتفاق. لكن أحياناً لا يصلح هذا، أحياناً قد أضطر أن أزيل ضرراً بإحداث ضرر؛ هذا الضرر الذي أحدثته من أجل رفع الضرر قد يكون أخف من الضرر الأصلي، أو مساوياً للضرر الأصلي، أو أعلى. فهنا تأتي هذه القاعدة تقول لك: «الضرر لا يزال بمثله»، ومن باب أولى ستفهم أنه لا يزال بما هو أعلى من مثله. فمنطوقها نفي إزالة الضرر بمثله، ومفهومها الأولوي ما هو؟ نفي إزالة الضرر بما هو أشد، ومفهوم المخالفة هو إثبات أن الضرر يزال بما هو أخف منه، وهذه فيه قاعدة ستأتي بعد قليل مباشرة: «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف». فالمتعين إذاً ابتداءً أن تزيل الضرر دون أن توقع ضرراً، فإن عجزت فإنك تزيل الضرر بالضرر الأخف، ليس بالضرر المثل ولا بالضرر الأعلى.
ما هو دليل هذه القاعدة؟ يدل عليها عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، فإن في إزالة الضرر بمثله وقوعاً في ضرر آخر، والأصل منعه، واغتفر في إزالته بضرر دونه لأن فيه تقليلاً للمفاسد، وهو أصل صحيح جاءت به الشريعة. لو أردنا أن نأخذ قصة موسى مع الخضر، الخضر ماذا فعل في السفينة؟ قال: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79]، فقد أذن الله للخضر أن يعيب السفينة وهو ضرر؛ أحدث ضرراً ليزيل ذلك الضرر، ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]. فهذا قد يكون من شرع من قبلنا دليل على مراد الله سبحانه وتعالى، وهو أنه الضرر الكبير -وهو أن يأخذ المالك الظالم السفينة- تم إزالته بالضرر اليسير.
كذلك قتل الغلام، ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: 74]، فماذا برر له الخضر ذلك؟ ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80-81]. أكيد قتل هذا الغلام ضرر عليه وضرراً على مشاعر والديه، لكن من حيث النتيجة النهائية التي يعلمها الله سبحانه بواسع علمه، سيكون هذا الضرر متحملاً وأخف من الضرر إذا كبر الغلام ونشأ كافراً. الآن على الأقل هو مات وهو غلام، إذا كان لم يبلغ فهو ليس مكلفاً، وبالتالي خير له أنه ما كبر وبلغ وصار كافراً رح يخلد في دار جهنم. أما الآن ما دام في علم الله أنه إذا بلغ سيكون كافراً، فموته الآن خير له من جهة أنه لا يعذب في نار جهنم، وبالنسبة لوالديه بيزعلوا شوية وبعدين بينسوا وما بورطهم لما يكبروا ويصير إشكال وفتنة عليهم. وهكذا الإنسان ينظر في قضية الموازنات، حتى إنك لا ينبغي أن تحصل الضرر فقط على المستوى الدنيوي؛ هذه مشكلة كثير من الناس، أن معايير الضرر عنده أن أضر في دنياي، في طعامي، في شرابي، في مأكلي. لا، في هناك ضرر أسوأ وهو أن تضر في دينك، فقاعدة «يتحمل الضرر الأخف دفعاً للضرر الأعلى» ينبغي أن ينظر فيها أيضاً لما يضر دينك، فحفظ الدين مقدم على حفظ النفس والعقل والمال والنسل وكل تلك الأولويات.
الجهة الثالثة في ذكر بعض فروع القاعدة: لو لم يجد المضطر الذي يخشى الهلاك جوعاً إلا مال مضطر مثله، فلا يجوز له أن يأخذه؛ يعني نحن اثنين في الصحراء بدنا نموت جوعاً، أنت معك رغيف خبز وأنا معي رغيف خبز، إذا أنا أخذت رغيفك أنت بتموت وإذا خليت رغيفك معك أنا بموت. نقول لك ما دام هذا الرغيف ملكاً لصاحبك، ليس لك أن تحدث ضرراً له من أجل أن تنقذ نفسك؛ لأنك تزيد الضرر عنك بضرر مثله، لا يصلح. لو أُكره على قتل مسلم، نفس الشيء لا يجوز لك أن تقتله؛ لأنك تزيد الضرر عن نفسك بإيقاع ضرر مثله أو أشد، لسه أشد من جهة أنك تجرأت على سفك الدم وإن كنت مكرهاً.
ثالثاً: لا يجوز للمرء حفظ ماله بإتلاف مال غيره، بعض الناس أناني أو مصلحجي كما يقولون؛ بده يحفظ ماله فيقوم بإتلاف مال الآخرين من أجل أن يحفظ ماله الشخصي، ليس لك ذلك. كذلك لا يجوز للشريك أن يجبر الشريك على قسمة المال المشترك غير القابل للقسمة؛ لأن في قسمته ضرراً أعظم من ضرر الشركة، إلا برضاهما، كدور الصغار التي هي مسألة قسمة التراضي. لما تكون الدار صغيرة، غرفتين نحن عارفين إذا قسمناها ربما تضيع قيمتها أو ينزل من سعرها كثير، فلو شريكي يريد أن يجبرني على القسمة فيها، لا يجوز؛ لماذا؟ لأنني سأضرر بذلك. طيب شريكي يقول لي: طيب أنا بدي أرفع ضرر الشركة، أنا ما بدي أظلني معك؛ أقول له: ماشي، أنت بدك ترفع ضرر الشركة عنك صحيح، بس ما بصير ترفع ضرر الشركة عنك من خلال إيقاع ضرر بي. هل يحق لك أن ترفع ضرر الشركة من خلال إجباري على أن نقسم هذه الدار التي لا تقبل القسمة لصغرها؟
وإذا قسمت انخفضت قيمتها لا؛ طيب شو الحل؟ الحل أن يتم بيع الدار كاملة، يأتي القاضي ويبيع الدار كاملة إذا ما اتفقوا الاثنين على قسم التراضي، يبيعها الحاكم عليهما ويعطي كل شخص حقه؛ لأنه يعلم الحاكم أن إجبار أي طرف على قسمة التراضي سيؤدي إلى ضرر عليه، وحتى نزول كما يقولون في قيمة العقار اليوم في العرف التجاري. فلا يجبر الشريك على قسمة المال المشترك غير القابل للقسمة؛ لأن في قسمته ضرراً أعظم من ضرر الشركة الواقع على صاحبه، ما هو الضرر الأعظم؟ هو نزول قيمة العقار أو عدم إمكانية الانتفاع به. يعني تخيل مثلاً غرفة وحمام، والله تعال بدنا نجبرك على أنك تقسمهم؛ خلص الحمام بيروح لفلان، وفلان بظل في باقي الغرفة، طيب شو استفدت أنا من غرفة بدون دورة مياه؟ فإذاً هناك ضرر أعظم من ضرر الشركة وهو نزول قيمة العقار وعدم الانتفاع الصحيح بالعقار، فلا أجبر على هذا؛ وكأنكم ترفعون الضرر عن غيره بإيقاع ضرر مماثل أو أعلى.
القاعدة الرابعة: «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»، وهذه هي في الحقيقة تكملة للقاعدة السابقة. إذا قلنا الضرر لا يزال بمثله أو بما هو أعلى منه، فإذاً كيف يزال الضرر؟ كما قلنا: إما أن تزيله إن استطعت بدون إيقاع ضرر، فإن كان لا بد من إيقاع ضرر فينبغي أن يكون الضرر أخف. ذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ في مجلة الأحكام العدلية، ومعناها مقرر عند أهل العلم، والكلام عنها من ثلاث جهات.
الجهة الأولى في معناها: نقول منطوق هذه القاعدة يقرر مفهوم المخالفة للقاعدة السابقة، قاعدة «الضرر لا يزال بمثله»؛ فإن مفهوم مخالفة لها أن الضرر يزال بما هو أدنى منه.
الجهة الثانية في ذكر دليلها: هذه القاعدة تعود إلى أصل من أصول الشريعة وهو تعطيل المفاسد وتقليلها بقدر الإمكان، وهذا كما قلنا يعود إلى قوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ودليله أيضاً قضية الخضر؛ إن مثالها هي إيقاع ضرر أخف دفعاً لضرر أعم. يقول ابن تيمية: فالواجب، وطريقة الشريعة وفلسفتها في التشريع، ما هو؟ تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما وهو المشروع.
ومن هنا جاءت الشريعة بجواز التجارة مع المحاربين على كراهته، صحيح التجارة مع المحاربين للإسلام والمسلمين ما حكمها؟ تبيع وتشتري منهم بضائع مكروه، لكن مش حرام، إلا إذا كانت البضاعة أنك وردت لهم أسلحة، فكما قال أحمد لا يجوز أن نعينهم بالسلاح، لكن التجارة الطبيعية معهم لماذا لم يحرمها الإسلام مع أنه فيها ضرر؟ صحيح أنه أنت لما تتاجر معهم وهم ينتفعون بهذه التجارة، لأنه في تعطيل هذه التجارات إضعاف لاقتصاد المسلمين. وهذه قضية ينبغي أن تفهم، وهو أنه لماذا الإسلام أباح التجارة مع المحاربين مع أنه فيها في النهاية جانب من الضرر العام وهو أنك تتبادل في بيع وشراء في تجارة في ربح؟ قالوا: لأن أمور الدنيا لا تستقيم إلا بالتبادلات التجارية، والحياة والاقتصاد لا يقوم إلا بهذا النوع، هكذا طبيعة الحياة، خاصة في أزمنة الاستضعاف التي تزداد فيها الحاجة أكثر فأكثر، فيبقى الاتجار مع الحربي، وإن كان مضراً، على الإباحة، أو على الكراهة خلينا نقول، والكراهة تزول عند الحاجة، من جهة أن يبقى الاقتصاد الإسلامي قائماً، ويبقى الشباب المسلم يجد فرص عمل، وتبقى البضائع ترد إلى بلاد المسلمين. ولكن كما قلنا ينبغي أن يحصر هذا على ما يحتاج إليه، ولا ينبغي التوسع في ذلك بمساعدتهم بشراء البضائع الثانوية التي لا تسمن ولا تغني، كالمشروبات الغازية والشوكولاتات التي أكلها ضرر؛ في الحقيقة إذا تأتي للواقع لا نفع فيها إلا اللذائذ، وإلا هي سمنة وبطنة وذهاب للفطنة، ما في شيء حقيقي منطقي يستفاد منها، فينبغي أن يقدر هذا الأمر بقدره، وأن يفهم طبيعة الشريعة في هذه الأمور حتى لا تحمل ما لا تحتمل. فإن فساد أسواق المسلمين وضعف اقتصاداتهم وانتشار البطالة وغيرها من الأمور التي تجدها خاصة في أزمنة الاستضعاف، ضررها أشد من ضرر الاتجار مع الحربي، فلا ينبغي للإنسان أن ينظر من زاوية واحدة ضيقة، وعليه أن يعرف رتب الشريعة في أحكامها، وألا يتكلم بكلام وهو لا يعرف مدلولاته ولا مآلاته.
ومما يدل على هذا حديث أنس بن مالك لما جاء الأعرابي فبال، ماذا قال النبي عليه الصلاه والسلام؟ الصحابة كانوا بدهم يمسكوه ويروحوا يضربوه والرجل لسه بيبول، فقال: «لا تزرموه»، لا تحصروه، خلص يعني وقع الضرر والرجل بدأ يبول، لو أننا خوفناه ورعبناه وهو يبول ماذا سيحصل؟ سندفع الضرر الأخف بالضرر الأشد؛ ستأتي البول على كل نواحي المسجد وهو يهرب، يعني راح يطرطش على كل المسجد زي ما يقولوا. لكن ما هو الحل؟ أن تركه على ما فيه من الضرر أخف من حصره وإخافته وما سيؤول بعد ذلك من نشر البول يميناً وشمالاً، فدفع الضرر الأشد باستحمال الضرر الأخف، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه. لا يشك عاقل في مفسدة بوله في المسجد، إلا أن إقامة...
إقامته أثناء بوله يترتب عليها تنجيس، إقامته يعني تفزيعه، إقامته أن تشيله وتقومه سيترتب عليه تنجيس لبدنه ولثيابه ولمواضع أخرى في المسجد؛ ولذا نهاهم النبي ﷺ عن زجره دفعاً لمفاسد أعظم.
الجهة الثالثة: بعض الفروع الفقهية تحت القاعدة هذه، عندنا مسألة مثلاً وجوب النفقة في مال الموسر لقريبه الفقير في منظومة باب النفقات؛ الأخ الموسر يجب عليه أن ينفق على أخيه الفقير العاجز عن النفقة إذا كان يرث. طبعاً لماذا أوجبنا أن أنفق على أخي الفقير العاجز عن النفقة؟ أليس في هذا ضرر لمالي وأنكم تأخذون جزءاً منه؟ نقول: نعم، نحن عارفين أنه في ضرر في مالك ونأخذ جزءاً من راتبك الشهري، لكنه ضرر أخف من بقاء أخيك فقيراً عالة على المجتمع، لا يجد من ينفق عليه ويطعمه ويطعم عياله، وهذا فيه إزالة لضرر الفقر عن الفقير بإلحاق ضرر أخف على قريبه الغني، نحن ما كلفناك إلا أن وجدناك غني عندك نوع من الكفاية.
كذلك لو وقع أسير مسلم في يد الكفار ولم يمكن أن نطلق سراحه إلا بدفع فدية لهم، فيجوز عند أهل العلم أن تدفع الفدية إلى الكفار وإن كان فيها ضرر، وإن كان فيها معاونة الكفار بإكثار أموالهم، لكن الحفاظ على روح المسلم وحياة المسلم وعرض المسلم ودينه يقدم عندنا على هذه القضايا الجزئية. أيضاً من غص بلقمة ولم يكن أمامه إلا خمر جاز له أن يأخذ منها بقدر ما يزيل عنه الغصة؛ لأن ضرر الغصة التي يمكن أن تؤول إلى الموت والاختناق أشد من ضرر شرب لقمة أو جغمة خمر.
القاعدتان الخامسة والسادسة، وفي اعتقاد كل هذه القواعد إلى الآن متقاربة، يعني معانيه يحوم حول بعضها البعض: «يختار أهون الشرين»، هذه مثله مثل قاعدة «يرتكب الضرر الأخف»، وكذلك قاعدة «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما ضرراً»، هي نفس قاعدة «يختار أهون الشرين»، هاتان القاعدتان بمعنى واحد، فناسب أن تذكرها معاً. الأولى منهما من قواعد مجلة الأحكام العدلية، والثانية ذكرت بهذا اللفظ في بعض كتب القواعد، ومعناها مقرر عند الفقهاء.
ومن ألفاظه من قول ابن رجب في قواعده: «إذا اجتمع للمضطر محرمان، كل واحد منهما لا يباح بدون الضرر، وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضرراً؛ لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا تباح». وربما مثلنا فيها مسألة من كان به شبق، مشكلة في الخصيتين ويحتاج أن يفسد صومه، فهو مضطر؛ إذا لم يفسد صومه بإخراج المني سيقع في مشقة شديدة جداً جداً، فهنا أنت سترتكب مفسدتين، أو ستفعل الحرام.
لكن هناك زوجتان صائمتان، وأخرى في حيضها، فأيهما يباح لك أن تجامعها حتى تزيل عن نفسك الشبق؟ الإشكال الآن: رجل عنده شبق، والشبق هو مرض يجعل الإنسان لابد وأن يستخرج المني، فهو في نهار رمضان وهو أمام خيارين: خيار امرأة صائمة (زوجته الصائمة) وأخرى زوجته الحائض؛ أن يجعل زوجته الصائمة تفطر ويفسد عليها نهار رمضان بالوطء وهذه مشكلة، وأن يطأ الحائض في فرجها وهذه أيضاً مشكلة. فأنت أمام حرامين، لكنك تحتاج أن تفعل واحداً منهما حتى ترفع عن نفسك الضرر، فهنا ماذا يقولون؟ قالوا: «الوجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضرراً؛ لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا تباح».
فهنا تختلف أنظار الفقهاء، فمنهم من يقول إذا كان بين خيارين لا ثالث لهما في هذه الحالة يذهب إلى ذات الحيض حفاظاً على حرمة الصيام، ولأن تلك كفارتها شديدة وأمرها عظيم فتُقدم، ومنهم من يرى قضية الحائض لا إذن في الوطء، وضرر يتعلق بالمرأة يتعلق بها نفسياً وجسدياً، وأما تلك فهي قضية شرعية فقط، الصيام فيمكن أن تفطر وتكون معذورة وتقضي فقط، وأما هذه الحائض فقد يكون الضرر مؤذياً لها بدنياً على ما فيه من التلبس بالنكاح. إن هناك نوعاً من النظر أيهما أخف، وبالتالي ستنتج الكثير من منظومات الأحكام الفقهية وتباين بين الفقهاء الشافعية والمالكية والحنابلة لنظر كل فقيه منهم لاعتباره ولمناسبته التي يراها أعلى.
والكلام هنا مقسم على ثلاث جهات، هذه الجهة الأولى في معنى هذه القواعد؛ هاتان القاعدتان قال: تشبهان القاعدة السابقة «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»، بل قيل إنهما عينها ولا فرق إلا في اللفظ بينها وبين القاعدة الرابعة. ويمكن التفريق أن يقال: السابقة تتعلق بإزالة الضرر بعد وقوعه بفعل ضرر أخف، ولذا عبر عنها: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وأما هاتان القاعدتان تتعلقان باختيار أخف الضررين قبل وقوعهما، الذي لا بد من فعل أحدهما ولم يقع أي منهما بعد، يعني في حال أنك خيرت.
لكن حقيقة ما هو السؤال؟ أنت متى تختار فعل أحد الضررين؟ أليس لما يكون هناك ضرر واقع عليك؟ القضية أنه في هذه الحالة أنت تختار أحد الضررين قبل أن يحصل أي منهما بعد، ونقول: نعم يختار أهون الشرين، لكن متى يختار أهون الشرين؟ لما يكون في شر أصلاً ثالث واقع عليك سابقاً، يعني هذا الذي به شبق هو أصلاً واقع الآن في ضرر وبده يرفع الضرر بأحد الشرين، فأنت أصلاً في ضرر. لا أقول إنه ليس هناك ضرر واقع عليك لكنك تستشرف المستقبل، يعني إذا كان هذا الضرر لم يقع ولكنه متوقع فأنت من الآن تختار أهونهما.
أيضاً تشمل ما لو كان الضرر قد وقع ولكن المخلص والخارج منه هو عبارة عن ارتكاب أهون الشرين، فهنا ستختار الطريق الأهون، أخف الشرين، لدفع أعلاهما. فباختصار، هذا الفرق يمكن أن يعترض عليه قضية أنه لم يقع أي منهما، نعم إذا كنت تنظر إلى الشرين أنفسهما اللذين ستختار منهما، لكن هل أنا واقع علي ضرر وأريد أن أرفعه باختيار أهون الشرين؟ أقول هذا ممكن. وبالتالي أصبح الفرق أن القاعدة السابقة لما تتكلم عن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، هذه تتكلم في حالة وجود ضرر أشد وأنا أريد أن أزيله بضرر أخف، واضح؟ طيب، يعني ما نقول مثلاً غير خيار الضرر الأخف فترتكب لدفع الضرر الأشد، لكن هذه قاعدة «يختار أهون الشرين»، أو «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما».
هنا يوجد عندي طريقان، فهنا أنا ألزمك أن تختار الطريق الأهون؛ حتى لا نقع في الطريق الأسوأ. القاعدة السابقة الرابعة تشعر أنها تتكلم عن ضرر موجود، وأنت بدك ترفع بضرر أهون، خلصنا. هي القاعدة لا، هي تتكلم عن وجود، أنت سواء عليك ضرر الآن أو ما عليك ضرر، وستُخيَّر بين ضررين، بين مسارين، فتقول لك: اختر المسار الأهون، ولا تختار المسار الأشد ضررًا؛ فهي تبين لك ما هي المسارات التي تسلكها إذا كنت ملزمًا بين خيارين لا ثالث لهما، فهذا قد تكون أوضح، والله أعلم.
الجهة الثانية في ذكر بعض فروع القاعدة الفقهية: جواز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين إذا كانت تُرجى حياته؛ فثم ضرران هنا: شق بطن الميتة، هذا ضرر، وإذا لم نشق فهناك ضرر مخوف آخر، وهو هلاك الجنين مع أن هناك أمارات الحياة، فأيهما أخف؟ أن نشق بطن الميتة، ولا ألا نشق ونهلك الجنين؟ قالوا: الأول أخف وأهون؛ لأنه لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، يعني ماتت المرأة فلو أن شُق بطنها ما راح تشعر بالألم، فحياتها منتهية قطعًا، والإتلاف فيها أهون من حياة متوقعة، فيُرتكب الضرر الأخف وهو شق البطن دفعًا للضرر الأشد وهو ذهاب الحياة، طبعًا هذا مذهب الحنفية والشافعية.
أما الحنابلة ماذا رأوا؟ ما دام لم يخرج شيء من الجنين إلى خارج الجسد فرأوا أنه لا يجوز شق بطنها، وإنما قالوا: يُنتظر، لا ندفنها طبعًا، قالوا يُنتظر، لما فيه من هتك حرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة، نظروا بطريقة معاكسة تمامًا، نظروا أنه الحرمة هنا متيقنة، حرمة جسد الميت، والحياة متوقعة، ما نظروا أنه هي الميتة حياتها قطعًا انتهت وتركها حياة متوقعة، الحفاظ على المتيقن أولى، نظروا إلى أن جثه الميت حرمتها متيقنة وحياة الجنين متوهمة، قالوا فنحافظ على اليقين، والظاهر أن الولد لا يعيش، ومشوا على كذلك، اعتضدوا بالظاهر أن الظاهر أن الولد لا يعيش، لكن هم ما عندهم دفن حتى يتأكدوا من الموت، هناك طبعًا تفاصيل أكثر أخذناها في كتاب الجنائز.
جواز السكوت عن إنكار المنكر إذا ترتب على إنكاره ضرر أعظم، وهذا كثير، خاصة مثلًا في واقعنا المعاصر؛ إذا أردت تذهب إلى الطرقات والشارع والجامعات تنكر كل منكر ستبقى من الصباح لليل تنكر منكرات، فأنت فعليًا حقيقةً تسكت عن بعض المنكرات؛ لأنك لا طاقة لديك أصلًا لإنكارها جميعها، وإلا ستبقى من النهار إلى الليل تنكر منكرات، بس هذا شغلك لأن المنكرات عمت وطمت؛ لأنه بعض الشباب يسألني: يا شيخ هل كل مثلًا ما أرى منكرًا في الجامعة يجب أن أعدله؟ قل: لا؛ لأنه هذا يتعذر، أنك ستبقى من النهار إلى الليل في الجامعة تذهب وراء المنكرات تنكرها، وإنما على قدر الاستطاعة والطاقة.
جواز نكاح الأمة لغير القادر على نكاح الحرة، ولم يملك ثمن أمة، وخاف على نفسه الزنى، فإن نكاح الأمة مفسدة؛ لماذا؟ لأن الحر إذا تزوج أمة فإن أولاده سيكونون عبيدًا، لكن في النهاية تتزوج أمة ويطلع أولادك عبيدًا، أهون في النهاية من أنك تزني وتقع في الرذيلة، فترتكب المفسدة الأدنى دفعًا للمفسدة الأعلى، وقس على ذلك استقراءات كثيرة في شريعة رب العالمين.
القاعدة السابعة: يُتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام. هذه القاعدة ذُكرت في مجلة الأحكام العدلية، وأصلها بلفظ قريب عند الإمام ابن نجيم، والكلام عليها من جهات، وهي إحدى قواعد السياسة الشرعية الخطيرة والكبيرة، أن يُتحمل الضرر الخاص دفعًا للضرر العام. الجهة الأولى في معناها: هذه القاعدة تشبه القاعدتين السابقتين في ارتكاب الضرر الأخف والمفسدة الصغرى لدفع الضرر الأشد، والفرق بينها يتبين بأن عدم المماثلة بين الضررين، يعني إيش الارتباط بين هذه القاعدة والسابقة؟ أنه نقول: عدم المماثلة بين الضررين ما معياره؟ متى نقول هذا أهون وهذا أشد؟ عدم المماثلة بين الأضرار معياره إما أن يكون أحدهما خاصًا على فرد والآخر عامًا متعديًا على جماعة، فهذا معيار من معايير الشدة والأهون، وهذا هو بحث القاعدة بالتحديد، وإما أن يكون لعظم أحدهما على الآخر وشدته في نفسه، وإن كان كلاهما ضررًا خاصًا أو كلاهما ضررًا عامًا، لكن هذا مفسدته في المعيار الشرعي أعلى من مفسدة هذا، وهذا هو المقصود بالقاعدتين السابقتين، وإن كنت أظن أن هذه القاعدة هي مندرجة تحت القاعدتين السابقتين، يعني قاعدة أهون الشرين هي من ضمن فروعها أن يُتحمل الضرر الخاص دفعًا للضرر العام، وليست أن هذه قاعدة نظيرة أو قسيمة بل هي داخلة تحتها.
وعليه إذا اضطر الإنسان لارتكاب أحد ضررين لا مناص من أحدهما إلا بارتكاب الآخر، وكان أحدهما ضرره يتعدى تعديًا خاصًا على نفسه فقط أو على مساحة معدودة جدًا، والآخر ضرر يتعدى على العام؛ فتحمل الضرر الخاص مقدم على تحمل الضرر العام. كنت أتمنى أن الشيخ ذكر دليلًا على القاعدة، وحقيقةً لها أدلة كثيرة في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فمن ذلك أولًا قصة أبي جندل، لما النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية وقع العقد، وهو عقد الهدنة، اعتراف بالنظام الإسلامي وبالكيان النبوي وبالدولة المسلمة في المدينة، وأن تضع الحرب أوزارها عشر سنوات، ويتفرغ النبي عليه الصلاة والسلام لحاله ولدولته ولمعاركه الأخرى، يأتي أبو جندل بعد توقيع العقد مباشرة وهو ابن من؟ ابن سهيل بن عمرو، والده هو الذي وقع العقد من طرف الكفار، يأتي أبو جندل وقد أسلم وهو من المستضعفين في مكة، يرزح في أغلاله، يا رسول الله أنقذني، يا رسول الله هل أرد إليهم؟ يأتي يبتهل ويصرخ، فالنبي عليه الصلاة والسلام يتألم من داخله، ويطلب من والده أولًا أن يخلي فيه، فيرفض والده، فهنا هل يعقل أن النبي عليه الصلاة والسلام يترك أبا جندل يعود إلى مكة يسومه المشركون سوء العذاب؟
يعني شوف النظرة التي ممكن بعض الناس يستصعبها، طبعًا عمر رضي الله عنه استصعب المشهد، وكان يمشي بجانبه ويُريه سيفه ويقول: اصبر يا جندل فسيجعل الله لك فرجًا، مع أنه هو قال: كان ذهني أن يأخذ السيف فيقتل الوالد به، فالمهم هنا النبي عليه الصلاة والسلام أمره بالصبر، ما عندي خيار آخر، أمره بالصبر، وهذا مثال على إيش؟ يُتحمل الضرر الخاص، بدك تتحمل يا أبا جندل، في ضرر واقع عليك ونحن نتألم، نتألم من أجلك، لكن أنت لو وقع عليك ما وقع واستشهدت تحت التعذيب، هذا أخف من ماذا؟ من ضرر نقض العهد وعدم إبرام الصفقة، وأنه لا، لن نبرم الصفقة، يلا سنقاتل من أجل أبي جندل، بعض الشباب المتحمس هيك عقليته، عقلية نقاتل من أجل أبي جندل ولو حصل الضرر العام على المجتمع من أجل شخص واحد يذهب المجتمع، من الذي قال هذا؟ هل أنت أورع من محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل أنت أتقى وأبر منه، وهو صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنه في بعض المراحل في الدعوة يمكن أن يتم التضحية ببعض الأفراد مقابل صيانة وحفاظ على استمراريه الدعوة وبقائها، وهذا ما نسميه يُتحمل الضرر الخاص دفعًا للضرر العام عن الدعوة وأصحابها، يموت أناس في الدعوات ولا نستطيع أن نفعل لهم شيئًا مع اعتصار قلوبنا عليهم، ولكن محافظة على المجتمع المسلم في النهاية وعلى مصالحه الكبرى هذه إحدى القواعد الأساسية، ويمكن أن تأخذ مثلها تطبيقات كثيرة في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام كان يتحمل فيها الضرر الخاص أو يأمر أصحابه بتحمل الضرر الخاص ولا أنه يهلك المجتمع أو يقع الضرر العام.
الجهة الثانية في ذكر بعض فروعها الفقهية: لو تترس كفار بمسلمين حين القتال، هذه مثلًا مسألة التترس من أبرز شواهدها وأمثلتها، لو تترس كفار بمسلمين حين القتال ما تُسمى اليوم في الأخبار الدروع البشرية، هي لو أن كفارًا أخذوا بعض المسلمين وجعلوهم دروعًا بشرية وتحصنوا بهم، والمسلمون أرادوا أن يفتحوا هذا الحصن أو هذه القرية، والمشكلة أن الكفار أخذوا بعض المسلمين ووضعوهم دروعًا بشرية، ما في مجال، أما أنه نترك الحصن والقلعة بأيديهم ونذهب، أو نقصف القلعة والقرية عشان الحصول عليها مع علمنا بأن هذا سيتلف هؤلاء أهل الإسلام؛ فهنا هي المسألة من المسائل الشهيرة التي تكلم عليها الأصوليون الكبار من الغزالي وغيره، وكان الرأي العام للفقهاء أنه يجوز أن تُرمى القرية بالمنجنيق ولو أدى إلى التلف، بشرط أن تكون هناك وسيلة لإنقاذ المسلمين المتترس بهم، ثانيًا أن يكون فتح هذه القلعة أو الحصن لها أثر عظيم وإذا انكسر المسلمون عنها سيكون لها ضرر على البلدان المسلمة، أما لو كانت حصنًا ثانويًا أو قلعة ثانوية لا يجوز، خلص برجع لها بعدين بنتعامل معها، لكن أن يكون في عدم فتحها أو تركها بأيدي الكفار خطر كبير على المشروع الإسلامي أو الدولة المسلمة، فبهذه الشروط قالوا يُتحمل الضرر الخاص مقابل الحفاظ على الدولة المسلمة ودفع الضرر العام.
جوز الحنفية التسعير في الطعام، يعني أن تتدخل الحكومة في تسعير الأطعمة مع أنه الأصل حرمة تدخل ولي الأمر في التسعير، لكن جوزوا التدخل إذا غالى التجار وتعدوا تعديًا فاحشًا وتضرر الناس، وعجز السلطان عن منع الضرر إلا من خلال التدخل في التسعير، فهذا فيه ضرر خاص بالتجار مش مشكلة، أنا عارف يا تجار أن التسعير بيضركم، لكن هذا الضرر الخاص بتتحملوه دفعًا للضرر العام. كذلك مثلًا في أوقات المجاعات وأوقات الأزمات؛ فكرة أنه مثلًا يأتي الحاكم أو السلطة على التجار اللي عندهم مواد تموينية، كما حصل في غزة، فرج الله عنهم ونصرهم، الآن ما حصل عندهم من مجاعة شديدة مع وجود بعض التجار اللي عندهم بضائع في مخازنهم، هل يجوز هنا للدولة أو النظام الإسلامي جبرًا عن هؤلاء التجار التمسح بالبضائع وتوزيعها على الناس من أجل الحفاظ على الأرواح؟ بيجي بقول لك الشخص: يا شيخ هي ملكهم، نحن نعرف أنه ملكهم، لكن يُتحمل الضرر الخاص الواقع على هؤلاء، وتسحب البضائع منهم حفاظًا دفعًا للضرر العام المشروع بجوع.
لكن هذا طبعًا الضرر الخاص يمكن بطريقة ما أن نقلله من خلال أن الدولة تتكفل بالدفع إليهم في وقت، طبعًا الراحل لأنه الآن ما في شيء، لكن لما تكون فيها مثل هذه الحروب والأزمات تقول لهم: إن شاء الله بس تتحسن الأمور يُدفع لكم. طب لو فرضًا ما وجدت الدولة ما تدفع للتجار، هذا هو سؤالي، هل نقول ما فعلوه آثم أنهم سحبوا البضائع من مخازنهم ووزعوها على الناس جبرًا؟ لا، لأنه هذا يُتحمل الضرر الخاص مقابل دفع الضرر العام، وهذه قاعدة مهمة جدًا من قواعد السياسة الشرعية؛ لأنه بعض الناس هو يرى أنه يجب أن الدولة تفنى من أجله، وأن المشروع الإسلامي يقف على قدم واحدة من أجل روحه، وهذا غير صحيح، الواقع أن بعض الأفراد سيستحملون أضرارًا تقع عليهم ويكون لهم الفرج، اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، لا أملك لك سوى ذلك، صبرًا آل ياسر، ما أستطيع أن أفعل لك أكثر من ذلك، وإلا سيكون مذبحة على المشروع الإسلامي كامل ومهلكة ومقتلة، هذا النوع من التفكير الفقهي يحتاج أن يكون حاضرًا في ذهن كل من يتكلم ويتصدر للكلام في السياسة الشرعية. لا يجوز احتكار شيء من قوت الآدميين في وقت يضر احتكاره بالناس عند المذاهب الأربعة، فهذا فيه ضرر على التجار بمنعهم مما فيه مصلحة لهم، إلا أن فيه دفعًا للضرر العام عن المسلمين، منع الاحتكار طبعًا في خلاف بين المذاهب ما هو الاحتكار الممنوع، فمثلًا في مذهبنا الاحتكار الممنوع هو احتكار القوت، ممنوع عمومًا سواء في المسلمين في مخمصة ولا في، لأن القوت بطبيعته هو أصلًا حاجة حياتية؛ يعني زي الرز، الزيت، هي حاجة حياتية؛ فهذا لا يجوز احتكار القوت، لكن احتكار الأمور التي تعتبر ثانوية، مثل المشروبات الغازية والشوكولاتات والشيبس وما شابه ذلك، هذه في المذهب عندنا لا إشكال في احتكارها، باعتبار أن الناس لو لم تأكلها لن يقع ضرر عليه؛ أنه واحد يحتكر المشروبات الغازية.
القاعدة الثامنة: درء المفاسد أولى من جلب المصالح. هذه من أشهر أشهر القواعد المتداولة في أروقة المذاهب الفقهية، وذُكرت في كثير من كتب القواعد كالأشباه والنظائر لابن السبكي والأشباه والنظائر لابن نجيم وغيرها من كتب القواعد والفقه. أولًا ننظر في معناها: الدرء في اللغة ما هو؟ الدفع، قال سبحانه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: 8]، ولذلك لما كان بمعنى الدفع، عبرت بعض الكتب عن هذه القاعدة بـ "دفع المفاسد" بدل "درء المفاسد"، دفع المفاسد نفس المأدب، فالمقصود من هذه القاعدة ما هو؟ إذا تعارض دفع مفسدة مع جلب مصلحة، فالمقدم هو دفع المفسدة، لكن سيأتي معنا القاعدة هذه فيها نوع من النظر والإشكال، أو خلينا نقول الخلاف بين أهل العلم في تفاصيلها. أولًا دليل القاعدة ما هو؟ من رأى أن الأمر على إطلاقه وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح استدل بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، فحرمها الله من حيث غلبت المفسدة على ما فيها من المنفعة. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». يقول الحافظ ابن حجر: استدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشارع بالمنهيات هو فوق اعتنائه بالمأمورات، هي أصلًا نقطة الخلاف بين أهل العلم أن هناك تيارًا من أهل العلم.
يرى بعض أهل العلم أن اعتناء الشارع بالمنهيات أعلى من اعتنائه بالمأمورات، بينما يرى الطرف الآخر العكس، وهو ما يختاره ابن تيمية وابن القيم، ويستدل كل فريق باستقراءاته. وقد وجد كثير من أهل العلم باستقراءاتهم أن اعتناء الشارع بعدم وجود المعاصي والمنهيات أولى من اعتنائه بإحضار المأمورات. ويستدلون على ذلك بحديث النبي ﷺ: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، حيث أطلق الاجتناب ولم يقيده بالاستطاعة، بينما قيد الأمر فقال: «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». وهذا منقول أيضاً عن الإمام أحمد، ومن ثم سُمح في ترك بعض الواجبات بأدنى مشقة، كالقيام في الصلاة والفطر والطهارة، ولم يُسامح في الإقدام على المنهيات خصوصاً الكبائر.
وقد وضع الإمام القرافي قاعدة مفادها: إذا تعارض المحرم وغيره من الأحكام الأربعة، قُدّم المحرم لوجهين؛ الأول: أن المحرم لا يكون إلا لمفسدة، وعناية الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بتحصيل المصالح. والوجه الثاني: أن تقديم المحرم يفضي إلى موافقة الأصل، وهو الترك. وإذا كان يقصد بالترك أن هذا الكون ملك لله تعالى، وأن الإنسان لا يتصرف فيه إلا بإذن، فإن تقديم المحرم يعني أنني أترك وأمشي مع الأصل، وهو المنع.
ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة»، حيث وازن النبي ﷺ بين مصلحة إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ومفسدة إحداث فتنة في المجتمع المكي. يقول النووي في شرحه: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة، بُدئ بالأهم. فترك النبي ﷺ الكعبة على حالها لأن مفسدة إحداث فتنة لبعض من أسلم قريباً كانت أعظم. هذا الفعل يعطي مؤشراً لمنهج سلوكي، وجمالية الفقهاء والعلماء أنهم لا يقفون عند الصورة الجزئية، بل ينظرون إلى الكلي والعام.
إذا اجتمعت المصالح مع المفاسد، لا يخلوا الأمر من حالتين: الحالة الأولى أن يمكن الجمع بين دفع المفسدة وتحصيل المصلحة، فأنت ملزم بالجمع، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. ولو كان أهل مكة قديمي عهد بالإسلام، لكان النبي ﷺ قد أعاد بناء الكعبة؛ لأن المفسدة مدفوعة والمصلحة مرجوة، وهذا الذي سوّغ لابن الزبير إعادة بناء الكعبة بعد أن رسخ إسلام المسلمين. وكذلك فعل عمر رضي الله عنه في إعادة التراويح إلى المسجد النبوي؛ حيث عرف المفسدة التي من أجلها ترك النبي ﷺ إقامتها جماعة، وهي خشية أن تُفرض عليهم، فلما أُمنِت المفسدة بوفاته، أمكن الجمع بين المصلحة ودفع المفسدة. ودفع المفسدة قد يكون دفعت تلقائياً بمرور الزمن أو لرسوخ الناس في الإسلام.
الحالة الثانية أن يتعذر الجمع، وهذا لا يخلو من ثلاث صور: الصورة الأولى أن تكون المصلحة أعظم من المفسدة، فهنا يتعين جلب المصلحة ولو أدى إلى وقوع المفسدة. فمثلاً الصلاة مع اختلال شرط الطهارة أو ستر العورة، فتصلي وإن كانت عورتك مكشوفة لأن مصلحة الصلاة أعلى. ومنه الكذب عند المصلحة الأعظم، كالكذب على العدو أو في الإصلاح بين الناس. وكذلك النظر إلى العورات للمداواة أو للشهادة، والنظر إلى المخطوبة؛ فالمصلحة هنا أعلى من مفسدة النظرة الجزئية. والسيوطي يقول إن هذا نوع راجع إلى ارتكاب أخف المفسدتين، وهو كلام صحيح.
الصورة الثانية أن تكون المفسدة أعظم من المصلحة، فهنا يجب درء المفسدة ولا يُبالى بالمصلحة. الصورة الثالثة وهي التي وقع فيها النقاش، أن تتساوى المصلحة والمفسدة، وقد اختلفوا فيها على قولين؛ الأول يرى تقديم درء المفاسد على جلب المصالح، وهو مختار ابن السبكي ويفهم من كلام القرافي. والقول الثاني يرى أنه لا نقول بدرء المفاسد على الإطلاق، بل تدرس كل حالة على حدة؛ فتارة يقدم جلب المصلحة، وتارة يقدم درء المفسدة، وتارة يُتوقف، وهذا ما ذهب إليه العز بن عبد السلام، وقد يكون مذهب شيخ الإسلام أقرب إلى هؤلاء.
لإعمال قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، لابد من شرطين: الأول: أن يتعذر الجمع بين دفع المفسدة وجلب المصلحة. الثاني: أن تكون المفسدة أعظم من المصلحة، أو مساوية لها على أحد القولين. ومن أمثلة ذلك: النهي عن سب آلهة المشركين دفعاً لمفسدة سبهم لله عز وجل، وتحريم شرب الخمر، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم خشية فساد الصوم، ومشروعية الحجر على السفيه لفساد المال، وتأخير الغسل إذا خافت المرأة انكشاف عورتها أمام الرجال، ومنع التخليل للحية للمحرم دفعاً لمفسدة تساقط الشعر.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل