دخولتسجيل الدخول

المنحةالإلهية | المجلس 7 | قاعدة «المشقةتجلب التيسير»والقواعدالمتعلقة بها«١» | معهدملكة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد في مدارسة هذا الكتاب المفيد بإذن الله، "المنحة الإلهية بشرح القواعد الفقهية" لشيخنا ومعلمنا الأستاذ الدكتور أيمن الحبشي متعه الله بالصحة والعافية. وفي الدرس الماضي أنهينا الحديث عن القاعدة الكلية الكبرى الثانية، وهي قاعدة: اليقين لا يزول بالشك. ونلاحظ أن هذه القواعد -إخواني- هي قواعد كبرى، ومعنى أنها كبرى أنها متوغلة في الفروع الفقهية في جميع الأبواب الفقهية، من العبادات إلى المعاملات، إلى المناكحات، إلى الجنايات والإقرارات؛ لا يستغني باب من أبواب الفقه من تطبيق أو فروع مندرجة تحت هذه القواعد.

وصلنا إلى القاعدة الثالثة الكبرى وهي قاعدة: المشقة تجلب التيسير. يقول الشيخ: اشتهرت هذه القاعدة بلفظها وبمعناها عند أهل العلم من المذاهب الأربعة في كتب القواعد الفقهية. والكلام سيكون من ست جهات؛ الجهة الأولى: ما معنى قاعدة المشقة تجلب التيسير، وأنها أحد المباني التي تقوم عليها هذه الشريعة الغراء؟ تقرر هذه القاعدة أن المشقة والعنت الطارئ على بعض المكلفين في بعض الأحايين يوجب الترخيص والتخفيف في الشريعة.

هنا يقرر الشيخ أن هذه القاعدة الكبرى إنما تتكلم ليس عن المشقة الأصلية، وإنما تتكلم عن المشقة الطارئة في بعض الأحايين؛ فهي تتكلم عن مشاق استثنائية على بعض المكلفين. أما أصل الشريعة أنها مبنية على دفع المشاق عن الناس، وأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فهذا أصل عام مقرر، ولكنه ليس في مساحة هذه القاعدة. لو نظرنا في مفهوم الشريعة وفي أحكام الشريعة وفي طريقة تعاملها، نعرف أن نبينا صلى الله عليه وسلم أتى ليرفع عنا الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا. فالشريعة لما نقول شريعة يسر، هذا بمفهوم عام، وأنها فعلاً أتت لرفع المشاق؛ لكن هذه القاعدة بالتحديد لا تتكلم عن ذاك المفهوم العام العريض الموجود في الشريعة، وإنما تتكلم عن تلك الأحوال الاستثنائية من المشاق الطارئة في بعض الأحايين وما الذي ستوجبه من التخفيف والتيسير عليك يا أيها المكلف.

لذلك قال: وإنما قيل الطارئ وبعض المكلفين وفي بعض الأحايين؛ لأن الشريعة مبنية في الأصل على التيسير لا على التعسير، وهذا بين لمن استقرأ الأدلة ونصوص الكتاب والسنة.

الجهة الثانية في تقرير أدلة هذه القاعدة، من ذلك قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]. هذه الآية تدل على الأمرين معاً، تدل على أن الشريعة في أصلها مبنية على التيسير، وتدل أيضاً على معنى هذه القاعدة بالتحديد، وهو أن العنت الطارئ إذا حصل على المكلفين فينبغي عليك يا أيها الفقيه أن تجد له يسراً. وهذا دائماً ما أقوله للإخوة في تقرير الأحكام الشرعية حتى في باب السياسة الشرعية وفي باب السلم والحرب، لا ينبغي أن نوقع الناس في العنت، وأن طريقة التفكير التي تؤدي إلى إيقاع الناس في العنت الشديد هذه لا تتلاءم مع مقاصد الشريعة الكبرى، لأن الله يقول ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾، فلا ينبغي أن توصل الناس إلى العنت والمشقة ثم تزعم أن هذا مراد لله سبحانه وتعالى ويتلاءم مع مقاصد الشريعة في مصادرها ومواردها.

الدليل الثاني قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. هذه "من" في سياق النفي فهذا تأكيد للعموم، وما جعل عليكم في الدين من أي شكل من أشكال الحرج والمشقة لا في أصلها ولا في فرعها. وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وقول النبي عليه الصلاة والسلام في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد: «دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً» أي دلواً من ماء أو سجلاً من ماء «فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». ونحو هذه الاستقراءات العامة التي تجعلك تتيقن بلا شك أن الله سبحانه وتعالى بنى هذه الشريعة العظيمة على جلب اليسر للناس وعلى رفع الحرج عنهم.

لكن هنا السؤال: هل إذا قلنا إن الشريعة مبنية على اليسر أن الشريعة ترفض كافة أشكال المشاق؟ لا. دعونا نعيش مع العز بن عبد السلام في مسألة أو في ضبط ما هي المشقة التي ترفضها الشريعة، وقد سبق أن قررنا هذه القضية في كتب أخرى للإمام العز عليه رحمة الله، حرر هذه المسألة، وتبعه على ذلك تلميذه القرافي، ثم تبعه كثير من الفقهاء. لأن البعض هنا يخطئ ويظن أن الشريعة ترفض كافة أشكال المشاق؛ يعني الإيغال أيضاً في فهم القاعدة والغلو في فهمها يؤدي إلى نتيجة خاطئة، لأنه يصبح هناك كثير من الدعوات اليوم العريضة التي نسمعها في السوشيال ميديا وفي حياة الناس: يا شيخ الدين يسر! يا شيخ الدين ما في! نحن نقر أن الدين بني على اليسر وأن المشقة تجلب التيسير، لكن ما معنى اليسر؟ ما ضابطه؟ وإلا سيصبح نوعاً من التمييع والإضاعة لأحكام الدين. فالمرأة تقول: أنزع الحجاب يا أخي الأجواء حارة والدين يسر، والمشقة تجلب التيسير! أليس وضع الحجاب في اليوم الحار فيه مشقة؟ وإذا قلتم بوجوب غطاء الوجه أيها الحنابلة والشافعية أليس هذه مشقة على مشقة يا أخي؟ الدين يسر!

فهذه المسائل تحتاج إلى تحرير: هل فعلاً كل مشقة هي مرفوضة شرعاً؟ يقول العز عليه رحمة الله: المشاق أو المشقة ضربان: الضرب الأول: مشقة لا تنفك العبادة عنها، يعني ربنا سبحانه وتعالى لما شرع هذه العبادة شرعها وهو يعلم بعلمه السابق أن هناك نوعاً من المشقة ومساحة من المشقة موجودة فيها، وأريد منك يا أيها المكلف أن تتحمل هذه المشقة. قال: كمشقة الوضوء والغسل في شدة السبرات، أي مشقة الغسل والوضوء في الأيام الباردة. هل نقول إن مطلق البرد يجعلك تترك الوضوء وتروح تتيمم؟ ولا البرد الذي يبيح التيمم هو البرد الذي يخشى فيه من هلكة أو شبه هلكة أو مضاعفات مرضية؟ فلو أن هناك شيئاً من البرودة فقال الشخص: يا أخي أنا لا أريد أتوضأ، أريد التيمم، لا يجوز. أقول لك: يا شيخ في شيء من المشقة في فصل الشتاء! نقول: هذه المشقة مطلوب منك أن تستحملها لأنها في مساحة المعقول والمقبول. قال: وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد ولا سيما صلاة الفجر، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج. الحج فيه مشقة ومن حج منكم يعرف ذلك، الصعود إلى عرفة والنزول إلى مزدلفة مع حر الحجاز، وهو حر الحجاز، هل يوقف الحج؟ والله في فصل الصيف نقول ما في حج! إذا جاء الحج في الصيف الحج فقط في الشتاء! الناس عليها أن تستحمل. وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، وكذلك المشقة في رجم الزنا، حتى الجهاد في سبيل الله فيه مشقة، بل فيه مشقة أيضاً تصل إلى بذل الأرواح والمهج، وهذا من أعظم المشاق، والذي شرع الجهاد هو ربنا سبحانه وتعالى يعلم وجود هذه المشقة وهو يريد منك أن تستحملها، مع أن فيها إتلافاً للأنفس والأرواح، ومع ذلك مطلوب تستحمل هذه المشقة وتكون أحياناً فرض عين أن تجاهد وأحياناً فرض كفاية وأحياناً مستحب، على ما يفصله فقهاؤنا رحمهم الله عليهم.

فإذاً المشاق التي لا تنفك عن أصل العبادات هذه مطلوب منك أن تستحملها، ولا يجوز لك أن تترك العبادة بحجتها.

الضرب الثاني: مشقة تنفك عنها العبادات غالباً، وهذا هو النوع الذي نتكلم عنه في مسألتنا، المشقة التي تنفك عنها العبادات غالباً، ووجودها يكون استثنائياً طارئاً. قال وهي أنواع: أولاً: مشقة عظيمة فادحة. الآن المشاقة الطارئة ثلاثة أقسام، مشاقة طارئة لكنها عظيمة فادحة، كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأطراف في عبادة ليس من شأنها بذل النفوس والأطراف، هذا لازم نقيده صحيح؛ يعني لما يقول لك شخص كمشقة الخوف على النفوس والأطراف، يقول لك هذا يتعارض مع الجهاد الذي ذكرتموه! لا، نحن نتكلم عن عبادة ليس من وظيفتها أو شغلها أن يحصل فيها بذل النفوس والأرواح، زي الوضوء في الماء البارد أو بالجو البارد شديد البرودة؛ إذا كنت سأتوضأ في جو بارد شديد البرودة، فقالوا هذا سيؤدي إلى انقطاع الأصابع، بتقول لي: لا يا شيخ هي لازم تستحملها! ليه؟ يا أخي ربنا عز وجل أمرنا بالجهاد والجهاد تنقطع فيه الأصابع والأيادي والرؤوس! يا أخي الله يرضى عنك، الجهاد متصور فيه تلك المشقة، أما الوضوء فلم يشرع بطريقة المراد فيها الوصول لتلك المشقة، فهذا مهم حتى تفهم الفرق. قال: فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص؛ لأن حفظ المهج والأطراف لإقامة مصالح الدارين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات، ثم تفوت أمثالها. يعني ما لنا مصلحة أنه تفوت أصابعك من أجل عبادة ليس المطلوب منها تفويت الأصابع مثل الوضوء، ثم بعد ذلك لا تستطيع أن تفعلها لا هي ولا غيرها من العبادات في المستقبل، هذا مش منطق صحيح. هذا معنى قوله: حفظ المهج والأطراف لتحقيق مصالح الدارين أولى من تعريض هذه المصالح للفوات في عبادة جزئية أو عبادات جزئية ليست هذه المشقة مطلوبة فيها، ثم نذهب كل العبادات الأخرى التي سنفعلها بعد ذلك لأننا خلاص قطعنا الأصابع، فكثير من العبادات التي كنت ستفعلها بالأصابع مستقبلاً ما عدت تستطيع أن تفعلها، هذه الطريقة في التفكير ترفضها الشريعة.

النوع الثاني قال: مشقة خفيفة، كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع في الرأس أو سوء مزاج خفيف، فهذه المشاق اليسيرة لا التفات إليها ولا تعريج عليها؛ لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع هذه المشقة التي لا يؤبه لها. وبالتالي لما نقول مثلاً إن المرض يباح معه الفطر للصائم، ما هو المرض؟ هل أي صداع يباح معه الفطر للصائم؟ هل أي شيء من ألم الضرس يباح معه الفطر للصائم؟ بعض المذاهب الظاهرية التي جملت على الظاهر عممت وقالت: الله عز وجل قال ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، فجعل رخصة الفطر على المرض، فأي مرض حتى ولو كان -قال بعضهم- حتى ولو كان وجعاً في ضرس مش مؤثر على الصيام! طبعاً في وجع في ضرس مؤلم جداً يصل لأعصاب الدماغ، هذا يحتاج مسكناً، هذا أفهم أنه ليست مشقة خفيفة، لكن المراد الصداع الخفيف، الـ"سوس" في الأسنان مستحمل، هذه الأمراض الخفيفة لا ينبغي إدخالها تحت مفهوم المرض الذي يوجب أو يعطيك رخصة الفطر، وإن كانت ربما بعض الناس يسميها في العرف العام مرضاً، لكن فهمنا كما قال لطبيعة التشريع يجعلك تعرف أن المشاق الخفيفة لا تجلب الترخيص بذاتها. فشيء من ألم الضرس الخفيف، شيء من الصداع الخفيف، يا أخي شوكة دخلت في رجلك وألمها مستحمل، كل هذه الآلام ليست هي التي تبيح الفطر للصائم، وإنما المرض الذي فعلاً يؤثر الصيام عليه، إما تأخير في برئه أو زيادة في مرضه، مثل هذا هو المرض المؤثر. ولذلك دائماً أصحابنا الحنابلة لما يتكلموا مثلاً عن المرض الذي يبيح العدول إلى التيمم وترك الماء، أو المرض الذي يبيح الفطر، تجدهم يتكلمون عن معيار للمرض؛ هو لابد أن يكون مرضاً يؤخر البرء أو يزيد الحالة الصحية، تمام يعني مرض معقول، مرض فعلاً فيه إشكال، أما مطلق المرض أن تجعله يأتي بالتخفيفات فهذا يخالف قضية أن المشقة الخفيفة لا يؤبه لها.

النوع الثالث: هناك مشقة واقعة بين هاتين المشقتين، يعني بين الخفيف والشديد، فما دنا منها من المشقة العليا أوجب التخفيف، كلما اقتربت من العليا الفادحة أوجبت، وما دنا منها من الدنيا لم يوجب التخفيف إلا عند -قال أهل الظاهر الظاهرية الذين حملوا المرض على كل أشكاله- كالحمى الخفيفة ووجع الضرس اليسير. قال: وما وقع بين هاتين المرتبتين مختلف فيه، فمنهم من ألحقه بالعليا ومنهم من ألحقه بالدنيا، فكلما قارب العليا كان أولى بالتخفيف، وكلما كانت المشقة أقرب إلى الدنيا كلما كانت أولى بعدم التخفيف. قال: وقد تتوسط مشاق بين المرتبتين بحيث لا تدنو لا من العليا ولا تدنو من الدنيا، تقف في المنتصف، قال فهذه قد يتوقف فيها المجتهد، قد يتوقف في قناعته هل أعطي تخفيفاً للمكلف أو لا أعطيه تخفيفاً، بناء عليها لما تكون وتتأرجح في المنتصف، وهنا تصبح الترجيحات مساحة للنظر.

إذاً مهم جداً أن تفهم أن المشاق أولاً هناك مشقة هي من طبيعة العبادة، ومشقة طارئة على العبادة، والمشقة الطارئة على العبادة ثلاثة أقسام: مشقة فادحة فهذه توجب التخفيف، ومشقة خفيفة جداً لا توجب التخفيف بالاتفاق، ومشاق بين المنزلتين، ومن رآها أقرب إلى المشقة الخفيفه لم يخفف بها، ومن رآها أقرب إلى المشقة العالية خفف بها. طيب الآن سيأتي.

إلى الجهة الرابعة، يطرح الشيخ سؤالًا: ما هي أسباب الرخص الشرعية؟ طبعاً أسباب الرخص الشرعية يمكن التعبير عنها بأنها أنواع المشاق الطارئة التي ثبت أن الشريعة جاءت معها بالتخفيف. لنبني هذه الجهة الرابعة على الجهة الثالثة، قلنا إن المشقة العظيمة الفادحة وما دنا منها يوجب التخفيف. وهنا يأتي سؤال بالاستقراء: ما هي المشاق الطارئة التي ثبت لنا باستقراء الشريعة أنها اعتبرتها سبباً للتخفيف؟

نقول أولاً: السفر. من يقرأ كلام ربه سبحانه وتعالى يجد أن القرآن الكريم رتب على السفر مجموعة من الرخص في الصيام: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وفي قصر الصلاة: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]. فالسفر سبب لإباحة الجمع والقصر في الصلوات، وهو سبب في المسح على الخفين، حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وهو سبب للفطر في رمضان حتى ولو لم توجد مشقة.

وهنا ننبه على أن هذه الأمور التي سنذكرها أحياناً يكتفى فيها بالوصف الظاهر المنضبط، وإن كانت هي مظنة لوجود المشقة. الشريعة علقت التخفيف على السفر وليس على تيقن وجود المشقة فيه؛ فإذا وُجد الوصف الظاهر المنضبط وهو السفر، فإنك تأخذ بالرخص المبنية عليه.

ثانياً: المرض. المرض أيضاً سبب لإباحة التيمم مع وجود الماء إذا شق استعماله، وكذلك سبب للصلاة قاعداً، وسبب للتخلف عن الجمعة والجماعات، ويبيح لك الفطر في رمضان. لكن ما الفرق بينه وبين السفر؟ السفر وصف ظاهر منضبط يمكن تحديده بمسافة واضحة، أما مشكلة المرض أنه فضفاض قليلاً، ولا يمكن حصر أمراض معينة كأوصاف منضبطة، لأن المرض نسبي يختلف من شخص إلى آخر في حجم تأثره به؛ فالصداع أو الرشح قد ينهك شخصاً ولا يؤثر في آخر. لذا، لما كان المرض بطبيعته غير منضبط، تجد أن العلماء يسددون ويقاربون فيه، فيرون أن بعض الأمراض توجب التخفيف وبعضها يسير ينبغي احتماله.

ثالثاً: الإكراه. المراد به الإكراه غير الملجئ، لأن الإكراه الملجئ يخرج المكلف عن حد التكليف أصلاً. والأصوليون يفرقون بين الإكراه الملجئ الذي تفقد فيه الإرادة والاختيار تماماً، وبين الإكراه غير الملجئ الذي يهدد فيه المرء بضرب أو سجن من شخص قادر؛ فهو لم يسلبك الاختيار لكنه ضيق خياراتك لتختار ما يريده المكره دفعاً للمشقة. وهذا هو الذي يسمى إكراهاً في الشريعة، وينطبق عليه مثل جواز النطق بكلمة الكفر عند التعذيب، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. وكذلك عدم وقوع الطلاق حال الإكراه، أو عدم الضمان على من أتلف مال غيره مكرهاً، فالتيسير هنا في الأقوال وفي بعض الأفعال.

رابعاً: النسيان. النسيان مشقة طبيعتها ملازمة لحياتنا، وهو سبب لسقوط وجوب الترتيب بين الفوائت، وسقوط الفدية عن محظورات الإحرام التي لا إتلاف فيها، كمن غطى رأسه أو لبس مخيطاً ناسياً. بخلاف محظورات الإتلاف كقلم الأظفار، فإن النسيان فيها لا يوجب التخفيف.

خامساً: الجهل. هو سبب لسقوط الفدية في بعض محظورات الإحرام، وسبب لسقوط كفارة اليمين عمن فعل المحلوف عليه جاهلاً. فمثلاً من حلف ألا يدخل مسجداً معيناً فدخله وهو يجهل أنه هو المسجد الذي يقصده، فإنه لا يحنث، فالجهل سبب للتخفيف.

سادساً: العسر وعموم البلوى. هو سبب لسقوط الجمعة والجماعة عن ذوي الوظائف التي تتطلب عملهم وقت أدائها كالأطباء والعسكريين، وهو سبب أيضاً لصحة صلاة من عنده سلس بول. وعموم البلوى يعلل به الفقهاء في القضايا التي يعسر على الناس إقامة الأحكام الشرعية مع وجودها، مثل فوات الرفقة في السفر، أو الخشية من ضياع المال أو فوات الامتحانات، فهي تدخل تحت باب العسر.

سابعاً: النقص. فهو سبب لعدم التكليف. وبالنسبة لسلس البول الذي ذُكر تحت عموم البلوى، فهو يندرج تحت المشاق التي يعسر على الناس الاحتراز منها، مع أن "عموم البلوى" أخص من "العسر" من حيث إن الأول يمثل ما يعم وقوعه بين الناس، بينما الثاني هو الأصل العام.

لا أعتقد أنها أمر عام، فيمكن أن نعتبر مثال سلس البول على ما فيه عسر، تمام؛ إلا إذا فسرنا عموم البلوى بصورة أخرى. عموم البلوى يعني عموم البلوى في حياتك أنت، ياما ابتليت بعسر بسلس البول، أن هذا سيبقى بلوى عامة لا تخص ساعة دون ساعة من النهار إلى الليل، ابتليت بسلس البول. إذا فسرنا عموم البلوى في حال نفس الشخص أن البلوى أصبحت عامة لحياته، يعني محيطة بها، فإنها تجلب له التخفيف، كسلس البول في الصلوات ما ممكن؛ لكن عادة مصطلح عموم البلوى يستعمل بالإطلاق الذي ذكر، أن عموم البلوى أن كثيرًا من الناس يبتلى بهذه القضايا، زي مثلاً مسائل النجاسات، والله عموم البلوى بها؛ لأنه البول والغائط هذا شيء يفعله الجميع، وبالتالي قضية أن يصاب الناس بالنجاسات هذا أمر عام تعم البلوى به.

سابعًا: النقص، فهو سبب لعدم تكليف الصبي والمجنون ونحوهما. فالصبي والمجنون لماذا خففنا عنهما؟ بسبب ماذا؟ نقص العقول. لكن هذا يمكن أن يجعل ماذا؟ ليس سببًا لمشقة طارئة؛ يعني كل ما ذكره العسر، عموم البلوى، الجهل، النسيان، الإكراه، السفر، المرض، ممكن أعتبره مشاق تطرأ على الإنسان. لكن قضية مثلاً هذا المثال الذي ذكر، يعني النقص، هو فعلاً قد يكون وصفًا طارئًا، لكن المثال الذي ذكره ليس مثالاً على النقص كوصف طارئ، وإنما مثال على الحالة الطبيعية في الصبي أنه ناقص وفي المجنون أنه ناقص، تمام.

هسّه شوف، إذا كان المجنون جنونه طارئًا، يصلح مثالاً على نقص طارئ، صح؛ على وصف عسر طارئ، يعني شخص يتقطع معه الجنون، فهنا يقول مثلاً أصحابنا إن الإنسان إذا جُنّ تسقط عنه الصلاة في فترة جنونه ولا يقضيها، وإذا جُنّ في رمضان كاملاً ما عليه أصلاً قضاء رمضان لا أداءً ولا قضاءً. فالجنون إذا كان مشقة طارئة يناسب إدخالها تحت القاعدة؛ لكن إذا كان وصفًا أصليًّا في هذا الإنسان، يعني إنسان ربنا خلقه في هذه الحياة الدنيا مجنونًا، فهذا لا يعتبر في حقه وصفًا طارئًا، هذا خلص من البداية غير مكلف. كذلك الصبي من البداية غير مكلف، فهؤلاء يمكن إدخالهم تحت القاعدة العامة للشريعة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: 185] تمام؛ إن الأصل في أحكامها التيسير، ومن أوجه تيسيرها العامة أنها لا تكلف المجانين ولا تكلف الصبيان.

أما القاعدة نفسها، المشقة تجلب التيسير، فنحن اتفقنا أننا سنتكلم عن مشقة طارئة على حياة المكلف وليست مشقة ملازمة لا تنفك عنه، ممتاز. فينبغي بالتالي تفسير النقص بأشياء أُخر، كمثلاً تفسير النقص بالجنون الطارئ، تفسير النقص مثلاً بنقص بعض الأعضاء وما الذي يؤدي إليه هذا النقص من تيسيرات بتخفيفات في قضايا السجود في قضايا كثيرة، المهم؛ فالنقص أيها الكرام متى وجد كوصف طارئ فعلاً، أيضًا يؤدي إلى ماذا؟ إلى التيسير. فهذه هي الأمور السبعة التي ذكرها فقهاؤنا: السفر، المرض، الإكراه وقلنا هو ابتداء غير الإكراه غير الملجئ، الجهل، النسيان، والعسر وعموم البلوى والنقص. وكما قلت لك يعني عموم البلوى يمكن تجعل نقطة واحدة، والعسر يعني قضية عامة تجمع الجميع، أو تجعلها نقطة منفصلة أخرى إذا أحببت تجعل العسر وحده؛ لأنه العسر برضه مفهوم نسبي، فيه نوع من النسبية والفضفضة العالية.

الجهة الخامسة في أنواع التخفيفات: نحن قلنا المشقة تجلب التيسير، عرفنا أنواع المشاق، بقي علينا أن نعرف أنواع التيسيرات. صحيح، ها المشقة تجلب التيسير، عرفنا أنواع المشاق: سفر، مرض، جهل، نسيان، عسر، عموم بلوى، إكراه؛ تجلب التيسير، ما التيسيرات التي تأتي بها الشريعة؟ أيضًا هذه قام العلماء باستقرائها استقراءً جميلاً، فقالوا وهي بالاستقراء ستة ذكرها العز بن عبد السلام رحمه الله عليه، وزاد عليها الإمام العلائي سبعة.

أول شكل من أشكال التيسير في الشريعة: تخفيف إسقاط؛ إسقاط العبادة عنك كاملة، كإسقاط الجمعة والجماعات عن بعض المكلفين للأعذار المعتبرة التي ذكرها الفقهاء. أيش؟ لم يقل إسقاط الصلاة، قال إسقاط الجمعة، الجمعة أنك ما تحضرها، وإسقاط الجماعة؛ لكن الصلاة نفسها بتصليها. مثلاً أن أصحابنا الحنابله مش قلنا مثلاً تسقط الكفارة عن الحائض أو كفارة وطء الحائض من وطئ حائضًا، وعند النزع في هذه اللحظة بالتحديد قال هذا، وعند النزع لم يكن يملك مالاً لأداء الكفارة، قالوا هي خلص تسقط عنه، هذا التخفيف تخفيف إسقاط؛ إسقاط الكفارة على من وطئ حائضًا.

كذلك في الجماع في نهار رمضان مش قلنا نفس الشيء في الجماع في نهار رمضان، والأصل نفس الفكرة عند حصول الجماع تمام، عندما يحصل الجماع فإن الكفارة تلزمك إذا جمعت في نهار رمضان، فإذا كنت عند الجماع لا تستطيع أن تفعل أي خصلة من خصال الكفارة، لا عتق رقبة ولا صيام شهر ولا إطعام 60 مسكين، إذا كان عند وقت وجوب الكفارة في ذمتك لا يوجد شيء تستطيع أن تفعله، تسقط عنك أبديًّا. فهذا شكل من أشكال التخفيف، لأنه هناك كفارات إخواني لا تسقط، تبقى في الذمة إذا أنت الآن ما بتؤديها معك، بدك تجيبها بعدين إذا صار معك؛ في كفارات تسقط تماماً، وذكرنا مثال هاتين: كفارة وطء الحائض وكفارة الوطء في نهار رمضان، فهذا كله مثال على تخفيف إسقاط.

طيب، نوع ثاني: تخفيف تنقيص، يعني اختصار من العبادة، كقصر الصلاة الرباعية، القصر هو تنقيص وليس إسقاط؛ بدل ما تصلي الظهر أربعة بتصليها ركعتين في السفر. طيب، تخفيف إبدال، كالتيمم عند فقد الماء كالتيمم عند فقد هو بدل عنه، أو عند التضرر باستعماله، والانتقال إلى الصوم ثلاثة أيام عند عدم القدرة على إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة.

رابعًا: تخفيف تقديم، كجمع الصلاتين في السفر في وقت الأولى، وكذلك الجمع في غير السفر فإن الجمع يكون في السفر وفي الحضر بضوابطه، وكذلك تقديم إخراج الزكاة حول أو حولين، مش يجوز تعجيل الزكاة حول أو حولين بضوابطه؟ هذا نوع من أنواع التخفيف التقديمي لمن كان يحتاج هذه الأمور. طيب، كذلك مثلاً في الحج لما أجاز النبي عليه الصلاه والسلام أن يدفع النساء والصبيان من مزدلفة إلى منى قبل، النبي عليه الصلاه والسلام الآن الأصل في منى كسنة، الآن خلينا نقول السنة أن الإنسان متى يدفع؟ بعد طلوع الفجر يبدأ التحرك باتجاه منى، صحيح يبدأ التحرك، لكن النبي عليه الصلاه والسلام أذن كما قالت عائشة، أذن للنساء والضعفة أن يتحركوا، يقدموا السير إلى منى قبل طلوع الفجر، هذا مثال على تخفيف تقديم تمام. أن الأصل أنك تسير إلى منى بعد طلوع الفجر، مش هيك تفعلون في الحج هذه السنة؟ لكن النبي عليه الصلاه والسلام أذن للضعفة، وأنه طبعاً اختلف الفقهاء بالتالي، هل يجوز للضعفة والنساء رمي الجمرة قبل طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس كما هو معتمد أصحابنا؟ معتمد أصحابنا يجوز للعموم، يعني حتى جعلوها رخصة عامة، هناك من جعلها رخصة خاصة، هناك من قال لا يجوز رمي الجمرة قبل طلوع الفجر وبعضهم قال قبل طلوع الشمس إلا للنساء والضعفة، هؤلاء هي الرخصة لهم، رخصة تقديم، وأما غيرهم يجب أن يلتزموا بالموعد. لكن أصحابنا الحنابلة عمموه فجعلوها رخصة عامة، أنه يجوز للجميع أن يرموا الجمرة من بعد منتصف الليل، وإن كان الأولى هو التمسك بسنة النبي عليه الصلاه والسلام في وقت الرمي.

عندنا أيضًا تخفيف تأخير، كجمع الصلاتين في السفر في وقت الثانية، وتأخير الصيام الواجب للمرض ونحوه تمام؛ فجمع الصلاتين في السفر جمع تأخير هذا مثال على تخفيف التأخير. كذلك تأخير الصيام الواجب للمرض، أنه إذا أنت مريض لا يلزمك الأداء، وإنما يمكنك أنك تقضيه قضاءً. طيب، تخفيف ترخيص، كجواز أكل الميتة عند الضرورة، ودفع الغصة بشرب الخمر عند عدم وجود غيره، يعني أنت تشرب، أو عفوًا وأنت تأكل شردت غصت تمام، وأنت تشرب غص، يعني وأنت تأكل شردت بلقمة فلم تجد أمامك إلا خمراً فأخذتها فشربتها حتى تجعل اللقمة سائغة، هذا أيضًا من تخفيف الترخيص. طيب، تخفيف تغيير، تغيير الهيئة، قالوا مثل تغيير نظام الصلاة في صلاة الخوف، صلاة الخوف لا تؤثر في عدد الركعات صحيح، وإنما يؤثر الخوف على هيئة الصلاة، فيحصل فيها من التخفيف، وأنه جماعة تصلي هنا وجماعة تصلي هنا، وجماعة، والامام قد يركع بجماعة ويسجد بجماعة ويبقى الصف الثاني قائمًا يحرس، فهو تغيير في الهيئة وليس في العدد حتى نقول والله إنها من قبيل تخفيف التنقيص، بل الخوف يؤدي إلى تخفيف في التغيير، وقس على ذلك أي مشقة من المشاق على التغيير في ماذا؟ في هيئة أداء العبادة وليس في إنقاص شيء منها.

فهذه أبرز يعني هنا سبعة، هذه سبعة أبرز الأنواع من التخفيفات التي تأتي بها المشاق.

طيب، نأتي الآن إلى الجهة الثالثة في ذكر القواعد الفقهية المندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير، وهنا ذكر الشيخ سبع قواعد؛ القاعدة الأولى: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، القاعدة الثانية: الضرورات تبيح المحظورات، القاعدة الثالثة: الضرورة تقدر بقدرها، القاعدة الرابعة: ما جاز لعذر بطل بزواله، القاعدة الخامسة: الميسور لا يسقط بالمعسور، القاعدة السادسة: الاضطرار لا يبطل حق الغير، القاعدة السابعة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. فهذه سبع كاملة، ندرسها واحدة واحدة مستعينين بالله.

طيب، القاعدة الأولى قال: إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق، هذه القاعدة عبارة عن جملتين، الجملة الأولى تقول لك إذا ضاق الأمر اتسعت فيه الشريعة، والعكس إذا اتسع إلى حالة مخوفة تضيق فيه الشريعة. الشطر الأول من هذه القاعدة إذا ضاق الأمر اتسع من عبارات الإمام الشافعي وقد نسبها إليه الزركشي وغيره، ثم تداولها بعد الإمام الشافعي كثير من الأئمة وذكرت في جملة من كتب القواعد، وأما الشطر الثاني إذا اتسع الأمر ضاق فقد صرح بها الإمام ابن أبي هريرة، ابن أبي هريرة هذا انتبهت، أئمة الشافعية هذا مش الصحابي ابن أبي هريرة وليس ابنه، يعني هذا إمام متأخر عن الصحابة تمام، أحد أئمة الشافعية، فأخذها كثير ممن كتب في القواعد الفقهية وجعلوها متممة للعبارة السابقة، يعني كأنها مأخوذة وحدها كانت ثم دمجت مع القاعدة السابقة فأصبحت قاعدة مركبة من شطرين.

وهذه ربما يعبر عنها في أصول الفقه بأيش؟ بسد الذرائع وفتح الذرائع أيضًا يمكن أن تكون قريبة منها قاعدة ماذا إذا ضاق الأمر اتسع، يجب أن نفتح الذرائع والوسائل نعطي للناس مساحة، والعكس إذا اتسع الأمر وأصبح مخوفًا ضاق فبنحسم ونسد الذرائع. الجهة الأولى في معناها، تدل القاعدة على أن وجود ضيق طارئ على المكلف يوجب التوسعة عليه حتى يذهب عنه الحرج، فمتى ذهب عنه ذلك الحرج رجع الأمر إلى ما كان. فشطرها الأول بمعنى إذا ضاق الأمر اتسع، هو بالذات أو هو نفس معناه عفوًا إذا المشقة تجلب التيسير، القسم الأول إذا ضاق الأمر اتسع هو نفس معنى المشقة تجلب التيسير يعني لا تبعد عنها كثيرًا. قال الإمام ابن السبكي عليه رحمه الله: المشقة تجلب التيسير، وإن شئت قلت إذا ضاق الأمر اتسع، يعني كأنه اعتبرها هذه تعبير عن هذه.

ذكر بعض الفروع الفقهية يقول: من لم يستطع القيام في صلاة الفرض جاز له أن يصلي ماذا؟ جالسًا، إذا أنت لا تستطيع القيام ركن من الأركان في صلاة الفرض إذا لم تستطع القيام إما لعجز دائم أصبح معك أو لحالة مرضية، هنا نقول ضاق الأمر عليّ في القيام فيتسع الحكم الفقهي فلك أن تجلس، فمتى ذهب العذر وعدت تستطيع القيام تقوم. كذلك من خشي الهلكة جوعًا ولم يجد إلا ميتة، فهنا جاز له الأكل منها، ضاق الأمر عليك فاتسع الحكم لك، ضاق الأمر عليك فاتسع الحكم لك جاز أن تأكل منها، فمتى وجد غير الميتة نرجع، إذا لا نرجع نضيق، نرجع لما كنا عليه.

كذلك مثلاً قبول شهادة النساء والصبيان في المواضع التي لا يحضرها الرجال؛ تمام يعني خاصة مثلاً في قضايا النسب، قضايا النسب والقضايا المتعلقة بالنكاح أو القضايا المتعلقة بالجنايات، الأصل لا تقبل شهادة النساء والصبيان، وإنما شهادة النساء وامرأتين تقوم مقام رجل هذه في قضايا الأموال، لكن في أحوال معينة متعلقة بالمسائل الأمور النكاحية وإثبات الأنساب هي التي تعرف فيها النساء؛ لأنه مثلاً يشهدن عمليات الولادة قديماً، يدخل المرأة كانت هي التي القابلة تكون وهي التي تخرج الأطفال، أو الرضاع من الذي يشاهد في العادة؟ النساء بين بعضهن البعض، ففي قضايا الرضاع وقضايا الولادة وما شابه ذلك والعيوب التي تحت الثياب في النساء مثلاً العيوب الداخلية، عادة يعرفها النساء ومن بعضهن، فلذلك الشريعة في مسائل متعلقة بالقضايا الأسرية أو حتى قضايا الجنايات قبلوا فيها شهادة النساء والصبيان، إذا كان هذا هو الحل الوحيد من باب أنه إذا ضاق الأمر اتسع. ولذلك يقولون إذا كان هناك صبية يلعبون وسقط أحدهم جريحاً، فرفعت قضية على شخص أنه هو الذي جرحه من الأطفال الآخرين ووصل الأمر إلى القاضي، فهل يقبل القاضي شهادة الصبيان غير المكلفين؟ آه تعال يا طفل، تعال يا موسى، مين ضرب مين؟ مش هيك في المدرسة بيفعلوا، واحد طالب ضرب طالب وفي طلاب حاضرين، فبيجي الأستاذ حتى يفصل المشكلة، يلا تعالوا يا مين كان من الشباب حاضر؟ هذول غير مكلفين، تقبل شهادة غير المكلف؟ قالوا إذا كان الصبيان مجتمعين ولم.

يعودوا إلى منازلهم، فيقبل القاضي كلامهم بخلاف ما إذا تفرقوا وعادوا ثم أحضروا من منازلهم. قالوا: الاحتمال أنه يكون تم تلقينهم من قبل آبائهم، تمام؛ ففي ضوابط في قبول شهادة الصبيان فقط للفكرة. لكن هي عموما استثنائية؛ قبول شهادة النساء والصبيان في الجنايات وقضايا الأسرة هي عموما استثنائية دفعاً لضياع الحقوق. والأصل في ذلك متفق عليه وإن اختلف في الفروع؛ يعني وين نطبق شهادة النساء والصبي وين ما نقبلها، هذه في الفروع الفقهية بين المذاهب محل الاختلاف.

سنلاحظ هنا أن الشيخ ركز فقط على أمثلة الشق الأول من القاعدة، وهي أمثلة إذا ضاق الأمر اتسع، لكنه لم يركز على الجزء الثاني وهو إذا اتسع ضاق، باعتبار أنها ليست موضوعنا. هو اعتبر أن الشق الثاني ليس موضوعنا لا تدخل تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير، لكن لا مانع من أن نقول يا إخواني قاعدة الشريعة أنه إذا أصبح التوسع يؤدي إلى مفاسد، فهنا يذهب المفتي أو القاضي إلى التضييق. وهذا أمثلته كثيرة في الشريعة، فمنها ما فعله عمر رضي الله عنه في طلاق الثلاث؛ وإن طلاق الثلاث كان واحدة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. من قال لزوجته أنت طالق ثلاثاً، كانت طلقة واحدة تعتبر إذا قالها في مجلس واحد في لفظة واحدة، لكن عمر رضي الله عنه قال: إن الناس قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه سعة. شوف عبارة عمر: إن الناس تتابعوا، يعني تدافعوا وتساهلوا في أمر كانت لهم فيه سعة، فلو أمضيناه عليهم جعل الطلاق بالثلاث في مجلس واحد ثلاث طلقات.

وهذا ما عليه المذاهب الأربعة، طبعاً بقي خلاف ابن حزم وخلاف ابن تيمية مع خلاف بعض السلف، مسألة فيها خلاف. لكن عمر والذي مشى على قول المذاهب الأربعة رأى ما ذكره كثير من الفقهاء، وهو أنه يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفساد، وأن الناس كلما توسعوا وتلاعبوا في أمور الشريعة... هنا يخطئ بعض الشباب المفتيين ويقول لك: يا أخي الناس أصبح عندها نوع من التوسع في أمور الشريعة، فإحنا لازم نتفهم هذا التوسع ونتماشى معه. لا يا أخي، لا يتماشى مع هذا التوسع، بل الأصل أن هذا التوسع عند الناس والتساهل المخيف والمقلق يجعلني أضيق عليهم في كثير من الأمور. فلما رأى عمر بن الخطاب الناس في زمنه أصبحوا يتساهلون في تطليق الثلاث، يشوف زوجته أغضبته أو خرجت بدون إذنه فيقول لها روحي أنت طالق بالثلاث؛ لما أصبحت الناس تتساهل فيها رأى أنه من السياسة الفقهية أن يلزم الناس أن الثلاث ثلاث. وهذا من فهم عمر الله يرضى عنه، أنه كانت الثلاث واحدة نوع من التخفيف والتيسير من النبي عليه الصلاة والسلام للأخطاء الفردية.

فإذا صار خطأ مستقراً وحالة عامة مجتمعية، لم يقصد النبي عليه الصلاة والسلام أن تبقى تلك المعالجة، وهذا يدل على فقه عمر لأحكام النبي عليه الصلاة والسلام ولأقضيته ولتأويله. إن عمر كان يدرك أن تلك الفتوى أو ذلك الحكم إلى النبي عليه الصلاة والسلام كان حكماً لأن الناس كانت طيبة وكانت فلتات يصدر منهم طلاق الثلاث، لما رأى أن الموضوع أصبح فيه تتابع وفيه تساهل، رأى أنه لا، إذاً يجب أن نلزم الناس بمقتضى اللفظ، ومقتضى اللفظ ثلاث، تتحمل مسؤولية كلامك ثلاث. وبالتالي المذاهب الفقهية رأت أن عمر لم يخالف فتوى النبي عليه الصلاة والسلام -حاشى عمر من ذلك-، وإنما عمر أدرك سر الفتوى الأصلية، وهي أنها لما كانت حالة استثنائية أنه الرجل يطلق ثلاثاً في جلسة واحدة عفي في الاستثناء، خلص حالات استثنائية نادرة في المجتمع النبوي. لكن اليوم أصبحت ظاهرة، فهو أدرك أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما عفا في تلك الأحوال وجعل الثلاث واحدة لأنها استثناء نادر. أما الآن إذا كانت حالة، فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام حياً في زمان عمر لألزم الناس أن الثلاث ثلاث.

ولذلك كلما جاء زمان فالذي بعده شر منه، فلن يكون الزمان الذي بعد عمر أفضل من الزمان الذي كان في زمن عمر، فلذلك المذاهب الأربعة مشت على فتوى عمر. طبعاً يبقى مناقشات ابن تيمية رحمه الله عليه الإثرائية والمفيدة، وإمكانية تطبيق تلك الفتوى الأصلية أن الثلاث واحدة في بعض الغلطات أو الفلتات أو الأحوال الاستثنائية على حسب تقدير الفقيه للمشهد. هنا كلام ابن القيم في إعلام الموقعين أن هذه المسألة كلام عال وفخم لمن يريد الرجوع إليه، وعموماً هذه قضية إذا اتسع ضاق؛ هذه كما قلنا يجمعها ما قالوا إنه يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفساد. يعني إذا رأينا أهل الزمان فسد حالهم في كثير من الممارسات، تفعلونه وكان مباحاً لمن قبلهم، نشدد عليهم فيه ونضيق عليه فيه.

نأخذ مثلاً مثالاً آخر: قول عائشة لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم النساء في زماننا لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل. الآن خروج المرأة إلى المسجد كان فيه سعة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام بالشروط، أن تخرج باللباس الشرعي وبإذن زوجها، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». فلذلك يكره لك أن تمنعها إذا كانت منضبطة متمسكة بالأحكام الشرعية في الخروج والولوج. لكن عائشة في زمنها لما توسع النساء في الخروج وأصبح فيه شيء نوع من الزينة الظاهرة -وهذا زمن عائشة يعني بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام لم يتجاوز الأمر 40 سنة- تخيل، رأت عائشة أن النساء بدأت تتوسع في الخروج إلى المساجد وتتخذ ذلك بعضهن ذريعة إلى إظهار الزينة، فقالت: لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ما أدركناه في زماننا لمنع نساء المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل. وهذا يدل كما قال في بعض الروايات، فإنه قال رجل لعائشة من سألها: وهل منعت نساء بني إسرائيل؟ فقالت: نعم، إنه نساء بني إسرائيل أذن لهن بالخروج إلى المجامع العامة للصلوات في أزمنة أنبيائهن وبدؤوا يظهرون الفتن فمنعوا من المساجد، وهذه الأمة للأسف تجري على خطا من قبل حذو القذة بالقذة، نسأل الله السلامة والعافية.

فإذا قضية إذا اتسع، ترى أمثلتها مهمة أيضاً جداً أنه واقعنا المعاصر يحتاجها؛ إذا اتسع ضاق. بعض الناس يستشهد بأمور كانت في الزمن الفاضل في زمن النبوه محل سعة، فيأتي بعض مشايخنا اليوم الفقهاء يشدد فيها ويضيق فيها، تمام؛ فنعم يضيق فيها، لأنه أنا من أرى ما أراه في واقعي من المصائب وانفتاح الناس يجعلني أحكم بماذا؟ بالمسطرة فيها، لأنه أدرك أن الصحابة كانوا يفهمون من النبي عليه الصلاة والسلام الاستثناءات في مكانها والتوسيعات في مكانها. لكن أنتم يا رعاكم الله لا تفهمون التوسيعات في مكانها، فتصبح التوسيعات سبباً للتبرج للسفور للاختلاط للمعاصي، فهنا عندئذ نعم نحكم ونمنع، نحكم ونمنع ونسير على خطى عمر رضي الله عنه في فهم روح الشريعة ونصوصها.

لكن كما قلت هذا في التوسعة التي فيها فساد، أما التوسعة الطبيعية الاعتيادية فنحن لسنا ضدها، بل نحن معها ونؤكدها.

القاعدة الثانية: الضرورات تبيح المحظورات. هذه قاعدة مشهورة ومتداولة على ألسنة العامة والخاصة اليوم، والكل يستعملها فيما هب ودب حتى فيما ليس من الضرورات، بل حتى في التحسينيات يعتبر أن التحسينيات تبيح المحظورات. هذه من أشهر القواعد عند أهل العلم وذكرها بهذا اللفظ جماعات في كتب الفقه والقواعد، إلا أن كثيراً ممن كتب في القواعد كابن السبكي وتبعه السيوطي وابن نجيم جعلوها متفرعة عن قاعدة المشقة تجلب التيسير، ولذلك الشيخ تبعهم، والبعض مثل الشيخ أحمد الزرقا قال لا، قال هذه القاعدة الضرورات تبيح المحظورات هي أليق بقاعدة الضرر يزال، وستذكر في القاعدة الكلية الكبرى الرابعة لا ضرر ولا ضرار، وليس في قاعدة المشقة تجلب التيسير؛ يعني أنها أحد فروع القاعدة الكلية الكبرى التي ستأتي معنا إن شاء الله لا ضرر ولا ضرار، باعتبار أنها تتكلم عن الضروريات، والضرورات هي أغلبها أضرار يقع فيها الإنسان في حياته تبيح له المحظورات. فأخذوا فيها جانب الضرر، وأن الضرورات قد تكون مأخوذة منها، وإن كانت كلمة الضرورات هي الأمور الملجئة، ويلازمها الضرر عادة، ممكن نقول فعلاً الضرورة نقول هذا أمر ضروري، اضطراري، فيها نوع من الإلجاء، فيها نوع من الشعور أنني إذا لم أقم به سيلحق به نوع من الضرر. إذا كان من هذا المأخذ ألحقوها بقاعدة لا ضرر ولا ضرار فهذا محتمل. لكن هنا يقول وجعل الشيخ أحمد الزرقا متفرعاً عن قاعدة الضرر يزال وعن قاعدة وإذا ضاق الأمر اتسع، الآن تجعلها تفريع لقاعدة إذا ضاق الأمر اتسع، رجعنا لنفس المربع الذي نحن فيه، لنفس المساحة التي نحن فيها، وستكون ملحقة بقاعدة ضاق الأمر اتسع والخطب يسير. يعني قضية سهلة هي قضية تصنيفية، ليست قضية تحتاج إلى تدقيق أكثر من ذلك.

الكلام من عدة جهات: الجهة الأولى في معناها؛ الضرورات جمع ضرورة، وهي تختلف عن الحاجة كما قلنا في مقاصد الشريعة دائماً؛ ذكرنا في أصول الفقه أن مراتب المتطلبات البشرية على ثلاث مراتب: تحسينيات وهذه أدناها، وحاجيات، وضروريات. فالضرورات هي الأعلى ثم بعد ذلك الحاجات ثم بعد ذلك التحسينات. فمن المهم جداً يا إخواني أن نفهم الناس أنه لا يصح أنك تنزل هذه القاعدة هكذا على حاجاتك وتحسينياتك وتقول الضرورات تبيح المحظورات. الناس اليوم لا يضبطون مفهوم الضرورة، أصبحت كلمة الضرورة كلمة مجانية تسقط على أي نوع من الاحتياج الحياتي، يقول لك هي ضرورة، لا كلمة الضرورة كلمة منضبطة في الشريعة لها دلالتها وما عداه فإما حاجي أو تحسيني، فلا ينبغي التلاعب في دلالة هذه العبارة.

فسرها الإمام الزركشي الضرورة فقال: الضرورة بلوغه حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب من الهلاك، كالمضطر للأكل واللبس بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لتلف منه عضو وأصبحت معه مشقة دائمة أو عاهة جسدية، فهنا نقول هذه ضرورة تبيح لك تناول المحرم. شوف شو ضابط الضرورة، نتكلم عن هلاك أو تلف عضو أو مرض دائم مزمن من هذا القبيل. قال والحاجة كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك غير أنه سيكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح له أن يأكل الحرام لأنه هو لن يهلك، لكن سيكون في نوع من التعب والإرهاق، نقول استحمل التعب والإرهاق.

والمحظورات جمع محظور، والمراد به هنا لما نقول الضرورات عرفنا ضابط الضرورة وهو كل ما يؤدي إلى إتلاف نفس أو إتلاف عضو أو حالة دائمة من الأمراض المزمنة وما شابه ذلك، وأما المحظورات ما تعريفها فهي جمع محظور، والمراد بالمحظور المحرم، يعني المشهور أنها مترادفة، وإن كان الزركشي في البحر المحيط ذكر عن بعض أهل العلم أنهم فرقوا بين المحظور والمحرم، ولا يحضرني ذلك التفريق، كأن المحظور هو الذي سبقه إباحة زي محظورات الإحرام، أن المحظور يستعمل فيما سبقه إباحة ثم يحرم في وقت ثم يعاد بعد ذلك تحليله، فيقول هذا محظور، بخلاف ما كان محرماً من البداية فهذا يسمى محرماً. يعني هي طبعاً كلها تفريقات اصطلاحية، لكن المشهور عند الناس أن المحظور والحرام بنفس المعنى في الدلالة. قال فالمراد من القاعدة إذاً أن المرء إذا وقع في ضرورة ولم يمكنه الخلاص منها إلا بفعل محرم جاز له فعله ولا حرج عليه ولا إثم.

واضح هذا المعنى، ويشترط لذلك -هذا الضابط يا إخواني انتبهوا- يشترط لتطبيق هذه القاعدة أن يكون الضرر أعظم من المحظور، يعني الضرورة التي ستقع عليك مفاسدها أعظم من مفاسد ارتكاب المحظور. أنت الآن في ضرورة، هي الضرورة لها مفاسد وهو أنك تهلك أو يهلك عضو منك أو تصاب بمرض مزمن، أليس هذه مفاسد؟ إذا كانت مفاسد الضرورة أعظم من مفاسد المحظور وارتكاب المحظور، هنا نقول الضرورات تبيح المحظورات. أما إذا كان العكس، الشيء الذي أنت تسميه ضرورة مفاسده أقل من مفاسد ارتكاب المحظور، مثل ماذا؟ مثل الإكراه على القتل، لو أنا مسكت مسدساً ووضعته على رأسك وقلت لك اقتل فلاناً أو أقتلك، تقول لي يا شيخ أنا في ضرورة، أنا في مشقة، الضرورة تلف ستتلف نفسي، خلص خليني أقتل فلاناً، يا شيخ الضرورات تبيح المحظورات، نقول لك لا، نقول لك هنا نعم أنت في ضرورة وفي تلف، لكن هذه الضرورة مفاسدها ليست أكثر من مفاسد قتلك لتلك النفس المعصومة. أليس كذلك؟ مفسدة قتل نفس معصومة مثل مفسدة قتلك، صحيح؟ فإذاً في هذه الحالة لا يجوز أن تطبق قاعدة الضرورات تبيح المحظورات فتقوم بقتل الآخرين بحجة أنك مكره، لماذا؟ لأنه نفسك ليست بأعز من نفسك، فليست الضرورة مفاسدها أعظم من مفاسد ارتكاب المحظور، والارتكاب المحظور هنا مفاسده أعظم، مش مساوية فقط، بل أعظم من جهة أنك ستتعود على القتل وستستهين وستتعود أنه أي شخص يهددك بأدنى تهديد تقوم بقتله، يعني سيصبح لها مفاسد نفسية أكثر وأكثر وواقعية وسلوكية. فلذلك نقول هذه القاعدة تحتاج إلى ضبط، ولذلك مثلاً اختلفوا لو أنه أكره على الزنا، لاحظ أن كثيراً من الفقهاء ماذا قالوا؟ قالوا لا يزني بالمرأة ولو قتل، ورأوا أن الضرورة مفاسدها...

أن تقتل أهون من أن تزني بامرأة مسلمة. كثير من الفقهاء، وإن كان فيها خلاف هذه الثانية، لكن كثيرًا من الفقهاء قالوا يقتل، ورأوا أن الضرورة هنا مفاسدها أقل من مفسدة ارتكاب المحظور وهو الزنا. فلذلك ما ذكره مهم جدًا، وهو أن الضرورات تبيح المحظورات، هذا أول تقييد لهذه القاعدة، يأتي معنا تقييدات أخرى لكن هذا أول تقييد؛ أنه ينبغي أن تكون الضرورة مفاسدها أعظم من مفسدة المحظور. ولهذا قال ابن السبكي والسيوطي والمرداوي: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. هذه يا إخواني فائدة الدراسة العلمية، أنك تصبح تعرف أن القواعد هذه ليست ملقاة في الطريق، هذه قواعد لها ضوابط بشرط عدم نقصانها عنها.

طبعًا كلمة بشرط عدم نقصانها عنها يعني أن تكون مفسدة الضرورة بنفس مرتبة مفسدة المحظور أو أعلى. هذا الذي يظهر لي، يعني أنا أشعر أن هذا التعبير مختلف عن تعبير الشيخ أيمن؛ لأن الشيخ أيمن ماذا قال؟ أن تكون مفسدة الضرورة أعظم من مفسدة المحظور، لكن تعبير القاعدة، تعبير السيوطي وابن السبكي ما هو؟ الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها. طيب كلمة عدم النقصان بالعقل والمنطق ماذا تحتمل؟ المساواة أو الأكثر، فكأنه يقول هنا الضرورات متى تبيح المحظورات؟ إذا لم تكن أنقص منها، إذا لم تكن مفاسد الضرورات أنقص من مفاسد المحظورات. فهذا يشمل أنه إذا كانت مفاسد الضرورات مساوية لمفاسد المحظورات أو كانت مفاسد الضرورات أعلى، فعندئذ يجوز ارتكاب المحظور؛ هذا الذي يظهر لي من هذه العبارة.

وبالتالي سيكون هناك فرق بين تعبير الشيخ أيمن وبين تعبير ابن السبكي والسيوطي والمرداوي، يعني بالتالي يحتاج إلى تدقيق أكثر في عبارة الشيخ أيمن في هذا المقام. وهذا قد يدل على أنه إذا أكرهت على القتل، أو أن تقتل الآخرين، أن هذا مفسدته أعلى، طيب كيف ستكون مفسدته أعلى؟ وأنا نفس معصومة وهو نفس معصومة؟ يقول مفسدته أعلى؛ يمكن يفكر فيها من جهة أنك آثرت نفسك على نفس غيرك، يعني فوق ما أنك ارتكبت جريمة قتل، أنت آثرت نفسك على نفس غيرك، فهنا في مفسدتين: مفسدة الإيثار في غير محله وأنك رأيت أنك أحق بالبقاء من غيرك، وفي نفس الوقت مفسدة أنك قتلت شخصًا، فيمكن نقول هنا أن مفسدة الاضطرار أنقص من مفسدة ارتكاب الجريمة وليست مساوية لها.

قال ابن نجيم عن هذا الشرط: ذكر أصحابنا ما يفيده، أي ما يشير إليه، يعني الحنفية، وقال الشيخ أحمد الزرقا الحنفي: وقواعدنا لا تأباه. نفس الشيء؛ لأن قواعد المذهب الحنفي لا تأباه، لأن القضية مبنية أصلًا على أن كل الشريعة هي ميزان بين المصالح والمفاسد، وأنه يُختار أهون الشرين، وأنه تُدفع المفسدة الأعلى بالمفسدة الأدنى، فقواعد الشريعة العامة لا تأبى هذا النمط من التفكير. وبناءً عليه، فمن هدد بالقتل ليقتل غيره لم يجز له ذلك؛ لأن مفسدة قتل نفسه أخف من مفسدة قتل غيره، مفسدة قتل الآخرين أنك تقتلهم وأنت مكره أعلى من مفسدة أن تُقتل أنت، مش مساوية، أعلى.

بعض أدلة هذه القاعدة قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]. فمن اضطر، جعل وجود الاضطرار سببًا لرفع الإثم والحرج، فهذا يدل على أنه أعطاك مساحة لارتكاب محظور. لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرَرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]. قال: وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه مع أن الله قد فصل لكم ما حرم عليكم، وليس مما حرم عليكم ما ذكرتم اسم الله عليه، وقد شرحت هذه الآية في تفسير سورة الأنعام شرحًا كاملًا. فهو يقول المهم العبرة بالجملة الأخيرة: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرَرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، فهذا يجوز تناوله ولو كنت حرمته عليكم؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. وقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. وهذه أيضًا حالة ضرورة، هذا الإكراه يعتبر من حالات الضرورة، تكره بأن تهدد بالقتل، أو أن تهدد بإتلاف عضو منك، أو أن يحرق عضو منك. طيب أليس هذا شيئًا مخيفًا؟ هي ضرورة؛ لأنه قلنا ضابط الضرورة ما فيه إتلاف نفس أو إتلاف عضو أو مرض مزمن أو شيء يعسكر الحياة وتصبح الحياة معه في مشقة وإجهاد كامل.

الجهة الثالثة في ذكر بعض فروعها الفقهية: جواز أكل الميتة للمضطر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: 173]. ثانيًا: جواز كلمة الكفر للمكره إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، والأصل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. ثالثًا: جواز دفع الصائل، والصائل هو الذي يهجم عليك ولو كان مسلما يريد أذاك، جواز دفع الصائل بالأخف فالأخف ولو أدى في النهاية إلى قتله، لأنه هي ضرورات تبيح المحظورات. رابعًا: جواز أخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه إذا كان من جنسه. يعني أنا لي عندك 50 ألف دينار أردني، وأنت ما سددتني إياها، وسبحان الله أنا رايح للبنك، قال لي مدير البنك: والله هذه 50 ألف دينار لصاحبك الذي لي عندك دين، قلت له: هات لي إياها، ووضعتها في جيبي وعدت إلى المنزل. أو قدر الله وجدت محفظتك ووجدت فيها شكًا بـ 50 ألف دينار أردني أو وجدت الـ 50 ألفًا موجودة فيها نفسها، هل يصح أخذها بدون إذنك؟ نعم، لكن حددها كثير من الفقهاء بأنه ما وجدته من جنس ما أطلبه.

أما مثلًا قالوا: إذا كنت أنا لي عندك 50 ألفًا، فوجدت سيارتك على باب الدار، قلت: يالله بروح آخذ سيارتك بدون إذنك أروح أبيعها وآخذ حقي، قالوا: لا يجوز. قالوا: إنما تأخذ إذا وجدت نفس الجنس؛ أنا لي عندك دينار أردني أجد دينارًا أردنيًا أخذه بدون إذنك. أما لما أروح أبيع سيارتك وأبيع أغراضك وأثاثك بدون علمك بحجة أنني أريد أن أسترد حقي المالي، قالوا هذا لا يصح، خاصة أن البيع والشراء هذا يدخل فيه الغبن، فأنت لما تأخذ سيارتي مشان تبيعها حتى تأخذ دنانيرك، قد تبيعها بأدنى من قيمتها أو يضحك عليك فيها فتكون خسارة مضاعفة عليّ وعلى جميع المشهد، بخلاف إذا وجدت جنس حقك؛ هنا أخذت حقي دون أي زيادة أو ظلم أو احتمالية ظلم للآخرين. كذلك جواز دفع الغصة بشيء من الخمر إن لم يجد مائعًا آخر يدفعها، أنت غصصت بلقمة ولم تجد أمامك على الطاولة ما تدفعها إلا زجاجة خمر، أما إذا وجدت غيرها فيجب العدول إلى غيرها.

القاعدة الثالثة: قال فقهاؤنا: الضرورة تقدر بقدرها. هذا هو الضابط الثاني للقاعدة السابقة؛ الضابط الأول لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات هو أن الضرورة يجب أن تكون مفسدتها مساوية لمفسدة المحظور أو أعلى، والضابط الثاني في تطبيقها هو أن الضرورة إذا أباحت المحظور فإنما تبيعه على قدر الضرورة. وهذا أيضًا للأسف ما يتساهل فيه كثير من الناس، فإذا وقع في حالة اضطرار لا يقدر الضرورة بقدرها بل يعتبر أن الأمر أصبح مفتوحًا له على مصراعيه وأنه يفعل ما يشاء كيف شاء، وهذا أيضًا خاطئ، فالضرورة إذا أباحت لك المحظور فإنما على قدر ما يرفع عنك الضرورة، فإذا ارتفعت عنك الضرورة وعدت إلى الحالة الطبيعية يعود المحظور محظورًا وليس لك أن تتوسع وتأخذ أريحيتك به. ذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ أو قريب منه في كثير من كتب الفقه والقواعد، ومعناها مقرر مشهور عند أهل العلم دون نكير.

الجهة الأولى في معناها: هذه القاعدة تقيد القاعدة السابقة كما قلنا، إذ إنها تبين أنه ما جاز للضرورة لا يتجاوز به قدر الضرورة؛ لأنها إنما أباحت المحظور لرفع الضرر، فمتى ارتفع الضرر بفعل بعض المحظور بقي البعض الآخر منه على أصله وهو الحظر، ولا يجوز أن ترتكبه. يعني أنت الآن جعت وخشيت الهلاك في الصحراء فوجدت ميتة، فكانت الضرورة ترتفع عنك بأكل نصفها، لا حق لك أن تقول: خلاص ما نحن صرنا ماكلينها ماكلينها، فتأكلها كاملة. صورة أخرى: إذا أنت اضطررت مثلًا للجماع في نهار رمضان بسبب عذر الشبق؛ والشبق هو حالة مرضية قالوا يخشى منها تشقق الخصيتين، بعض الناس يعاني من مرض في الخصيتين، وهذه شهوة شديدة جدًا أو حالة شديدة جدًا في عروق الخصيتين، يقول الفقهاء: علاجها إنما يكون بماذا؟ باستفراغ ما في الخصيتين بالاستمناء. فإذا كان شخص في نهار رمضان ومصاب بهذه الحالة واحتاج أن يأخذ العلاج، فيقول العلاج خلاص أذهب أجامع زوجتي، أقول له: لا؛ لأنك إذا جامعتها أفسدت صيامك وصيامها، إذا كان هناك طريقة أخرى لإزالة الشبق دون الجماع فلك أن تفعله، كأن تستمني بيد الزوجة مثلًا، أما استمناء بيدك فينظر فيه، لكن الأصل إذا كان عنده زوجة ويمكن أن يعالج موضوع الشبق بالاستمناء بيدها دون أن يجبرها على الجماع فيفسد صيامها، نقول: الضرورة تقدر بقدرها. أنت الآن عندك مشكلة صحيح، بدك تعالجها، وكل الاستمناء أصلًا وخروج المني منك في نهار رمضان لا يجوز، لكن أنت في ضرورة المرض واضطررت إلى ارتكاب محظور إخراج المني، فنقول: الضرورة تقدر بقدرها، فإذا كان بإمكانك أن تخرجه بالاستمناء بيد الزوجة فهذا الذي يجوز أن تفعله، ولا يجوز لك أن تتوسع، وتقول: ما هي خربانة خربانة يا شيخ، خليني أجامع، لا يصلح لك ذلك.

وقس على هذا أي صورة يمكن أن يرفع فيها الضرر من خلال مخالفة جزئية، لا يجوز الذهاب إلى المخالفة الكلية. وهذا حتى في أمورك الحياتية، وفي السياسة الشرعية، وفي كثير من قضايا الأمة، إذا وقعت الأمة أو الجماعة أو الطائفة في شيء فيه ضرورة وفي إكراه عام، وبالتالي اضطروا أن يرتكبوا بعض المخالفات، فالاصل أنه لا يقولوا: خلاص ما نحن أجزنا ارتكاب المخالفات فتمردعوا وتسرضعوا فيها، ما ينفع. نحن نفهم في بعض الأحايين وفي بعض المساحات وجود صورة الاضطرار على طائفة أو عصمة من المؤمنين، لكن هذا يبيح لهم أن يأخذوا من الضرورة على قدرها، وهنا تأتي المشكلة القوية التي وقعت في فتاوى المعاصرين في مسألة المقيمين في بلاد الكفار، أن الإقامة في بلاد الكفار ليست حالة طبيعية، هي ليست الحالة الأصلية، هي حالة اضطرار، كونك ملاحقًا أمنيًا، أو ضاقت عليك الحياة وخشيت الهلاك في بلاد المسلمين عامة ولم تجد لقمة عيش، ولتحافظ على نفسك وقوت عيالك اضطررت للذهاب إلى بلاد الكفار، فأقمت، ونقول: إذا جاز لك الإقامة فهي حالة اضطرار.

هذا الاضطرار يبيح لك ما هو المحظور، وهو الإقامة في بلاد الكفار، لكن لا يجوز بعد ذلك تتوسع وتقول: طيب يا شيخ بصير آخذ من البنوك الربوية حتى أشتري بيتًا وأتملك، يا أخي ما بدي أظل جالس في الإيجار في بريطانيا أو أمريكا؟ تقول: لا، يأتي بعض المعاصرين ويبيح له والله هؤلاء مضطرون يا شيخ، خلينا نبيح لهم أن يأخذوا قروضًا ربوية من البنوك في بلاد الكفار، ليه؟ لأنه حالة اضطرار، لا هنا أنت بدأت تضيع في مفهوم الاضطرار. إذا اضطر للإقامة في بلاد الكفار فالضرورة تقدر بقدرها، مش بيحل له يأخذ قروضًا ربوية، مش بيحل له أن يعمل سياحة في بلاد الكفار في الأماكن المحرمة، مش بيحل له أن تخلع المرأة حجابها وتأخذ كل شيء، لا بد أن تنتبه؛ حتى إذا أنت انتقلت لمربع أنه مضطر يقيم في بلاد الكفار، فتصبح قضية خلع حجابها أيضًا للاضطرار بحيث تخشى على عرضها أو شيء إذا لبست الحجاب، أما والله بدها تذهب للمدرسة في بلاد الكفار، طيب بدها تروح للجامعة، مش بدها تتعلم يا أخي؟ خلص الضرورات تبيح المحظورات، هذا اللعب بالفتاوى والقواعد الشرعية خطير ومشكل ومخيف، فينبغي يا إخواني أن نتقي الله سبحانه وتعالى وننتبه لما تتكلم به الأفواه، أنت أصلًا عليك أن تنظر في حكم إقامتها في بلاد الكفار أصلًا، لأنه قد يكون كل إقامة في بلاد الكفار هي ليست لحالة اضطرار.

وإنما هي لطلب رغد العيش فقط، وبعد ذلك يجي يقول لي: والله أنا مضطر أتعامل مع البنك الربوي، وابنتي مضطرة تخلع الحجاب. أنت أصلاً كل وجودك غلط! فإذا اضطررت لتقيم في بلاد الكفار، فتأتي قاعدة الضرورة تقدر بقدرها. مش معناها إذا اضطررت أنك برضه تأخذ شيكاً مفتوحاً في خلع الحجاب، والسمر في الأماكن الحرام، وأخذ القروض الربوية؛ لا، الضرورة تقدر بقدرها ولا يتجاوز بها محلها.

الجهة الثانية في ذكر دليلها؛ يستدل على هذه القاعدة بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: 115]. فالباغي قال الذي يأكل شهوة وتلذذاً لا لحاجته، والعادي هو الذي يزيد على حد الضرورة. هذا موطن الشاهد، الباغي هو الذي يأكل بشهوة ومتلذذ بالميتة، مش يأكل وهو يقول يا رب سامحنا والحمد لله على كل حال. المراد من الميتة الأصل، حتى وأنت تفعل المحظور بسبب وقوعك في الاضطرار، تفعله وأنت تستشعر الاضطرار والاحتياج والاستحياء من الله، مش تفعله وأنت مبسوط وشعور الانتصار، هيني ظفرت بشيء من المحظورات، وعندي ضرورة وهي الضرورة تبيح المحظور. وحتى وأنت بترتكب المحظور لا ترتكبه وأنت تأكل هذه المشاوي، لا تشعرني كأنك مسرور أنك ظفرت بالحكم الحرام وأنك أخذته، بل على استحياء غير باغ. ثم قال: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي لم تتجاوز القدر المطلوب، وهذا هو موطن الشاهد وهو سد الرمق.

وإن كان بعض المسائل الحقيقة فيها خلاف في قضية في بعض الأمور، مثلاً هل يأكل منها بقدر سد الرمق ولا يأكل ما يشبعه؟ هنا الخلاف ليس في قضية أن الضرورة تقدر بقدرها، وإنما في تقييم كيف تقدر بقدرها. يعني البعض يقول تقدر بقدرها أن تأكل بمقدار سد الرمق، يأتي فقيه آخر يقول لك: لا، له أن يشبع؛ ليه؟ لأنه هو رح يقطع في الصحراء أكثر فيخشى أن يتكرر معه الجوع مرة أخرى. فأنا هون بقول له إن تقدر بقدرها أن تصل إلى حد الشبع حتى نعطيك مساحة من الوقت، أنت ما تعرف متى ستصل إلى المدينة أو متى ستجد بر الأمان. فقد يقع خلاف بين الفقهاء في تحقيق المناط، ما هو مناط الضرورة في بعض الصور؟ فالبعض يقدره بسد الرمق، والبعض يقدره بأن يشبع.

بخلاف مثلاً مسألة الحاجيات، لما قلنا الذي حضر طعامه وأقيمت الصلاة، مش قلنا إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة بماذا تبدأ؟ بالطعام. طب هل له أن يشبع؟ عند أصحابنا الحنابله قالوا له أن يشبع، لأنه هنا ما اعتبروها من قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، بل هذه قضية حاجية. يعني هنا هو لو ما أكل مش رح تدمر الدنيا، هذا رجل حضر طعامه فاشتهى، فبالتالي قالوا وجود الطعام رخصة من الله تبيح لك ألا تحضر الجماعة. طب إذا كانت تبيح لي ألا أحضر الجماعة، عدم صلاة الجماعة مش حرام عند الحنابله، مع ذلك تم استثناء حضور الجماعة بالطعام. طب هل هنا الطعام كان للضرورة؟ لا، نحن بنحكي عن حاجة، قال طعام يشتهيه أو يحتاج كما عبر البعض يحتاج مش مضطر إليه، فهذا يدل على أن بعض المحرمات زي ترك صلاة الجماعة -مع أنه محرم- جاز تركه بما ليس بضرورة.

صح، هذا الكلام هنا عن شخص لن يصلي جماعة، خلاص ستفوتك الجماعة وستصلي منفرداً. طب أن أصلي منفرداً مع وجود الجماعة حرام؛ لأنه صلاة الجماعة واجبة، مفهومة، إذا تركها حرام. أنا هنا فعلت الحرام وهو ترك صلاة الجماعة، مع أن العذر الذي أعطيت به هذه المساحة ليس ضرورة، وإنما حاجة. هذه قضية سنناقشها في القاعدة الأخيرة من القواعد المستثناة وهي مسألة الحاجة متى تنزل منزلة الضرورة، وأن الحاجه متى يتم معاملتها معاملة الضرورة، وأنه فعلاً حتى بعض صور الحاجات الشريعة أباحت بها محظورات. أنا لما أقول لك أن تأكل وإن فاتتك صلاة الجماعة كلياً، أنا كأنني أبحت لك محظوراً وهو ترك الجماعة لحاجة من حوائجك. والحنابله ما اقتصروا فقط هنا على سد الرمق بل قالوا له أن يشبع ولو أدى ذلك إلى فوات صلاة الجماعة. طب لماذا؟ هذه كلها أمور خليها في دينك، نبحثها إن شاء الله في موطنها من القاعدة الأخيرة.

الجهة الثالثة في ذكر بعض فروعها الفقهية؛ لا يجوز للمضطر مثلاً هنا قالوا أن يزيد على ما يسد رمقه من أكل الميتة؛ لأنها الميتة أبيحت للضرورة فتقدر بقدرها، نص على ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة. بده يضل سؤال في ذهني: لماذا هنا اقتصرت على سد الرمق في أكل الميتة بينما في صلاة الجماعة ما اقتصرتم على سد الرمق، بل قلتم له أن يشبع؟ مع أنه هون في فعل محظور وهو أكل الميتة، وهناك في فعل محظور وهو ترك صلاة الجماعة. طبعاً أنت ممكن ابتداءً في بادي الرأي تقول إنه في فرق أساسي من جهة ماذا؟ أنه أكل الميتة هو نفسه حرام، بالتالي أنا الآن الذي عم برتكبه هو أنني عم بأكل من نفس الميتة اللي هو حرام أكلها، فالاصل أني اقتصر على قدر الضرورة. لكن هناك المشكلة هي ماذا؟ هي ترك صلاة الجماعة، هي المشكلة مش في نفس الطعام، هي المشكلة هناك المحظور ما هو المحظور؟ ليس في نفس الطعام المأكول، المحظور هناك هو ترك أو تفويت صلاة الجماعة، وأما الطعام نفسه كطعام ما في فيه مشكلة بحد ذاته، هو طعام حلال مطبوخ بالطريقة الشرعية، فبالتالي الوصول إلى حد الشبع متصور فيه.

أما هنا الميتة، لا، هي المشكلة فيها نفسها، ما بصير أتناولها، فأي شيء عم بأكله زيادة أنا عم بأكل من نفس الشيء الحرام. رح تقول لي طب هناك نفس الشيء، أي لقمة زيادة عن سد الرمق بالنسبة لمسألة الصلاة، أي لقمة زائدة عن سد الرمق أو سد الاحتياج الأساسي، خلينا نقول سد الاحتياج الأساسي لأنه هناك مش سد رمق، هناك احتياج؛ لأنه هناك ما بحكي عن شخص بده يموت، أي لقمة زائدة هي قد تكون مؤدية إلى فوات صلاة الجماعة. فهنا يحتاج أن ينظر إلى ما هو لغيره وما هو لذاته، يجب أن يفرق بين ما هو لغيره؛ فمثلاً هنا أعطوا للشبع، بينما هنا الميتة لذاتها ممنوعة فاقتصروا فيها فقط على قدر الضرورة منها وهو سد الرمق. ولعل هذا نبحثها أكثر إن شاء الله في المسألة التي تأتي أو القاعدة التي تأتي، من استشير في خاطب، شوف هذه المسألة من استشير في خاطب وكان التعريض كافياً؛ كقوله مثلاً قيل لك يا فلان والله انعرض على بنتي فلان الفلاني، ايش رأيك فيه كونك بتعرفه صاحبه؟ الآن في ناس بقول لك يا أخي أنا هي فرصة عمري أنا من زمان حاب فلان أخلص عليه أحكي عنه، بس الغيبة حرام. آه، بس هنا مقام نصيحة، والشريعة أباحت لنا أنه نكلم الناس بمثالب الخاطبين، حتى والمستشار مؤتمن. نقول صحيح، يجوز لك بل يجب عليك، يجب عليك إذا تعرف في الشخص عيب أن تبينه لأهل البنت، يجب إذا كنت أعرف أن في الشخص عيب أن أبينه، وهذا خلاف الأصل؛ أنه هنا ما هو الحرام؟ الغيبة والكلام على الناس من وراء ظهورهم بما يكرهون، هذا حرام. ما الذي يجيزه مثل هذه الحالة حالة الزواج؟ لأن المستشار مؤتمن، فلحالة الزواج هو اعتبرها ضرورة.

لكن هذا المثال أنا في رأيي يحتاج إلى إعادة نظر هنا، لأنه هنا هل حينك عن ضرورة ولا عن حاجة؟ يعني هل قضية إخبار الناس بعيوب الخاطبين هل هي فعلاً وصلت لمنزلة الضرورة بحيث لو لم أخبرهم لأدى إلى فساد نفس أو فساد عضو أو مرض مزمن، ولا هي قضية أقرب إلى الحاجيات، أنه الإقامة مع شخص سيء الأخلاق فيها جهد ومشقة كبيرة؟ في اعتقادي هذه أقرب إلى الحاجيات وليس إلى الضرورات، ومع ذلك إذا هينا نلاحظ مثالاً آخر، إذا صنفناه على أنها حاجي، أنه حتى الحاجيات قد تبيح بعض المحظورات في بعض الأحايين، وهذا بالتالي بخليك تركز في القاعدة الأخيرة، أنه نحاول نفهم متى الحاجيات أيضاً تبيح المحظورات.

المهم إذا نزلناها منزلة الضرورة يعني على سبيل التنزل، فقلنا أثناء الإخبار ينزل منزلة الضرورة، فهل لي أن أتوسع في الإخبار عن كل عيوبه؟ إذا كان الإخبار عن عيب واحد سيجعله لا يزوجه، ليس لي أني أذكر كل عيوبه. أقول له اجاك واجاك الفرج، تعال فلان ترى فلان هذا واحد اثنين ثلاث، هسه هي واحدة رح تخليه ما يزوجه، فإذا رأيته خلص أعرض عن تزويجه من أول خصلة، لا تذكر غيرها. أما إذا رأيت أول خصلة هو شكك فيها وأنه ممكن يزوج له بس بدي أنبهك أنه عنده خصلة ثانية عيب ثاني وكذا وكذا، إذا شفته لسه ممكن يزوج، يعني بزيد بذكر العيوب على قدر الحاجة. فإذا كان مجرد قولي له فلان لا يصلح وفيه عليه إشكالات بدون أن أفصل فيها سيجعله يتركه، ما بفصل أصلاً وأقتصر على التعريض، أقول له أنت تثق برأيي؟ قال لي آه والله بثق، ولك فلان لا يصلح. خلاص إذا كان هذا سيجعله يتركه لا يجوز لي أني أتوسع في ذكر العيوب، خلص هو تركه. لكن إذا كان الأمر لن يكتفي ويحتاج إلى تفصيل وجرح مفسر على طريقة المحدثين، فساعتها أنا مضطر للجرح المفسر، وحتى أهل الحديث لما كانوا يضطرون للجرح المفسر كانوا يتكلمون على قدر الضرورة، وليس كما يفعل اليوم أهل الأهواء ممن يجلس يغتاب العلماء وطلبة العلم ويقول لك هذه مش غيبة، هذا جرح وتعديل، هذا ذكر حتى يحذرون من الحركيين وغير الحركيين والكلام هذا الذي يقولونه، فهذه غيبة لكن يتم تلبيس لباس شرعي ويتم تجميلها ووضع شيء من الزينة المجملة عليها.

نعم التحذير من أهل البدع صحيح، والتنبيه على مذاهبهم صحيح، ولكن أيضاً حتى الكلام إنما على قدره. فرق بين أن تقول فلان عنده بدعة -أولاً تكون متأكد أنها بدعة وليس بهواك- ثم تتكلم على قدر الحاجة إليها. أما أن تصبح فاكهة المجالس وحديثك في كل مورد، ويصبح فيها نوع من التشفي، وتقول لي بعد ذلك والله العلماء أجازوا الجرح وهذا من حفظ الدين وكذا وكذا، وتؤول لنفسك ارتكاب الكلام المستمر، فهذا حقيقة من تزيين الشيطان وزخرفته، قال لم يجز عدوله إلى التصريح بذكر العيوب والمثالب على ما قرره الشافعية، لماذا قال؟ لأن الأصل تحريم الكلام في الأعراض، وإنما يجوز هنا للضرورة فتقدر بقدرها، ويا ليت قومي يعلمون هذه القاعدة. الأصل حرمة الكلام في الأعراض، اليوم على السوشيال ميديا حتى للأسف بين بعض المتصدرين ممن ينسب نفسه إلى الدعوة أو الإصلاح أو الالتزام أو كذا، الكلام في ذكر المثالب والعيوب والفضح والهدك، أصبح في نوع من التوسع المقيت الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى، فانتبهوا يا أولي الألباب.

جواز نظر الطبيب إلى ما دعت إليه الحاجة من العورة؛ أيضاً هنا هل القضية وصلت إلى منزلة الضرورة؟ يعني الطبيب لما يكشف على المريض، ذكر كشف على مريض ذكر ليس فقط كشف الفخذ أو كشف ما تحت السرة، هل يأخذ أريحيته؟ ما يأخذ أريحيته، إنما يكشف على قدر الحاجة. اليوم للأسف بعض الأخوات هداها الله بتذهب إلى أطباء ذكور مع وجود كثير من النساء، ولما تذهب للطبيب الذكر لعلاج منطقة فيها مناطق العورات تخلع كل ملابسها أو تعتبر أنه لها أن تتوسع في خلع مناطق العورات بحجة يا شيخ دكتور هذا، وهذه الأسف كثيراً ما كنت أسمعها من بعض الناس، يقول يا أخي أنت كيف أصل المرأة تذهب تكشف عورتها الأساسية حتى رأسها وشعرها عند طبيب؟ تقول لك لا هذا طب، وكأن الطب يرفع كل المحظورات. وين تقوى الله عز وجل وين قضية أن الضرورة تقدر بقدرها؟ أولاً هل انتهينا من الطبيبات النساء؟ طب أقر أن الحالة حرجة جداً وتحتاج إلى تدخل ذكر، هل الذكر هذا الطبيب أصبح محرماً للمرأة في هذه الحالة؟ له أن ينظر حتى إلى ما لا يحتاج إليه؟ لا، نحن بدنا نعطيه أريحيته في الشغل، ما تعطيه أريحيته في الشغل، خله ينظر فقط إلى قدر الحاجة. طبعاً قد تكون ضرورة إذا كان فيها إتلاف عضو أو مرض مزمن، وقد تكون حاجة إذا كانت قضية متعلقة ببعض الالتهابات أو بعض الأمور التي لا تؤدي إلى أمور شاقة جداً أو أمور منهكة جداً، لكن زي بعض معالجات الأسنان التي لا يحسنها النساء، أو بعض الأمور المتعلقة بأمراض عضوية لا تحسن النساء معالجتها قد يحتاج لتدخل الرجل، قد لا يكون للضرورات قد يكون للحاجية، فهذا المثال الثالث يصلح للضرورات ويصلح للحاجية.

القاعدة الرابعة والأخيرة نختم بها اليوم إن شاء الله: الاضطرار لا يبطل حق الغير. هذه ذكرت في مجلة الأحكام العدلية، وأيضاً نستطيع أن نعتبرها من ضوابط قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، يعني من ضوابط تطبيقها. أولاً قلنا الضرورات تبيح المحظورات يجب أن يكون هذا الضرر مفسدته مساوية أو أعلى.

من مفسدة ارتكاب المحظور: أنه إذا طبقت المحظور أو فعلت المحظور فيجب أن يقدر بقدره. ثالثاً: إذا ارتكبت المحظور من أجل أن أرفع الضرورة، وكان في ارتكابي له إتلاف لحقوق الآخرين، فنقول: ارتكابك للمحظور حتى ترفع الضرورة عن نفسك جائز، لكن هذا لا يعفيك من ضمانك لحقوق الآخرين.

إذا كان ارتكابك للمحظور حتى ترفع الضرورة أدى إلى إتلاف لأموال الآخرين يجب عليك أن تضمنها. فمن كان في صحراء واضطر أن يأخذ طعام أخيه أو طعام صاحبه ورفيقه الطعام الزائد عن حاجته، طبعاً لأنه الطعام الذي على قدر حاجته وضرورته لا يجوز لي أن أتعدى عليه، ليه؟ لأنه كأني أقول أنا أريد أن أحافظ على نفسي مقابل أن تقتل أنت بأخذ طعامك، لا يجوز.

لكن بدي أفرض صديقي معه طعام زائد عن حاجته ويوصله سالماً آمناً، وأنا المسكين الذي خلص طعامي وأقعد أفرفط من الجوع وقربت أموت، فهنا يجوز لي أن آخذ من طعامه غصباً عنه. لو قال: أنا لا أريد، غصباً عنه؛ لأن الضرورات تبيح أن آخذ، وهنا المحظور الذي ارتكبته، وأنت لو أعطيتني إياه حباً وكرامة أصلاً ما في محظور، والمحظور أني آخذ طعامك غصباً عنك، هنا يجوز الغصب، لكن بعد أن آكل أقول لك: هذا لا يسقط حقه في أن تضمن له طعامه عندما تصلان إلى البلد، تمام؟

فنقول توضيح هذه القاعدة: أن من اضطر لإتلاف مال لآخر ترتب على ذلك حكمان: قضايا الإتلاف، حكم تكليفي ووضعي. أما التكليفي فإذا اضطررت إلى إتلاف مالك يا أخي الحبيب أصبح الإتلاف مباحاً؛ والضرورات تبيح المحظورات. وأما الحكم الوضعي وهو أن الإتلاف سبب لوجوب الضمان على المتلف، فهنا لا يبطل حقك في المطالبة بالضمان، وليس لأن الضرورات تبيح المحظورات نعفيك من مسؤولية الضمانات؛ لأن هذا حكم تكليفي وذاك حكم وضعي، والضمان حكم وضعي. فمقصود القاعدة أن تنبه على أن جواز الإتلاف لا يعني سقوط الضمان، بل الضمان واجب؛ لأنه من قبيل ربط السبب بالمسبب، سبب يؤدي إلى مسببه، إتلاف يؤدي إلى ضمان، وهذا من السبب والمسبب، هذه من الأحكام الوضعية.

هنا تنبيه: ليس كل إتلاف لمال الغير يوجب الضمان، هذا نوع من الاستثناء لهذه القاعدة، بل قد لا يوجبه في بعض الصور، قد أتلف مالك ولا يجب علي الضمان. قال ابن رجب قاعدة نفيسة، في قاعدة نفيسة تضبط ذلك: من أتلف شيئاً لدفع أذاه له لم يضمن، وإن أتلفه لدفع أذاه به ضمنه. ما معنى هذا الكلام؟

ناقتك هجمت علي وأنا في سبيلي وفي أماني، ناقتك هجمت علي فأنا أدافع عن نفسي وأصبحت أدفعها وأردها وأثناء دفعي لها ماتت، هنا أنا لا أضمن؛ لماذا؟ لأنه هي هجمت علي وأنا أريد دفع أذاها عني. ففي هذه الحالة أنا لا أضمنها، صح أنا ارتكبت (الضرورات تبيح المحظورات)، أنا كيف استجزت لنفسي أن أقتل ناقتك يا صديقي؟ استجزت لنفسي أن أقتل ناقتك أنه هي جاءت لتقتلني والضرورات تبيح المحظورات، فأنا دفاعاً عن نفسي قتلتها؛ هنا لا أضمنها لأنني دفعت أذاها عني.

لكن صورة أخرى: لو كنا أنا وإياك في الصحراء وأنا أريد أن أموت من الجوع، وما لقيت غير ناقتك، تمام، قلت لك: تعال وذبحت ناقتك، يعني كان معك أنت مثلاً ناقتين فرضا ناقة أنت راكبها وناقة ماشية جنبك، فأنا مسكت الناقة التي جنبك وذبحتها وأكلتها. حسناً أنا يجوز لي ذلك أني أريد أن أموت جوعاً، فيجوز لي أن أذبح ناقة صديقي، لكن هنا أنا أتلفته، صح، سواء في الصورة الأولى صورة أنها تهاجم علي أنا أتلفته، وفي هذه الصورة برضه أنا أتلفته، لكن في هذه الصورة الثانية أنا يجب علي أن أضمنها؛ لماذا؟ لأنني لما أتلفته ليس لأذاها لي، وإنما أتلفته لأنني متأذٍ من الجوع فأردت أن أدفع أذى الجوع من خلالها. وفرق بين إتلافي لهذه الناقة لأنها هي آذتني أو جاءت لتؤذيني وبين إتلافي لهذه الناقة لأدفع أذى آخر عني بها، فهي كانت أداة ووسيلة لدفع الأذى وليست هي نفسها المؤذية. فهمتم؟

لذلك قال: من أتلف شيئاً لدفع أذى هذا الشيء له لم يضمن؛ فالضمير في له يعود على الشخص في القاعدة الأولى. لكن وإن أتلفه لدفع أذاه، طيب مين المؤذي هنا لدفع أذاه به؟ الآن الضمير في "به" يعود على الشيء، طيب فالضمير في أذاه يعود على من؟ إما سيعود علي أنا (أذاه يعني الأذى الواقع علي)، أو يعود أذاه على الشخص المؤذي الذي يلحق ورائي، هذا وإن كانت بعيدة لأنه ليس له ذكر في السياق. فالضمائر هنا أعتقد أنها يجب أن تعدل في فهمها: من أتلف شيئاً لدفع أذى هذا الشيء له ما أضمنه، أما إن أتلفت شيئاً لدفع أذاه، الأذى هنا ليس أذى الشيء، وإن أتلفه وأتلف هذا الشيء لدفع أذاه، هنا الأذى يعود على الشخص، الأذى الواقع عليه، أتلفت شيئاً لدفع أذاه يعني الأذى الواقع علي به أي بواسطة إتلافي لهذا الشيء، هنا سأضمنه، فالضمائر فهمها هو الذي سيعين على فهم النص، عكس بعض تقريباً.

ومعنى ذلك أن الشيء المتلف لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى أن يكون مؤذياً في نفسه، فمن أتلفه دفعاً لأذاه له فلا ضمان عليك؛ كالحيوان الصائل على الإنسان، زي ما حكينا جمل جارك هاجم عليك فلو دفعته عن نفسي فقتلته أنا لا أضمنه؛ لأني دفعت أذاه عني. وأما الثانية: أن لا يكون الشيء مؤذياً في نفسه، وإنما وقع الأذى من غيره فاحتاج الإنسان لإتلاف هذا الشيء ليدفع عن نفسه الأذى، شوف اضطر أنه يعبر بالأذى هنا، الأذى الواقع من الآخرين، قال: فعليه ضمانه، كالجائع الذي يخشى على نفسه الموت فوجد شاة لغيره فأكلها ليدفع عن نفسه الهلاك، فعليه أن يضمنها لأنه دفع الأذى الذي وقع فيه بها ولم تكن الشاة هي في نفسها مؤذية. فقوله في الشطر الأول لدفع أذاه، الضمير يعود إلى الشيء المتلف، وفي الضمير في له يعود على المتلف. وقوله في الشطر الثاني لدفع أذاه، العكس، الضمير يعود على المتلف إذاً يعني الأذى الواقع عليه، والضمير في به يعود على الشيء المتلف، فهنا حللنا برضه الشيخ أيمن جزاه الله خير الضمائر.

أي بعض الفروع الفقهية هي قاعدة إخواني جداً مهمة، حقيقة فروع فقهية جميلة، مثلاً من اضطر في مخمصة إلى ذبح حيوان غيره ليأكله جاز له ذلك وعليه الضمان، بخلاف إذا ما صال حيوان مملوك لغيره كجمل هائج ولم يندفع إلا بقتله فقتله فلا ضمان عليه كما ذكر أصحابنا الحنابلة. طيب مسألة، هذه نفس المسألة الأولى، شوف المسألة هذه الثانية الجميلة: لو أشرفت السفينة على الغرق، كنا مع بعض في سفينة وبدها تغرق الله يعافينا، فألقى متاع غيره بلا إذن، قالوا يا جماعة بدنا نلقي المتاع عشان نخفف السفينة، فأنا جئت على أمتعته قلت لك يا فلان ترى أنت أمتعتك كثير، مسكتها وألقيتها في البحر، أنت أتلفت أمتعتي ألقيتها في البحر، أقول ماشي بس بدنا نخفف السفينة ولا سنغرق كلنا، إتلافك لأمتعتك من أجل تخفيف السفينة مباح، لكن على مثلاً نقول إذا كان هو ربان السفينة هو الذي يلقي الأمتعة نقول له بدك تضمن أمتعة الناس الذين حضرتهم راكبين معك، ذكر هذا الشافعية والحنفية والحنابلة.

لكن العكس، لو أنت في السفينة وأنت قاعد تحت في الطابق الأسفل في السفينة شنطة صاحبك وقعت عليك، فأنت انتبهت وهي واقعة دفشتها، دفشتها وقعت على الأرض ولا فيها زجاج وتكسر، جاء صاحبي قال لي لا بدك تضمنها، هذه الزجاجة جايبها من متحف اللوفر سعرها 50 ألف مليون دينار، أقول له ما علي ضمان ولا شيء، ليه شيخ أنت كسرتها أنت الذي دفشت؟ ونقول هي وقعت علي وبدها تهلكني ولا تكسر رأسي، رحت أنا عملت هكذا دفعت عن نفسي فدفعت أذاها لي، فتردى أو تلف ما فيها لا ضمان علي، مسألة واضحة.

نفس الشيء لو حلق المحرم رأسه بسبب وجود قمل فيه، سؤال ما المؤذي هنا القمل ولا الشعر؟ القمل، فإذا حلقت شعرك لوجود قمل فيه، المؤذي هو القمل فأنت حلقت شعرك لتدفع القمل من خلال حلق الشعر، فهناك عليك كفارة الفدية لأنك أتلفت الشعر، ليس لأنه هو المؤذي، المؤذي مش الشعر المؤذي هو القمل. لكن لو خرجت شعرة في عين الإنسان وهو محرم فآذته فنزعها، قالوا هذه لا ضمان فيها وما بتدخل معنا في الفدية، ليه؟ لأنه الشعرة التي طلعت في العين هي نفسها المؤذية هي التي عم توجعك، فأنا نزعتها حتى ما توجعني فهنا ما في ضمان علي لأنني نزعت أذاها هي لي. وضحت إخواني الفرق؟

لو عرض لقائد السيارة طفل الله يعافينا وإياك وأنت ماشي فجأة طلع لك طفل يلحق وراءك وراح فاضطر للميل عن الطريق تفادياً لدعس الطفل فاصطدم بسيارة أخرى أو بجدار منزل أو كذا عليه الضمان؛ ليه؟ لأنه السيارة التي اصطدمت فيها هي ما آذتك، صحيح والجدار الذي اصطدمت فيه لجار هو ما آذاك، أنت اصطدمت فيه حتى تدفع الأذى عن الطفل، بالتالي الله يعينك بدك تضمن سيارته وتضمن جداره، ممتاز.

أما هل يمكن تكون صورة أخرى عكسها مثلاً متعلقة بدفع أذى عن.. أما لو سيارة جارك زي ما قلنا هي التي نزلت عليك، أو شيء من متاع جارك أو أثاث نزل عليك وأنت حتى تحمي نفسك دفشته بسيارتك، وأنا ما بضمن سيارته أنه هي سهلت علي يا شيخ، فأنا اضطررت حتى أحمي نفسي أني أطلع بسيارتي وخليت سيارتي توقف أمام سيارتي، بدي أدفعها، كون مثلاً سيارتي أنا جيب كبير أو سيارتي كذا أو شاحنة، بالتالي لما شفت سيارة جاري داخلة علي أنا حركت سيارتي عشان أحمي نفسي فضربت سيارته وكسرت، إيش أسوي له؟ أقول له أنا ما بضمن سيارتك هي التي نزلت علي، رح تقول لي ليش خليت الشاحنة أمامها؟ أقول لك ولا إيش يعني بدك أموت؟ يعني بدي أحمي نفسي، فلذلك جعلت الشاحنة تصطدم فيها، فهذه قواعد كثيرة تنطبق على قاعدة "الاضطرار لا يبطل حق الغير" وما الذي يستثنى منها؟ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، فرق بين أن تتلف الشيء لأذاه لك وبين أن تتلف الشيء ليس لأنه يؤذي لك بل لرفع أذى به. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.