دخولتسجيل الدخول

المنحةالإلهية | المجلس 6 | القواعدالمندرجة تحت«اليقين لا يزول بالشك»«٢» | معهد ملكة |

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد من مدارس التعليق على كتاب المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية لشيخنا الشيخ أيمن الحبشي حفظه الله ورعاه. ما زلنا نعيش في فيء القاعدة الكلية الكبرى الثانية، قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، ونعيش في القواعد الفقهية التي تندرج تحت هذه القاعدة الكلية، ووصلنا إلى القاعدة السادسة، والقاعدة تقول: «الأصل في الأشياء الإباحة».

وردت هذه القاعدة بهذا اللفظ، وبلفظ: «الأصل في المنافع الإذن» أو «الإباحة»، وهي روايتان: «الأصل في المنافع الإذن»، ويجوز أيضاً أن تقول: «الأصل في المنافع الإباحة»، وإن كانت هي أخص لأنه قال المنافع، بينما لفظ القاعدة «الأصل في الأشياء».

لكن ماذا يمكن أن يقال؟ يقال: الإباحة لا تسقط على الأعيان، يعني الأشياء تشمل المنافع والأعيان. كلمة «الأشياء» تشمل المنفعة إذا قلنا المنفعة شيء، وتشمل العين لأن العين شيء. لكن لما كانت الأحكام لا تسقط على الأعيان، فالعين نفسها لا توصف بأنها مباحة أو حرام، وإنما الذي يوصف بالحرام أو الإباحة هو الانتفاع بها. فالأحكام الشرعية لا تسقط على الأعيان، وإنما تسقط على ما يفعل بالأعيان وما يطلب بالأعيان.

فلعلهم اعتبروا أن قول «الأصل في المنافع الإذن» أو «الإباحة» أوضح؛ لأن الأصل لما تقول «الأصل في الأشياء»، الأشياء تحتمل المنافع والأعيان، والأعيان لا يراد منها ذاتها وإنما يراد الانتفاع بها، فعدنا إلى المنفعة. فإذا قلنا من البداية «الأصل في الأشياء الإباحة» أو «الأصل في المنافع الإباحة» أو «الأصل في المنافع الإذن»، فهذا لأن المنفعة هي انتفاعك بالشيء وقيامك بشيء متعلق بأخذ النفع، هذا الذي نقول هل الانتفاع محرم، مباح، مكروه، أم جائز؟ فالأحكام إنما تنطبق على الانتفاع، وهو العمل الذي يقوم به المكلف.

قال: والكلام عليها من ثلاث جهات. الجهة الأولى في معناها، البحث في هذه القاعدة عن حكم الأشياء المنتفع بها، أو حكم الأشياء المنتفع بها بعد ورود الشرع. فإذا نحن نتكلم عن حكم الأشياء بعد ورود الشرع، وأما قبل ورود الشرع فالصحيح أنها على الوقف؛ لأن الأحكام الشرعية إنما موردها بعد ورودها.

قال: فخرج بذلك شيئان؛ إذا ما نقول حكم الأشياء المنتفع بها بعد ورود الشرع هو الإباحة، فخرج بذلك شيئان: أولهما الأشياء الضارة، فهذه مستثنى من القاعدة، فالأصل فيها ليس الإباحة وإنما التحريم، هذه كأنها مستثنى من القاعدة، الأشياء الضارة لا نقول الأصل فيها الإباحة بل الأصل فيها التحريم. والثاني حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع.

هو يقول -حتى نعيد التركيز في جملة الشيخ- البحث في هذه القاعدة عن حكم الأشياء المنتفع بها، لذلك هو وضعها بالخط العريض يقول لك: حكم الأشياء المنتفع بها. إذاً الأشياء غير المنتفع بها وهي الضارة الأصل فيها التحريم. ثم قال: «بعد ورود الشرع»، وضع لك «بعد» بالخط العريض حتى يقول لك إن حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع ما هو؟ فهذه محل بحثها في كتب الأصول، وأشهر الأقوال فيها: الإباحة، والحظر، والوقف، والذي اعتمدناه أنه الوقف.

وبناء على هذا قال الإمام الحصني الشافعي: أما بعد البعثة، فالذي استقر عليه أصحابنا وجمهور أهل العلم أن الأصل في المنافع الإباحة، في كل شيء فيه منفعة، الأصل الإباحة، وفيما فيه مضار التحريم. وما فيه منفعة ومضرة، ما اجتمع فيه الأمران، الأصل أن يوازن.

هناك أشياء فيها منافع، حقيقةً لما نقول «الأصل في المنافع الإباحة»، المنفعة الخالصة هذا أصلاً صعب في الحياة، فما من شيء تندفع به إلا وفيه مدار من جهات معينة إذا أكثرت منه أو استعمل بالطريقة غير الصحيحة. فنحن نقول الأصل في المنافع يعني ما غلبت منافعه على مضاره باعتبار الشرع وميزان الشريعة، فالأصل فيه الإباحة. وما غلبت مضارته على منافعه وأثماه أكبر من نفعه، فما غلبت مضارته على منافعه فالأصل فيه ماذا؟ التحريم.

وقد قال قبله الإمام الزركشي الشافعي، ومن أطلق من الأصحاب الخلاف؛ فينبغي حمله على أنه هل يجوز الهجوم ابتداءً على الشيء بالحكم أنه مباح؟ يعني شيء اكتشفناه، هل يجوز مباشرة أن نبدأ نتعامل معه بحجة أن الأصل في الأشياء الإباحة، أم يجب التروي والوقف حتى تظهر الأدلة الخاصة؟ أم يجب الوقوف إلى الوقوف على الأدلة الخاصة، فإن لم تجد ما يدل على تحريم فهو حلال بعد الشرع بلا خلاف.

يعني هناك من يناقش فيقول: لما تقول «الأصل في المنافع الإباحة»، هل معنى هذا أن أي منفعة يجوز لي مباشرة أن أتعامل معها قبل البحث هل هناك ما يحرمها ويمنعها أم لا؟ أم لا يجوز لي أن أتعامل مع هذه المنافع التي اكتشفناها حتى نتأكد من عدم ورود نص يحرمها ثم بعد ذلك نتعامل معها؟ يقول الزركشي: الخلاف هنا، وعادة أهل العلم يقولون: الأصل جواز الانتفاع مباشرة، ثم إذا عرفت بعد ذلك وجود دليل محرم فإنك تصير إليه. أما أن نوقف الناس عن الانتفاع بالأشياء حتى يتأكدوا ويترووا ثم بعد ذلك إذا لم نجد محرماً عندئذ نقول بالإباحة، فهذا وإن قاله بعض أهل العلم لكن فيه نظر، وليس هذا موضع الاستدلال على كلا القولين.

إذا ثبت هذا فيكون الأصل المتيقن الذي يرجع إليه عند الشك، وهذا وجه اندراج القاعدة هذه تحت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، الوجه المتيقن، الأصل المتيقن الذي يرجع إليه عند الشك فيما ينتفع به هو الإباحة في المنافع.

الجهة الثانية: ما دليل هذه القاعدة؟ ما الدليل على أن الأصل في الأشياء المنتفع بها الإباحة؟ استدل على هذه القاعدة بعدة أدلة، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الجاثية: 13].

منه قال الإمام الطوفي: وجه الاستدلال أنه عز وجل أخبرهم في معرض الامتنان عليهم وتذكيرهم النعمة أنه خلق لهم ما في الأرض وسخره لهم، واللام للاختصاص «لكم»، هو الذي خلق لكم، هذه اللام للاختصاص أو الملك إذا صادفت شيئاً يقبل الملكية، والخلق قابلون للملك، وإذا ملكوه ملكوا الأعيان جاز انتفاعهم بها بأي طريقة من طرق الملك الشرعية، إذ فائدة الملك هي جواز الانتفاع بالشيء.

وما من السنن ما في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إن أعظم المسلمين...».

جرما من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته، هذا يعطيك أن الأصل الإباحة. يا أخي، ويدل على أنه إذا كان شيء مباحاً خلص باشر العمل فيه حتى يظهر لك أنه في شيء من أسباب التحريم، إلا إذا كانت شبهات متعلقة به هنا يكون «اتقوا الشبهات» حتى يتيقن، لكن إذا ما في شبهة تعتري فالأصل جواز مباشرتها حتى يظهر التحريم. قال الإمام الطوفي: «وهذا ظاهر إن لم يكن قاطعاً في أن الأصل في الأشياء الحل، وأن التحريم عارض».

الجهة الثالثة في ذكر فروع من القاعدة: الأصل حل جميع المشروبات كالشاي والقهوة مثلاً، إلا ما دل الدليل على حرمته كالمسكر. طبعاً ستبقى هي فكرة دائماً تحتاج إلى تحرير؛ لما نقول الأصل في الأشياء الإباحة، ما هو المقدار الذي إذا حصل فيه الضرر صرنا إلى المنع؟ يعني المشروبات الغازية، متى نقول والله إنها أصبحت ضارة بالتالي الأصل فيها التحريم؟ وقس على ذلك سائر المشاريب التي لم يأتِ فيها نص.

أعتقد أنا من مسائل الاجتهاد حقيقة تحديد مقدار الضرر الذي به يصبح الشيء ضمن المحرمات ويخرج من قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة؛ هنا تختلف المذاهب في وضع الضوابط. فأصحابنا مثلاً نرى أن كثيراً منهم يذهب إلى أن الضرر إذا كان لا يحصل إلا على المدى البعيد فإنهم لا يوصلون الشيء إلى التحريم، وإنما يبقى عندهم في حيز الكراهة. يرون أن الشيء إذا كان ضرره لا يكون من الشربة والشربتين، وإنما يحتاج إلى عشر أو خمس عشرة سنة حتى تظهر آثاره التكوينية على الجسم في انخفاض مستوى المعادن واختفاء مستوى الفيتامينات وكذا، فإن هذا الشراب وإن ثبت فيه ذلك، فإنهم لا يقولون بتحريمه ويكتفون بالقول بالكراهة.

واعتمد البعض على هذا الكلام في قول: لماذا الحنابلة المتأخرون لما ظهر التبغ والدخان قالوا بكراهته ولم يقولوا بتحريمه؟ قالوا على اعتبار أنه أثر الدخان ليس أثراً لا يحصل مباشرة، وإنما يحصل بتوالي السنوات ومرور الأعمار. لكن حقيقة ينبغي أن ينظر في مسألة الدخان في بعد آخر، لا أدري ما مدى إدراك المتأخرين له عندما ظهر الدخان، وهي قضية الإدمان.

الدخان ليس قضيته مجرد شيء تتعاطاه باختيارك ويحدث ضرر على مدى السنوات والأعمار ويمكن أن تتركه في أي لحظة، لا؛ ثبت بالواقع وبالعلم أن هذا ليس فقط شراباً مؤذياً أو مادة مؤذية، بل هو مادة إدمانية. وقضية الإدمان هذه ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار؛ لأنها أصبحت قضية مفسدة للأموال ولحياة الإنسان. فالذي لا يدخن ليس مثل الشخص الذي لا يشرب مشروبات غازية، لأن المادة الإدمانية الموجودة في الدخان تجعله خلال وقت قريب يصبح مطلوباً للجسد ومرهقاً تركه، فيصبح الإنسان في حالة فيها تلف ذهني.

أنا لا أقول إنك ستموت بعد غد، يمكن ما تموت أصلاً، وليس كل من يشرب الدخان سيموت منه وإن كان ثبت أنه مضر على المدى البعيد، لكن الفكرة أن هناك بعداً آخر في الدخان يجعل حكمه التحريم، وأننا لا نقف عند حد الكراهة حتى ولو قال بعض المتأخرين من أصحابنا بذلك، وهي فكرة المادة الإدمانية. وأنتم عياناً تلاحظون أن المدخن بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة -يعني لا يحتاج أمر سنوات طويلة من تعاطي هذه المادة- يصبح الجسم يطلبها، ويصبح في نوع من التوتر والقلق، وفي حالة إذا لم يأخذ الجرعة يعاني من مشاكل صحية ومشاكل سلوكية ونرفزة وغضب وحالة من الإرهاق التي لا تقبلها في دين الله عز وجل. كما يعاني من قضية إتلاف أمواله؛ لأن الإدمان سيقوده إلى أنه يحتاج إلى هذه الجرعة، بالتالي يتلف ماله ولو على حساب لقمة عيش أولاده وحياته.

فالمضار الموجودة في الدخان ليست فقط كما يزعم البعض مجرد الضرر الذي يحصل على مدى السنوات، وبالتالي هذا الأصل فيه أنه لا يقتصر على التحريم بل إلى الكراهة، بل هناك أضرار أخرى قد لا تكون جلية وواضحة للفقهاء المتأخرين من أصحابنا في القرن الحادي عشر الهجري والثاني، الذين كانوا ينظرون للدخان ومجرد مشاكل صحية عامة، ولا يدركون بعض الإشكاليات الدقيقة والعميقة التي اكتشفها الطب الحديث ولم تكن موجودة في أزمانهم. هذا فقط تعليق على قضية ما هو الضرر الذي يوصل الأشياء إلى التحريم.

المثال الثاني: الأصل حل جميع المأكولات إلا ما دل الدليل على حرمته كالسم مثلاً؛ لأنه ضار. ونفس الشيء، فرع بعض العلماء على القاعدة جواز أكل لحم الزرافة مع أنه لم يرد فيها دليل خاص نص على جوازها. أبان لنا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ذلك، وقال السيوطي عن الحنفية: «قواعدهم تقتضي حلها»، ونقل عن السبكي عن الشافعية قوله: «والمختار حل أكلها»، وذكر المالكية أنها مما ينحر مثل الجمل، فدل على أنهم يجوزون أكلها.

وإن كان البعض قد يشكل علينا هذا المثال فيما سيأتي بعد قليل في قاعدة أخرى؛ مثال الزرافة. القاعدة السابعة: الأصل في الأبضاع وهي الفروج واللحوم، وركز على اللحوم، ونفس المعصوم، وكل إنسان معصوم نفسه وماله الأصل فيها جميعاً هو التحريم. إذا كنا نقول الأصل في الأشياء الحل إلا ما ثبت ضرره، فهناك قاعدة معاكسة لها متعلقة بأمور معينة، وكانت هذه -أقول استثناءً من تلك- هي ضابط للقاعدة السادسة.

إذا قلنا إن الأصل في المنافع الإذن أو الأصل في الأشياء الإباحة، فإنا نخص بعض القضايا التي اليقين فيها ليس الإباحة بل التحريم حتى يثبت الحل. ما هي؟ الفروج واللحوم وأنفس المعصومين ودماؤهم وأموالهم؛ هذه الأصل فيها التحريم. أوردها الزركشي والسيوطي، ويأتي بلفظ: «الأصل في الأبضاع التحريم»، وهي كذلك، وبمعناه في كثير من كتب الفقه، وصح عن بعض الفقهاء بقولهم: «الأصل في اللحوم التحريم»، وبعضهم بلفظ: «الأصل في الحيوان التحريم».

انظر، هذه القاعدة: «الأصل في الحيوان التحريم»، فنحتاج أن نشوف مثال الزرافة؛ أنت تقول لم يرد فيها دليل خاص، وأنتم تقولون الأصل في الحيوان التحريم، فكيف نستدل بقاعدة الأصل في الأشياء الإباحة على حل الزرافة؟ وفي المقابل نأتي فنقول في هذه القاعدة التخصيصية: «الأصل في الحيوان التحريم». فهمتم أين المشكلة؟ ومقصودهم من قولهم «الأصل في الحيوان التحريم» غير معلوم؛ أي غير معلوم التذكية، هنا كأن القضية أنه لما نقول الأصل في الحيوان التحريم، كأنه يقول هذه القاعدة ما معناها على أن الحيوان الذي يجوز أكله...

ولكننا لم نعرف هل ذُكي بصورة صحيحة أو بصورة غير صحيحة، فالأصل فيه التحريم، كأنه جعل موطن القاعدة في قضية التذكية وعدم التذكية وليس في أصل الحيوان هل يجوز أكله ولا يجوز أكله، وإن كان هذا أصلاً هو أيضاً محل نقاش.

قال وعبر الإمام ابن القيم عنها يقول: «الأصل في الذبائح...»، إذاً ابن القيم ما عبر عن الأصل في الحيوان، بل عبر بكلمة الذبائح، إذاً هو كأنه يتكلم عن التذكية بالتحديد وليس عن أصل هذا الحيوان ماكول أو غير ماكول. ويقول الشيخ ابن سيدي في منظومته في القواعد: والأصل في الأبضاع واللحومِ ... والنفس والأموال للمعصومِ تحريمها حتى يجيء الحلُّ

افهم هداك الله، ما يملى عليك، مش ما يمل يعني الأشياء التي فيها ملل. والكلام على هذه القاعدة من ثلاث جهات.

الجهة الأولى في معناها: تعتبر هذه القاعدة استثناء من القاعدة السابقة، كما قلنا هي نوع من التخصيص للقاعدة السابقة، إذ إن السابقة قررت أن الأصل في الأشياء الإباحة، فجاءت هذه مبينة أن من الأشياء الأصل فيه التحريم، فلا يقال يحل إلا بيقين، وهي أربعة أشياء: أولاً الأبضاع، والأبضاع جمع بضع كقفل وأقفال، يطلق على الفرج، وعلى الجماع، ويطلق على التزويج أيضاً، وفي «بضع أحدكم صدقة»، ما معنى البضع هنا؟ معناها الفرج نفسه أم عملية الجماع؟ الظاهر عملية الجماع، لذلك قد يطلق على عملية الجماع وإن كان يطلق على نفس الفرج، ويطلق على التزويج أيضاً كالنكاح، يطلق على النكاح وعلى العقد.

والمراد به هنا في هذه القاعدة "الأصل في الأبضاع التحريم"؛ الكناية عن الاستمتاع بالنساء، أي الأصل حرمة الاستمتاع بالنساء الأجنبيات عنك حتى يثبت لك حل الاستمتاع بها سواء بالزواج أو ملك اليمين. فالمراد أن الأصل المتيقن هو تحريم الاستمتاع بالنساء فيتمسك به إلى أن يتحقق الحل بعقد النكاح أو ملك اليمين الصحيح مع خلوه من موانع الاستمتاع، حتى بعد عقد النكاح وملك اليمين لازم يكون في خلو من موانع الاستمتاع، كأن تكون مثلاً معتدة لأنها وطئت بشبهة، إذا أنت متزوج امرأة ولكن وطئت بشبهة فهي في فترة عدتها يحرم وطئها، وكذلك في فترات الحيض أو ما شابه ذلك، بعض أنواع الاستمتاع محرم.

ثانياً اللحوم: المراد أي لحم حيوان، فالأصل فيه الحظر. رجعنا للتعميم، إذا القضية ما عادت هنا فقط التذكية، كلام أوسع من ذلك. وفي هذين الشيئين يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «ما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين حلة من التذكية بالنسبة للحيوان والعقد بالنسبة للأبضاع»، فإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل؛ يعني إذا ترددنا والله هذا يصير أكله ولا ما يصير أكله، أو هذه يجوز استمتاع بها أم لا، لا تتمسك بالأصل حتى تتيقن من جواز الاستمتاع أو الأكل.

وقال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: «علمناؤنا: الأصل في الحيوان التحريم لا يحل إلا بالذكاة والصيد». وهو مشكوك فيه، وقد يترك الأصل، فالذكاة والصيد يبقى ضمن الشك حتى نتيقن منه، هل حصلت ذكاة شرعية؟ هل حصل صيد شرعي؟ كأنها مسألة مشكوك فيها، لا يرفع إلا بيقين.

وقد يترك الأصل بالظاهر كاللحم غير المستورد في بلد الإسلام، فالشيخ يبين لك الفرق بين اللحوم المستوردة من بلاد الكفار واللحم غير المستورد، فنقول: كاللحم في بلاد الإسلام. فالآن نقول الأصل في لحوم الخرفان وكذا وكذا التحريم لعدم التيقن أنها ذبحت بالطريقة الشرعية، هنا نريد أن نتوانى لأن القاعدة قد تُشكر عليك، الظاهر أنها تطبق في مساحتين؛ أحدهما أن البعض يطبقها في مساحة هل هذا الحيوان أصلاً يؤكل ولا لا يؤكل، والبعض يطبقها في مساحة أخرى: الحيوان المأكول هل هو ذكي أو صيد بطريقة شرعية؟

وهنا ظاهر كلام الشيخ أنه يتكلم عما هو مأكول، لكن الشك في ماذا؟ هل ذبح بطريقة شرعية أو لا؟ فيقول الأصل عدم التذكية الشرعية حتى تثبت، وهذا قريب من كلام ابن العربي المالكي لأنه قال: «الأصل في الحيوان التحريم لا يحل إلا بالذكاة والصيد»، وهو مشكوك فيه، إذاً ابن العربي يقول لك: هل تمت الذكاة بصورة شرعية أم لا؟ الأصل عدم ذلك حتى تثبت بيقين أنها تمت بصورة شرعية، ونفس الشيء الصيد.

وبناءً على هذا أقول لك بالنسبة للحوم في بلادنا الإسلامية، إذا أردنا أن نمشي على القاعدة، وأنه أي لحم غنم أو إبل أو بقر الأصل عدم تذكيته بطريقة شرعية حتى يثبت ذلك، معناته لن نأكل شيئاً، ويقول لك هنا في البلاد الإسلامية "ترك الأصل" وهو أن الأصل عدم التذكية حتى يثبت، اعتماداً على الظاهر.

طبعاً إخواني هذه قاعدة عظيمة جداً، مسألة تعارض الأصل مع الظاهر من الأصول المهم أن تضبط مذهبك فيها، لأن كل مذهب له فلسفة في تعارض الأصل والظاهر في أبواب كثيرة جداً. فهنا الأصل عدم التذكية، لكننا في بلادنا الإسلامية سنعتمد الظاهر ونقدم على الأصل، فالظاهر إباحة أكل لحوم الأغنام الموجودة في مولاتنا وفي السوبر ماركتات في البلاد الإسلامية، لأن المسلمين لا يقرون في بلادهم بيع ما لا يحل بيعه ظاهراً، فالظاهر أنه هذه اللحوم حلال، لكن هل نحن متيقنون؟ لا، هنا فعلياً نحن رفعنا اليقين بالأصل بماذا؟ بالظن الغالب لا باليقين، وهذه مرت معنا أن هذه قد تكون مسائل مستثناة التي يرفع فيها اليقين ليس بيقين قطعي، وإنما يرفع فيها اليقين بناء على الظاهر.

فذكر بعض الشافعية صحة شراء لحم من بلد يسكنها مجوس إذا كان غالب أهل البلد مسلمين، يعني بلاد كثيرة إسلامية تسكن فيها جاليات نصرانية أو جاليات مجوسية أو جاليات هندوسية أو ما شابه ذلك، عند بعض الشافعية إذا غلبت الجالية الإسلامية على غيرها في البلد، فنعمل بالظاهر ونقول بحل الذبائح، ولست مطالباً بأن تكشف ما بعد ذلك، خلص، عفا الله عما سلف.

تنبيه: ربما تجد في كلام بعض أهل العلم من يطلق أن الأصل في الحيوان الحل، مراد هؤلاء الحيوان من حيث الأصل، إذ إن من...

الحيوان ما ثبت حِلُّه كبهيمة الأنعام، ومنه ما ثبت تحريمه كالخنزير، ومنه ما هو محل شك كالزرافة؛ فالأصل فيه الحِل، وقيل إلى التحريم. هنا الشيخ ينبه، وهذا تنبيه جيد، أن هذه القاعدة -إذا كان الأصل في الأبضاع التحريم- يؤكد الشيخ أن محل تطبيقها أين؟ في حيوان مأكول اللحم ولكن شككنا هل حل لحمه بالطريقة الشرعية أو لا، وليس محلها هو.

يقول لك الشيخ هكذا، وإن كان كما قلت لك البعض قد ينازع، والبعض يقول: الأصل في الحيوان التحريم. لكن المهم، الشيخ يقول: وأما نفس الحيوان هل هو مأكول ولا غير مأكول؟ فيكون الأصل فيه الحِل حتى يثبت أن هناك سبباً من أسباب عدم جواز أكله، من كونه من ذوات المخالب، أو من السباع عموماً، أو أن فيه نجاسة أو ما شابه ذلك.

أما من يرى أنه لا، الأصل في الحيوان -هل هو مأكول أو غير مأكول- التحريم، ستكون هي القاعدة عنده على الجهتين. فمن يرى أن الأصل التحريم سواء كان مأكولاً أو غير مأكول، أو إذا كان مأكولاً هل ذُبح أو لم يُذبح بطريقة شرعية، فالقاعدة عنده تطبق على المسألتين.

وأما من رأى أن الأصل في الحيوان -مأكول أو غير مأكول- هو الحِل، وهذا حقيقة قد يعضده قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145]، فإنه وقد جاء في حديث -وكان فيه ضعف- أن النبي ﷺ سئل قبل أن يُحرم الحمار الأهلي: هل يجوز أكله؟ فقرأ عليهم هذه الآية: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، فنبه على أنه لم يوجد شيء يدل على تحريم الحمار الأهلي، ثم بعد ذلك جاء تحريمه في العام السابع من الهجرة.

إذا هذه القاعدة عند من يرى أن الأصل في الحيوان -من حيث أنه مأكول أو غير مأكول- هو الحِل، سيكون مجال تطبيقها أين أيها الإخوة؟ سيكون مجال تطبيقها فقط من حيث هل ذُكي بطريقة شرعية أو لا. قال: وأما من يطلق التحريم فمراد الحيوان المباح، الأصل غير معلوم التذكية والصيد كبهيمة الأنعام مثلاً، إذا جهلت هل ذكيت بطريقة شرعية أو لا، فهذا مجال القاعدة هنا. وإنما يعرف المراد من سياق الكلام، فتنبه. هذا كلام جيد حقيقة.

إذا تكلمنا عن الأبضاع وتكلمنا عن اللحوم، نأتي إلى النفس المعصومة، والمراد كل من عُصم دمه سواء من المسلم أو من الكفار المعاهدين، سواء كان بعقد هدنة أو ذمة -ويسمون بالذميين- أو أمان ويسمى بالمستأمن، فهؤلاء دماؤهم معصومة فلا يحل قتلهم إلا بحق. وخرج بذلك الكفار الحربيون وهم من بينهم، وهم من بين المسلمين حرب وقتال. فالأصل حرمة دماء المعصومين إلا بحق، وكذلك مال المعصوم؛ الأصل حرمة أخذ ماله بلا حق.

ما الأدلة على هذه القاعدة عموماً على الأبضاع والتحريم وكذا؟ يقول: أما حرمة الأبضاع فمما يدل عليها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 5-7]. فكأنه يقول لك: إن فرجك يجب أن يحفظ إلا في صورتين يجوز، وما عداهما يعود الأمر إلى التحريم.

وهذا قد يدخل في حقيقة الاستمناء، بالعادة ما يسمى العادة السرية؛ لأنه لما يقول الأصل في الأبضاع التحريم، سواء في تعامل الإنسان مع بضعه أو بضع غيره -وإن كان البعض قد يقول لا مجال للقاعدة في بضع الغير- لكن الآية جاءت على عمومها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ من أي ممارسة ومن أي عمل جنسي، إلا في صورتين. ولذلك استدل بها الشافعية وكثير من أهل العلم على جواز الاستثناء باليد، اللي هو ما يسمى العادة السرية؛ لأن الأصل فيها على ماذا؟ على عدم جواز الاستعمال أو الاستمتاع الجنسي بالفرج إلا في صورتين، وما عدا ذلك فالأصل في الأبضاع التحريم.

أيضاً حديث عقبة بن عامر قال ﷺ: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». وإنما يكون الاستحلال عبارة عن الاستحلال؛ شوف التعبير النبوي: الاستحلال لا يكون إلا لما كان قبل ذلك محرماً. فتبدأ أن الأصل في الفروج التحريم.

وأما حرمة اللحوم فمما يدل عليه حديث عدي بن حاتم قال: قال لي رسول الله ﷺ: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فادركه حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره فلا تأكل؛ إنك لا تدري أيهما قتله. وإن ربيت سمك اسم الله، فإن غاب عنك يوم فلم تجد فيه إلا أثره، فقل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل؛ إنك لا تعرف ما الذي قتله، وهل الماء أو سهمك». وما دام في احتمال وفي تخوف، فكما قال ابن دقيق العيد في الأحكام، نعود إلى أصل المسألة وهي لأن الأصل في اللحوم التحريم.

قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: فيه بيان قاعدة مهمة، وهي أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه.

قال: أما حرمة دم المعصوم ماله فمما يدل عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. ما معنى لا تقتلوا أنفسكم؟ يعني لا يقتل بعضكم بعضاً، بعض يظن أنها تعني لا تنتحر، هي داخلة في عمومها لكن أكثر المفسرين على أن مراد لا تقتلوا أنفسكم أي لا يقتل بعضكم بعضاً، فهي تدل على حرمة أن تقتل أخاك المسلم.

وأما بالنسبة للحديث الآخر: «لما تشوف أن دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». طبعاً هذه أدلة تدل على حرمة دم المسلم، ويمكن حديث: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً»، إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها النهي وتعظيم قتل المعاهدين.

ومما يدل على حرم دم المعصوم خاصة، وليس فقط الدم والمال بل الدم فقط: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]. وأيضاً قال ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة». وحديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عاماً».

وأما يدل على حرمة مال المعصوم خاصة لا...

«يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه».

الجهة الثالثة في ذكر بعض الفروع الفقهية، نأتي أولاً إلى مسألة الأبضاع. ما الفروع الفقهية التي تهمنا في هذه المسألة؟ قال: إذا اشتبهت على رجل إحدى محارمه، كأخته من الرضاع مثلاً، بنساء قرية محصورات؛ أي في كم واحدة يريد أن يتزوج منهن، واحدة منهن هي أخته من الرضاع لكنه ليس عارفاً بها، اشتبهت عليه بغيرها، هنا يحرم أن ينكح واحدة من كل هؤلاء النساء المحصورات.

لماذا؟ لأن الأصل في الأبضاع التحريم، ولا يحل لك أن تقدم على خطبة امرأة حتى تتيقن من أنها يحل لك أن تعقد عليها، نص على ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة. وإنما جاز النكاح في صور غير المحصورات؛ أما مثلاً إذا كانت واحدة من نساء الأردن هي أخته من الرضاع، والنساء هنا نتحدث عن آلاف، فهل نقول لا يجوز لك أن تتزوج واحدة منهن لأن أختك من الرضاع اختلطت عليك؟

طبعاً هذه صورتها تكون أن أمه قالت له: في واحدة من نساء الأردن هي أختك من الرضاع، ولم تعينها لك ولم تصفها لك؛ فكل النساء الموجودات في الأردن ممن يحملن الجنسية الأردنية محتمل أن تكون هي. فتقول لي: إذاً يا شيخ معناته لا يجوز لي أن أتزوج من هذا البلد أبداً؟ نقول هنا: المشقة تجلب التيسير.

سنذهب إلى قاعدة كلية كبرى هي أولى تطبيقاتها من هذه القاعدة، وهي قاعدة «المشقة تجلب التيسير»؛ فنقول: إذا كنا غير محصورات فعفى الله عز وجل عنك، كما قالوا: رخصة من الله حتى لا ينسد باب النكاح، لأنه إن ينسد باب النكاح على هذا الشخص نوقعه في العنت والمشقة. تخيل لو أمه قالت له: في واحدة من الكرة الأرضية هي أختك من الرضاع، ونقول له ماذا؟ الله يسهل عليك، ولكن واحدة جديدة يتم إنجابها تتزوجها، فلها حلول، يمكن نقول انتظر واحدة حتى يتم إنجابها ثم تكبر إن شاء الله وتزوجها.

قال الإمام السيوطي ثانياً: من طلق إحدى نسائه ثلاثاً، شخص متزوج أربعاً فطلق إحدى نسائه ثلاثاً وعينها، ثم نسي المعينة، قال: حرم عليهن جميعاً حتى يتذكر. يعني هو عنده أربع نساء أمامه، ففي ذهنه إحداكن طالق، وفي داخله معينها إذاً كنّ طالق، وقصد سعاد، وبعد أيام قيل له: ترى يا فلان أنت طلقت واحدة فينا وقلت لنا إنك عينتها، فقال: والله لكني نسيت من كنت أقصد.

قال: من طلق إحدى نسائه ثلاثاً معينات ثم نسي المعينة، حرم عليه جميعهم لاشتباه زوجاته بأجنبية. فتقول له: طيب يا شيخ هي رجعية أصلاً، اعتبرهم كلياتهم وقفوا على آخر طلقة، والمشكلة أنه طلقها ثلاثاً برضه. فإذا كان قد طلقها ثلاثاً، فعلى رأي الحنابلة صارت بائناً بينونة كبرى، فهنا يحرم عليه أن يقترب من جميع نسائه حتى يتذكر، لاشتباه زوجاته بالأجنبية التي طلقها ثلاثاً، والأصل التحريم، نص على ذلك أصحاب المذاهب الأربعة.

طيب، إذا لم يتذكر؟ هذا هو السؤال. عند الحنابلة يذهب إلى القرعة، يعمل قرعة بين هؤلاء النساء، والذي يخرج نصيبها الله يسهل عليها.

ثالثاً: لو وكل رجلاً بأن يشتري له جارية ووصفها، قال: اشترِ لي جارية شعرها أشقر، طولها كذا، أمورها كذا، فوكل شخصاً فذهب الوكيل فاشترى الجارية على المواصفات المذكورة، لكن قدر الله ومات الوكيل قبل أن يسلم الجارية للموكل؛ قالوا هنا لا يحل للموكل أن يطأها.

لماذا؟ قالوا: الاحتمال أن يكون الوكيل إنما اشترى هذه الجارية لنفسه؛ لأنه لم يقل له: هأنذا جئت بك بها في الطريق، هو اشتراها وقبل أن يسلمها لك مات. أليس من الاحتمالات الواردة أنه هو اشترى هذه الجارية لنفسه؟ لو سألنا هذا الرجل: هل هذه الجارية هي نفسها التي وصاك بها صاحبك أم واحدة ثانية لك؟ ممكن يقول: لا، هذه لي، ولم أشترِ له إياها بعد.

قالوا: الاحتمال أنه اشتراها لنفسه وإن كان شراء الوكيل للجارية بالصفات المذكورة ظاهراً في الحل، ولكن ما دام الأصل التحريم، نبقى على هذا الأصل حتى يتيقن سبب الحل. إذاً لاحظوا أنه أحياناً يقدم الظاهر على الأصل؛ لاحظتوا ذلك في مسألة اللحوم التي في بلادنا، وأحياناً حتى وإن كان الظاهر هو أنه اشتراها لموكله، لكن نبقى محافظين على الأصل. وكان هذا يعتمد أيضاً على مدى أهمية المحافظة على هذا الظاهر ومدى مشقة تركه؛ فإذا كانت مشقة تركه كبيرة في كثير من الأحيان يقدم الظاهر على الأصل، لكن لما يكون الظاهر متعلقاً بمسألة جزئية وليست ظاهرة عامة يشق تركها، فالأصل المحافظة على اليقين حتى يأتي ما هو يقين عند الجمهور. أما عند الحنفية فغلبة الظن عندهم تنزل منزلة اليقين.

تفريع على قاعدة اللحوم: لو دخل قرية يسكنها مجوس، لم يصح شراء اللحم منها حتى يعلم أهلية الذابح، لأن الأصل التحريم، فلا يزال إلا بيقين أو ظاهر، نص عليه الشافعية؛ لأن ذبيحة المجوسي لا تجوز، وبالتالي إذا دخلت قرية مجوسية لا يجوز أن آكل من الذبائح شيئاً حتى أعرف من الذي ذبح، لأن الأصل في الذبائح التحريم، وإن لم يتيقن من الذي ذبح ولا يوجد ظاهر يمكن الاعتماد عليه، بخلاف ما كنا فيه في البلاد الإسلامية.

المسألة التي تليها، وهذه كثير مهمة إخواني ويسأل عنها اليوم: تحرم اللحوم المستوردة من البلدان التي انتشر فيها قتل الحيوانات بغير التذكية، كالصعق الكهربائي أو القذف بالماء المغلي أو الضرب على الرأس أو المسدس، ولو كانوا من أهل الكتاب فيما يزعمون؛ لماذا؟ للجهل بالتذكية، بل أصبح الغالب عدمها، والأصل في اللحوم التحريم.

وكذلك هذا الكلام أقوله للإخوة الذين يعيشون في بلاد الغرب؛ لما أصبح الظاهر والغالب على حال الأوروبيين اليوم الإلحاد، وإيمانهم بالنصرانية إيمان شكلي، هذا هو الغالب عليهم. بالتالي لما تقيم في بلاد الغرب لا تقولي لي إن الأصل هو الحل في ذبائحهم حتى يثبت لي التحريم، لا، نقول أصل التحريم، لأن هذا هو الظاهر على حالهم اليوم، كما أن الظاهر في بلاد المسلمين هو الحل، فهناك الأصل مع الظاهر.

غير لا دينيين في حياتهم، ولا ينتفعون، ولا يلتفتون أصلا إلى القضايا الدينية حتى في دينهم، فالغالب والظاهر عدم الحل أيضا هنا. لذلك هنا الشيخ أيمن يقول في الحاشية: «وأما ما من يستدل بحديث عائشة أن قوما قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أو لا، فقال: سموا الله أنتم وكلوا، وكانوا حديث عهد بكفر».

استدلوا أن هؤلاء قوم كانوا حديث عهد بكفر، فالنبي عليه الصلاة والسلام أذن لهم أن يأكلوا بذكر اسم الله، ولم يطلب منهم التفتيش عن الذابح وما مدى معرفته بالذبح الشرعي. ومن استدل به على حلة اللحوم مستوردا من بلاد أهل الكتاب مطلقا فهو محل نظر؛ لأن أهل الكتاب قديما كانوا يذكون البهائم، وإنما وقع الجهل هل ذكروا اسم الله عليها أو لا، بخلاف الواقع اليوم، فقد شاع وذاع وملا الأسماء أن الغالب عند النصارى اليوم هو القتل بالساق الكهربائي والضرب بالرأس، فهؤلاء لا تحل لحومهم.

وأما من علم منهم المحافظة على التذكية، إذا أنت مثلا مسافر على سويسرا أو بلجيكا وعرفت أنه قرية معينة معروف أنها بتحافظ على التذكية بصورتها، وأن أهلها نصارى وما زالوا محافظين، مش ملحدين، هذا ممكن أن تقول والله في قرية معينة رحت عليها في اسكتلندا ولا بلجيكا وكذا، وأهلها يا شيخ نصارى محافظين، أصحاب ديانة ويحافظون في الأصل على الذبح الشرعي، وهنا بنرجع بنقول: إن حالهم حال بلاد الإسلامية، يجوز أن تأكل من ذبائحهم على الظاهر. وأما ما دام الظاهر اللا دينية واستعمال الطرق غير الشرعية في الذبح، فهذا الظاهر مع الأصل يعضدان أن الأصل التحريم، وأن عليك أن تتيقن قبل أن تشتري اللحوم في بلادهم أو عندما نستورد إلى بلادهم.

ثم قال: «ويتفرع على تحريم نفس المعصوم وماله مسألتان: من تحريم الاعتداء على مسلم أو معاهد بالقتل أو الجرح أو سلب المال؛ لأن الأصل حرمة دمائهما وأموالهما بغير حق. وثانيا: من وجب عليه قصاص في طرف أو قطع يد أو مال لغيره، فلا يجوز أن يزاد على الواجب؛ لأن الأصل حرمة نفسه وماله».

لما نطبق القصاص في طرف من الأطراف، لا يجوز إذا كانت مشكلته لهون، أن نقول: لا مشكلة لو زدنا شوي قصصنا منه لهون، عادي ما هو بيستاهل. إذا أنت القصاص عليك في عضو معين، لا يجوز أن تزيد إلى عضو أكثر منه؛ لأن الأصل حرمة الدماء والأموال. ومن تحريم الدماء أن القصاص يكون على قدر الحاجة وعلى قدر الجريمة، ولذلك مر معنا أنه بعض الجروح التي لا يمكن تقديرها، لماذا قلنا لا قصاص فيها؟ إذا بتذكروا في شروط القصاص لابد من التماثل، وأن الجروح التي لا تصل إلى عظم أو غيره لا يجوز القصاص، وإنما يعدل إلى الدية؛ لأن الأصل في الدماء التحريم. فلا يجوز أن اقتص ما دام يمكن أن أزيد عن القدر الشرعي أو القدر الذي يحصل به أخذ الحق، فإذا كان القصاص في الجرح سيؤدي إلى احتمالية الزيادة عن القدر الشرعي المسموح به، معناتها نغلق هذا الباب؛ لأن الأصل في الدماء التحريم.

القاعدة التي تليها: «لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح». فكرة هذه القاعدة بهذا اللفظ في مجلة الأحكام العدلية، وأصلها في كتب الحنفية بعبارات قريبة. ودعونا ننظر في معناها؛ ما معنى الدلالة وما معنى التصريح؟ العبرة اسم من الاعتبار، والاعتبار هنا بمعنى الاعتداد بالشيء في ترتب الحكم. والتصريح هو تفعيل من صرح يصرح تصريحا، يقال صرح بما في نفسه إذا أظهره. والمراد بالتصريح هنا الإتيان بقول صريح أو واضح يفيد علما.

أما الدلالة، وهي مثلثه: الدال في الحقيقة دالة ودلالة ويروز دلالة، ولكنه قول ضعيف. ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه، وليس هذا هو المراد هنا؛ فالأصل في الدلالة هي مدلول اللفظ، والمدلول يعني المعنى الذي يشير إليه اللفظ، لكن هنا ليس المراد به هذا المعنى، وإنما المراد بالدلالة هنا في هذا السياق ما يستفاد من إشارة النص، أو حال، أو عرف، أو نحوها دون تصريح. المراد ما يستفاد من إشارة سواء إشارة النص أو إشارة الإنسان نفسه بيده أو ما شابه ذلك، أو دلالة الحال أو العرف أو نحوها دون التصريح. باختصار، إذا تعارض التصريح اللساني مع دلالة الحال، أو دلالة العرف مع دلالة حال الشخص نفسه مع القرائن التي تحيط به، ما الذي يقدم؟ هل التصريح اللفظي أو الدلالة؟

قال: والدلالة لا تخلو إما أن تتعارض مع التصريح أو لا. فمن وضع طعاما مثلا أمام ضيوفه، أنا وضعت الطعام أمامكم ثم قلت لكم كلوا، فهنا في تصريح بالأكل وفي دلالة من السياق أنني أريد منكم أن تأكلوا ولذلك قدمت إليكم الطعام، هنا اتفقت الدلالة مع التصريح. الحالة الثانية: من وضع الطعام بين أيدي ضيوفه لكن قال لهم بشكل واضح: ما حدا يأكل، تقديم الطعام فيه دلالة حالية على جواز الأكل، لكن التصريح كان: لا تأكل، فإذا مد يده فأكل فهذا عليه الضمان.

وهنا تطبق القاعدة: «لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح»؛ لأنني صح في دلالة تدل وتشير إلى جواز الأكل، لكن بماذا صرحت؟ بعكس مضمون الدلالة، فالتصريح أقوى من الدلالة. فالقاعدة تقول: لا يعتد بالدلالات المحتملة مع وجود لفظ صريح يخالفه. ولهذا شرط، متى لا يعمل بالدلالة في مقابلة التصريح؟ والشرط هو أن يكون التصريح بعد أن تعمل الدلالة عملها، فإذا جاء التصريح متأخرا بعد أن عملت الدلالة عملها، لا تلوم الشخص الذي أمامك. يعني إذا أنا قدمت الطعام أمامكم ورحت وسكرت الباب وقلت لكم: السلام عليكم، الآن شو فهمتوا أنتم من الدلالة؟ بعد ساعتين رجعت قلت لكم: اسمعوا بس لا تأكلوا من هذا الأكل، راحت عليك الأكل كله. لماذا؟ لأن التصريح تأخر عما تقتضيه الدلالة، فلا يحاسب الإنسان على أخذه بما تقتضيه الدلالة.

وجه اندراج هذه القاعدة تحت قاعدة «اليقين لا يزول بشك»؛ أن التصريح يفيد اليقين فلا يترك لأجل الدلالة المحرم المشكوك فيها. والجهة الثانية في ذكر بعض فروعها الفقهية، قالوا: لو وضع طعاما لضيوفه فأكلوا قبل أن يأذن لهم صراحة لم يضمنوا، لأن الحال يدل على أنه أذن، المهم أنه ما نطق بأنه لا تأكلوا، بس قدم، والدلالة تشير إلى جواز الأكل. ولكن لو نهاهم عن الأكل إصحاحا فأكلوا فعليهم الضمان؛ لأنه لا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح.

الناظر للوقف، أقول لناظر الوقف أن يجري في مصارف الوقف بعمل النظار السابقين، ما دام لم يقف على نص للواقف. الإنسان وقف وقف...

ومات وفي مجموعة من النظار أجوا على هذا الوقف، وكل واحد عمل فترة عليه، بعدين يا راح شاف له شغله ثانية يا مات، أجا ناظر جديد. لأن الناظر الجديد الأصل أن يدير الوقف بالنمط الذي أدار الوقف به الناظر القديم، ما دام لا يوجد نص عن الواقف في شروط الوقف أو أعماله.

قال: لأن الظاهر أن عمل الأقدمين مستند إليه؛ يعني أول واحد كان ناظر، الظاهر أنه كان مستنداً إلى نص من الواقف، يعني الواقف جاب أول واحد وقال: أنا بدي أحط لك ناظر، والشروط واحد اثنين ثلاثة. كل من جاء بعد هذا الناظر ليعمل مكانه، خلص يعتمد على أن الناظر السابق أعماله وأحواله في التعامل مع الوقف هي قرينة ظاهرية على أنه كان قد أخذ التعليمات من الواقف، لأن الظاهر أن عمله مستند إليه. لكن لو وجد نص الواقف على خلاف عمل النظار، فلا عبرة بعملهم يومئذ، ويلزم العمل بنص الواقف.

الآن تخيلوا أنه الناظر رقم أربعة، قدر الله أنه الناظر رقم أربعة وهو قاعد بيبحث في المكتب، وجد ورقة فيها شروط الواقف، فلما نظر في هذه الورقة قال: يا أخي شروط الواقف لا تتناسب مع كل اللي كان يعمله الذين جاؤوا من قبل في نظارة الوقف، فهل يقول: أعمل بالشروط المنصوص عليها والصريحة في هذه الورقة، أو أعمل بما تقتضيه دلالة الحال أن الناظرين السابقين كانوا على صواب؟ قالوا: يعمل بالشروط المنصوص عليها في الورقة، لأن الورقة تصريح، وفعل الناظرين السابقين هي مجرد دلالة، ولا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح.

القاعدة التاسعة: لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل. ذكرت هذه القاعدة بهذا اللفظ في مجلة الأحكام العدلية، والكلام عليها من جهتين: "لا حجة"، أي لا برهان مقبول ولا احتجاج مسموع مع قيام الاحتمال وانتصابه، على أن ما قامت عليه الحجة ليس خارجاً عن التهمة؛ فإن التهمة إذا تمكنت من فعل الفاعل حكم بفساد فعله. لكن هذا الاحتمال الناشئ عن دليل، فلا التفات إلى الاحتمال البعيد المتوهم.

هذه مسألة كثير من الإخوان مهمة في التعامل مع النصوص، حتى كمنهج للتعامل مع النص. الآن لما يأتي كثير من الحداثيين والعلمانيين والليبراليين والنسويين -والقافلة تطول، نسأل الله السلامة والعافية- فيأتي إلى نص من نصوص الشريعة فيقول لك: يا أخي هذا النص محتمل، فلماذا تلزمني بفهمك؟ أقول: هل كل احتمال فعلاً هو يقدح في دلالة النص أو يجعل النص اجتهادياً؟ أم الاحتمال هو الاحتمال الناشئ عن دليل؟

في احتمال ناشئ عن وهم وتقديرات نادرة بعيدة سمجة، حتى ولو كانت جائزة عقلاً، وفي احتمالات داخلة على اللفظ ناشئة عن دليل. فيقول: لا حجة، أي بالنص لا حجة ملزمة مع الاحتمال الناشئ عن دليل، ليس مطلق الاحتمال. لذلك قال: لا برهان مقبول ولا احتجاج مسموع مع قيام الاحتمال وانتصابه على أن ما قامت عليه الحجة ليس خارجاً عن التهمة؛ فإن التهمة إذا تمكنت من فعل الفاعل حكم بفساد فعله، لكن هذا في الاحتمال الناشئ عن دليل.

مثلاً لو أقر شخص -وهذا سواء في تفسير النصوص الشرعية أو في تفسير أقوال المكلفين، نفس الفكرة قاعدة تنطبق هنا وهنا- فمثلاً لو أقر شخص في مرض موته بدين لوارث، الأب قال في مرض موته: ابني فلان بده مني عشرة آلاف، أقر بدين لأحد الورثة، قالوا: لم يقبل. الآن في احتمال يكون هذا الأب صادقاً، وفي احتمال يكون كاذباً، صحيح؟ قالوا: لا نقبل إلا ببينة أو إجازة من باقي الورثة. لماذا لم نقبل إقراره بأن أحد الورثة يريد منه ما دام هذا الاحتمال وارداً أنه فعلاً صادق؟

نقول هنا: لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل. الاحتمال الآخر هو احتمال أنه يريد أن يخص بشيء من الميراث، وهو احتمال قوي وناشئ عن دليل ملموس، وهو ماذا؟ مرض الموت. يعني الآن في احتمالين: احتمال أنه صادق وأنه هذا الرجل يريد منه خمسة آلاف، وفي احتمال أنه يريد حرمان الورثة من أمواله أو تخصيص أحد أولاده. هذا الاحتمال أنه يريد تخصيص أحد أولاده احتمال منطقي، لأننا نتكلم عن واحد في مرض موته، فهذا ليس مجرد احتمال نحن اخترعناه، بل احتمال يعضده الدليل الآن وهو مرض الموت القائم.

يقول: لأن فيه احتمال قصد حرمان بقية الورثة من بعض الحق، وإذا كان هناك دليل على هذا الاحتمال وذلك لكونه في مرض الموت، فهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة؛ أننا لا نقبل منه هذا الإقرار إلا أن يجيب لنا ببينة أو يقبل بإجازة باقي الورثة. وهو قول عند الشافعية وبه قال المالكية.

لكن في مسألة من أقر لوارث قريب مع وجود وارث أبعد أو مساوٍ، المالكية تكلموا في هذه المسألة؛ في حال أنك أقريت لوارث قريب مع وجود وارث أبعد أو وجود وارث مساوٍ، فهنا قد تكون أنت متهم أنك تريد أن تحرم الأبعد أو المساوي له، فتريد أن تخص هذا الوارث بحصة أكبر من غيره، أو تريد حرمانهم من نقص قد يكون، فتريد أن تخصه بحصة أكثر من غيره. أما لو أقر بمدين لوارث أبعد مع وجود الوارث الأقرب، فقالوا هذا لا مشكلة؛ لأن الأصل أن الوارث الأقرب سيحصل ما يريد وما يقصد.

الأصل عدم جواز بيع الوكيل لنفسه ولا شراء منها، لماذا؟ هي القاعدة مثلاً، لماذا الوكيل إذا أنا وكلتك تشتري سيارة، ما يصير تشتري سيارة من نفسك لي، ولا تشتريها من أبوك ولا من أولادك، من أصولك وفروعك؟ وكذلك لو وكلتك أنك تبيع لي شيئاً، ما يصير أنت تشتريه لنفسك ولا تبيع لأصولك ولا لفروعك، ليه؟ لأنك متهم أنك ستحابي.

هذا الاتهام ليس وارداً في أي واحد وكيل ممكن أوكله؛ يعني أنا ممكن أوكلك تبيع سيارة وتروح تبيع على واحد صاحبك وتحابي، لماذا في مسألة إذا بعت لنفسك أو لأصولك أو فروعك منعناك، وأما إذا بعت لأي شخص من أصدقائك أجزنا لك؟ قالوا: لأنه إذا باعها لنفسه أو شراها لنفسه أو لأصوله وفروعه، فالاحتمال المحاباة هنا ظاهر بأدلة قوية، لكن قضية أن يحابي صديقه أو معارفه تبقى هذه المحاباة ليست بذلك الظهور.

كلما كان الاحتمال زي احتمال المحاباة، كل ما كان الاحتمال أكثر ظهوراً، كل ما كان له تأثير أكثر في الأحكام؛ ولذلك حتى في باب الشهود لا يقبلون شهادة العدو على عدوه، ليه؟ الاحتمال أنه يريد أن يضره.

طيب، في دليل على ذلك، نعم، العداوة التي بينهم في المقابل، لا يجوز شهادة الأخير لأخيه، ولا الأب لابنه، ولا الابن لأبيه، الاحتمال أنه عم بيحابيه، في دليل على ذلك طبعاً وجود القرابة بينهم، فالقرابة تبعث على المحاباة.

إذاً عليك أن تنظر في المسائل متى ما وجدت احتمالاً يقوم على دليل ظاهر في السياق، فينبغي أنك تسير مع هذا الاحتمال وتبني عليه الأحكام إذا وجدت مساحة لبناء الحكم عليه؛ لأنه احتمال ناشئ عن دليل. أما إذا كان الاحتمال احتمالاً ناشئاً عن توهمات، أو مجرد الفرض العقلي، فلا عبرة بهذا الاحتمال.

ومن هنا، في ابن دقيق العيد لما ذكرنا مسألة الماء، ذكرنا قضية: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً». آخر مسألة عند ابن دقيق العيد في هذا الحديث مسألة كانت أن البعض استدل بهذا الحديث على أن الماء القليل ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، باعتبار أنه إذا كان مجرد احتمال وقوع النجاسة يؤثر، فتيقن وقوع النجاسة لا بد أن يؤثر التنجيس.

فذهب المالكية قالوا: لا يا عمي، لأنه يمكن أن يكون يقين وقوع النجاسة يؤثر تأثيراً غير التنجيس، أن يؤثر الكراهة فقط. وحتى يدافعوا عن وجهة نظرهم ونقول: هذا الاحتمال الذي ذكرتموه أن يكون التأثير غير التنجيس وأن يكون التأثير مجرد الكراهة، هو صح احتمال، بس مش احتمال ناشئ عن دليل في هذا السياق، ليس احتمالاً ناشئاً عن دليل في هذا السياق، وبالتالي يصبح مدى الاعتبار والالتفات إليه ضعيفاً؛ لأن مسألة المياه التي يتكلم عنها النبي ﷺ هي مسألة التنجيس وليس مطلق التأثير العام، اللهم إلا ما استثني بعض القضايا التعبدية.

فهنا هذه قاعدة هامة حتى في تفسير النصوص؛ لما اليوم تخاطب العلمانيين أو غيرهم ويجي يفسر لك الخمار بقول لك: الخمار أحد معانيه يطلق على ما كل ما يغطي الإنسان حتى ولو كان رداءً أو إزاراً، نقول: هذا أحد الاحتمالات العقلية، يعني أن الخمار يطلق على الإزار أو الرداء، لكن هذا الاحتمال في السياق القرآني بعيد وليس هو المقصود.

ويبقى الاحتمال، يعني إذا بدك تفرض احتمالات على النص وتقول النص يا أخي محتمل، وبالتالي كلامك مش ملزم لي، محتمل لما يكون الاحتمال الذي بتفرضه ناشئاً عن دليل، وليس ناشئاً عن أوهام وتخيلات وإيرادات ذهنية دون أن يكون مثلاً واقع السلف يدل عليها أو واقع الصحابة أو سبب نزول الآية. أعطني احتمالاً ناشئاً عن دليل نتكلم، أما احتمال ناشئ عن مجرد الفرض الذهني هذا لا تضرب به النصوص.

القاعدة العاشرة: «لا عبرة بالتوهم». ذكرت هذه القاعدة في مجلة الأحكام العدلية، وسبق معنى العبرة، أي الاعتبار، والتوهم هو إدراك الطرف المرجوح من طرفي أمر متردد فيه. فالمراد بالقاعدة أن الاحتمال البعيد، الذي هو باختصار الاحتمال المرجوح الذي لا دليل عليه، لا يبنى عليه حكم شرعي، لا في إثبات حكم ولا في رفع حكم ثابت، ولو كان ذلك الاحتمال ممكناً الوقوع عقلاً.

هذا الذي قلته، يعني هي كأنها تتميمة للقاعدة السابقة وتأكيد لمضمونها. التوهم ما هو الوهم؟ مش قلنا هو الاحتمال المرجوح؟ فالاحتمال المرجوح لا يجوز المصير إليه في تفسير النصوص، سواء نصوص الكتاب والسنة أو كلام المكلفين؛ لا نحمل الكلام على الحالة النادرة، لذلك هذا التأويل يسمونه التأويل البعيد، والبعض سمّاه اللعب كذلك.

كما في الحديث: «أيم امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل». أجا الحنفية قالوا: المراد أي أمة، قالوا لهم: وين رأي «أي امرأة»؟ رأى الحديث بتحمل امرأة على الأمة، بس على صورة نادرة أو بعيدة الحضور في الذهن. هذا مثال على واحد تقول له: طيب يا شيخ الأمة مش امرأة؟ مش أحد الاحتمالات؟ يقول: نعم هي أحد الاحتمالات، لكن أن يكون هذا العام مراد به الخصوص في الأمة فقط، احتمال مرجوح بعيد لا يفسر النص به.

ولذلك العلماء كانوا يدركون هذا المعنى، وهذا سجيّة إن شاء الله مع ابن دقيق العيد، وهو يحاول أن يعطيك: وين الاحتمال الذي عند المخالف ممكن نمشي معه؟ وين الاحتمال الذي لا نقبله؟ حتى لو خالفتك أنا، أعرف وين الخلاف السائغ، الاجتهاد المنطقي، وين الكلام اللاعب.

لذلك لما تكلم عن رأي ابن حزم بتذكروا، فقال لك: يا شيخ هذا من مجال القطع، أنا لا أقبل كلام ابن حزم في تفسير النص بهذه الطريقة، بينما في مسائل أخرى بخالف فيها هو بس يعتبر الرأي الآخر في مجال للنظر فيه. يعني صعب أقول إنه أنا رأيي قطعي، طبعاً هذا عند الجهال أو عند أصحاب الحداثة والعلمنة وما شابه ذلك، لا يعني أنهم كل شيء يحتمل، أي البحث وكل شيء قابل للخضوع وكل شيء قابل لإعادة التفكير والنقل؛ ما في قطعيات.

كل زمن يفهم كما يريد، ويعتمدون على الاحتمالات العقلية، هي أكبر ألاعيبهم في تفسير النصوص. حتى الشحروريين وأمثالهم، أكبر أساليبهم في الضحك على الناس هو الاعتماد على الاحتمالات المرجوحة؛ يعتمد أن أخي أحد الاحتمالات العقلية، خلص أنت ليش تلزمني بفهمك؟ ها؟ ماذا قال ابن منظور في لسان العرب؟ قال كذا وكذا، ففتح لك معجماً بوهمك أنه هذا أحد الاحتمالات. أخي ماشي، أنا مقر أنه أحد الاحتمالات، لكن في سياقاته النصية هنا في هذا السياق هو ليس محتملاً أصلاً.

ففرق بين تقول لي مطلق الاحتمال أن هذا محتمل، وبين أنه هو محتمل هنا في هذا السياق وفي هذا المجال. هنا يظهر الذي يفهم والذي لا يفهم، فالعامة مساكين بتطلع عليهم قضية أنه أحد الاحتمالات، وخاصة أنه جاب اسم ابن منظور والأزهري وجاب له كم كلمة، بيضيع العامة معه، فبظن العامي أنه هذا الحداثي والله يا أخي بيحكي علم، شوف كيف العلم! ولا يعرف أنه بيضحك عليه بكلمات منمقة هنا وهناك.

قال: «ولو كان ذلك الاحتمال ممكن الوقوع عقلاً، إلا أنه بعيد عادة». فالعبرة بالبعد هنا، البعد في العادة أو البعد باعتبار السياق يا إخواني، وقال عادة أو سياقاً فلا عبرة به، وإنما العبرة باليقين مما سبق بيانه وتفصيله.

الجهة الثانية في ذكر بعض الفروع الفقهية للقاعدة: إذا أثبت الورثة إرثهم بشهود وقالوا لا نعلم وارثاً غيرهم، ما بنعرف وارث غيرنا، فلا عبرة باحتمال ظهور وارث آخر غير معروف؛ لأنه متوهم. ورثة مات أبوهم، عملوا حصر إرث وراحوا على المحكمة الشرعية وقالوا هذا...

حصر إرث هؤلاء هم الورثة، ما يصير القاضي الشرعي يقول لهم: لا ما رح أوزعها، يا أخي افرض لكم أخو في جامايكا! يا أخي أنت الله يرضى عليك، الاحتمالات العقلية أنه يكون لنا أخو في جامايكا، أبونا جابه في لحظة ممكن، لكن هذا احتمال، عندك دليل عليه؟ عفوا، هل بلغك أنه أبونا متزوج واحدة من جامايكا؟ أعطينا احتمال ناشئ عن دليل في واحدة متزوجها هناك؟ لا، طب زارها؟ لا، طيب إيش الاعتماد؟ يا أخي افرض يوم في يوم من الأيام سافر عليها، وين في جواز سفره؟ مش موجود، طيب من وين جبت الاحتمالات هذه؟

الاعتماد على الاحتمال العقلي وحده ما بينفع في إدارة أمور الحياة. وهذه قضية مهمة، إن الاعتماد على الاحتمالات العقلية لا تسير به الدنيا، يوقع الناس في مشقة، ويوقف كثير من المعاملات والإجراءات والحياة العامة بحجة أنه في احتمال عقلي يكون أبوه قد تزوج واحدة في جامايكا وجاب منها ولد. فهذا معنى أنه ما خلص، القاضي يقول بيعتمد على القرائن الظاهرة، ممكن بده يجتهد شوي، القاضي يفتح السجل المدني لهذه العائلة، "جيبوا لي دفتر العائلة" حتى يتيقن ويتأكد، وغير ذلك ما له أن يفرض احتمالات عقلية أنه في وارث بس مش مبين.

بسم الله، إذا أثبت الغرماء ديونهم على المفلس بشهود حتى يقضي سم ماله بينهم، مش قلنا القاضي سيحجر على المفلس ويأخذ مال المفلس ويوزعه على الغرماء؟ هنا خلص، إذا ثبت الإفلاس قام القاضي بتوزيع المال على الغرماء بالحصص، ولا عبرة باحتمال ظهور غريم بعد ذلك. يعني ما يصير أن القاضي يوقف عملية توزيع المال على الغرماء بحجة: افرض طلع غريم بعد فترة وجاء وسألني طالب زيكم، معناتها ما رح تعطينا حقوقنا يا أيها القاضي لأن احتمال وجود غريم آخر غيرنا وارد؟ يا أخي بس يطلع هذا الغريم، مش قلنا عند الحنابلة بيرجع علينا بحصته، بنرجع نعمل الحسبة الرياضية وبنعطيه، لكن لا توقف حقوقنا وتعطل حياتنا لاحتمال عقلي أن يوجد غريم سيخرج بعد فترة، ممكن، وممكن لا.

القاعدة الحادية عشرة: «لا عبرة بالظن البين خطأه». ذكره هذه القاعدة في كثير من كتب الفقه وقواعدها بلفظها ومعناها. وهذه القاعدة تتكلم عن ماذا؟ أن الظن الذي بان أنه خطأ لا يجوز الاستدلال به. القاعدة تقول: لا يعتد بالظن إذا تبين خطأه. وتوضيحه بأن يقال قد تقرر أن المرء يعمل بالأصل عند طروء شك عليه، وربما في بعض الأحيان عُمِل بالظاهر وصح وقُدم على الأصل.

طبعاً عند الحنفية هذا مضطرد في أنه غلبة الظن تعامل معاملة اليقين، وعند الأربعة أن الظن قد يعامل معاملة اليقين السابق، والظاهر الآن أنتم احفظوها؛ لما يقول لك: «الظن يرفع اليقين»، هي نفسها مسألة تعارض الأصل مع الظاهر، هي نفسها لما يقول لك: «إن الظن قادر على أن يرفع اليقين» في بعض الصور عند المذاهب الأربعة، هي نفسها مسألة إذا تعارض الأصل مع الظاهر، لأنه الظاهر هو الظن.

فنقول: قد تقرر أن المرء يعمل بالأصل عند طروء شك عليه، ولكن مر معنا أنه قد يعمل بالظاهر، كعمله بظن أو غلبة الظن في بعض المسائل، فإذا عمل المكلف بذلك الظن أو غلبة الظن الذي هو الظاهر وقدمه على الأصل، صح عمله وبرئت ذمته، لكن متى تبين له خطأ هذا الظاهر، أنه طلع ليس صحيحاً وظهر له أن الأمر خلاف ما كان يظن، فلا عبرة بظنه ولا يعتد بالعمل الذي بُني عليه. ومفهوم المخالفة للقاعدة أنه إذا لم يتبين للمكلف خطأ ظنه فعمله صحيح معتد به. وبعض من ذكر هذه القاعدة جعلها قاعدة مستقلة عن قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، ووجه اعتبارها مندرجة تحتها أن فيها عملاً باليقين واضطراراً للظن الذي تبين خطأه، يعني نعود إلى اليقين ونترك الظاهر الذي تمسكنا به فترة.

ذكر دليل القاعدة حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض». يعني ألحن يعني أتقن، فأقضي له، أو فأقضي نحو ما أسمع، لأنه أنا بشر في باب القضاء، كأنه يقول لهم: فأنا سأقضي بناءً على المعطيات الموجودة وليس بالوحي، «فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار». فبين النبي ﷺ في الحديث أن حكمه في النهاية في باب القضاء إنما هو ظن على حسب الظاهر، فلو حكم لأحد على ظاهر حجته فلا يعتد بهذا الحكم في نفس الأمر وفي الواقع إذا تبين خطأه، وتبين أن هذا الشيء ليس من حقك وإنما هو من حق صاحبك، فلا يحل المحكوم له أن يأخذ من حق أخيه شيئاً، بل هو متوعد بالنار.

وهذه القاعدة أمثلتها كثيرة حقيقة، مثلاً مش نحن قلنا من صلى الصلاة نكتفي فيها بظن دخول الوقت؟ اليقين عدم دخول الوقت، ولكن اكتفى أصحابنا بالظن في دخوله، وهذا عمل بالظاهر في مقابلة اليقين. فإذا ظننت دخول الوقت لك أن تصلي، صليت، وبعد ما صليت اكتشفت أنه طلع الوقت مش داخل، لا عبرة بالظن البين خطأه، فعليك أن تعيد الصلاة. أليس عملك بالظن في دخول وقت الصلاة هو من قبيل أنك قدمت الظاهر على الأصل؟ الأصل عدم دخول وقت الصلاة، ظننت دخوله. نعم، أصحابنا يقولون نكتفي بالظن ولا يلزم أن نصل لليقين بدخول الوقت، فهذا من تقديم الظاهر على الأصل، لكن إذا تبين بعد أن صليت أن الوقت لم يدخل، فهنا نقول: لا عبرة بالظن البين خطأه.

أو كذلك مثلاً، من صلى ظناً أنه على طهارة فتذكر بعض الصلاة أنه كان محدثاً، لزمه إعادة الصلاة. يعني شخص الأصل أنه يظن في نفسه أنه على طهارة، هو معتبر نفسه أنه توضأ، وبالتالي لما جاءت وقت صلاة العصر معتبر أنه ما صار معه حدث، فماشي على أنه ما زال على وضوئه، بعد الصلاة تذكر أنه أحدث، نقول إذا ظنك أنك متطهر هذا ظن بان خطأه فأعد العمل مرة أخرى. نفس الشيء من ظن دخول الوقت صلاة، ما تبين عدم دخوله، لم تصح صلاته، ذكره الشافعية والحنابلة. وكذلك من شك في طلوع الفجر فاستصحب بقاء الليل، من شك الفجر طلع أو لا فاستصحب بقاء الليل لأنه الأصل، فأكل وشرب، ثم تبين له أن أكله وشربه كان بعد طلوع الفجر، هذا لم يصح صومه ووجب عليه القضاء، خلاف من شك هل طلع الفجر أو لا ثم لم يظهر له خطأه، فهذا يكمل ولا مشكلة.

طيب هل هذه القاعدة لها استثناءات؟ نعم، يعني هل هناك...

حالات الظن يبان خطأه ومع ذلك لا نطالبك بإعادة العمل، قالوا نعم. قالوا: من شك في طلوع الفجر استصحب بقاء الليل. قالوا: من صلى خلف من يظنه متطهراً فبان محدثاً، هذه كثير بتصير، صحيح أنت صليت خلف إمام كان مفكر حاله مطهر وأنت مفكره مطهر، بعد الصلاة الإمام عاد إلى منزله فرأى جنابة في ثوبه، أو تذكر أنه محدث، أو تبين له أنه محدث؛ هنا في هذه الحالة الإمام سيعيد، وأما المأموم فلا يعيد.

لا عبرة بالظن البين خطؤه هنا، صار في عبرة؛ يعني هنا لا، هنا اعتبرنا به، أنت ظننت أنه طاهر وبنيت على هذا الائتمام به واكتشفت بعدين أنه محدث، قلنا مش مشكلة، اعتبر الظن الذي ابتدأت به، فهنا اعتبرنا بالظن البين خطؤه. بالنسبة للمأموم قضية أخرى، مثلاً القبله، مش قلنا من اجتهد في السفر في جهة القبلة ثم صلى، وتبين له بعد الصلاة أنه لغير القبلة لا يعيد مع أنه بان لك خطؤك؟ قالوا لماذا؟ قالوا لكثرة الوقوع في مثل هذا الخطأ في السفر، والمشقة تجلب التيسير.

إذن هذا الاستثناء لأن هذه الفروع في هذه الحالة تتبع قاعدة أخرى وهي قاعدة المشقة تجلب التيسير. لاحظوا: من اجتهد في السفر في القبلة فصلى ثم تبين له الخطأ، ماذا قلنا؟ قلنا لا يعيد دفعاً للمشقة عنه، لكن هو نفسه لو اجتهد في الحضر، على ظاهر كلام أصحابنا، إن أصاب أصاب، بس إن أخطأ بده يعيد. هنا قالوا لا عبرة بالظن البين خطؤه؛ ليه؟ لأن الحضر قالوا ليس محلاً للاجتهاد، فإذا بان لك صواب اجتهادك مشيناها، لم يبل لك صواب اجتهادك لا عبرة بالظن البين خطؤه.

شوفوا، هذول الفرعين مبنيين على مسألة: متى نطبق قاعدة «العبرة بالظن البين خطؤه» ومتى لا نطبقها؟ وكيف تتداخل القواعد؟ هو حقيقة إخواني، الفهم والذهن القوي في باب القواعد الفقهية ليس فقط أن تحفظ القاعدة وكم فرعاً عليها، إنما أن تعرف كيف تتصرف عند تزاحم القواعد على الفرع الواحد، أن تعرف كيف تتصرف عند تزاحم القواعد على الفرع الواحد؛ بأيها يُلِحُّ؟ هل هو الإلحاح بتلك القاعدة أو بهذه القاعدة؟ هذا هو الفن. أما أنك تعرف أن هذه الصورة تندرج تحت هذه القاعدة، فهذا نوعاً ما سهل، لكن المشكلة أن تعرف تزاحم القواعد على الصورة فتلحق الفرع أو الجزئية بأيها يُلِحُّ، هذا يحتاج إلى ذهن واستحضار للقواعد الكبرى وأصول الشريعة ومقاصدها وكلياتها.

الجهة الرابعة، القاعدة الثانية عشرة: «لا ينسب إلى ساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان». إذاً هي مركبة من جملتين: «لا ينسب إلى ساكت قول»، لكن استدراك «السكوت في معرض» أي في ظرف يحتاج فيه إلى البيان كأنه بيان. هذه القاعدة مكونة من شقين؛ الشق الأول: «لا ينسب لساكت قول»، وهذا من كلام الإمام الشافعي رحمه الله ومعناها مشهور مقرر عند الفقهاء بألفاظ. والثاني الجملة الثانية: «السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان»، وهذا لفظ مذكور في كثير من كتب الفقه وأصوله عند الحنفية، وورد في المادة 67 من مجلة الأحكام العدلية. وذكر المنجريسي قاعدة بقوله: السكوت على الشيء، هل هو إقرار به أم لا؟ وهل هو إذن فيه أم لا؟ وجمع الزركشي جملة من المسائل المترتبة على السكوت.

الجهة الأولى في معنى هذه القاعدة تبين لك القاعدة أنه لا يصح أن ينسب للقادر على الكلام أي قول، بخلاف العاجز عن الكلام كالأخرص؛ فإن إشارته المفهومة تقوم مقام الكلام في كثير من الأحكام. فيقول: لا يصح أن ينسب للقادر على الكلام أي قول، أما العاجز فما له وسيلة إلا أن يستعمل الإشارة أو ما في حكمها فينسب له القول بناءً على إشارته. ومحل ذلك متى لا ينسب للقادر على الكلام قول؟ محل ذلك إذا لم تكن ثم حاجة إلى البيان، فإذاً لا ينسب له قول، فإما أن وجدت الحاجة فقد اعتبر الشارع السكوت بياناً يغني عن الكلام.

من أبرز المسائل الأصولية التي ترتبت على هذه القاعدة مسألة الإجماع السكوتي؛ إذا قال أحد الصحابة قولاً ثم انتشر وسكت الباقون ولم يخالفوه، هل نقول إن سكوتهم يدل على الرضا ونعتبره تصريحاً وبياناً بالرضا، أم نقول لا ينسب إلى ساكت قول؟ من رأى أن سكوتهم بعد اجتهاد القول يعبر عن رضاهم، كأنهم اعتبروها من باب ماذا؟ أن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان؛ ما يصير عالم يسكت عن خطأ عالم آخر، أليس كذلك؟ فإذا سكتوا مع قول هذا العالم، فكان سكوتهم في معرض الحاجة إلى البيان بياناً، كأنهم يصرحون بموافقة فقه هذا العالم على قوله، فاعتبروا الإجماع السكوتي. وأما من رأى أنه لا ينسب إلى ساكت قول، ورأى أن سكوتهم هنا لا يدخل تحت قاعدة السكوت في معرض الحاجة عن البيان بيان؛ لأنه قد يكون سكوتهم لمآخذ أخرى، قد يسكت الإنسان مثلاً لأنه رأى عدم مصلحة الآن في الكلام، قد يسكت الإنسان خوفاً، قد يسكت الإنسان بسبب انشغاله بقضايا أخرى، يعني احتمالات السكوت كثيرة، فلا ينسب إلى ساكت قول، بالتالي لا عبرة بالإجماع السكوتي لأننا لسنا متيقنين أن سكوتهم كان عن رضا أو عن غير رضا.

المهم، الجهة الثانية في ذكر دليل هذه القاعدة، يستدل لها بنفس أدلة «اليقين لا يزول بالشك»؛ باعتبار أن هذا شخص ساكت، هل هو موافق أو غير موافق؟ هذا مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، لا يمكن أن آخذ منه موافقة أو معنى أو معلومة ما دام لم يتطرق إليها أو يتفوه بها.

ذكر بعض الفروع الفقهية الداخلة تحت الشطر الأول الذي هو «لا ينسب إلى ساكت قول»، كسكوت الثيب الكبيرة متى خطبت؛ لا يفهم منه رضاها، فلو ذهبت إلى ثيب وحدها تزوجت وطلقت أو مات عنها زوجها وقلت لها: ترى فلان خطبك فسكتت، هل يصير تزوجها بحجة أنها سكتت؟ إذاً هذا ليس إشارة على أنها راضية، لا؛ النبي ﷺ بين لنا أن الثيب لابد أن تستأمر ويكون إذنها بالتصريح، قال: لا يفهم أنه رضا، لابد فيها من النطق بلا خلاف، سواء كان الولي هو الأب أو غيره؛ لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال، ما دام سبق لها الزواج. إذاً قضية الحياء يعني خفت حياءً، طبعاً كله خير إن شاء الله، لكن مراد الحياء من التعامل مع الرجال ومعرفة طبعه، فخفت، بالتالي نعطيها القدرة على التصريح.

لو سكت امرؤ عن إتلاف شيء من ماله فلا يسقط الضمان عن المتلف؛ يعني لو أن ابنك كسر سيارة الجار، فالجار أسبوع كامل ما فتح معك هذا الموضوع، بعدين بعد أسبوع فتح قال لك: أنا بدي ضمان.

هل بتقول له لا، أخي أنت السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان؟ السيارة انكسرت، صار لها أسبوع، الآن جاي تحكي لي إن السيارة بدك تضمن؟ أقول له هو قال لك ما بدي أضمن، ولا هو سكت؟ هو سكت، قد يكون سكوته لأنه والله مشغول بحاله، مرضية، ما هو فاضي في هذه الأيام.

فكثير للأسف من الناس يحتجون بهذه القضية في الحياة العامة، بيجي بيقول لك: «يا أخي أنا مرة ركبت برداي»، بدي أعطيك مثالاً عملياً: هذه البرداي، فكان التركيب خاطئاً، وأنا ما انتبهت أن التركيب خاطئ، كنت مشغول يومها وكان عندي مشوار طويل. فبعد أربعة أيام عدت، فتكلمت مع شركة البرادي وقلت لهم: «ترى التركيب خاطئ، المكان مكشوف»، فماذا قالوا حضراتهم؟ قالوا: «طيب ليش ما تكلمت معنا من البداية وأخبرتنا أن التركيب خاطئ؟».

قلت لهم: «يعني كوني أنا ما تكلمت، لا يعني أني أقررت»، لأني أنا ما كنت موجود لما هو ركبها ابتداءً، فهل سكوتي معناها أنا أقررت أن تركيبها صحيح؟ هل أنا سكوتي وأني ما راجعتكم إقرار أن تركيبها صحيح؟ لا، لا ينسب إلى ساكت قول. فقلت له: «تعال انظر، إذا كان تركيبه خطأ فمعناها لا تنسب إلي أن سكوتي كان إقراراً بماذا؟ بالتركيب الصحيح لها»، بخلاف ما لو كنت أنا أمام الرجل وهو يركب، وأشرت إليه أن «نعم هكذا أريد» ثم ذهب وغادر، هنا إقرارك أمام عينيك.

قد يكون نعم، لكن هذا تحت الفرع الثاني: السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان. لكن لما إذا تم تركيب الشيء أو إتلاف الشيء وأنا ما قلت نعم أو لا، لا تستطيع أن تنسب لي مباشرة أنك موافق عليه وقد رضيت به، وهذا كما قلت للأسف كثير من الناس يتساءلون به ويحملون الناس نتائج سكوتهم.

إذا بيع ملكه بحضرته وهو ساكت مثلاً، حتى بحضرته، تخيل هنا قالوا: لم يصح البيع ولا يعد إذناً منه بذلك حتى ولو بحضرته، ولم يعتبر السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بياناً، نص على ذلك الحنفية والشافعية والحنابلة، وللمالكية تفصيل في هذه المسألة، ليس هذا وقت بيانه.

الجهة الرابعة في ذكر بعض الفروع الفقهية للشطر الثاني من القاعدة: قالوا سكوت البكر الصغيرة متى خطبت دليل على إذنها، البكر غير الثيب. النبي ﷺ قال في البكر: «وإذنها صماتها»، في قول عامة أهل العلم، لغلبة الحياء المانع من التصريح عليها، فاعتبر سكوتها بياناً.

قالوا لو نقض بعض أهل الفدنة العهد ولم ينكر الباقون بقول ولا فعل، انتقض في الساكتين أيضاً، ذكره الشافعية والحنابلة. ومثل ذلك مثلاً لو تواطأت قرية على عدم الأذان، وكان هناك أناس في القرية ساكتوا لم ينكروا على هذا التواطؤ على ترك الأذان؛ لأن التواطؤ على ترك الأذان لا يتصور أن كل رجل في القرية يريد أن يتواطأ، يتصور أن أغلبية الناس المسؤولة عن هذا تواطأت والباقون سكتوا ولم يهتموا، فعندما تتواطأ القرية على تركها شعائر الإسلام الظاهرة، تتواطأ رجالها بكليتها.

والساكت الذي قال: «أنا كنت ساكت، أنا ما قلت آه أو لا»، نقول له: سكوتك في معرض الحاجة عن البيان بيان؛ لأنه كان بإمكانك أن تعترض عليهم إذا كنت من أصحاب الوجاهة أو تخرج عنهم، يعني عندك خيارات كثيرة، اللهم إلا إذا ثبت أنه من المستضعفين من الرجال والنساء الذين لا يستطيعون المعارضة ويخشون على أنفسهم، فهنا نقول والله لا يجوز أن نحاسبه على سكوته ونعتبره في حكم الموافق. لكن الأصل العام أن من كان بين ظهراني قوم يملك إرادة تامة واختياراً تاماً للتعبير عن إرادته، وفعلوا شيئاً منكراً ولم ينكر، فأنت معهم.

أيضاً من أبرز القواعد الأصولية التي ممكن أن تطبق على هذه القاعدة: حقيقة السنة التقريرية. السنة التقريرية تقوم على ماذا؟ في حق النبي ﷺ أن يفعل مسلم أو منافق -قالوا على الصواب- بحضرة النبي ﷺ فعلاً ينسب إلى الإسلام، فالنبي ﷺ يسكت ولا يعلق عليه، هذا السكوت أُخذ منه الإباحة ويسمى سنة تقريرية، لأنه ﷺ مطلوب منه البيان لو كان الفعل على خلاف الصواب، فسكوته في معرض الحاجة عن البيان بيان. إذاً الإجماع السكوتي والسنة التقريرية مبنيان على قاعدة: السكوت في معرض الحاجة عن البيان بيان.

القاعدة الثالثة عشرة والأخيرة من القواعد المندرجة تحت "اليقين لا يزول بالشك": قاعدة «الممتنع عادة كالممتنع حقيقة». ذكرت هذه القاعدة في مجلة الأحكام العدلية، والكلام عليها من جهتين: الممتنع حقيقة، وهو ما يسمى المستحيل لذاته أو المستحيل عقلاً في باب المنطق وأصول الفقه. فما يسمى بالممتنع بالذات هو ما بطبيعته لا يمكن أن يوجد، مثل اجتماع النقيضين؛ فالعقل لا يتصور وقوعه لذاته، أو التسلسل إلى ما لا نهاية.

التسلسل إلى ما لا نهاية في المخلوقات لا يمكن أن يكون، هناك مخلوق معين، وتوضيح ذلك بأن تعلم أن الأحكام العقلية ثلاثة: الجائز ويسمى ممكناً، والممتنع ويسمى محالاً، والواجب. طبعاً إنما قصد التسلسل في المخلوقات أنه ما من مخلوق إلا لابد وأن تصل لمرحلة أن هناك خالقاً، صحيح؟ هل يجوز تسلسل بعد الخالق سبحانه وتعالى؟ تقول: "طب هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟"، لأنه هذا سيؤدي إلى تسلسل ما لا نهاية. إذا قلت: "من خلق الله؟"، النبي ﷺ قال: يستعيذ بالله وتنتهي، لأنه من المستحيل عقلاً، لازم تصل إلى الأول الذي ليس قبله شيء في الخالقية.

لكن لو تصورت أن كل شيء في الوجود له خالق، حتى والعياذ بالله أن يكون الخالق له خالق، هذا سيؤدي إلى مستحيل عقلي، سيؤدي إلى تسلسل لانهائي في العلة والمعلول، وهذا ممتنع. فمثلاً العقل يتصور وجود زيد وعدم وجوده، هذا ممكن، نقول فوجوده جائز عقلاً، لكن لا يتصور اجتماع قيام وعدم من زيد في وقت واحد، فهذا محاذٍ وممتنع عقلاً. يمكن عقلاً أن توجد الأشياء بلا موجد لها، ولذا كان وجود الخالق واجباً عقلياً؛ يعني الذي جعل وجود الخالق واجباً عقلياً هو أنه يمتنع عقلاً التسلسل.

أصلاً لأنه لما كان يمتنع عقلاً التسلسل في الخلاقية إلى ما لا نهاية، فهذا جعل واجب عقلي وجود الخالق الأول، صحيح؟ طيب ربما كان الشيء جائزاً عقلاً لكنه ممتنع شرعاً، كإرسال نبي بعد النبي محمد ﷺ، فهذا ليس ممتنعاً لذاته، وإنما امتناء لأخبار صادق المصدوق بأنه لن يقع، إخبار الله عز وجل أنه هو خاتم النبيين، وربما كان.

الشيء جائزا عقلا لكنه لا يقع إلا في العادة، وربما كان الشيء جائزا عقلا لكنه لا يقع في العادة عند الناس، فهذا هو الممتنع العادي. باختصار؛ هناك أمور جائزة عقلا لكنها ممتنعة شرعا، وهناك أمور جائزة عقلا لكنها ممتنعة عادة.

فليس كل ممتنع شرعا أو ممتنع عادة لازم يكون ممتنعا عقلا، وهذا يخطئ فيه كثير من الطلاب؛ عدم التفريق بين المستحيل العقلي والمستحيل العادي، ونبهنا على ذلك في شرح بلغة الوصول.

فالطير في الهواء مثلا، أن يكون الإنسان يطير في الهواء، هذا ممتنع عقلا ولا ممتنع عادة؟ ممتنع عادة؛ لأنه لا يوجد شيء، لو فرض الذهن أن الله خلق الإنسان يطير في الهواء فهذا ليس مستحيلا في ذلك عقلا كاجتماع متضادين أو ما لا نهاية فيما ينبغي أن يكون له نهاية، لا يوجد ممتنع عقلي، فهذا من المستحيل العادي فقط.

فالمقصود من القاعدة هنا أن الشيء الممتنع عادة، وإن كان جائزا عقلا، ينزل في الأحكام الشرعية منزلة الممتنع حقيقة في عدم قبول الدعوى به. كدعوة مثلا بقاء رجل حي في زماننا منذ 200 عام. لو قال شخص الآن: أنا أدعي أني أريد من فلان اليوم، وفي زماننا عادة أعمار أهل هذا الزمان كم؟ إذا بلغت 150 سنة فهذا أحسن واحد فينا، فلو قال شخص: أنا أريد من شخص حق مالي، وذكر مدة لا يمكن أن يثبت الحق فيها، فهنا نقول هذا ممتنع عادة.

طبعا بدنا نفرق بين مسألتين هنا، بين مسألة أن يطلب شخص يدعي شخص عمره 20 سنة أنه يريد حقا من شخص قبل 40 سنة، بقول هذا ممتنع عقلا؛ إذا قال شخص: أنا أريد منك حقا منذ 40 سنة، وأنا وإياك عمرنا كلنا 20 سنة، فنقول هذا ممتنع عقلا مش عادة؛ لأنه لا يتصور في العقل أن يكون لك حق من معدوم.

لكن لو كانوا مثلا -وربما أقرب المثال الذي أريده- لو قال شخص كدعوة بقاء رجل حي في زماننا 200 عام، صورتها واحد عمره 20 سنة يحكي عن جده، طبعاً جده مات قبل 200 سنة، فليكن الشخص معروف أنه ولد عام 1800، فجاء شخص اليوم يحكي: أنا والله أريد من هذا الشخص 200 دينار داينته إياها، فيقال له: متى شفته؟ هذا رجل بشر كان موجود، مش ممكن عقلا يكون موجود للآن، مثلما يحكون عن الخضر أنه موجود الآن، فلو قلت لي إنه ولد عام 1800 وبتحكي إنك اليوم شفته وأعطيته مثلا 1000 دينار وبدك إياه يسدك، أقول لك: ممكن عقلا يكون موجود، بس عادة مش ممكن؛ أن يكون الرجل عايشا من 1800 لليوم أكثر من 200 سنة، ممكن عقلا ما في شيء مستحيل، بس عادة لا يمكن.

فادعاءك أنك تريد حقا من هذا الرجل وأنه ما زال موجودا، هذا مضيعة وقت للحكام؛ لأن الكل أنت نفسك مقر أنه ولد في ذلك التاريخ، فلا يمكن أن يكون هذا الرجل موجودا حاليا وأنك أعطيته حقا تطالب فيه عادة، فالقاضي يغلق ملف القضية ويقول لك: لا تسمع الدعوة واعتبرها كالممتنع عقلا.

ووجود اعتبار هذه القاعدة متفرع عن "اليقين لا يزول بالشك"؛ أن الممتنع عادة ملحق بالعدم، والأصل المتيقن هو العدم، فلا يصار لغيره بمجرد الاحتمال والشك. مثلا إذا ادعى شخص معروف بالفقر، شخص لم يغتني منذ أن خلقه الله ووجد على هذه البسيطة، إذا دعا على شخص آخر أنه يريد منه مليون دينار، ولم يتبين أن هذا الفقير أصاب هذه المليون بإرث ولا بكنز ولا وجد من دفن الجاهلية، فهنا القاضي لا يسمع دعواه لأنها بعيدة عادة، وما يجي القاضي يقول: يا أخي أنت طول عمرك طفران ولا عمرنا سمعنا أن عليك علامات الغنى، فسامحنا هذه الدعوى كليتها ما بنسمع بها.

فهنا الممتنع عادة كالممتنع حقيقة. إذا ادعى ولي اليتيم أو ناظر الوقف أنه أنفق عليه أموالا عظيمة، وكان الواقع الذي يرى الوقف أنه مهترئ، فيقول له: أنت قديش أنفقت عليه؟ يقول: أنا دفعت عليه 80 أو 90 ألفا، فيقول له: 80 أو 90 ألفا؟ لازم هذا الوقف يكون بشعشع نور، والوقف مهترئ متآكل، نقول ممتنع عادة أن تكون صرفت عليه 100 ألف، فادعاؤك أنه صرفت عليه 100 ألف ممتنع عادة ينزل منزلة الممتنع حقيقة، ولا نبني عليه أي حكم.

وهذه كثير، هذه الدعاوى العريضة؛ مثلا شخص يدعي أنه ضابط للمذاهب الأربعة بالتفصيل الدقيق لأقوالهم وأحوالهم وأمورهم، وليس إلا الأصول المسألة، وعمره 25 عاما، ماذا تقول؟ تقول هذا كالممتنع عادة، لا أقبل دعواه؛ لأنه معروف أن هذه المذاهب مما تفنى فيها الأعمار. ممكن أفهم أنك اطلعت على المذاهب الفقهية، لكنك ضابط عميق محلل لكل شيء؟ حتى من ادعى فيه الاجتهاد المطلق كابن تيمية وابن دقيق العيد والسيوطي وهؤلاء أعمارهم تقصر عن عمر 25 سنة، ولو حكيناها على عمر الـ 70 لسه، فإذا كان عمرك 25 سنة ولم تعرف بطلب العلم الكثيف، وطول وقتك قاعد من قعدة ومن يوتيوب ليوتيوب وتجي تقول لي: أنا ضابط للمذاهب الأربعة بتفاصيلها، أقول: متى أصلا لحقت تضبط مذهب واحد مش المذاهب الأربعة؟

فادعاء ضبط المذاهب الأربعة بتفاصيلها وفروعها على مدى الأعمار من شخص لم يعرف منه التفاني الرهيب في طلب العلم، هو كالممتنع عادة، فينزل منزلة الممتنع حقيقة. وقص على ذلك الكثير من الدعاوى العريضة التي ممكن واحد يقول لك: يا شيخ، عقل المستحيل لا، بس أنا بقرأ الواقع وبقرأ الحال، أقول لك: هذا الشخص السيرة العمرية تاعه لا تؤهل للوصول لهذه المرتبة العلمية؛ لأنه من يعرف المذاهب ودقتها وتفاصيلها وفروعها وما فيها من...

أقوال، ويُعرف أنه من الممتنع عادةً، قصارى أنك تضبط مذهبين بفروعهما الدقيقة. فيكم نجرب المذهبية، يُعرف أنه المذهب الواحد أنت ممكن تجلس 10 سنين و15 سنة وأنت مش ضابط المذهب الواحد، مذهبين، ثلاث، وعمر إنسان وانشغالاته وطبائعه.

فما بالك شخص دائماً أنت بتشوفه في كل العزايم، وفي كل القعدات، وفي كل الأفراح، وفي كل المناسبات، بتقول هذا من أين ضبط حتى يؤخذ منه هذا الكلام؟ فينتبه إلى هذه القضية.

نقف اليوم عند هذا، بقي هناك بس مثال واحد: إذا ادعى شخص، إذا دعا ولي اليتيمة... نتكلم مع... نقف عند هذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.