بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد من مجالس التعليق على المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية لشيخنا أيمن الحبشي حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية.
ما زلنا نعيش في أفياء القاعدة الكلية الكبرى الثالثة: المشقة تجلب التيسير. وفي المجلس الماضي تعرفنا على معناها وعلى أدلتها، وبدأنا بذكر القواعد التي تندرج تحتها، وصلنا إلى القاعدة الخامسة المندرج تحتها قاعدة: ما جاز لعذر بطل بزواله. ولا يخفى عليكم أن نص هذه القاعدة قريب من قاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق.
إذا اتسع يعني إذا عاد الأمر إلى وضعه الطبيعي ضاق، بمعنى رجعنا إلى التحريم؛ فهذا هو معنى ما جاز لعذر بطل بزواله. وهذا أحد المعاني لقاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق؛ فإذا ضاق عليك الأمر اتسعت عليك الشريعة في تسهيلها، وإذا اتسع الأمر -يعني عادت أمورك إلى الحالة الطبيعية- أعدنا الأمر إلى تضييقه وعدنا إلى الحالة الطبيعية للحكم. هذا شبيه بقاعدة: ما جاز لعذر بطل بزواله؛ فإذا ارتكبت المحظور بسبب عذر قام فيك، فإذا ذهب هذا العذر عاد المحظور إلى تحريمه ولا يجوز لك أن تقتحمه. فكرة هذه القاعدة ومعناها مقرر مشهور عند أهل العلم دون نكير.
والكلام عليها من جهتين: الجهة الأولى من جهة معناها، وهو قريب من قاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع الأمر ضاق؛ فكل محظور أبيح لعذر شرعي تزول إباحته بزوال العذر ويعود الحكم إلى أصله؛ لأن العذر علة للإباحة، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. طبعاً ننبه أن قاعدة إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، قلنا في الدرس الماضي إنها يمكن أن تُفهم بطريقتين؛ الشق الذي في "إذا اتسع ضاق" قلنا: إذا اتسع بمعنى إذا صار الأمر فيه اتساع ينبئ بتهاون يضيق على الناس، ويحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدث من الفجور، وهذا الذي مثلنا عليه. لكن حقيقة هناك معنى آخر تصدق عليه هذه الجملة "وإذا اتسع ضاق"، وهو إذا دمجناها مع القاعدة السابقة "إذا ضاق الأمر اتسع"، ثم إذا اتسع الأمر ضاق؛ فإذا اتسع على هذا المعنى الثاني الذي ذكرته لكم اليوم -يعني إذا عاد إلى صورته الطبيعية- فإننا سنضيق عليك ولا نسمح لك بارتكاب المحظور، فلذلك هو ذكرها وجعلها شبيهة بقاعدة: إذا اتسع الأمر ضاق.
الجهة الثانية: ذكر بعض فروعها الفقهية، مثل من تيمم لعدم الماء، بطل تيممه إذا وجد الماء. طبعاً عندنا في المذهب سواء قبل شروعه في الصلاة أو إذا وجد الماء في أثناء شروعه في الصلاة؛ ولكن شيخنا لأنه يتكلم بشكل أعم من مذهب الحنابلة قال: إن وجد الماء قبل الشروع في الصلاة عند عامة العلماء بطل تيممه، لماذا؟ لأنه زال العذر فبطل الحكم بزواله. واختلف إذا ما وجد الماء بعد دخوله في الصلاة، والمذهب عند أصحابنا الحنابلة أنه أيضاً يبطل التيمم وبالتالي تبطل الصلاة.
كذلك أبيح لبس الحرير للرجل لحكة، لما حصل مع عبد الرحمن بن عوف وبعض الصحابة في بعض الغزوات أنهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من الحكة التي أصابتهم في أبدانهم، فرخص لهم في لبس ثوب الحرير أو قميص الحرير، قال الصحابة: فرأيناه عليه. هنا النبي عليه الصلاة والسلام أجاز للرجال أن يلبسوا الحرير للمرض إذا كان الحرير يعالج؛ فإذا زالت الحكة وزال المرض الأصل أن يعود الحرير على أصله للرجل محرماً، فمتى زالت هذه الحكة عاد لبسه حراماً عليه. كذلك متى عجز المريض عن صلاة الفرض قائماً يباح له الجلوس، فإذا وجد من نفسه قدرة على القيام قال أصحابنا ولو في أثناء الصلاة: وجد من نفسه قدرة على القيام عليه أن ينتقل للقيام.
القاعدة السادسة: الميسور لا يسقط بالمعسور. هذه القاعدة ذكرها بهذا اللفظ أو بمعناها عدد من فقهاء الشافعية في كتب الفقه وقواعده، وقال ابن تيمية: العبادات المشروعة إيجاباً أو استحباباً إذا عجز عن بعض ما يجب فيها، لم يسقط عنه المقدور لأجل المعجوز عنه؛ أي عبادة إيجاب أو استحباب إذا عجزت عن بعضها وقدرت على بعضها، لا تسقط كل العبادة بسبب أنك عجزت عن البعض. هذا مفهوم غير صحيح للأسف عند كثير من الناس تحصل هذه الأخطاء، مثلاً تجد الإنسان خاصة كبار السن عاجز عن القيام في صلاة الفرض، فيجلس؛ لكنه يستطيع أن يركع عن قيام لأن طول الركوع قصير، فتجده -الله يكرمه- ما دام عفا عن نفسه من القيام يعفي نفسه من القيام والركوع فيركع وهو جالس، وهذا لا يجوز.
إذا كانت مشكلتك فقط طول القيام وأما الركوع فتقوى عليه أن تركع ركوعاً صحيحاً تاماً، لا يجوز لأنك جلست أثناء القيام تأخذ هذا الموضوع بالجملة وتقول: خلاص ما أنا جلست أثناء القيام سقط عني برضه الركوع فأركع وأنا جالس. هذا من الأخطاء الشائعة، أنه هي كالسبحة عند بعض الناس؛ إذا ذهبت خرزة منها فرطت المسبحة كلها، بحجة "خلاص ما أنا عجزت عن البعض أسقط الجميع"، هذا غير صحيح في المفهوم الشرعي؛ لأن القاعدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، في باب المأمورات أنت مأمور بماذا؟ بقدر ما تستطيع؛ فما عجزت عنه تتركه، لكن ما بقي في حد الاستطاعة سيبقى داخلاً تحت «وما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»؛ هذا مستطاع فيجب عليك أن تأتي به.
ذكرها أيضاً الحافظ ابن رجب عليه رحمة الله في القاعدة الثامنة من قواعده، وقد عظمها الإمام الجويني فقال: من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة، أن المقدور عليه لا يسقط بسقوط المعجوز عنه. هذا أصل لا يسقط لأنه ورد في الحديث النبوي نصاً. ومعناها وتقيد هذه القاعدة، أو تفيد هذه القاعدة أن المكلف إذا قدر على فعل بعض الواجب وعجز عن بعضه، فإنما خفف الشرع عنه ما عجز عنه لا ما قدر عليه؛ فليس المقدور على فعله ساقطاً عنه لأجل العجز عن بعضه. وعبر في القاعدة عن المقدور بلفظ "الميسور"؛ يعني المقدور هو نفس الميسور في القاعدة، وعبر عن المعجوز عنه بلفظ "المعسور"، وهو اسم مفعول من العسر.
لكن هذا قد يصح في بعض المسائل باتفاق بين الفقهاء، وبعضها محل بحث ونظر فيختلفون فيه؛ يعني هل هذه القاعدة مضطردة في كل صورها؟ أم بعض العبادات التي إذا سقط بعضها سقط كلها؟ ولذا نجد الإمام ابن رجب لما أورد هذه القاعدة ذكرها بصيغة الاستفهام، مشيراً إلى ما فيها من الاختلاف والتفصيل، فيقول ابن رجب في قواعده: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها، هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ والإتيان في القاعدة بصيغة الاستفهام يدل على أنه فيها نوع من النقاش، ثم ذكر أقساماً حقيقة أطال فيها النفس؛ هذه القاعدة أطال فيها النفس ابن رجب بالبحث وفصل تفصيلاً نفيساً تحسن مراجعته، ولم أرد ذكر تفصيله هنا اختصاراً على طلبة العلم. ولذلك أنا سأمشي معه؛ لأن تفاصيلها تدق ربما على المبتدئ في علم القواعد الفقهية.
الجهة الثانية في دليلها، استدل ابن السبكي على هذه القاعدة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم». قضية "ما استطعتم" تدل على أنه كل ما كان في حيز الاستطاعة فالأصل عدم سقوطه.
نأخذ بعض الأمثلة على هذه القاعدة: مثلاً إذا قطعت اليد من المرفق، هل يجب غسل رأس ما بقي منه؟ المشهور من المذهب عند الحنابلة نعم الوجوب، وبه قال المالكية والشافعية وحكي عنه الاتفاق؛ هذا إذا بقي شيء من العبادة، أما إذا لم يبق شيء بالكلية سقط التبع، كإمساك جزء من الليل في الصوم؛ فلا يلزم من أبيح له الفطر بالاتفاق، إذا العبادة سقطت بالكلية بطلت، أنت أصلاً مطالب بها، فهنا ما يتبع العبادة وما هو من توابعها يسقط معها، وهنا برضه في تطبيق لقاعدة: التابع تابع في هذه المسألة. ولا نقول مثلاً الميسور لا يسقط بالمعسور، فكأنه يقول لك: إذا كانت العبادة نفسها في مدتها الطبيعية هي نفسها تسقط، فما كان تبعاً لها -حتى ولو كان ضمن مساحة المقدور لك- أنت لست مطالباً به؛ لأنه هذا الذي أنت مطالب به من خارج العبادة إنما أنت مطالب به تبعاً لوجوب العبادة.
فخذ هذا المثال حتى تفهم: إمساك جزء من الليل في الصوم، الآن نحن نقول الإنسان سواء من الصباح أو من المساء ترى هي من الجهتين، حتى تبدأ الصيام من طلوع الفجر بالضبط، إذا أردت أن تبتدئ من طلوع الفجر تماماً فقالوا: لا بد أن يمسك آخر ثوانٍ من الليل حتى نتأكد ونتيقن أنك لما تطلع على الفجر كنت ممسكاً، وكذلك عند الغروب لما تغرب الشمس لا بد تسمح لليل أن يدخل دقيقة أو دقيقة ونصف أو دقيقتين حتى نتأكد من غروب الشمس. الآن إمساك جزء من الليل سواء من جهة الفجر أو من جهة الغروب، هل هو وجب أصالة ولا تبعاً؟ تقول: تبعاً؛ لأنه هو الصيام من طلوع الفجر الصادق إلى مغيب الشمس، وهذه الأمور أن أمسك جزءاً من الليل إنما وجبت لماذا؟ من أجل أن نصل إلى اليقين، فهي ليست واجبة لنفسها بل هي تبع لغيرها. فنقول: فإذا سقط وجوب الصيام عنك فوجوب هذه الأمور من باب أولى أن يسقط.
فإذا قال لك شخص: لا يا أخي هذه لا تسقط لأنه الميسور لا يسقط بالمعسور، بنقول: صحيح هذه ميسورة لي لكن هذه لم تجب وجوباً استقلالياً، وإنما وجبت تبعاً لغيرها؛ فإذا سقط الأصل سقط الفرع. وهذه أحد الصور التي فعلاً لا تطبق فيها قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، هنا سقط الميسور بسقوط المعسور، لكن ما سبب سقوطه؟ أنه ليس جزءاً من العبادة حقاً مقصوداً لذاته، فهذا الوقت الذي قبيل الفجر بثوانٍ وبعد الغروب بثوانٍ ليس مقصوداً بذاته وإنما وجب وجوب الوسائل، والوسائل تسقط بسقوط المقاصد.
كذلك من عجز عن تكبيرة الإحرام؛ نفس الشيء طبعاً في مثال مثلًا ممكن نقول قريب من مثال الصوم، مثال مثلًا غسل الوجه، إيش يقولون؟ إذا غسل الإنسان وجهه لا بد وأن يصل إلى أول الرأس قليلاً حتى يتأكد من أنه غسل وجهه، وأن ينزل إلى أسفل الذقن قليلاً حتى يتأكد أنه غسل ذقنه، فإذا سقط وجوب غسل الوجه تماماً لسبب من الأسباب -كأن كان مثلاً عليه جبيرة- فهنا المنطقة التي في بداية الرأس وفي أسفل الذقن خلاص لا داعي أن تغسلها؛ لأنه إذا الوجه نفسه سقط وجوب غسله، فما كان وجوبه تبعاً لغسل الرأس انتهى.
كذلك مثلاً في كشف العورات، المرأة والرجل عموماً ما بين السرة والركبة، مش يقولون ما بين السرة والركبة عورة؟ هذه هي العورة، لكن يستر أول قسم من الركبة ملاقي للفخذ، وأول جزء من السرة ملاقي للبطن حتى نتأكد من تمام ستر العورة من باب ما لا يتم الواجب إلا به. فإذا جاز للمرأة أن تكشف ما بين السرة والركبة لزوجها، فهل نقول لها: بس الله يعينك هذا الجزء من الركبة استريه وهذا الجزء من السرة أغلقيه؟ نقول لها: لا، ليه؟ ما هي أخي هذا وجب وجوب الوسائل، فإذا سقط كل ستر العورة ولها أن تكشف ما بين السرة والركبة لزوجها سقط التبع. نفس الشيء مثلاً ممكن نطبقها لو في الطب.
لو أنه في العملية اضطر الطبيب أن يكشف فرضًا ما بين السرة إلى الركبة، هكذا العملية. فهل نقول له بسم الله يا طبيب إذا كان يعمل عملية لرجل وتحتاج العملية أن يكشف ما بين السرة والركبة، بنقول بالله يا أخي هذا أول جزء من الركبة اكشف لنا إياه استره، وهذا الجزء من السرة، لأنه أنت بس بدك تكشف ما بين السرة والركبة، هذا المحتاجه؟ بقول ما هو إذا أنا كشفت ما بين السرة والركبة خلاص إذاً ما في داعي أستر أول جزء من الركبة وأول جزء من السرة؛ لأنه هذا إنما وجب وجوب الوسائل.
فإذا سقط كل ستر ما بين السرة والركبة من أجل العملية فأصبح نفس السرة بدايتها ونفس الركبة بدايتها سقط. لا تقول لي والله يا شيخ الميسور لا يسقط بالمعسور، هنا لا تطبق هذه القاعدة؛ هذا مثال على ما استثني من القاعدة.
من عجز عن تكبيرة الإحرام في الصلاة وقدر على تحريك لسانه، فيلزمه ذلك عند الشافعية لأنه ميسور له، فلا يسقط بالمعسور، خلافًا للحنفية والحنابلة. هنا تأتي قضية، وهو أنه إذا كان الميسور لا يحقق المقصد منه، أنت في هناك عبادة، هذه العبادة أنت عجزت عن بعضها وتيسر لك بعضها. الآن هنا البعض الذي نتكلم عنه الميسور ليس هو تبع للعبادة، خارج عنها تبع لها، لا هو جزء منها، لكن هذا الجزء الميسور ما عاد يحقق المقصد من العبادة. فهل نقول تفعله ولو كان لا يحقق المقصد من العبادة؟
مثال ذلك زي ما حكينا تكبيرة الإحرام والقراءة وما شابه ذلك، شخص عاجز عن الكلام، كان أخرس، هل نقول له يا أيها الكريم حرك لسانك بتكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة حتى ولو كان لا يصدر منك صوت؟ أم نقول لا فائدة من تحريك لسانه؟ لا فائدة من تحريك لسانه بالفاتحة وتكبيرة الإحرام إذا كان لا يصدر منه صوت. هنا لاحظ كيف اختلفت أنظار العلماء؛ الشافعية قالوا يحرك لسانه ولو كان التحريك شكليًا محافظة على أقصى درجة من الميسور، الحنفية والحنابلة ايش قالوا؟ قالوا هذه الدرجة من الميسور ما عاد لها قيمة؛ لأنه ما فائدة أن أحرك لساني بدون أن يصدر صوت؟ لا فائدة لها. فهنا رأوا أن هذا الجزء المتبقي ولو كان ميسورًا وهو تحريك اللسان، لكنه لا يحقق القصد.
وهذه صورة ثانية ممكن تحكي مما خرج عن الميسور، استثناء ثاني، أنه إذا كان الجزء المتبقي من الميسور لا يحقق القصد من العبادة فإنه يسقط عند طائفة من الفقهاء، بينما قد يرى البعض المحافظة عليه. فمثلاً أعطيك مسألة أخرى عند أصحابنا الحنابلة؛ مسألة الختان ومسألة حلق الشعر بالموس للأصلع في الحج، لأنهما متقابلتان. مسألة الختان، إذا قالوا خرج الشخص إلى الدنيا مختونًا، يعني ربنا خلقه بدون شيء على حشفته، فهل نمرر الموس على الحشفة شكليًا عشان نعمل ختان شكلي؟ يقولون لا، ليه؟ لأنه هنا إمرار الموس هو وسيلة فقط، وما دام المقصد وهو ذهاب القطعة حصل تلقائيًا بحمد الله إذًا لا تقول لي الميسور لا يسقط بالمعسور؛ لأنه لا داعي، هذا وجوب وسائل وسقطت الوسيلة لسقوط المقصد تمامًا، وما هذا مما لا ينبغي النزاع فيه.
لكن لما ذهبوا إلى باب الحج ونظروا إلى الأصلع، طيب الأصلع كيف يا شيخ بده يتحلل بحلق شعره؟ ما هو أصلع تمامًا، ما في ولا شعرة على رأسه، هذا كيف يتحلل؟ هنا قالوا إذا كان أصلع تمامًا ما في أي شعرة سقط عنه الوجوب، لكن قالوا لا يسقط عنه الاستحباب، قالوا فيمرر الموس على رأسه وإن كان هو لم يحلق شيء، للمحافظة على ماذا؟ على شكل العبادة، على رسميتها، أنك تحللت ولو شكليًا. هنا نلاحظ إنه الميسور لم يسقط كليًا بالمعسور، بقي جزء منه ولو على درجة الاستحباب محافظة على شكلية العبادة؛ الميسور هنا وهو إمرار الموس لم يسقط بالمعسور، المعسور هو عدم وجود الشعر، ما فيش شيء تحلقه أصلًا، لم يسقط سقوطًا كليًا، وبقي المحافظة على استحبابه.
طبعًا هنا ستقول لي إذًا ما الفرق بين باب الختان وباب الحج؟ نقول الحلق في الحج هو شعيرة من الشعائر مرادة، بخلاف الختان، الختان إنما هو تنزه من باب التروك على طريقتهم؛ فلما كان الختان من باب التروك، فإذا خلص ولم يوجد قطعة، حصل الأمر المقصود وزيادة، أما حلق الشعر في باب الحج، هذا مقصود كعبادة لذاتها، فإذا سقط لعدم إمكانية الحلق، نحافظ على الأقل على ما تبقى من الميسور وهو إمرار الموس. إذًا تلاحظ فيه تفاوت صحيح في قضية أنه هل الميسور يسقط بالمعسور أو لا؟ فيها فرق، فإذًا من الفروق المؤثرة، إذا كان الميسور لا يحقق المقصود، فهل يسقط ولا لا؟ هنا في مسألة القراءة رأى الحنابلة أنه يسقط، الشافعية قالوا لا يسقط، كأنهم اعتبروها مثل مسألة الحج؛ أنه القراءة مقصودة فنحافظ عليها ولو شكليًا، تمام؟ نحافظ عليها ولو شكليًا. الحنابلة ربما مالوا إلى ترجيح ذلك في الحج، لكن في القراءة لم يميلوا، ورأوا أن الأمر أبعد من ذلك.
العاجز عن القراءة في الصلاة يلزمه القيام مع قدرته عليه، لأنه وإن كان المقصود الأعظم من القيام القراءة، فيه أن تقرأ الفاتحة، لكنه أيضاً نفس القيام مقصود في ذاته، وهو عبادة منفردة، هذا مذهب الشافعية والحنابلة. إذا كان شخص عاجز عن القراءة في الصلاة، هل نقول والله يسقط عنه القيام في صلاة الفرض؟ لا، وإن قلنا أن القيام تبع للقراءة والمقصود الأعظم من القيام هو أن تقرأ وأنت قائم. لماذا؟ لأنه حتى ولو كان القيام المقصود الأعظم من أن تقرأ وأنت قائم، لكن يبقى أيضاً هو في ذاته عبادة مستقلة مطلوبة على وجه الانفراد، فهو ليس وسيلة بحتة، وهو وإن كان وسيلة أو فيه معنى التبعية، لكن أيضاً فيه نوع من الطلبية لذاته، فهو ليس وسيلة بحتة، بل فيه جانب من القصد له، وعليه إذا سقطت إمكانية القراءة لا يسقط القيام معه، وهذا ملحظ إذاً من الملاحظ الذي نعتبرها، أن الشيء ولو كان تبعاً للشيء لكنه لاحظنا فيه أيضاً أنه مقصود لذاته من بعض الجهات ففي هذه الحالة لا يعامل معاملة الوسيلة المحضة.
من عجز عن بعض الفاتحة لزمه الإتيان بالباقي عند الشافعية والحنابلة؛ إذا كنت تستطيع أن تقرأ جزء من الفاتحة وتعجز عن الباقي، هل نقول والله العجز عن بعض الفاتحة يسقطها بكليتها ولا نقبل منك قراءة البعض القادر عليه؟ قالوا يقرأ البعض الذي يستطيع أن يقرأه؛ يقرأه. إذا وجد بعض الصاع في زكاة الفطر؛ شخص وجب جاء وقت زكاة الفطر ولا يملك إلا نصف صاع، هل نقول خلاص لا تخرجوا ليه لأن الواجب عليك صاع وأنت لا تملك إلا نصف صاع، ولا نقول أخرج النصف صاع فالميسور لا يسقط بالمعسور؟ ماذا قال أصحابنا إذا وجد بعض الصاع في زكاة الفطر لزمه إخراجه في المنصوص عن الإمام الشافعي وظاهر المذهب عند المالكية والمذهب عند الحنابلة لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
من أراد حلق شعره في النسك ولم يكن ثمة شعر فلا يلزمه إمرار الموسى على رأسه، لا يلزمه، لكن هل يستحب؟ هذه قضية أخرى، عندنا يستحب. طبعًا لماذا لا يلزمه مع إنه إمرار الموس هذا ميسور؟ نقول هنا لا نطبق قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور تمامًا، ليه؟ لأنه هذا الميسور إنما وجب وجوب الوسائل، هذا القسم الميسور إنما وجب وجوب الوسائل، وبالتالي إذا سقط المقصد الأصل أن هذا الميسور يسقط، لأنه وجب وجوب الوسائل، لكن لما كانت هذه العبادة مطلوبة كشعيرة اللي هي حلق الرأس أبقينا على جزء من الميسور على سبيل الاستحباب؛ يعني قلنا حافظ على الميسور لكن استحبابًا، ما جبت الميسور نحن لن نكلفك، لو جبت الميسور نحن لن نكلفك، لو لم تأتِ بالميسور لن نقول إنك آثم أو لم تفعل لأنه هو وجوب وسائل وسقط بسقوط الأصل. فمن هذه الجهة أنه ليس لازمًا نعم الميسور سقط، ولم نقل الميسور لا يسقط بالمعسور، لكن من جهة بقاء الاستحباب فهذا من باب المحافظة على شكلية العبادة.
من فاته الحج فلم يدرك الوقوف بعرفة، هذا هو الفوات، فاتك إجى يوم الوقوف بعرفة وأنت لساتك في الطريق فما لحقت، فلا يلزمه رمي الجمار ولا المبيت بمنى لأن ذلك كله من توابع الوقوف بعرفة؛ من فاته الحج نقول خلص روح تحلل بعمرة، وبعدين بنشوف إذا كنت اشترطت، تمام؟ وإذا ما كنت اشترطت الله بينك السنة الجاية بتيجي بتذبح لنا.
المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع جبهته على الأرض وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، ما المذهب عند أصحابنا الحنابلة؟ من كان عاجزاً عن وضع جبهته على الأرض في السجود لكنه قادر أن يضع كفيه وركبتيه، قالوا إذا عجز عن الجبهة سقط الوجوب عن كل الأعضاء، اعتبروا أن وجوب الأعضاء الأخرى هو تبع للجبهة، فإذا سقطت الجبهة سقطت الأعضاء، ولم يقولوا هنا الميسور لا يسقط بالمعسور، وما طبقنا قاعدة، ولو بدنا نطبق القاعدة كنا نقول لا تسقط السجود ببقية الأعضاء، أنت عجزت عن الجبهة اسجد بالباقي. لكن هم لم يطبقوا ذلك، لماذا؟ قال لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعاً للسجود على الوجه وتكميلاً له، تمام؟
إذًا عليك أن تلاحظ أنه في هناك أمور في العبادات هي ليست منها وإنما هي من لواحقها، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذه لا نطبق عليها قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، زي مسألة أول الليل وآخر الليل. الحالة الثانية في أشياء هي ليست خارج العبادة، هي من العبادة لكن وجوبها تبع، زي مسألة أعضاء السجود تبع للجبهة، زي مسألة تحريك اللسان هو تبع للقراءة؛ فهنا نلاحظ أن ما كان من العبادة ولكنه تبع لها، ستجد أن العلماء يتفاوتون، فمنهم من يلاحظ فيه التبعية فقط فيسقطه إذا عجز عن الأصل، ومنهم من يلاحظ فيه أنه جزء من العبادة حتى ولو كان تبع فيحافظ عليه، ومنهم من يحافظ عليه وجوبًا، ومنهم من يحافظ عليه استحبابًا وليس لزومًا.
من قدر على صوم بعض يوم وعجز عن إتمامه، هل يلزمه أن يتمه؟ يعني واحد الطبيب قال له أنت بتقدر تصوم نصف النهار، هل نقول له خلص يا أخي صوم نصف النهار؟ قال لا يلزمه الصيام، لماذا؟ طبيعة هذه العبادة أن بعضها مبني على بعض، وهذه الحالة الضابط الثالث لما لا يطبق فيه قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور؛ أن العبادات التي طبيعتها أن بعضها متصل ببعض، مرتبط ببعض، لا يقبل الانفكاك، إذا سقط جزء وعجزت عنه سقط جميعها. من أمثلة ذلك الصيام؛ فإذا كنت لا تستطيع إلا أن تصوم إلى الظهر، خلص لا يلزمك الصيام لأنه طبيعة الصيام عبادة مرتبط بعضها ببعض، فإذا كنت عاجزًا عن البعض، سرى هذا العجز إلى الجميع.
لاحظت الأمور التي تجعل قاعدة الميسور لا تسقط المعسور لا تطبق: ما كان خارجًا عن العبادة، وإنما هو من باب ما لا يتم الواجب إلا به وهو واجب؛ إذا ما كان من العبادة لكنه وجوب وجوبه في العبادة وجوب تبعي وليس استقلالي؛ ثالثًا ما كان من العبادة ووجوبه وجوب أصلي، لكنه مرتبط بغيره ارتباطًا وثيقًا، بحيث أن هذه العبادة مرتبطة ببعضها البعض، إذا سقط جزء منها سرى العجز إلى جميعها، هذا كالزمان في الصيام، فإن الأصل أن الزمان مرتبط ببعضه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا كنت عاجزًا عن بعض الزمان فأنت كالعاجز عن الجميع. طبعًا هذه القاعدة قد ينظر في مسألة وجوب الإمساك لحرمة الشهر، هذه قضية أخرى بس هي ما اسمهاش صيام، لما يقول لك من قدم وهو مسافر فوصل إلى البلد قبل غروب الشمس لزمه الإمساك إلى الغروب، أو إذا كانت المرأة حائض فطهرت لزمها الإمساك، نقول هنا الإمساك عبادة أخرى، هو اسمه إمساك مش اسمه صيام، فهذا ما يشكل عليك لأنه هذا إمساك لحرمة الشهر وليس صيامًا، أما الصيام نفسه لا يصح.
القاعدة السابعة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة، هذه القاعدة السابعة والأخيرة وهي من أخطرها، عامة كانت هذه الحاجة أو خاصة؛ الآن إحنا القواعد السابقة كانت تقول الضرورات تبيح المحظورات، كانت تقول الضرورة تقدر بقدرها، وقلنا يا جماعة لا بد أن نفرق بين مفهوم الضرورة وهو الشيء الذي إذا لم يحصل هلك الإنسان أو تلف كليًا أو جزئيًا.
كانت حياته على غير انتظام أبدًا، ولو لم يصل إلى الهلاك. وأما الحاجيات فأمرها أهون، وهي الأمور التي إذا لم تلبَّ للإنسان مشت حياته على صورة من الجهد والمشقة. يعني الحياة ماشية، فيها انتظام لكن على شيء من المشقة والجهد.
قال أول من ذكر هذه القاعدة بهذا اللفظ فيما وقفت عليه الإمام السيوطي ثم تبعه ابن نجيم وغيره كثيرون. وأول من ذكرها بلفظ أخص فيما وقفت عليه إمام الحرمين الجويني عليه رحمة الله. وهنا بحث للأستاذ أحمد الرشيد «الحاجة وأثرها في الأحكام»، بحث له في قضية الحاجة وكيف تؤثر على الأحكام يمكن أن تراجع أكثر وأكثر؛ لأن هذه القواعد الفقهية كثير من العلماء أفردها، والقواعد الكبرى كثير من العلماء المعاصرين أفردوا هذه القواعد بالبحث.
كانت تؤخذ بعضها كرسائل ماجستير أو دكتوراه، يعني يأتي شخص باحث يبحث مسألة قاعدة المشقة تجلب التيسير، يذكرها ويذكر فروعها، أو يأتي شخص يبحث قاعدة الأمور بمقاصدها. فتجد هذه الكتب إذا كان بحثًا قيمًا حقيقة ومفيدًا وثمينًا، سيوفر عليك مساحة كبيرة من النظر في المذاهب الفقهية؛ لأنه استوعب هذه المسألة ضمن المذاهب الفقهية وقتلها بحثًا. ولذلك القواعد الفقهية المفردة بالكتب أنا أنصح فيها لمن يريد أن يتعمق أكثر وأكثر في القاعدة بشرط أن يكون الباحث أتقن. ولذلك عادة انظر في الرسائل الجامعية التي أوصي بطباعتها وطبعت، فهذه في العادة تكون مفيدة، لذلك تم الإيصاء بطباعتها. أما مجرد بحث جامعي لم يوصَ بطباعته، فبدك تكون على حذر من قيمته أو قيمة المعلومات المكتوبة فيه. المهم.
أول من ذكرها بلفظ أخص إمام الحرمين الجويني، حيث يقول -ولِمَ لفظه أخص؟-: «الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الأشخاص». وهذه القاعدة إحدى القواعد المفصلية في باب السياسة الشرعية، وكيف يتعامل في أزمنة الاستضعاف، ونحتاج اليوم كثيرًا في واقعنا المعاصر.
ما معنى تنزل منزلة الضرورة الخاصة؟ نحن قلنا الضرورات التي تنزل بخواص المكلفين، أي ضرورة تنزل بك أنت في حياتك تبيح لك المحظورات، صحيح؟ والحاجة العامة للمجتمع ليست ضرورة، لكن من حيث إنها تبيح المحظورات للحاكم أو لولي الأمر أو للمسؤول، تنزل منزلة الضرورة في أن يستطيع ولي الأمر أن يرتكب محظورًا دفعًا للحاجة العامة. كما أن الفرد يستطيع أن يرتكب محظورًا دفعًا للضرر الخاص، يستطيع الحاكم أو ولي الأمر أو السلطان أو الأمير أو القاضي أن يرتكب محظورًا دفعًا للحاجة العامة المجتمعية. حتى ولو لم تكن ضرورة عامة، يكفي أن تكون حاجة عامة؛ هذه قاعدة مهمة جدًا.
وتبعه على هذا اللفظ الغزالي والزركشي، وعبر العز بن عبد السلام عنها بقوله: المصلحة العامة كالضرورة الخاصة. ما وجه التشبيه؟ من جهة جواز ارتكاب المحظور، هذا الذي يهمنا هنا. لذلك كثير من المخالفات التي قد يفعلها ولي الأمر الصالح قد يكون له فيها مندوحة، من جهة أن الذي دفعه إليها الحاجة العامة المجتمعية؛ لأنه يعلم أنه إذا لم يقع في هذه المخالفة ستكون هناك جهد ومشقة على عامة الناس والمجتمع. فالشريعة تعطي هذه المساحة، فلا تستعجل بالإنكار، لأن كثيرًا من الجهلة أو ممن ابتلوا بالغلو يسارع بالإنكار على ولي الأمر الصالح إذا رآه يرتكب بعض المحظورات، ويقول: يا أخي هذا منكر، وكيف ارتكبته؟ وعلى أي حق؟ وخالفت شريعة رب العالمين! ولا يعرف أن الشريعة أعطته هذه المساحة إذا كان يقدر أن هناك حاجة عامة. هي التي تبيح له ارتكاب هذا المحظور، ولولا هذه الحاجة العامة لما ارتكب ولي الأمر الصالح هذا المحظور. إذا كان هذا هو سياق المشهدية، فلا يصير أصلًا الإنكار على ولي الأمر الصالح، فضلًا عما يفعله بعض الغلاة من التكفير.
الكلام عن هذه القاعدة من جهات؛ سبق أن بينا معنى الضرورة والحاجة فيما سبق، وعرفنا أن الضرورة ما به يكون تلف الحياة أو ما هو في حكم التلف، وأما الحاجة ما تسير به الحياة على مشقة. وظاهر هذه القاعدة بلفظها الأول -وحقيقة المشكلة في هذه القاعدة في اللفظ الأول- أن تجعل الحاجة الخاصة كالضرورة الخاصة، وهنا أصلًا كثير ممن يخالف ويجيز من المعاملات في الدول الغربية وأخذ القروض يعتمد على هذه القاعدة، ويقول السيوطي ذكر أن الحاجة الخاصة كذلك كالضرورة الخاصة، فإذا كانت الضرورة الخاصة توقع في المحظور... أنا لا أقول لكم إن امتلاك بيت في الغرب ضرورة، بل أقول هو حاجة، ولكن السيوطي وابن نجيم ذكرا أنها تعامل معاملة الضرورة الخاصة؛ بالتالي يبيح له ارتكاب المحظورات. شوف الخطورة في توظيف القاعدة.
وظاهر هذه القاعدة باللفظ الذي ذكره السيوطي أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة مطلقًا، سواء كانت الحاجة عامة أو خاصة. ولكن هذا محل نظر وإشكال، وذلك أنه قد تقرر في شرح القواعد: «الضرورات تبيح المحظورات»، أن الضرورة هي التي تبيح المحظور، بخلاف الحاجة فإنها لا تبيحه. وقد قال الإمام الشافعي: «ليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات من خوف تلف نفس، فأما غير ذلك فلا أعلمه يحل لحاجة، والحاجة فيه وغير الحاجة سواء».
الإمام الشافعي كلامه مفخم، حقيقة كتاب الأم -بعد ابن دقيق العيد إن شاء الله- تحفة فنية، بغض النظر أنت تتبنى مذهبه أم لا، لكن الكتاب يزيد العقل. هناك أناس إذا قرأت لهم يزيد عقلك، وأناس إذا قرأت لهم ينقص عقلك؛ هكذا الحقيقة في الحياة، فإذا بقيت تقرأ في مستوى ذهني ضعيف يبقى عقلك ضعيفًا. لكن هناك أئمة كبار القراءة لهم تزيد العقل والفهم، ومن هؤلاء الإمام الشافعي عليه رحمة الله؛ لذلك دائمًا أقول حتى الحنبلي وحتى المالكي اقرأ للشافعي كثيرًا، اقرأ الرسالة، اقرأ مختلف الحديث، اقرأ الأم. ستجد أن الرجل من العبقريات القليلة النادرة التي مرت عبر التاريخ في قدرته على ترتيب أفكاره. أنت يهمك الطريقة، كيف يفكر الرجل، كيف يحلل، كيف يفهم النص؛ لأن طريقته في فهم النص والانتقال به من خاص إلى عام، من مفهوم إلى منطوق، هذه الحركة التي يفعلها والاستقراءات العامة هي التي تفهمك منهج العمل والآليات، بغض النظر وصلت إلى نفس النتيجة ولا لا.
المهم، قال: فصار ظاهر هذه القاعدة باختصار مناقضًا لما سبق تقريره؛ الشافعي يقول: الحاجة وغير الحاجة سواء ولا تنزل منزلة الضرورة، وهذه القاعدة عند السيوطي -والسيوطي شافعي- يقول: تنزل منزلة الضرورة الخاصة. بل لو قبل بهذا الظاهر حقيقة، لأدى ذلك إلى استباحة كثير من المحرمات بدعوى الحاجة، فإن الناس في العادة إنما يستبيحون المحظورات بالحوائج. والله محتاج شقة، محتاج سيارة، محتاج كذا؛ هكذا هم الناس يستبيحون المحظورات بالحوائج، ونقول لهم: اتق الله، ليس كل ما احتجت... والله محتاج وظيفة حلق لحيته، احتاج كذا جلب شيئًا حرامًا، احتاج وأخذ قرضًا ربويًا. لو مشيت على هذا الإطلاق ستكون مشكلة، ولذا انتقد كلام كثير ممن تكلم عن هذه القاعدة من المتأخرين.
ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأجوبة. الجواب الأول: أن يقال الصواب هو قصر ذلك على الحاجة العامة، وإن لفظ السيوطي غير دقيق. هذا أحد الخيارات، فنقول للسيوطي: من أين أتيت بهذا؟ هل هناك من يدعمك من كلام الأوائل؟ فنقول: القاعدة هذه بهذا الإطلاق عند السيوطي فيها إشكال وهي مرجوحة، والأصل أن نعتمد ما ذكره المتقدمون كالجويني والغزالي والزركشي وغيرهم ممن نطق بهذه القاعدة كالعز، فهي التي تلحق بالضرورة الحاجة العامة دون الخاصة، هذه طريقة وهذا خيار قوي.
ثانيًا: أن يقال الحاجة إنما تبيح ما حرم سدًا للذريعة فحسب، وأما ما حرم لذاته فلا يباح إلا للضرورة. وهذا اختاره طائفة من أهل العلم، أن نقول: الحاجة قادرة أن تبيح المحظور بس متى؟ إذا كان المحظور محرم تحريم وسائل، أما إذا كان المحظور محرم تحريم مقاصد لذاته، فهذا الحاجة لا تبيحه. وقد أكثر الإمامان ابن تيمية وابن القيم من تقرير هذا المعنى. ومن ذلك قول الإمام ابن القيم أن تحريم الحرير مثلًا إنما كان تحريم وسائل سدًا للذريعة، ولهذا أبيح الحرير للنساء وأبيح للحاجة. يعني أنت إذا أردت أن تفهم: هل الحلة التي كانت مع الصحابة في السفر كانت ضرورة ولا حاجة؟ وجهة نظر ابن القيم أنها كانت حاجة، ومع ذلك أبيح من أجلها المحظور. فنأخذ من هذا الفكر -شوف كيف العلماء يستنبطون الفكرة كيف يبنونها- أن المحظور يمكن اختراقه للحوائج إذا كان المحظور تحريمه تحريم وسائل.
قال: «ولهذا أبيح للنساء وللحاجة وللمصلحة الراجحة»، وهذه قاعدة «ما حرم لسد الذرائع فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة». طبعًا هنا تحتاج إلى دربة حتى تعرف ما حرم تحريم وسائل؛ فالزنا تحريم مقاصد، القتل تحريم مقاصد، الخمر تحريم مقاصد، الربا تحريم مقاصد؛ الربا ليس فقط تحريم وسائل، بل هو عقد محرم لذاته قليله وكثيره، فهو محرم لأنه دمار للمجتمعات وليس فقط لجوانب كمالية أو ثانوية.
قال كما حرم مثلًا النظر -شوف مثلًا هذه الفكرة الجميلة-: هل يجوز أن تنظر إلى الأجنبية؟ حرام، طب لما أروح أخطب يجوز لي أن أنظر إليها؟ ما الذي أباح لك أن تنظر إليها مع أنه قبل يومين كان محرمًا النظر إليها وهي نفس الفتاة؟ قبل يومين كان النظر إليها حرام، الآن وأنت جالس معها لتخطبها أصبحت النظرة حلال، ما الذي أباح المحظور؟ باختصار الضرورة ولا الحاجة؟ أظن ما أحد يقول إن النظر من أجل الخطبة ضرورة تتلف الحياة بدونها، وإنما هي في مرتبة الحوائج، عندك إذا تزوجتها دون أن تراها ستكون الحياة على شق الأنفس؛ يا أخي طلعت ليست كما تريد!
وكما حرم النظر سدًا للذريعة وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة في أوقات النهي سدًا للذريعة للمشابهة لعباد الشمس وأبيحت للمصلحة الراجحة. تمام، لكن طبعًا قضية المصلحة الراجحة هذا على رأي ابن تيمية وابن القيم أنهم يرون أن الصلوات ذوات الأسباب تجوز في أوقات النهي. أما عند الحنابلة في المعتمد فصلوات ذوات الأسباب لا تجوز في أوقات النهي، فليس عندهم مصلحة راجحة. طبعًا أما قضية قول الجنازة وبعض صور النفل الخفيف التي أبيحت في وقت النهي زي تحية المسجد؛ يعني ممكن نقول هذا ممكن تدخل فيها، كان عموم كلام ابن تيمية ممكن تدخل فيها تحية المسجد في حال الخطبة إذا كانت في وقت النهي، مش قلنا أي نفل، ومع ذلك قلنا ببقائها في وقت النهي، فهذا قد يرى أنه من قبيل المصلحة الراجحة. يعني حتى على قواعد الحنابلة، بس حتى تفهم أن كلام ابن تيمية وابن القيم يرون أن عموم النفل إذا كان من ذوات الأسباب للمصلحة الراجحة يجوز في وقت النهي.
الحل الثالث: ما ذهب إليه الشيخ مصطفى بن الشيخ أحمد الزرقا، وهو أيضًا فقيه كوالده، حيث فسر الحاجة العامة والخاصة تفسيرًا مختلفًا عما يتبادر إلى الأذهان؛ فيقول: المراد بالحاجة العامة أن يكون الاحتياج شاملًا لجميع الأمة، والمراد بكونها خاصة أن يكون الاحتياج لطائفة من الأمة كأهل بلد معين أو حرفة، نظير ما تقدم في معنى العرف العام والعرف الخاص. وهو دائمًا لما يقول في باب القواعد هذا سيأتي معنا: العرف العام والعرف الخاص، ما المراد بالعُرف الخاص؟ عرف أهل صنعة معينة، مش العرف الخاص عرف واحد؛ الواحد لحاله ما عرف، العرف الخاص هو عرف طائفة معينة، وليس المراد بخصوصها كونها فردية لواحد؛ وذلك لأن لكل فرد حاجات متجددة ومختلفة عن غيره، لا يمكن أن يكون لكل فرد تشريع خاص به؛ يعني ما يزبط كل واحد بدنا نتعامل مع حاجاته بصورة خاصة به وبناء عليها؛ لا، لازم يكون في هناك تشريع عام بالنسبة للاحتياجات.
محاولة جيدة، لكن يشكل عليه فكرة: ماذا؟ أن لبس الحرير إنما يجوز للحاجة للمرض، وهذا المرض حاجة خاصة. هذا الشخص هو المريض، وهذا الشخص هو الذي بالتالي أبيح له لبس الحرير، مش أهل القرية كانوا مريضين فلبسناهم الحرير.
قال: وهذه حاجة فردية، بالتالي يبقى جواب الشيخ مصطفى أيضاً عليه نوع من الانتقاد، ولهذا كان الجوابان الأولان أولى، والجواب الثاني قد يكون مقنعاً أكثر؛ من جهة أنه استطاع أن يأتي بأمثلة على أمور محرمة لكنها أبيحت للحاجة، وجعل الضابط هو أنها محرمة تحريم وسائل. هل يمكن أن نقول مثلاً إن الضرورات تبيح المحظورات هذه على إطلاقها، وأما الحاجات فأقول الحاجة العامة أيضاً تنزل منزلة الضرورة الخاصة، ما عندنا مشكلة، لكن تبقى الحاجة الخاصة متى يمكن أن تبيح المحظور؟
نقتصر فيها على مورد النص، يعني نقول ما ورد في النص أن حاجة تبيحه، أن المحظور هذا تبيحه الحاجة، نجعل هذا المحظور بطبيعته خلاص الشريعة أومأت لي أن الحاجة تبيحه، يعني زي الجمع في الصلاة، الآن إخراج الصلاة عن وقتها من أجل الجمع محظور، بل قال العلماء كبيرة من الكبائر أن تجمع بدون سبب، حرام، فأن أقدم الظهر إلى العصر أو أؤخر الظهر إلى العصر أو أقدم العصر إلى الظهر، فأصليهما معاً ما حكمه؟ حرام، لكن إذا وجدت الحاجة إيش يقول الحنابلة؟ ويباح الجمع للحاجة، جعلوا الحاجة هي التي تبيح الجمع مع أن الجمع في أصله حرام، ما الذي أباحه؟ هم ينصون مش الضرورة، الحاجة، لذلك كثير من الأمثلة التي يمثلون بها هي حاجيات.
طب هنا ما الذي جعلهم يقولون ذلك؟ أقول لما ورد النص بإمكانية الجمع للحاجة في المطر وفي السفر، دل هذا على أن جنس الحاجة مقبول في هذا النوع، وهو الجمع، فتستطيع أن تقيس عليه غيره، لكن إذا جاءت مسألة من المحظورات الأخرى لم يشهد لها الشرع أن جنس الحاجة مقبول فيها، لم يأتِ استثناء فيها من الشريعة في حاجة من الحوائج، هسا الضرورات كما قلنا الضرورات كلها تبيح المحظورات، والحاجة العامة كلها تنزل منزلة الضرورة الخاصة، لكن أتكلم عن الحاجة الخاصة فقط.
فمسألة الحرير مثلاً خلاص الحرير لبسه حرام، فإذا جاء في الشريعة أن الحاجة صورة من صور الحاجة تبيح لبس الحرير، فيصبح كل ما هو في معنى هذه الحاجة يجوز لبس الحرير، ممتاز؟ هذه طريقة من طرق التفكير أن نقول أنه ما ورد في النص اعتبار الحاجة في من المحظورات خلاص نقتصر يعني نقبل فيه الحاجة المنصوص عليها وما في معناها حتى لا نجمد، وأما ما لم يرد في الشريعة فيه أن الحاجة تبيح من المحظور الأصل أن نبقى فيه على عدم جواز اعتبار الحوائج فيه، اللي فعله ابن القيم ما هو؟ أنه هو لم يقف على هذا المقدار، هو وسع شوي، كأنه عمل استقراء أوسع، فقال: لا، أنا ليش أقول فقط على ما ورد فيه الشريعة؟ لا أنا خليني أتتبع المواطن اللي الشريعة أباحت فيها المحظور للحاجة وأفهم وأستخلص منها قاعدة أوسع.
فكانت القاعدة عنده وعند شيخ الإسلام أنه وجدوا بالاستقراء أن المحرمات التي أباحتها الشريعة عند الحاجة كلها من قبيل الوسائل، وأن ما لم يأتِ فيه استثناء للحاجة كله من قبيل المقاصد، فوصلوا إلى قناعتهم أنه المحرم تحريم وسائل يجوز فعله للحاجة مطلقاً، وأن المحرم تحريم مقاصد لا يجوز استثناؤه للحاجة الخاصة مطلقاً، فأنت إما تختار طريقة ابن تيمية وابن القيم، أو على الأقل إذا تختار الطريقة الأخرى وهو أنني أقتصر على مورد النص، يعني خلاص أقول الحرام الذي الشريعة اعتبرت فيه الحوائج أعتبر فيه الحوائج أنها تبيحه، طبعاً سواء الحاجة المنصوصة أو ما في معناها، وما لم تأتِ فيه الشريعة باعتبار الحاجة أن الحاجة غيره، خلص الضرورة تبيح المحظورات بدون النظر شو طبيعة الموضوع، لكن أنا أتكلم عن الحاجة، الحاجة أمرها أضيق لازم ما أعطيها الانفتاح، فأقف فقط عند موارد النص، دون التوسع أكثر من ذلك، هذه طريقة أخرى في التفكير.
وعلى كل حال فإنك إذا لاحظت الأجوبة الثلاثة، تجد أنه لا بد عموماً أن الكل متفق أنه لا بد من تقييد القاعدة، ما بيصير تبقى على قاعدة السيوطي على الإطلاق وإلا فساد عريض، وأن حملها على ظاهرها بإطلاق أي من اعتبار الحاجة في منزلة الضرورة في تحليل المحرم مطلقاً لا يصح القول به، بل لا أظن أن السيوطي أصلاً يقول بذلك، ولا أظن أن ابن نجيم أصلاً يقول بذلك.
الجهة الثانية، الفرق بين ما تبيحه الضرورة وبين ما تبيحه الحاجة، بسم الله، من الفوارق بين قاعدة الضرورة تبيح المحظورات والحاجات تبيح المحظورات، خلينا بشكل عام طبعاً أن نفرق بينهما من عدة جهات، أولاً: أن ما تبيحه الحاجة إباحة دائمة، وما تبيحه الضرورة إباحة مؤقتة، انظر هذه الفكرة، لو سألتك عقد السلم لماذا أباحته الشريعة؟ للحاجة، مع أنه على معدوم والعقد على معدوم محرم، ومع ذلك أباحته الشريعة للحاجة، بل كثير من العقود أباحتها الشريعة مع أنها على خلاف الأصل تكون عقوداً على معدومات، أباحتها الشريعة لماذا؟ للحاجة، بل حتى القرض، ما هو القرض؟ أليس هو مال مقابل مال ولكن بنسيئة فصورته ربا، يعني أنت لما بدك تيجي على القرض أنا أعطيك 200 دينار بدك تعطيني بدلها بعد شهر، صورته ربا نسيئة، لكن لماذا أباحته الشريعة؟ إرفاقاً بالناس للحاجة.
فيقول: طب ما دام القرض أبيح للحاجة وعقد السلم أبيح للحاجة فهل هو يقدر بقدرها أو خلص أصبح تشريعاً مستقراً دائماً؟ أصبح تشريعاً مستقراً دائماً سواء وجدت الحاجة أو لم توجد فأنت تستطيع أنك تقترض حتى ولو لم تكن محتاجاً، وتستطيع أنك تعمل عقد سلم حتى ولو لم تكن محتاجاً، فإذاً هذا أول فرق أنه ما أبيح في الشريعة للحاجة فطبيعة إباحته دائمة، لكن هذا ليس على إطلاقه، ليه؟ لأنه إذا بدنا نرجع للقاعدة السابقة مسألة الحرير، إذا نمشي مع ابن القيم فإن الحرير أبيح للحاجة المرض، لكن مش إباحة دائمة، إذا زالت الحاجة يعود الحرير حراماً، فأقول هذا كلام أغلبي، هذه ليست مطردة لأن إذا بدنا نمشي على القاعدة السابقة حتى الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة، هسا الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة هذه لا تشكل عليه لأنه نحن أصلاً قلنا الحاجة العامة هي مرتبطة بالضرورة والضرورة تقدر بقدرها، إذاً الحاجة العامة تقدر بقدرها، أما هنا الكلام ينبغي أن يكون على ماذا؟ على الحاجة الخاصة التي فلان قد يكون محتاجاً وفلان لا يكون محتاجاً فيها.
فيقول طبيعة الحاجة الخاصة بالصورة التي قررها ابن القيم وابن تيمية إذا أردنا أن نجعلها بصورة الوسائل، أنه ما تبيحه الحاجة يكون بطبيعته دائماً، وما تبيحه الضرورة يكون مؤقتاً بمدة قيام الضرورة، فتزول الإباحة إذا زالت الضرورة. وهذا كثير من العقود كالسلم والقرض هي الأصل أنها محرمة لكن أباحتها الشريعة للحاجة، سؤالي هنا، هل نقول القرض أبيح للحاجة الخاصة ولا للحاجة العامة؟ إذا نظرنا أن القرض هو ليس شيئاً يعم الناس كلهم في الأصل، وإنما هي حالات فردية، أنا اليوم محتاج، أنت اليوم محتاج، فلان اليوم محتاج، فهو أقرب إلى الحاجات الخاصة، يعني زي قضية لبس الحرير للحكة، ومش مجتمع كامل يحك، وإنما الذي يحك شخص ابتلي بنقول له البس أنت، اليوم الثاني شخص ابتلي نقول له البس أنت.
نفس الشيء قضية القرض، حاجة وليس المجتمع كله سيحتاج، الذي يحتاج هو أفراد، بخلاف الاستضعاف مثلاً الاستضعاف قد يكون صورته مجتمعية، أنه حالة عامة أنه أمة سلطت على أمة فسلبت منها إرادتها وحريتها فيكون حاجة عامة اقتصادية أو اجتماعية؛ لأن الناس كلها مصابة أو أغلبها مصابة بهذا الداء، فأقول القرض والسلم قد يكون أقرب إلى الحاجات الخاصة، لكن بنلاحظ أنه في حاجات خاصة فعلاً تشريعها جاء دائماً، فإذاً سواء وجدت أو لم توجد أنت تستطيع أن تفعل السلم والقرض، وفي حاجات خاصة تشريعها مؤقت زيها زي الضرورة، زي لبس الحرير للحكة إذا وجدت وجدت، ما وجدت الحاجة بيرجع الحرير حراماً عليك، أما السلم فإذا كنت محتاجاً حلال وإذا كنت مش محتاجاً حلال.
إذاً هل هذا مثل هذا؟ فإذاً نقول هذه قاعدة أغلبية وإلا يمكن أن يستثنى منها. ثانياً: أن ما أبيح للضرورة يختص بالمضطر فقط فلا يتعدى إلى غيره، كمن غص بلقمة وليس عنده سوى الخمر جاز له وحده أن يشرب منه ما يدفع به الغصة، بخلاف ما أبيح لحاجة فإنه يباح للمحتاج ولغيره إن كانت الحاجة عامة، فإنه يباح للمحتاج ولغيره إن كانت طبيعة الحاجة عامة.
هنا خلونا نفرق إخواني بين المطر وبين المطر بالنسبة للجمع عند الحنابلة وبين المرض بالنسبة للجمع، ينص أصحابنا أنه من كان مريضاً فأجزنا له الجمع أو من كان دافع الأخبثين أو من كان عنده دائماً دائن يلازمه أو ما شابه ذلك من الصور هذه يباح له الجمع، أما مش كل ما كان يجوز له ترك الجمعة والجماعات يجوز له الجمع، أو شدة النعاس أو أو المهم، لكن هذه الأحوال التي يجوز أن تجمع فيها كلها حاجات خاصة، فأنت فقط من يجوز لك الجمع إذا كان نعاس شديد أو عندك امتحان طويل يعني خطير أو عندك عملية جراحية، مش يجوز الجمع لأولاد عمك وأولاد خالك والدنيا، أنت فقط اللي عندك الحاجة أنت من يباح لك الجمع ولا يعم الأمر غيرك.
لكن بالنسبة للمطر لما كان المطر عاماً على القرية، قالوا أن الجمع يجوز لكل أهل القرية حتى ولو كان ممن لا يضره المطر كالنساء في البيوت، معلش هذه فتوى خاصة بالحنابلة ها، مش حد يروح يأخذها ممن يسمعني، الفكرة أنهم ماذا قالوا؟ قالوا لأن هنا الحاجة جاءت عامة، يعني المطر هو ما نزل عليك أنت وحدك، المطر هو نزل على القرية كلها على المنطقة، فالمنطقة التي عمها المطر يجوز الجمع فيها حتى ولو كان ممن لا يضره المطر.
الفرق بين الحاجة العامة والحاجة الخاصة، فلما هو يقول أن الحاجة تعم المحتاج وغيره، وضع ضابط صحيح الشيخ أيمن، ما هو؟ إن كانت الحاجة بطبيعة مجيئها عامة، يعني جاءت على الجميع فهنا الكل بتعمهم هذه الرخصة، أما إذا كانت الحاجة بطبيعتها ما جاءت على الجميع، جاءت عليك أنت، أنت من مرضت، أنت من عليك امتحان، أنت من عندك عملية، فهنا الذي يجمع من؟ أنت فقط ولا تعم القضية زوجته وأولاده ولا دعمه ولا دخله.
يقول الموفق الحاجة العامة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليست له حاجة كعقد السلم زي ما قلنا قبل شوي، وإباحة اقتناء الكلب للصيد والماشية في حق من لا يحتاج إليهما، الأصل في اقتناء الكلب أنه حرام صح؟ لكن إذا جوزنا اقتناءه لحاجة الصيد والماشية، واحد بده كلب يحرس ماشيته، فهنا بيصير أنت خلص تقتنيه للصيد والماشية، سواء أنت محتاجه ولا مش محتاجه، خلص أي اقتناء لكلب لصيد أو لماشية يجوز، حتى لو كان الشخص مأمناً على ماشيته مش خايف عليها، ما دامت الشريعة أجازت لك اقتناء الكلب للماشية للحاجة، فيجوز لك أنك تقتنيه حتى لغير الحاجة، بس هو سؤال يعني هذا المثال، المثال الأول أتفق معه، إنه مثال السلم أن السلم أجيز للحاجة للمحتاج ولغير المحتاج، طب اقتناء الكلب للصيد؟ أهو يرى نعم أن اقتناء الكلب للصيد للمحتاج فحتى غير المحتاج يجوز أن يقتني الكلب للصيد، ماشي يعني بهذا التصور جيد، هذا ذهب بي إلى شيء آخر.
قال وأما الحاجة الخاصة الفردية كلبس الحرير لأجل الحكة ونحوها، قال فإنها تتقيد بوقت الحاجة وموضعها، ولا تتعدى صاحبها، لأنه الحاجة متى تتعدى إلى غير المحتاج؟ إذا كانت عامة. مش إحنا قلنا قبل قليل؟ أما الحاجة الخاصة الفردية إذا قلنا أنها تبيح المحظورات فيما كان تحريمه تحريم وسائل على طريقة ابن القيم وابن تيمية فإنها ستبقى فقط لمن به الحاجة.
الفرق الثالث أن الضرورة تبيح المحظور سواء كانت عامة أو خاصة بخلاف الحاجة فلا تبيح المحظور إلا إذا كانت الحاجة عامة، على ما قرره الجويني، هذا إذا مشينا على طريقة الجويني، أو نقول الضرورة تبيح المحظور مطلقاً، أما الحاجة فلا تبيح من المحظور إلا ما كان تحريمه من باب سد الذريعة، هنا ينبغي شوية أنه يرجع يضبط الكلام، هو يقول الضرورة تبيح المحظور مطلقاً، وأما الحاجة فإذا كانت عامة فتبيح المحظور مطلقاً، وإذا كانت خاصة فلا تبيح من المحظورات إلا ما كان تحريمه من باب سد الذريعة، لأنه الكلام مبهم هنا، هنا هو كأنه يقابل بين الجملتين بس هو الأصل أن تقول أو نقول وتحكي، أو نقول أنت بدك تريد أن تعبر تعبير آخر عن هذا الفرق، فإذا بدك تعبر تعبير آخر تمسك المسألة من أساسها فتقول الضرورات تبيح المحظور مطلقاً، وأما الحاجة فإن كانت عامة فهي تبيح الضرورة مطلقاً، وإن كانت خاصة فلا تبيح من المحظور إلا ما...
كان تحريمه من باب سد الذريعة، لأنه كلام ابن تيمية أن الحاجة لا تبيح من المحظور إلا ما كان من باب سد الذريعة، ويتكلم عن الحاجات الخاصة.
الفرق الرابع أن ما أبيح بالضرورة إنما هو إباحة لمحظور ممنوع بنص شرعي خاص صريح، بخلاف الحاجة فهي غالبًا لا تخالف نصًا صريحًا، وإنما تخالف القواعد والقياس. يقول طبيعة ما أبيح للضرورة أنت هنا تستبيح بالضرورة محظورًا منع بنص شرعي خاص صريح، فهو الذي ستستبيحه بالمحظور. أما طبيعة الحاجات وكأنه يستقرئ طبيعة الأمور التي أباحتها الشريعة للحاجة؛ زي السلم والقرض وما شابه ذلك، فيقول هي غالبًا الحاجة لم تأتِ مخالفة لنص صريح، وإنما تخالف القواعد والأقيسة العامة. القياس العام في الشريعة لا يجوز بيع المعدوم فجاء السلم على خلافه، أو القواعد العامة على خلافه.
لكن حقيقة هذه أيضًا ليست مضطردة، يعني لها استثناءات؛ لما تقول لبس الحرير هو مخالف لنص صريح، وحرم الحرير على الرجال: «وحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورهم». الآن لما تجوز الحرير للحكة هذا مخالف لنص، فهذا الفرق الرابع لا أعتقد أنه بتلك الدرجة من القوة، لأنه سيكون عليه كثير من الاستثناءات، لا يمكن أن تأتي الحاجة تخالف نصًا خاصًا.
الجهة الثالثة في ذكر بعض فروع القاعدة: جواز عقد الإجارة والسلم والاستصناع للحاجة العامة. هنا هو اعتبرها حاجة عامة؛ إذا بتلاحظوا يا شيخ أيمن اعتبرها هنا حاجة عامة باعتبار، لماذا اعتبرها حاجة عامة؟ باعتبار أن المجتمع بشكل عام يحتاج لها، لكن هنا ممكن نطرح سؤال: لما نقول هذا الشيء حاجة عامة ما معنى أنه حاجة عامة؟ لأن الحاجة العامة ما أفهمه أن جماعة من الناس الآن هم يحتاجون هذا الشيء، مثلًا كأن نقول أهل عمان الآن هم يحتاجون لقرار مهم؛ فالمحتاج هو أهل البلدة. فهل نقول أن مثلًا بيع المعدوم حاجة عامة؟ والله حقيقة ممكن أن ينظر إليه أن بطبيعة حياة المجتمع أن المجتمع عمومًا لا تنفك حياة أهل البلدة عن عقود على معدومات كعقود الاستصناع والعقود الكثيرة، فهي بطبيعتها نقول بطبيعتها ليست حالات فردية زي لبس الحرير للحكة، يعني إذا نظرنا من هذه الزاوية نقول لبس الحرير للحكة هذه حالات مرضية صحيح استثنائية.
لكن قضية العقود على المعدومات؛ طب ما هي الإجارة عقد على معدوم، والسلم عقد على معدوم، وعقد الاستصناع على خزائن وعلى أثاث، كلها عقود على معدوم، فكأنه يرى أن مثل هذه الحاجات العقود على المعدوم ليست ممكن أن بعض المجتمع الآن بيحتاجها، لكن بطبيعتها الحياة تقوم عليها، حياة المجتمعات تقوم عليها، ليست صورًا استثنائية في حياة المجتمعات، بل صورة أساسية في حياة المجتمعات. العقود على المعدومات، فإذا هو نظر من هذه الجهة نعم أتفق معه أنها قد تنزل منزلة الحاجة العامة بطبيعة أنها ليست منفكّة.
بس هذا لو بدي أناقش فيه مثلًا قضية النظر إلى المخطوبة، هل سنعدها حاجة عامة ولا حاجة خاصة؟ هل من شرط الحاجة العامة حتى تسمى عامة أن يكون الاحتياج لها في نفس الوقت؟ أم قد تكون الحاجة عامة ولو كان احتياج أهل البلدة لها متفاوت؟ هذا اليوم بده إياها، هذا بكرة، هذا بعد بكرة؛ لأنه هذا سيؤدي إلى شوية نوع من الاختلاف في تقييم الحاجة بالتالي. الآن ما الفرق بين أن نرجع ونقول وابن القيم لما تكلم عن لبس الحرير للحكة وبين النظر إلى المخطوبة جعلهما مثالين على حاجة خاصة؟ لأنه قلنا هنا الحاجة أباحت فيما كان تحريمه تحريم وسائل، كأنه جعله من باب الحاجات الخاصة، ولذلك هو أصلاً بنى عليها فكرة أنه ما كان تحريمه تحريم وسائل يجوز عند الحاجة الخاصة.
الآن النظر إلى المخطوبة هل هي حاجة عامة ولا حاجة خاصة؟ لأنه إذا كنا نقول أن المجتمع يحتاجه بشكل مستمر لأن الزواجات مستمرة هي من هذه الزاوية حاجة عامة، بس من جهة أنه كل شخص يحتاج بصورة شخصية أن ينظر هو إلى مخطوبته الخاصة فيه في الوقت الذي هي من هذه الجهة حاجة خاصة. طب لو أنا بدي أنظر إلى لبس الحرير للحكة، طب لبس الحرير للحكة وكل واحد حكته مختلفة عن الآخر ما رح تيجي، فهي من هذه الجهة حاجة خاصة، لكن من جهة أنه أي واحد سيصاب بهذه الحكة سنجيز له أن يلبس الحرير، ستنظر إليها من هنا أنها عامة.
فالسؤال ما معيار توصيف الحاجة أنها عامة أو خاصة؟ هل المعيار هو أنها تنزل بالجميع مرة واحدة الأزمة؟ فنقول أن عندنا أزمة وبالتالي هي حاجة عامة هي التي نقول الضرورات تبيح المحظورات، أم قضية الحاجة المتكررة لها في المجتمع ولو كانت الناس في وقت طلبهم لها متفاوتة؟ إذا بدي أضع ضابط وأقول هذا بحث، أن يمكن نقول الحاجة العامة ما وجد فيها أحد الأمرين: أن تكون حاجة في نفس الوقت عمت الجميع، هذه حاجة عامة، أو أنها بطبيعتها متكررة ولو كان احتياج الناس إليها متفاوتًا من حيث الوقت، فهذا سين اليوم بده إياها، وهداك بعد يومين، وهداك بده إياها، ويمكن اثنين بدهم إياها اليوم، وخمسة بدهم إياها بكرة، بس هي بطبيعتها متكررة غالبة أصلية في حياة الناس باختصار، لا تنفك عن حياتهم ولو كان وقت احتياجهم إليها متفاوتًا.
فإذا كلمة الحاجة العامة إذا ضبطت بهذه الطريقة، أظن ستكون أقعد، لكن سيبقى الاعتراض أنه بناءً على كلامك أصبح النظر إلى المخطوبة من قبيل الحاجات العامة، فأصبح ليس تحريم فقط هو يبيح المحظورات فقط لأنه من باب الوسائل، بل لأن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، لكن يمكن أن يقال هذا كله مناقشة أن الحاجة العامة على نوعين؛ فإذا كانت الحاجة العامة من النوع الأول فهي التي تبيح المحظورات بالإطلاق، الحاجة العامة التي عمت الكل هي التي تبيح المحظورات سواء كان تحريمها تحريم وسائل ولا تحريم مقاصد. وأما الحاجة العامة من النوع الثاني وهي التي تعم المجتمع بمعنى أن الحاجة إليها دورية ومتكررة وإن كان سين يحتاجها الآن، وصاد يحتاجها بعد خمس ساعات، وجيم يحتاجها بكرة، وفلان يحتاجها لكنها فعلًا متكررة، فهذه التي نقول أنها إنما تبيح من المحظورات ما كان تحريمه تحريم وسائل، لأنه الكلام في غير ذلك سيبقى غير منضبط.
لأنه أنت تحتاج أن تعرف أن الحاجة الخاصة هي الحاجة الفردية، طب الحاجة العامة هي الحاجة المجتمعية؟ الذي ألجأني إلى هذا التقسيم أن كلمة الحاجة المجتمعية عبارة فضفاضة، قد تحمل على ما احتاجه الآن المجتمع زي مثل وقت أزمة الآن، الناس في أزمة اقتصادية، في كساد، في تضخم، هذه حال الآن عامة على الجميع، هذه هي التي تبيح المحظورات سواء كانت محظورات من باب الوسائل أو المقاصد. أما الحاجة العامة بصورتها الثانية وهي التي يتكرر طلب الناس لها، لكن ليست أزمة مجتمعية الكل واقع فيها، أنت اليوم تحتاج شقة بالإيجار، فلان يحتاج بكرة شقة، فبالنسبة لك عقد الإيجار حاجة، وهو يبيح عقد الإيجار وهو إن كان عقد على معدوم فهو على طريقة الشيء الإجارة والسلم، الإجارة لأنها عقد على المنافع والمنافع معدومة، والسلم عقد على السلعة والسلعة معدومة، اعتبروا هذا حاجة أباحت المحظور وهو العقد على المعدوم، بس هو جعلها من قبيل الحاجات العامة.
فهنا سيبقى علينا النظر: هل العقد على المعدوم محرم تحريم وسائل ولا تحريم مقاصد؟ العقد على المعدومات هل هو محرم تحريم وسائل ولا تحريم مقاصد؟ الذي يظهر لي أنه محرم تحريم وسائل؛ يعني ليست هي السلعة بحد ذاتها محرمة أو مشكلة، وإنما مشكلة العقد على المعدوم هي قضية الغرر أنه قد يأتي وقد لا يأتي، فهو تحريم من تحريم الوسائل، فإذا قلت تحريمه تحريم وسائل، فإذا هنا سيكون كلامي في نوع من الاطرادية أنه الحاجة العامة إذا كانت نوعيتها من النوعية الثانية وهي التي يحتاج فلان لها الآن، وهذا بعد ساعتين، وهذا بعد ثلاث، فهذه لا نقول أنها تبيح المحظورات من النوع الأول أو ما كان تحريمه تحريم مقاصد، وإنما تبيح من المحظورات برضه ما كان تحريمه تحريم وسائل فقط، فكأن الحاجة الخاصة والحاجة العامة من النوع الثاني تحلل ما كان تحريمه تحريم وسائل، أما ما كان تحريمه تحريم مقاصد هذا حقيقة يحتاج إلى شيء ضخم، وهي حاجة عامة مجتمعية حصلت في نفس الوقت، فساعتها أقول هذه أتم أقوم بإنزالها منزلة الضرورة الخاصة والله أعلم.
قال في إجارة العقد على منفعة المعدوم والسلم العقد بيع على معدوم ومثله الاستصناع، والأصل عدم صحة بيع وإجارة المعدومات، وإنما جازت هذه العقود للحاجة العامة إليها. طيب جواز عقد الجعالة للحاجة العامة مع وجود الجهالة في بعض صورها، طبعًا الجهالة كما قلنا الجهالة الغرر هذا كله حرم تحريم وسائل لأنه يؤدي إلى نزاعات وخصومات بين الأطراف المتعاقدة، فحرم تحريم وسائل، بخلاف مثلًا البيوع المحرمة على أعيان محرمة، هذا هو نفسه بحد ذاته محرم، هذا بحد ذاته محرم؛ العقد على نجاسة، العقد على خمر، لا، هذا بحد ذاته عقد مشكلته من أساسه، من أركانه، وهذا ربما يقربه لكم ما ذكرناه في أصول الفقه، لما قلنا الشيء المنهي عنه لذاته والمنهي عنه لوصفه، وإنه الحنفية مثلًا لماذا فرقوا بين المنهي عنه لذاته فقالوا هذا بطلان، بين المنهي عنه لوصفه قالوا هذا لا يؤدي إلا للبطلان، باعتبار أن المنهي عنه لذاته المشكلة هنا في مقصد العقد أساسًا، عقد على سلعة محرمة لذاتها، فهذا لا يمكن إلا أن تبيحه حاجة عامة، مثل أن المجتمع وقع في مجهدة شديدة في الطعام والشراب، ماشي ما وصلوش إلى المخمصة، لكن في حاجة مجتمعية، فهذا قد يبيح الحاجة العامة التي عمت الجميع مرة واحدة، قد تبيح بعض التعاملات مثلًا مع البنوك الكبرى في العالم، قد يكون فيها شيء من الربا.
بس لأنه المجتمع كله في حاجة وجهد ومشقة، ما وصل للضرورة التي سيهلكون فيها، لكن في حاجة عامة مجتمعية هي التي جعلت الفقهاء مثلًا يجوزون تعامل الشركات المؤسسية في الحكومات الإسلامية مع شركات كبرى، أكيد في ربا وأكيد في أشياء محرمة لذاتها، بس الحاجة العامة ستنزل منزلة الضرورة الخاصة. لكن لما تأتي زي ما قلت لك عقود إجارة، إذا بدي أقول عقد الإجارة حاجة عامة، ما هو إحنا يا شيخ بدنا نرجع أنت حكيت الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، فإذا قلت والله عقد الإجارة حاجة عامة، شو راح ياخذوا منها؟ إنه هيك أنت بتحكي عقود الإجارات حاجة عامة، إذًا تنزل منزلة الضرورة فتبيح المحظورات، رجعنا لمربع إنه يجوز إذًا أخذ الربا لأنه حاجة عامة والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة.
لا، هذا اللي بيخليني إذًا لازم أفلتر الكلام، وإنه إذا بدك تصنف الإجارة والسلم حاجة عامة، ساعتها لا، بدنا نرجع نفهم شو الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، لأنه الحق الضرورات تبيح المحظورات سواء محظورات محرمة أصلاً لذاتها أو تحريم وسائل. فإذا قلت الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة، يعني الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة فتبيح المحظورات سواء محظور لذاته ولا محظور وسائل. وأما الحاجة الخاصة هي اللي قلنا فقط أنها على رأي ابن تيمية وابن القيم تبيح المحظور حظر وسائل ولا تبيح المحظور حظر مقاصد. فالسلم والإجارة إذا أنت جعلته حاجة عامة وبدي أطرد معاك رح أجعله يبيح ماذا؟ المحظور حظر وسائل والمحظور حظر مقاصد، لأن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة.
أما إذا شوي أنا سمحت لنفسي إني أصنف الحاجة العامة لنوعين، فأقول هناك حاجة عامة تعم الجميع مرة واحدة، وهناك حاجة عامة بمعنى أنه عامة المجتمع يحتاجها لكن في أوقات متباينة. فالأولى الحاجة العامة التي عمت المجتمع وضربت أركانه، يعني هي التي تعامل معاملة الضرورة الخاصة في إباحة المحظورات بكل أشكالها، وأما الحاجة العامة بالمفهوم الثاني الذي يتكلم به الشيخ، هذه الأصل أنها لا تحرم من المحظورات إلا ما كان تحريمه تحريم وسائل، وليس تحريم مقاصد، والحاجة الخاصة كذلك من باب أولى أنها إنما تحرم ما كان تحريمه تحريم وسائل، وليس تحريم مقاصد. هذا الترتيب مهم، وإلا ستشعر أنه الكلام ما عاد متناسقًا.
فإن النظر إلى المخطوبة، برجع بقول أنت معتبره حاجة عامة ولا حاجة خاصة؟ خلاص اعتبرته حاجة خاصة اكتفينا، بس إذا جعلته حاجة عامة هو على كلامك هو الأضبط، إنه شو الفرق بين النظر للمخطوبة وبين الإجارة على سؤالي يعني؟ لماذا الإجارة اعتبرتها حاجة عامة، بينما النظر إلى المخطوبة حاجة خاصة؟ هسه ممكن يقول مثلًا نفتح باب التفكير أن النظر إلى المخطوبة إنما يجوز باعتبار أنه يجوز فقط للناظر وحده، ولا يشارك فيه غيره، فلا يجوز لأبيه إذا جاء معه أن ينظر، ولا لأخيه إذا جاء معه أن ينظر، هو فقط الذي أبيح له، فلذلك اعتبره حاجة خاصة. وأما الإجارة فهو حاجة يجوز للمحتاج كما قلنا ولغير المحتاج، ففي فرق برضه بين النظر للمخطوبة ولو كان الزواج يحصل يوميًا وبين عقد الإجارة، أن عقد الإجارة أجازته الشريعة مطلقًا للمحتاج ولغير المحتاج، وأما النظر إلى المخطوبة إنما أجازته الشريعة للمحتاج فقط.
ولا يتعداه إلى غيره. فمن هنا نعم ممكن نقول أن النظر إلى المخطوبة ولو كان شيئاً متكرراً ويحصل يومياً مع الخاطبين، لكنه بطبيعته إنما يكون للناظر فقط وليس لغيره، وحتى على قدر حاجته؛ لذلك يقولون إذا خلصت من النظرة وشفت ترجع حرام.
لكن عقود الإجارة وعقود السلف لا، هي مباحة مطلقاً؛ احتجت أو حتى ولو لم تكن في حاجة. فهذا تفريق واضح، نعم ممكن نقول بين الحاجة الخاصة والحاجة العامة، لكن يبقى كما قلنا إنه الحاجة العامة إذا أطلقت تنزل منزلة الضرورة فتبيح المحظورات، ينبغي أن ينظر في هذا؛ لأنه ينبغي أن تفصل بين الحاجة العامة التي تبيح المحظورات سواء المقصودة لذاتها أو المقصودة لغيرها، وبين الحاجات العامة التي تبيح المحظورات التي هي فقط من جنس المقصود لغيره، يعني من قبيل الوسائل. فهذا جعله مكان بحث لك في المستقبل.
مثلاً جواز تطبيب الإناء بالفضة إذا انكسر؛ فنقول هذا للحاجة الخاصة هنا، والمراد بها هنا ألا يكون القصد التزيين، لا يعني أنه لا توجد غير هذه الفضة. استعمال الفضة للرجل حرام والحاجة أجازت. طيب الحاجة هنا خاصة ولا عامة؟ هي حاجة خاصة باعتبار أن الذي لو أن يستعمل الفضة هو المحتاج فقط ولا يتعدى إلى غير المحتاج؛ فقط أنت المحتاج من تستطيع أن تستعمل الفضة، مش لأنه قدحك انكسر أنت بتستعملها وبتصير أنت وزوجتك وكذا الكل يستعمل، لا، فقط أنت اللي بتستعملها. وإذا زالت الحاجة -فرضاً جبر وحده بقدرة الله سبحانه وتعالى- يصبح استعمالك للفضة ممنوعاً، فهنا فعلاً استعمال التطبيب هو حاجة خاصة، وجواز لبس الرجل للحرير للحكة ونحوها هي حاجة خاصة. تمام؟
فهذا المثال الإناء والفضة حاجة خاصة، ولبس الرجل للحرير حاجة خاصة، لكن عقد الجعالة جعلوه حاجة عامة باعتبار أنه الناس يجوز لها أن تستعمله سواء كانت محتاجة أو غير محتاجة. يعني هذا يعطينا فكرة أن الشيخ أيمن هنا جعل ضابط العامة والخاصة هي قضية أنه إذا كان يمكن للمحتاج ولغيره أن يفعل فهذا هو ضابط الحاجة العامة عنده، بغض النظر هل عم المجتمع الاحتياج مرة واحدة أو كان الذي يحتاج البعض دون الآخر. هذا الضابط الذي اعتمده الشيخ أيمن، أنه جعل ضابط الحاجة العامة ما هي؟ هي كل شيء يجوز فعله للمحتاج ولغيره، فصنفه على أنه من قبيل الحاجات العامة. يعني عقد الإجارة، عقد السلم، عقد الجعالة جعلوه حاجة عامة باعتبار أن الذي يفعله هو المحتاج وغير المحتاج.
وأما طلاء الفضة -تطبيب الإناء بالفضة عفواً- ولبس الرجل للحرير جعله حاجة خاصة؛ لأنه الذي يفعله هو فقط الواقع في المشكلة، ولكن غيره لا يفعله. هذا كأمثلة أو هذا التقسيم خلص واضح معياره فيه. لكن إدخاله في القاعدة الأساسية أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة سيبقى فيه إشكال في ضبط ما هي الحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة فتبيح المحظور. وعرفتم أين موطن الإشكال؟ أنه هل كل حاجة عامة تبيح المحظور سواء كان محظور وسائل أو محظور مقاصد؟ لأنه هذا سيشكل عليك كعقد الإجارة الذي تكلمنا عنه قبل شوي، أنه عقد الإجارة الذي يجيز الكثير من المحرمات، يقول لك عقد الإجارة احنا فصلناه أنه حاجة عامة، وما دام حاجة عامة فهي تنزل منزلة الضرورة، فيبيح لك كثير من المحظورات.
وشو المحظورات التي يبيحها عقد الإجارة؟ حتى المحظور لذاته يجيزه؟ لا يقول هذا فقيه. فإذا صارت كلمة الحاجة العامة فضفاضة شوي، فلذلك أنا قمت بتقسيمها لكم. هناك حاجة عامة تعم المجتمع دفعة واحدة، ولازم القاضي أو الحاكم يتخذ فيها رأياً حاسماً، وهناك حاجة عامة بالمعنى الفضفاض التي يعني يحتاجها الناس على اختلاف درجاتهم وتباينهم في أوقات احتياجهم لها وما شابه ذلك، فهذه الذي يظهر لي والله أعلم أنها ينبغي أن تلحق بالحاجة الخاصة من جهة أنها إنما تبيح ما كان تحريمه تحريم وسائل، وليس ما كان تحريمه تحريم مقاصد.
ساعة ونصف، صحيح؟ طيب، خلاص يكفي اليوم هذا القدر إن شاء الله، لأننا سنبدأ بقاعدة كبرى جديدة، فخلها تكون وأنت مصحصح أيها الطالب ومنتبه معي، حتى تبدأ بها بداية جديدة؛ بعد ساعة ونصف عادة يكون العدس قد استوى.
صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل