بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أيها الأكارم، أيها المتابعون الكرام عبر هذه القناة الطيبة المباركة في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب «المنحة الإلهية في شرح القواعد الفقهية» لشيخنا الشيخ أيمن الحبشي، متمتعاً الله بالصحة والعافية.
قد شرعنا في الدرس الماضي في القاعدة الثانية من القواعد الكلية الكبرى، وهي قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك». لكن قبل الشروع في هذه القاعدة، هناك استدراك على بعض الأمثلة التي تدارسناها في المجلس الماضي فيما يتعلق بالقاعدة الأخيرة من قواعد «الأمور بمقاصدها»، وهي قاعدة: «العبرة في الإيمان بالألفاظ أو بالأغراض؟». هل الإيمان مبني على الألفاظ أو على الأغراض؟ رُبط ذلك بعد أن ذكرنا الخلاف فيها بين الحنفية وبين الشافعية، من جهة عموماً على وجود فروق بينهم وبين المالكية والحنابلة.
ذكرنا في صفحة 65 من الكتاب مجموعة من الأمثلة. المثال الأول كان: لو اغتاظ من شخص، لو أن شخصاً اغتاظ من شخص فحلف ألا يشتري له بريال. شوف المثال الذي قاله الشيخ أيمن، وإن استدركت عليه أن نيته ألا يشتري له بأي شيء، يعني لا بريال ولا بأكثر، هذه نيته، قال فاشترى له بـ 100. الشيخ وضع كلمة 100 وذهب، فالظاهر المتبادر بـ 100 يعني 100 ريال، هذا هو الظاهر ما دام لم يحدد بشيء. قال: لم يحنث عند الحنفية. لماذا؟ قال: اعتباراً بلفظه أنه قال: لا أشتري لك بريال، وأنا اشتريت لك بـ 100 ريال، إذا 100 ريال غير الريال، فلم ينظروا إلى القصد ولم يعمموا اللفظ بناء عليه، وإنما نظروا إلى اللفظ، قالوا: أنت قلت لا أشتري بريال، واشتريت له بـ 100 ريال، لم تحنث.
المشكلة في هذا المثال واحد: أنه يتعارض مع المثال رقم ثلاثة. المثال رقم ثلاثة في الصفحة التي تليها: «من حلف على شيء ألا يشتريه بعشرة، ألا يقوم بشرائه بماذا؟ بعشرة، فاشتراه بعشرة أو أكثر»، هذا سيحنث عند المالكية والحنابلة باعتبار النية؛ إذ غرضه ألا يشتريه بعشرة أو أكثر، فإذا اشتريته بأكثر حنث عند المالكية والحنابلة اعتباراً على أن النية عندهم تعمم الألفاظ.
وهنا ماذا قال الحنفية؟ ويحنث أيضاً عندنا. لماذا؟ لاحظ التعليل في المثال ثلاثة، قال: لأنه إذا حلف ألا يشتريه بعشرة فاشتراه بعشرة أو بـ 12 أو بـ 13 أو أي مبلغ فوق العشرة، قالوا: أي مبلغ فوق العشرة هو يتضمن العشرة وزيادة ضمنياً. إذا أنت قلت: والله لا أشتري منك هذه السلعة بعشرة، فاشتريت بـ 11، قالوا: الـ 11 هي 10 زائد واحد، فستحنث. إذًا ليس من جهة أن النية عممت اللفظ، بل من جهة لفظية بحتة، وهي أن الـ 11 من حيث تحليلها اللفظي هي 10 + 1، فشمل الفعل الذي فعلته، وهو أنك اشتريت بـ 11، ما تلفظت به ضمنياً وهو العشرة. شمل فعلك الذي اشتريتها به الـ 11 ما تلفظت به ضمنياً وهو أنك قلت لا تشتريه بعشرة.
نقول بناءً على هذا المثال رقم ثلاثة، وهذه العلة، ينبغي أن يكون مثال رقم واحد بنفس التفكير؛ إذا حلف ألا يشتري له بريال، والمقصد أن يشتري بريال ولا بأكثر، فإذا اشتريت لك بـ 100 ريال أو بـ 10 ريال أو بريالين، فإنا عندئذٍ أكون قد اشتريت لك بما تضمنه لفظي؛ ريال زائد ريال ثانٍ، أو إذا كان بـ 10 ريال يعني بريال زائد تسعة، فإنه ينبغي أيضاً ألا يحنث.
وهنا في الحقيقة عند الرجوع إلى ابن نجيم، الذي أخذ منه الشيخ هذه القاعدة وأخذ منه هذا المثال، لكنه غير صياغته ليتلاءم مع الواقع، أقول لعل الشيخ لم ينتبه إلى أن المثال عند ابن نجيم ليس أنه مثلاً بدينار، من حلف ألا يشتري بدينار فاشترى بـ 100 دينار، لا، المثال كالتالي: من حلف ألا يشتري له بفلس فاشتراه له بدرهم. إذا قال: والله لا أشتري لك بفلس، ثم قمت فاشتريت لك بدرهم، هنا ماذا يقال؟ هنا يقال: اختلف الجنس. فلذلك قال الحنفية بعدم الحنث.
مأخذهم أنه لو قال لك: والله لا أشتري لك بفلس، الآن أنا أعرف أن نيتك ما هي أنه لا يشتري بفلس ولا بدرهم ولا بدينار ولا بأي عملة، ما بدك تشتري له شيء، هذه النية صحيحة، لكن قالوا إذا اشترى له بدرهم أو مثله أو بدينار، فهنا لفظ الدينار والدرهم جنس مختلف عن الفلس، فلذلك قالوا لم يحنث؛ لأن الدينار أو الدرهم خلاف الفلس في الجنس، ولم ينظروا إلى النية، ولم ينظروا إلى أن الدرهم هو عبارة عن مجموعة من الفلوس؛ لأنه الدرهم جنس والفلوس جنس آخر. بخلاف ما لو قال: والله لا أشتري لك بريال فاشتراه بـ 100 ريال، هنا نتكلم عن نفس العملة، وبالتالي الـ 100 ريال هي تتضمن ريالاً زائد 99، فالأصل على القاعدة السابقة أنه هذا يحنث عند الحنفية نظراً للزيادة المشمولة داخل الفعل.
إذًا باختصار، المثال الذي ذكره الشيخ ونسبه إلى «الأشباه والنظائر»، الشيخ عدل المثال، لكنه يحتاج إلى تعديل. هنا كان ينبغي أن يقول: لو اغتاظ من شخص فحلف ألا يشتري له بريال، ونيته ألا يشتري له بأي عملة من العملات، فاشترى له بـ 100 مثلاً، نقول لازم يحددها؛ لأن الظاهر بإطلاقه هي 100 ريال، نفس العملة، وهذا ليس مقصود الحنفية. فإذا اشترى له بـ 100 دينار أو بـ 100 قطعة ذهبية، هنا لم يحنث عند الحنفية من جهة أنهم يعتبرون الألفاظ، ولفظ الدينار غير لفظ الريال. انتهينا.
لكن لو نفس هذا المثال قال: والله لا أشتري لك بدينار فاشترى له بـ 100 دينار، على المثال الثالث يجب أن يحنث، وهذا هو أصلهم. لماذا؟ لأن الـ 100 دينار تشمل ديناراً زائد 99. فهنا لم يكتفوا، بل رأوا أن القضية لفظية بحتة، ليست قضية تعميم النية، رأوا أن اللفظة موجودة ضمنياً داخل الـ 100 دينار. فهذا فقط من باب تعديد الأمثلة حتى تكون الأمثلة مضطردة، وإلا ستقول لي: ما الفرق بين المثال الأول والمثال الثالث؟ فجيد أن نبهنا إلى وجود هذه الإشكالية، والله تعالى أعلم.
نعود إلى قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك». ذكرنا هذه القاعدة ومعنى هذه القاعدة وأدلتها وما يتعلق بها من الأحكام الأساسية والتنبيهات في المجلس الماضي، ووصلنا إلى الجهة الثالثة في القواعد الفقهية المندرجة تحتها. ذكر الشيخ -ما شاء الله- ذكر ثلاث عائدات.
مندرجة تحتها، وسنمر عليها تباعًا بإذن الله. التعليقات التي تليق بها.
القاعدة الأولى المندرجة تحت قاعدة اليقين: «اليقين لا يزول بالشك»، وقاعدة: «ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين». طبعًا نقول إن هذه كأنها تعبير آخر عن نفس القاعدة، يقول لك: اليقين لا يزول بالشك، وفي ضمنها وفي نفس معناها: ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين. وهي قريبة منها، لو قلت لا يرتفع بالشك، ولو قلت لا يرتفع إلا بيقين؛ كأني قلت ما ثبت بيقين لا يرتفع بالشك، وهذا هو أصل معنى اليقين لا يزول بالشك، وهما متقاربتان.
ذكر هذه القاعدة جماعة من الأئمة بهذا اللفظ أو بمعناه، ومن أوائل من تكلم بهذه القاعدة الإمام الشافعي رحمه الله. والكلام عنها من أربع جهات: الجهة الأولى في معناها، فنقول قد تقرر فيما مضى أن اليقين لا يزيده الشك، وأن الشك المراد به مطلق التردد بين الأمرين، فيشمل 50% إلى 50% استواء الطرفين، ويشمل أيضًا الظن وغلبة الظن. في الأصل طبعًا غلبة الظن نناقش الحنفية فيها، المهم أن الشك هو مطلق التردد عند الفقهاء، فدخل فيه الظن، فدل مفهوم المخالفة لتلك القاعدة؛ إذا قلنا اليقين لا يزول بالشك، فما مفهوم المخالفة لها؟ أن اليقين يزول باليقين.
فكأنه اعتبر هذه القاعدة التي بين أيدينا الآن هي تصريح بمفهوم المخالفة للقاعدة؛ فمفهوم المخالفة لتلك القاعدة أن الثابت بيقين لا يرفعه إلا اليقين. طبعًا ستقول لي: يا شيخ، لا بد أن يكون مفهوم المخالفة: أن اليقين لا يزول إلا بيقين؛ من أين أتى بالحصر؟ أقول لك من أين أتى بالحصر: أتى بالحصر من أن الأمور في العقل محصورة بين أمرين: إما شك وإما يقين. لو كان هناك احتمال ثالث يحق لك أن تعترض عليه، لكن لما كانت الأمور في الواقع -بناء على أن الشك يشمل كل أحوال التردد- فلن يكون هناك مقابل له إلا اليقين. فبالتالي إذا نفيت ارتفاع اليقين بالشك، فلا يوجد في القسمة العقلية إلا أن يكون اليقين لا يرتفع إلا باليقين، فمفهوم المخالفة صحيح. فسواء قلت اليقين لا يرفعه إلا اليقين، أو قلت اليقين لا يرتفع إلا باليقين، فالكلام صحيح ولا اعتراض على هذا.
قال: ولا بد أن تكون على ذكر هنا بأمرين سبق ذكرهما. مر معنا في بداية الدرس التفريق بين الذكر والذكر؛ إذا بتذكروا فيه تفصيل بين الذكر باللسان وبغيره. بسم الله، قال: ولا بد أن تكون على ذكر هنا بأمرين سبق ذكرهما؛ أولهما: أن الظن المستند إلى دليل أو أمارة شرعية ملحق باليقين الأول، وليس الكلام عن اليقين الثاني. لما قلنا اليقين لا يزول بالشك في القاعدة السابقة، قلنا اليقين هنا يشمل اليقين الذي هو 100%، ويشمل أيضًا غلبة الظن والظن، فكلها داخلة في معنى اليقين عند الفقهاء.
بالنسبة للمقطع الأول، ألم نقل إن اليقين لا يزول بالشك؟ وقلت لكم إنه إذا صار في تعارض -بأن الشك يشمل الظن وفي المقابل اليقين يشمل الظن- فصار في إشكال، وقلنا بالتالي: الظن الطارئ لا يزيل الظن القديم، أو الظن الأدنى لا يرفع الظن الأعلى، فحولناها بهذه الطريقة في قاعدة اليقين. المهم كانت كلمة اليقين تشمل الظن وغلبة الظن، وقلنا لا ترفع بالشك. فهنا ننتبه على هذه الفكرة أيضًا في هذه القاعدة؛ لما نقول اليقين أو ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، اليقين الأول -ما ثبت بيقين- أيضًا هنا يجب أن يشمل الظن وغلبة الظن، ولو كان هذا اليقين على وجه غلبة الظن لا يرتفع إلا بيقين. طيب، واليقين الثاني ماذا يشمل؟ سيأتي.
قال: والثاني أن الحنفية يلحقون غلبة الظن باليقين. ولذا قال ابن نجيم في شرحه هذه القاعدة مبينًا معنى اليقين فيها، والمراد به غالب الظن. هنا ابن نجيم والحنفية يتكلمون عن أي يقين؟ المراد به غالب الظن، أي اليقين الثاني. نرجع للقاعدة الأصلية في صفحة 70: «اليقين لا يزول بالشك»، ماذا قلنا في آخرها في صفحة 69 عند التنبيه الأول؟ قرر ابن نجيم أن الحنفية يلحقون غالب الظن باليقين، وهذا ليس على إطلاقه عند غيرهم، فثمة مسائل لم يعتبروا فيها غلبة الظن.
فإذا قلت ما الفرق بين الظن وغلبة الظن؟ ومن المقصود بغلبة الظن؟ ومن هنا فسأذكر لك فروعًا فقهية لقاعدة «ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين» عمل فيها الفقهاء من غير الحنفية بغلبة الظن، ولم يشترطوا فيها اليقين، بل ومسائل أخرى عمل فيها الجميع بالظن ولو لم يغلب، وقدموه على اليقين. إذا بتذكروا هذا لما علقت عليه الدرس الماضي ماذا قلت؟ قلت سأذكر لك في قاعدة «ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين» مسائل عمل فيها الفقهاء من غير الحنفية بغلبة الظن؛ أي قدموا غلبة الظن على اليقين، وقدموا الظن على اليقين على سبيل الاستثناء. أما الحنفية فعندهم أصلاً من المقرر أن غلبة الظن هي يقين.
فبالتالي لما يأتون إلى هذه القاعدة: «ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين»، عليك أن تفرق بين الحنفية وبين الجمهور. عند الحنفية، ما ثبت باليقين الأول -وهذا عند الجميع إخواني- يشمل غلبة الظن وليس فقط عند الحنفية؛ اليقين الأول المذكور في هذه القاعدة يشمل غلبة الظن والظن، لأنه كما قال في الفائدة الأولى: الظن المستند إلى دليل أو أمارة شرعية ملحق باليقين. هذا عن أي يقين تتكلم؟ عن اليقين الأول.
فما فائدة تخصيص ابن نجيم في الثاني؟ فالجمهور والحنفية يتفقون على أن اليقين الأول هو ما ثبت بالقطع أو بغلبة الظن والظن، لكن أين يختلف الجمهور مع الحنفية؟ في اليقين الثاني؛ إن اليقين الثاني عند الحنفية في الأصل -وليس استثناءً- يشمل غلبة الظن، وأما عند الجمهور اليقين الثاني في الأصل لا يشمل غلبة الظن أو الظن، وإنما يقصدون به ماذا؟ يعني أن يغلب... حتى تفهم وجه نظر قولهم، كيف يعني؟ لا يقصد به... ما هي في النهاية إذاً؟ هم اليقين الأول قبلوا فيه الظن أو غلبة الظن، المراد أن الحنفية ماذا يقولون؟ غلب اليقين.
الثاني، غلبة الظن فيه بمنزلة اليقين، فأي يقين -مهما كانت درجته- قادر أن يرفعه يقين ثانٍ، سواء كان يقينًا أو غلبة ظن، اضطرادًا.
أما عند الجمهور، فلا سيما في التفريق بين الحنفية والجمهور؛ فالأصل أن اليقين الأول إذا ثبت واستقر، قالوا إما أن يثبت قطعًا، وإما أن يثبت بماذا؟ بالظن القوي. لا يقوى على أن يرفعه غلبة ظن طارئة.
هنا في فرق دقيق؛ لأننا إذا قلنا إن اليقين الأول عند الجميع يشمل ماذا؟ الظن، فلماذا لا تقول إذاً حتى اليقين الثاني يجب أن يشمل الظن؟ الاعتراض يأتي في الذهن؛ فإنه لما تقول: "ما ثبت بيقين"، يعني بجزم أو غلبة ظن أو ظن، فالكل متفق عليها أن اليقين الأول لا يرتفع إلا بيقين. لكن اليقين الثاني ليس بالضرورة أن يكون تفسيره نفس تفسير اليقين الأول.
نقول عند الحنفية: اليقين في اليقين الثاني، غلبة الظن هي كقاعدة عامة بمرتبة القطع؛ فلا يعني أن يترووا، بل أي غلبة ظن قادرة أن ترفع اليقين الأول، سواء كان اليقين الأول جزمًا أو غلبة ظن أو ظنًا، ما عندهم مشكلة أن غلبة الظن الطارئة قادرة على أن ترفع اليقين الأول سواء كان قطعيًا أو ظنيًا.
أما على رأي الجمهور، فيقولون: اليقين الابتدائي عند الجمهور له احتمالان؛ أن يكون جزمًا بنسبة 100%، ويحتمل عندهم أيضًا أن يكون ظنيًا؛ لأنه هو أصلاً -كما قال في التنبيه الأول- الظن المستند إلى دليل أو أمارة ملحق باليقين. وهذا ما لم يخص به الحنفية، فالتنبيه الأول الكل متفق عليه.
إذا كان الجمهور يقولون إن اليقين الأول له احتمالان: أن يكون قطعيًا بنسبة 100%، وأن يكون ظنيًا، فما الذي يرفعه؟ لا يرفعه إلا يقين قطعي. فإذا جاء ظن، فالظن الطارئ لا يرفع القطع القديم ولا الظن القديم إلا في أحوال مستثناة.
فهمناه؟ نعيده؛ لأن الشيخ لم يذكر بهذا التفصيل، ولذلك يمكن أن تفكر معي بهدوء: ما الفرق بين الحنفية وبين الجمهور في قاعدة: "ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين"؟ وطبعًا طبقوا عليها أصل القاعدة التي قيل: "لا يزول بالشك".
إذا قلنا إن الجميع يرى أن اليقين الأول إما قطع 100% أو ظن غالب -يعني يصل إلى 90%-، ولما يقول هذا اليقين الأول، سواء كان 100% أو 90% أو 85% أو 70%، لا يزول بالشك، أو على هذا التعبير "لا يرتفع إلا بيقين"، فما الفرق سيكون بين الحنفية وبين الجمهور؟
الفرق في اليقين الثاني، وهذا الذي علق عليه. والثاني أن الحنفية يلحقون غلبة الظن باليقين. لماذا المسألة الثانية خصها بالحنفية، بينما المسألة الأولى أطلقها؟ لأنه يتكلم عن اليقين الثاني، وهذا هو الذي يهمك هنا.
يعني كانت القاعدة المضطردة عند الحنفية أن اليقين الأول، سواء كان قطعيًا أو ظنيًا، يرتفع باليقين الثاني، سواء كان اليقين الثاني الطارئ الآن قطعيًا أو ظنيًا. فلو كان عندي يقين أول قطعي، وطرا يقين ثاني غلبة ظن، فإن غلبة الظن عندهم تقوى أن ترفع اليقين الأول. هذا عند الحنفية.
أما الجمهور فيقولون لك: لا، اليقين الأول إذا كان قطعيًا أو ظنيًا لا يقوى على رفعه إلا يقين ثاني قطعي. طيب، إذا كان اليقين الثاني ظنيًا، نقول هذا الظن الثاني ليس بأولى، هكذا يقول الجمهور. حتى غلبة الظن الطارئة ليست أولى من غلبة الظن الأولى، فتبقى على غلبة الظن الأولى أو الظن الأولى حتى يأتي يقين قطعي يزيلها، إلا في أحوال مستثناة، وسياتي الاستثناء بعد قليل.
لذلك قال ابن نجيم في شرح هذه القاعدة مبينًا معنى اليقين: سواء هنا أو هنا، ليس عندهم مشكلة في أن الأصل هو اليقين. أما في الجهة الثانية من ذكر دليل هذه القاعدة، فلا نحتاج إلى ذكر الدليل، بل سنقول: كل دليل ذكرناه لقاعدة "اليقين لا يزول بالشك" من السنة والآثار هو دليل لهذه القاعدة نفسها.
وفي الجهة الثالثة من ذكر بعض الفروع الفقهية التي صرح الفقهاء فيها باشتراط اليقين، فقالوا مثلاً: من تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على يقينه؛ إذ قد ثبتت طهارته بيقين، فلا ترتفع إلا بيقين. نص عليه الحنفية والشافعية والحنابلة، وبهذا قال المالكية.
لكن كيف خالف المالكية الجمهور؟ المالكية قالوا: إذا وقع الشك في الحدث بعد الدخول في الصلاة -لا قبل الدخول- فنحن نوافقكم يا جمهور، لأنه شك طرأ بعد تيقن سلامة العبادة. أما إذا طرأ الشك عند المالكية قبل الدخول في الصلاة، فهو ناقض للوضوء عندهم على المشهور، وخالفوا القاعدة.
لماذا؟ قالوا: الذمة إذا عُمّرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين. باختصار، هل هم خالفوا القاعدة أم أن هذه القاعدة تعارض فيها فرعان عندهم؟ قالوا تعارض عندنا فرعان: أن الأصل الوضوء وشككنا في الحدث، ولكن في المقابل الأصل أيضًا المتيقن هو انشغال الذمة بالصلاة وأنها لم تبرأ منها قبل الشروع فيها، فأن الأصل عدم براءة الذمة، وأنني مكلف بالصلاة، ولا أبرأ أيضًا إلا بيقين.
فما دمت أنا شاكًا في الحدث قبل الشروع في الصلاة، فهل هذه الصلاة التي سأشرع فيها هي بيقين سترفع انشغال ذمتي المتيقن؟ لا. هذا يعطيك إخواني كيف الناس تفكر. أنا أحب من الطالب في هذه المرحلة أنه ليس شرطًا أن تتبنى وجهة النظر، لكن انظر أخي إلى مدى سعة الشريعة، حتى لا تظن أن قولك هو القول الأوحد في الحياة.
هذا يكفيني، أنك لا تظن أن قولك هو القول الأوحد، حتى لا تُحمل الناس ولا تضيق على الناس في عقائدهم وحياتهم ومعايشهم ومطاعمهم. هناك كثير من المساحات التي ذهنك لا يستوعبها، فلما تأتي تفتي وتقول: "يا أخي هذا هو السنة" وغيرها "بدعة"، يا عم الله يكرمك ليس كل قضية هكذا تعالج؛ فمساحة الظنيات هي الأكبر، ومساحة القطعيات فيما وصلنا إليه في النهاية. الخلاف كل شيء، شيخ الإسلام قال: أغلب الفقه قطعي، هو يقول عما ينبغي أن يكون، لكن الواقع لم يصبح كذلك. فنقول.
الذمة إذا عُمرت بيقين لا تبرأ إلا بيقين. والشك في الشرط، هل أنا متوضئ أم لا، لا مانع من ترتب المشروط، وهما قاعدتان مقررتان، ذكرهم الونشريسي في إيضاح المسالك.
وقد قال عبد البر عن قول الإمام مالك: «نقد الوضوء بالشك بعد تيقن الطهارة»، في كتابه التمهيد، لم يتابعه على هذا القول أحد من أهل الفقه، إلا أصحابه ومن قلدهم في ذلك. وهذا من مفردات المالكية، فالمذهب عنده بعض المفردات وطرق التفكير الخاصة بالإمام.
المسألة الثانية: أجمع العلماء على أن من تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على يقينه، حكاه ابن عبد البر والماوردي.
ثالثاً: من شك أثناء صلاته فلم يدرِ صلى ثلاثاً أم أربعاً، بنى على اليقين وهو الأقل؛ لأن ذمته ليست الأصل فيها الانشغال والمطالبة باليقين، فلا تبرأ من الركعة الرابعة حتى تتيقن أنك أتيت بها، فلا تبرأ إلا بيقين ولا يكفي هنا الظن، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.
وقال الحنفية: إن كان السهو ليس له عادة، فننظر إلى حال الرجل الذي شك: هل هو ثلاث أم أربع؟ إذا كان السهو ليس له عادة أو عرض له أول مرة، فيعيد الصلاة. وإن كثر الشك، عمل بغالب ظنه؛ فإن لم يغلب له ظن أخذ بالأقل. وهنا يحتاج أن ينظر لماذا قالوا بإعادة الصلاة بالكلية؟ يمكن أن ينظر في كتبهم، لأنه قال إذا كان الشك عارضاً، لم يقل يأخذ بالأقل، بل قال يعيد الصلاة كلها. وأما إذا كان الشك كما قال، "وإن كثر الشك" أي صار عنده وسواس، قال: يعمل بغالب ظنه، فإن لم يغلب له ظن أخذ بالأقل.
المثال الثالث: قوله: «من شك أثناء صلاته فلم يدرِ صلى ثلاثاً أم أربعاً بنى على اليقين وهو الأقل»، لأن ذمته مشغولة بالمطالبة به بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين ولا يكفي الظن، هذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة. وأما الحنفية فماذا قالت؟ قالت إن كان السهو ليس له عادة أو عرض له أول مرة فيعيد الصلاة، ومرادهم أنه يعيد الصلاة من رأسها، من أولها، وقد تستغرب هذا، لكن عندهم أثراً في ذلك، وإن كان ضعيفاً، والبعض قال إنه لا وجود له. أثر يرونه عن النبي ﷺ أنه قال: «من شك في صلاته فليستقبل»، ومعنى فليستقبل أي فليعد الصلاة من أولها، لكن حملوا هذا الحديث على الشك الطارئ على شخص ليس له عادة في السهو.
وقالوا: وأما إن كثر الشك، فهنا يعمل بغالب ظنه؛ لأنه هذا الشخص أصلاً عنده وسواس، وهذه هي حاله. وفي الحقيقة ليست خاصة بالحنفية، بل حتى عند الجمهور أن الذي يبتلى بالوسواس يمشي ولا يبقى يعود. قال: فإن لم يغلب له ظن، أي شخص كثرت شكوكه لكن لم يغلب عليه ظن، في هذه الحالة قالوا: هذا يأخذ بالأقل بحديث: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ صلى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح الشك وليبنِ على مستيقن»، أنه يحمل على الأقل أنه ثلاث ركعات ويكمل الرابعة ولا يعيد الصلاة من أولها. هم سعوا إلى الجمع بين هذين الحديثين، لكن المشكلة أن الحديث الأول ضعيف، بل لا يكاد يكون مرفوعاً في مكان صحيح عن النبي ﷺ، بخلاف الحديث الآخر الذي أخذ به الجمهور، فهو الحديث الصحيح الذي تُبنى عليه المسألة. فهذا التفصيل عندهم بناء على ما ذكرنا من محاولة جمعهم بين الآثار، وإن كانت هذه الآثار بعضها فيه إشكال.
رابعاً: قالوا من شك: أطلق طلق زوجته أم لا؟ عند المذاهب الأربعة إذا أنت شككت هل أنت طلقت زوجتك أو لا، يلزمك شيء؟ الأصل بقاء النكاح، فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين.
خامساً: إن تيقن أنه طلق، العكس، أو مسألة أخرى: تيقنت أنك طلقت لكن شككت في عدد الطلقات، هل أنا طلقت واحدة أم اثنتين أم ثلاث؟ بنى على الأقل عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ لأنه اليقين. خلافاً للمالكية، إذا شك هل هي واحدة أم ثلاث بنى على الثلاث؛ لأن في حاشية رقم أربعة قال: «فيلزمه الأكثر احتياطاً»، وجعلوا هذا الفرع بناءً على قاعدة: "الشك في الزيادة كتحققها". وفي بعض المسائل عندهم هذه القاعدة، ولكن هذا قد يكون فيه نظر؛ أي الاحتياط لئلا يقيم مع امرأة هي محرمة عليه تحريماً ثلاثياً، فأخذوا الاحتياط في هذا الجانب.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «إذا تيقن الطهارة أو النجاسة في ماء أو ثوب أو أرض أو بدن، وشك في زوالها، فإنه يبني على الأصل إلى أن يتيقن زواله، ولا يكتفى في ذلك بغلبة الظن». شو قال؟ غلبة الظن لا تعتبر عند الحنابلة ولا غيرهم. هذا اليقين الثاني، لا ننظر فيه لا لغلبة الظن ولا لغيره كأصل. وكذا لو تيقن حدثاً أو نجاسة، فكلمة تيقن حدثاً أو نجاسة عندنا؛ نقول هنا اليقين الأول قد يكون قطعياً، وقد يكون بناءً على الظن الغالب، يعني أنه لا أذكر شيئاً في كذا، لكن تصير القضية أصلاً. وكذا لو تيقن حدثاً أو نجاسة وغلب على ظنه زوالهما، فإنه يبني على الأصل. وكذلك في النكاح والطلاق وغيرهما. وفي هذا النص تصريح من ابن رجب الحنبلي بعدم اعتبار غلبة الظن، وفي اليقين الثاني هذا يؤكد أنه يقصد عدم اعتبار الغلبة في اليقين الثاني، وليس الكلام عن اليقين الأول، وأمثال هذه المسائل كثيرة جداً.
الجهة الرابعة: في ذكر مسائل فقهية أخذ فيها الفقهاء بالظن. أين؟ في اليقين الثاني، اليقين لا يرفع إلا بيقين، وهذه المسائل كأنها خرجت عن القاعدة عند الجمهور، فيقول: وهي مسائل فقهية عمل فيها الفقهاء من المذاهب الأربعة بالظن، فجعلوا اليقين يرتفع بظن، وجعلوه رافعاً لليقين.
انظر الآن ماذا يريد أن يتكلم، أو ما الذي عمل فيه الثلاثة غير الحنفية بغلبة الظن وجعلوه رافعاً لليقين؟ هنا توضح مقصد الشيخ ماذا يقصد الآن بقوله: هذه مسائل قدم فيها أصحاب المذاهب الأربعة، وهنا أدخل الحنفية معهم. ركز ماذا فعل هو؟ في الحالة الأولى أدخل الحنفية، قال: مسائل عمل فيها المذاهب الأربعة بالظن وقدموه على اليقين، لأن الأصل أن الظن لا يرفع اليقين عند الجميع حتى الحنفية، وأما الحالة الثانية فقال: أو مسائل عمل فيها الثلاثة غير الحنفية.
بغلبة الظن، طبعاً هو ليش استثنى الحنفية؟ انظروا ماذا قال في الحاشية رقم ستة: «استثنيت الحنفية؛ قال: لأن الحنفية أصلاً هم يرون أن غلبة الظن في منزلة اليقين». فقضية أن اليقين يرتفع بغلبة الظن هذا أصل وليس استثناء، بخلاف الجمهور طبعاً.
في اعتقادي، بناءً على هذا، ماذا كان ينبغي أن يقول أو عمل فيها الثلاثة فضلاً عن الحنفية؟ لأنه كلمة «بغير الحنفية»، الطالب قد لا يقرأ الحاشية فيتوهم أن غير الحنفية استثناء لهم، ولكن في الحقيقة أنت ماذا تريد أن تقول؟ هم داخلون من باب الأولى باعتبار غلبة الظن هي أصلاً داخلة عندهم في اليقين، وليس استثناءً.
قال: وتحت هذا مسائل كثيرة وهي أنواع. قال: «فمنها ما ترك فيها الأصل المتيقن واكتفي فيها بالظن لورود حجة شرعية تطلب منا أن نقبل هذا الظن ونقدم على الأصل المتيقن لورود حجة شرعية». قال: وهي قبول من يجب العمل بقبوله؛ في ناس ربنا قال لك خذ قوله وارفع به اليقين الأصلي وإن كان قوله وخبره لا يعطي إلا الظن.
أورد الحافظ ابن رجب طائفة من هذه الأمثلة تحت القاعدة رقم ١٥٩ من كتابه في القواعد الفقهية. فمن ذلك مثلاً: شهادة عدلين بشغل ذمة المدعى عليه بالدين، مع أن الأصل براءة ذمتك يا أيها المدعى عليه من الدين. الشهادة بشغل الذمة، هل تعطي اليقين ولا تعطي غلبة الظن؟ هي لا تعطي إلا ظناً، وهذا الظن قُدّم على اليقين. وما هو اليقين؟ وهو براءة ذمتك. طبعاً هنا براءة ذمتك قد نقول يقين، وقد نقول هو ظن مستند إلى دليل وهو استصحاب عدم وجود حقوق في ذمتك؛ لأنني كقاضٍ فعلياً لست متيقناً من براءة ذمة المدعى عليه بمعنى ١٠٠٪، أنا أظن براءة ذمتك بناءً على استصحاب العدم الأصلي، وهذا هو اليقين الأول فعلياً، فهو ليس يقين جزم، هو يقين حقيقة ظني معتمد على الأمارات، وقد تكون ذمتك مشغولة وأنا لا أعرف، أنا اعتمدت على أنه في يقين أولي وهو ظن في الواقع مستند إلى الاستصحاب.
يجوز أن يرفع بماذا عند المذاهب الأربعة؟ المذاهب الأربعة إخواني الأصل عندها أن اليقين الأول، سواء كان قطعياً أو ظنياً، لا يصير يرتفع بظن، ولكن في هذه المسألة رفعوه بظن، فقدموا شهادة العدلين على اليقين المقضي ببراءة ذمتك. كذلك شهادة عدلين ببراءة ذمة من عُلم اشتغال ذمته ونحوه، مع أن الأصل بقاء شغل ذمته؛ يعني إذا ادعى أنه سد الدين وجاء شهود اثنين شهدوا أنه سدد الدين، سنقبل شهادة الاثنين مع أنها تفيد الظن بأنك سددت الدين، مع أن اليقين إذا ثبت الدين في ذمتك أنك لم تسده. ولاحظوا ما معنى اليقين أنك لم تسده؟ أن الظن الغالب أنك لم تسده، وليس بالضرورة اليقين بمعنى القطع ١٠٠٪.
كذلك إخبار الثقة العدل بأن كلباً ولغ في هذا الإناء، مع أن الأصل طهارة الماء، فالأصل هنا بمعنى اليقين. فماذا قال؟ «وخبره مفيد للظن». إذا جاء ثقة عدل أخبر بأن كلباً ولغ في هذا الإناء، وأنا عندي إناء الأصل فيه الطهارة، فإذا جاء واحد وقال: أنا رأيت كلباً ولغ في هذا الإناء، سأترك الأصل (اليقين) وهو طهارة الإناء، وأعتمد على قول الثقة. وهذا كثير عندنا في المذهب؛ أنه إذا أخبرك ثقة عدل بأن الماء قد تغير فيلزم القول به، وإذا أخبرك ثقة عدل بتغيير جهة القبلة وأنك تصلي غير القبلة، لازمك التحول إلى غير ذلك، مع أننا نرفع في كثير من الأحوال أموراً يقينية بأخبار ظنية؛ كإخباره بدخول وقت الصلاة، مع أن الأصل لو سألتك: ما هو اليقين، دخول الوقت أم عدم دخوله؟ الأصل هو عدم دخوله، ومع ذلك رفعنا هذا اليقين بخبر الثقة العدل مع أن خبره لا يفيد إلا الظن. فهذه مسائل ذكرها رجب.
ومنها قال: «ما اكتفي فيها بالأخذ بالظاهر ولو كان ظناً لوجود مشقة في الأخذ باليقين والبقاء على اليقين». وهي أمثلة أيضاً تنطبق على هذه الحالة، يعني تركنا اليقين وأخذنا بالظاهر الظني لمشقة البقاء على اليقين. شوفوا الأمثلة؛ قال: «من شك بعد الفراغ من صلاته أنه صلى ثلاثة أو أربعة»، ماذا يقرر الفقهاء في الشك بعد الصلاة؟ أنه لا يلتفت إليه. طيب، لو جئنا نطبق القاعدة، الأصل براءة ذمتك من الصلاة، أم الأصل أن ذمتك ما زالت مشغولة حتى تتيقن براءتها؟ إذا جئت للمنطق، الأصل هو انشغال ذمتي لأنني ملزم بالصلاة ودخل وقتها، فالأصل أنني مشغول الذمة بالصلاة حتى أتيقن أنني أديتها صحيحة كاملة.
لماذا قدمنا؟ قلنا إن هذا الشك لا يلتفت إليه، واعتبروا كأنك قد ختمتها كاملة. يعني باختصار، اليقين هو عدم الإتمام، والآن أنا أشك في الإتمام، فماذا قدمنا؟ قدمنا الظن الطارئ بأنك أتممتها على اليقين وهو الأصل وهو أنك لم تتمها؛ لماذا؟ لكثرة ورود هذه الشكوك على الناس، فنقول: خلص، الظن أنك أتممتها، حتى لو قلت: يا شيخ عندي شك، نقول: اعتبر حالك أتممتها وهذا يبرئ ذمتك التي كانت مشغولة بيقين، وذلك لمشقة تكرار الصلوات وأصبح هذا نوعاً من الوسواس.
قال: «مع أن الأصل المتيقن أنك لم تأتِ بالمتروك، فاكتفي هنا بالظاهر وهو أنه سلمت من الصلاة». الواحد لما يسلم من الصلاة، فالظاهر والظن أنه أتمها، فسنقدم هذا الظاهر على الأصل وهو براءة الذمة والمتيقن القديم. قال: «لماذا؟ واكتفي هنا بالظاهر، وإن أدى العبادة كاملة؛ إذ لو طلب باليقين هنا لوقع عليه محرج عظيم ولو فُتح عليه باب الوسوسة». شوفوا ما فعل الفقهاء هنا، استثنينا إذا مشينا على خلاف القاعدة استثناءً خوفاً من فتح باب الوسوسة.
كذلك من غلب على ظنه دخول الوقت صحت صلاته؛ لذلك هل يشترط فقهاؤنا الحنابلة أن تتيقن دخول الوقت أم يكفي غلبة الظن؟ قالوا: يكفي غلبة الظن. ليه؟ لأنه إذا أردت أن أتيقن هل الشمس زايلت عن كبد السماء أم لا، أو هل الفجر الصادق طلع أم لا بالضبط، قد يكون فيها مشقة في كثير من الأحوال، فقالوا: صحيح أن الأصل المتيقن عدم دخول الوقت حتى يثبت دخوله.
لكن هنا نرفع هذا الأصل المتيقن وهو عدم دخول الوقت حتى يثبت دخوله بظن الدخول؛ حتى لا نوقع الناس في الحرج في هذا. فهل فهمتم ما هو اليقين وما هو الظن؟ اليقين وهو الأصل عدم دخول الوقت، نرفعه بماذا؟ بظن الدخول. وهذه من المسائل التي رفع فيها اليقين بمجرد الظن.
إذا كما قلنا أيها الكرام، هذه الجهة الرابعة هي أمثلة مما جاء استثناء على قاعدة «اليقين لا يرتفع إلا بيقين». لكن مهم جدًا أن نفرق ونفهم الفرق بين رأي الجمهور وبين رأي الحنفية؛ وهو أن الحنفية أن يرتفع عندهم اليقين بغلبة الظن، هذا ليس استثناء، هذا من ضمن القاعدة، بخلاف الجمهور فهذا يعتبر عندهم استثناء.
القاعدة الثانية: «الأصل بقاء ما كان على ما كان». هذه القاعدة الثانية المدرجة تحت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك». اشتهرت هذه القاعدة عند الفقهاء، فذكرها بهذا اللفظ أئمة من أتباع المذاهب الأربعة، وقد جعلها الإمام ابن السبكي مرادفة لقاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، يعني لم يرها قاعدة جديدة. وجعلها الإمام العلائي معها في الذكر، قال: «وهي لا تبعد عن سابقتها، ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين». وإنما هذه القاعدة فقط كأنها تركز على الجزء الأول، يعني ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، كأنه الجزء الأول منها؛ إذ يقول: الأصل بقاء اليقين على ما هو عليه حتى يثبت يقين آخر، فإذا شلت كلمة "يقين" وأبقيت على القسم الأول: "الأصل بقاء ما كان على ما كان" دون ذكر الحيثية، تكون تمامًا.
وقال ومثلها قاعدة: «ما ثبت بزمان يحكم ببقائه»، بس هنا أضافوا: «ما لم يوجد دليل على خلافه». وهنا كلمة دليل يجب أن تكون بمعنى اليقين؛ أن هذا الدليل يجب أن يكون يقينيًا. طبعًا عند الحنفية اليقيني يشمل غلبة الظن، وعند الجمهور يجب أن يكون يقينيًا ١٠٠٪. وقد ذكرت بهذا اللفظ في المادة العاشرة من مجلة الأحكام العدلية، وهي مجلة حنفية؛ بالتالي الدليل هنا من غلبات الظن.
والكلام هنا من جهتين. الجهة الأولى في معنى هذه القاعدة: الأصل. إذا قلنا "الأصل بقاء ما كان على ما كان"، دائمًا في كتب أصول الفقه نبحث كلمة "الأصل" ما معانيها؟ فالأصل يأتي بمعنى الدليل، بمعنى القاعدة المستمرة، بمعنى المقيس عليه. فهنا ما معنى الأصل؟ الراجح أيضًا، قال: الأصل هنا فسرها بمعنى القاعدة المستمرة؛ أي القاعدة المستمرة أن ما ثبت في الزمان الماضي يحكم ببقائه في الزمان الحاضر حتى يتحقق التغير. فهي ترجع إذًا إلى قائله "الاستصحاب" المعروف عند الأصوليين، والمراد هنا أحد أنواع الاستصحاب.
وفي ذلك يقول الإمام العلائي: أي نوع من أنواع الاستصحاب تشير إليه هذه القاعدة؟ "استصحاب بقاء ما كان على ما كان"، ما ثبت في الزمن الماضي يحكم ببقائه في الزمن الحاضر. يقول الإمام العلائي: تشير هذه القاعدة إلى استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان السبب المقتضي له، وكشغل الذمة عند الاتلاف أو الالتزام، إلى أن يثبت معارض أو راجح على ذلك يرفعه، إلى غير ذلك من الأحوال. وهذا هو الذي نتصدى للكلام عليه في هذه القاعدة، وهو أيضًا متفق عليه بين الفقهاء.
الاستصحاب أنواع؛ هناك استصحاب البراءة الأصلية، هناك استصحاب الحكم الثابت بسبب حتى يأتي ما ينقل عنه، هناك استصحاب الدليل النص حتى يأتي ما يقتضي خلافه، وهناك استصحاب الإجماع في محل النزاع. هي أربعة أنواع للاستصحاب. فالعلائي جعل هذه القاعدة «الأصل بقاء ما كان على ما كان» على أي نوع من أنواع الاستصحاب؟ على النوع الثاني، وهو استصحاب الحكم الشرعي الثابت بدليل حتى يأتي ما ينقل عنه؛ استصحاب الأحكام الثابتة بدليل حتى يأتي ما ينقل عنها.
فمثلاً أنا اشتريت منك سيارة وهي الآن في يدي، فالأصل الآن ثبت بالحكم الشرعي أنه هذه السيارة ملكي، لأنه انعقد سبب الملكية وهو البيع، حتى يثبت انتقال أو زوال الملكية عن يده. فهم جعلوا هذه القاعدة على نوع من أنواع الاستصحاب، وهو هذا النوع: استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه إلى أن يأتي الناقل. نفس الشيء، فلان تزوج فلانة، فالأصل أنها زوجته، هذا هو الحكم الذي قام مقتضاه نستصحبه حتى يثبت أنه طلقها.
وإن كان حقيقة أعتقد أن القاعدة يمكن أن تشمل حتى الصورة الأولى، وهي استصحاب البراءة الأصلية؛ يعني لماذا نحصرها فقط في الصورة الثانية "استصحاب الحكم الذي ثبت عليه دليل شرعي"؟ حتى استصحاب بقاء ما كان على ما كان، الذي هو عفوا استصحاب البراءة الأصلية يدخل في "الأصل بقاء ما كان على ما كان". نعم، ربما النوع الثالث والرابع وهو استصحاب الدليل الشرعي حتى يأتي ما ينقل عنه، إدخاله سيكون فيه تكلف، ونحن هنا أصلاً ليس في بيان مجال النصوص أو الإجماع، لكن أعتقد أن الصورة الأولى برضه من صور الاستصحاب، وهو استصحاب البراءة الأصلية يدخل تحت "الأصل بقاء ما كان على ما كان"، وإن كان العلائي جعلها في الصورة الثانية فقط، وهو استصحاب الحكم الذي دل الشرع على ثبوته حتى يأتي من ينقل عنه.
الجهة الثانية في ذكر بعض فروعها الفقهية. سبق أنها بمعنى "اليقين لا يزول بالشك"، وفروع تلك هي فروع لهذه. ونزيد بعض الأمثلة عليها؛ مثلاً أي شيء تحت قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" يمكن اعتباره مثالًا لهذا. ونزيد عليها: من ثبت عليه لزوم عبادة في طهارة أو صلاة أو زكاة أو حج ثم شك في أدائها، فإنه يلزمه القيام بها؛ لأن الأصل بقاء العبادة في ذمته، وهذا مثال على حكم شرعي ثبت في ذمتك، فلا تنفك عنه إلا بيقين، الأصل بقاء ما كان على ما كان، أي عبادة ثبتت عليك وجوبًا في ذمتك أن تؤديها فلا ترتفع إلا بماذا؟ بيقين، طبعًا أو بظن إذا قلنا باعتبار الظن.
ومن ثبت عليه دين لغيره وشك في أدائه، فالأصل بقاؤه حتى تثبت براءة ذمته منه. ومن أخذ من آخر مالًا ثم ادعى رده ولا بينة له، فالقول قول الدائن أنه لم يستلم؛ لأنه قد ثبت شغل ذمة المدين في الزمن الماضي، فنبقى على هذا الأصل حتى تثبت براءة ذمته بالسداد، وهذا أيضًا واضح. ومن سافر وانقطع خبره عن أهله، مسألة المفقود، فالأصل بقاء حياته حتى يثبت هذا خلاف، ثم اختلف الفقهاء في عدد السنوات التي سينتظر لها، إذا كان ظاهرها السلامة، وإذا كان ظاهرها الهلاك، إلى غير ذلك ليفسخ نكاحه ويورث.
أن يكون ظاهرها السلامة أو غير ذلك مما ورد في كتب الفقه، ولكن كما قلنا نلاحظ أن هنا الشيخ يحاول أن يجعل القاعدة خاصة بالحكم الذي دل الشرع على ثبوته. المثال الرابع: هل الحياة حكم دل الشرع على ثبوته؟ أم هو من باب الأصل بقاء ما كان على ما كان؟ بمعنى أن الوصف العام ليس له علاقة بأن الشرع دل على ثبوته، بل الأصل أنه حي حتى يثبت أنه ميت، فهي أقرب إلى استصحاب العقل منها إلى استصحاب النوع.
الأمثلة الثالثة والثانية والأول: نعم، هي أمور ثبتت بالدليل الشرعي ثبوتاً؛ في ذمتك حتى يثبت الانتقال عنها، ثبوت المال أو عدمه، من أخذ من آخر مالاً، أو من ثبت عليه دين؛ هنا يتكلم عن أمور ثبتت في ذمتك بمقتضى الشرع، أي العقود الشرعية. والمراد بالشرع هنا العقود الشرعية؛ أمور ثبتت في ذمتك باعتبار العقود الشرعية أو الأسباب الشرعية، كالصلوات وما شابه ذلك بدخول أوقاتها، فلا تبرأ ذمتك منها إلا بيقين. لكن هل المثال الرابع ينطبق عليها؟ هذا هو سؤالي؛ هل الحياة أمور نعتبرها أمراً ثبتاً بسبب شرعي أو بعقد شرعي، أم هو من باب الأمر الوجود الحياتي؟
الأمر الوجود الحياتي يعني أن الشرع ليس هو الذي دل على ثبوت الحياة لك، ليس عقداً شرعياً أو نصاً شرعياً أو دليلاً شرعياً أثبت لك هذا الحكم، وإنما الأصل أن الله خلقك وأوجدك، فالأصل بقاء هذه الحياة حتى يثبت زوالها. فاعتبارها من قبيل ما ثبت حكمه بدليل شرعي؛ أنا أقول هذا ثبت بدليل حسي، يعني أنك كنت على قيد الحياة حتى يثبت خلاف ذلك وهو أنك فقدت الحياة، فهذه إدخالها هنا صحيح، ولكن اعتبارها من قبيل النوع الثاني من أنواع الاستصحاب يحتاج إلى نظر.
قال: القاعدة الثالثة: الأصل براءة الذمة. لا يكاد كتاب من كتب الفقه يخلو من ذكر هذه القاعدة، ولكن كما قلنا، غالباً ما تذكر هذه القاعدة على شكل تعليل وتبرير للأحكام الفقهية، فيقول لك: «لا يجب عليه؛ لأن الأصل براءة الذمة». فهي مشهورة جداً، وهي متفرعة من قاعدة الأصل العدم، والكلام عليها من ثلاث جهات.
الأولى في معناها: الذمة ما هي؟ هي في اللغة العهد والأمان والضمان، أما الذمة في الشريعة فهي معنى مقدر في المكلف يجعل هذا المكلف يقبل الإلزام والالتزام؛ يجعله يقبل الإلزام بأن يُلزم بأمور، والالتزام بأن يلتزم بأمور تجاه الناس. وإن كان الرازي المشهور عنه أنه رفض إثبات هذا المعنى في الشريعة، قال: ما في شيء اسمه ذمة، هذا معنى متوهم، قضية كيف الحدث معنى اعتباري؟ قال هذا شيء معنى خيالي توهمه الفقهاء. فرد عليه آل البخاري، عبد العزيز البخاري الحنفي في شرحه «كشف الأسرار» وشد عليه في الكلام، قال: «ولا يغرنكم كلام بعض»، كأنه قال من لم يشم رائحة الفقه في زماننا ممن ينفي هذا المعنى ويقول إن هذا معنى وهمي؛ «فإن هذا المعنى تواتر»، يعني استفاض العلماء على إثباته لبيان كيف تثبت الحقوق والالتزامات على الإنسان، فلا مانع من إثباته وقد سعى إلى إثباته كبار أهل العلم.
المهم، فالذمة إذاً الصحيح أنه معنى ثابت في الشرع، وهو المعنى المقدر في المكلف الذي يجعله أهلاً للإلزام والالتزام. الإلزام بمعنى أن يُلزم غيره، والالتزام أن يلتزم هو تجاه الآخرين؛ بعبارة أخرى تجعلهم أهلاً للحقوق والواجبات. ولذلك إذا اتصف بعد الرشد بالسفه يقال مثلاً إنه خربت ذمته وذهبت ذمته، وإذا مات خربت ذمته، أي المعنى الذي كان يقدر لم يبق مقدراً. وتقول: وفى فلان بذمته بما التزمه، وخفر ذمة فلان إذا خانها، وهذا كله راجع إلى الالتزام كما قال الإمام القرافي.
قال شيخ الإسلام العز بن عبد السلام: «الله خلق العباد كلهم أبرياء الذمم، الأصل براءة الذمم والأجساد من حقوقه وحقوق عباده إلى أن تتحقق أسباب وجوبها». فهل تطبيق قاعدة الأصل براءة الذمة كما يتوهم البعض فقط في باب حقوق العباد؟ لا، بل حتى في باب حقوق الله سبحانه وتعالى.
فالمراد من هذه القاعدة أيها الأحبة أن الأصل في المكلف براءة ذمته من الحقوق، سواء الشرعية أو حقوق البشر؛ يعني حقوق الله أو حقوق العبيد. براءة ذمته أن الأصل في المكلف براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، وبراءته من الانتساب إلى شخص معين، ومن الأقوال كلها والأفعال بأسرها؛ هذه قاعدة عامة جامعة لكل الأبواب. ولما كان الأصل براءة الذمة، لم يُقبل في إثبات شغلها شاهد واحد ما لم يعتضد بآخر، أو على الأقل بيمين المدعي على حسب تفصيل أحوال البينات في الفقه، ولهذا أيضاً كان القول قول المدعى عليه حال إنكاره؛ لماذا؟ لأن قول المدعى عليه هو موافق للأصل لبراءة ذمته، أليس كذلك؟
الجهة الثانية في دليل هذه القاعدة: مما يدل على هذه القاعدة حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» [متفق عليه]. وذكر البيهقي بإسناد صحيح: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». فلم يجعل النبي ﷺ البينة على المدعى عليه، بل نطالب باليمين؛ لأنه جانبه أقوى لأن الأصل براءة ذمته، وجعل البينة على المدعي لادعائه خلاف الأصل. قال الإمام الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه».
الجهة الثالثة: نذكر بعض الفروع المدرجة تحت هذه القاعدة. من شك هل لزمه دين أو نذر أو كفارة يمين فلا يلزمه شيء من ذلك؛ لأن الأصل براءة ذمته من الديون والحقوق والنذور وما شابه ذلك. أحياناً تصبح مع الإنسان وسوسة في بعض القضايا، فيشك: «والله كأني نذرت»، «والله كأني قلت نذر ولا ما قلت نذر؟»؛ لا تكلف نفسك ولا تحمل نفسك ما لا تطيق، أي شيء شككت هل قلته أو لا، اعتبر نفسك ما قلته. ثانياً: لو ادعى شخص على آخر مالاً ولا بينة، فالقول قول المنكر بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذمته. لو اختلف الدائن والمدين في قدر الدين وليس في أصل الدين ولا بينة، فالقول قول المدين.
ليه؟ لأنه قاعدة دائما تقول إن الغارم، القول قوله؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد عما يدعي. أنا بقول عليّ ٥٠، أنت بتقول لا عليك ١٠٠، الأصل الـ ٥٠، وما أنت تطالبني به زيادة على ٥٠ الأصل براءة الذمة منه. حتى في باب الغصب، قالوا: لو غصب شخص مالاً لآخر وترف في المال، ثم اختلف في قيمة المتلف ولا بينة، فالقول قول من في تحديد القيمة: الغاصب.
بعض الناس ممكن تأخذ الحمية، كيف يا شيخ؟ قول الغاصب هذا إنسان سيء، هذا غصب وسرق، بقول كونه إنسان سيء شيء، وكونه هو الغارم الآن شيء، فكونه هو الغارم الأصل القول قوله حتى تثبت حضرتك أنت كصاحب حق أن قيمته أعلى مما يدعيه. هذه قاعدة عامة، أن الأصل للغارم القول قوله، سواء كان غارماً بحق أو غارماً بباطل، حتى يثبت الطرف الآخر أن حقه أكثر من ذلك. ممتاز، وهذا كله مبني ومتفرع على قاعدة الأصل براءة الذمة.
القاعدة الرابعة: الأصل في الصفات العارضة العدم. وهذه أيضاً مما تندرج تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك. وردت القاعدة في مجلة الأحكام العدلية هكذا وصفها ونصها، وأوردها بعضهم بلفظ: «الأصل العدم في الصفات العارضة»، يعني عكس بعض الأماكن، وأوردها الأكثر في كتب الفقه وقواعده بلفظ: «الأصل العدم»، وهذا أسهل، يعني بكلمتين: الأصل العدم؛ لأن كلمة الصفات سنجد أنها ضيقت شوي، وإلا فالأصل في جميع الأمور من الأحوال والأفعال والصفات العدم وليس فقط في الصفات.
الجهة الأولى في معنى هذه القاعدة: هذه القاعدة تتعلق بالصفات العارضة للأصلية. الأشياء التي خلقها الله في الوجود لها صفات أصلية، وتطرأ عليها أحياناً صفات عارضة. مثلاً الأصل في المرأة البكارة أم الثيوبة؟ البكارة، فالثيوبة هي وصف عارض، أليس كذلك؟ نفس الشيء، الأصل مثلاً كما قلنا في الإنسان براءة ذمته، وانشغال الذمة وصف عارض. الأصل في الإنسان الصحة أم المرض؟ الأصل في الإنسان الصحة والمرض طارئ. الأصل في البهائم التي أبيعك إياها أنها كانت صحيحة أم مريضة؟ الأصل فيها الصحة، والخلل والمرض عليها طارئ؛ لأنه هكذا الأصل في خلق الأشياء.
فالكلام هنا عن ماذا؟ إذاً عن الصفات العارضة وليست الأصلية التي خلقها الله مع الشيء منذ وجوده، وهي الأصل معه منذ طبيعته أو في طبيعته. نقول إذًا إن الصفات نوعان: صفات عارضة، وهي الصفات التي يكون وجودها في الشيء طارئاً عارضاً، بمعنى أن الشيء بطبيعته الأصلية يكون خالياً عنها غالباً كالعيوب والأمراض ونحوها، فهذه الأصل فيها العدم حتى يثبت وجودها. أنا بعتك أي بندورة، بعتك تمر، الأصل السلامة في السلعة حتى يثبت الطرف الآخر تعيبها. كذلك في باب العقود، ما هل نقول الأصل في السلع العيوب حتى يثبت السلام، أم الأصل السلامة حتى تثبت العيوب؟ الأصل السلامة حتى تثبت العيوب.
قال: ومثل هذه الصفات غيرها من الأمور التي توجد بعد العدم كسائر العقود والأفعال؛ فإن العقود أيضاً هي أمور طارئة بعد أن لم تكن. فعقد البيع بيني وبينك، وعقد النكاح بيني وبين فلانة، أمر طارئ بعد أن لم يكن. هل أنا خرجت إلى الدنيا وأنا متزوج من فلانة؟ لا، أنا خرجت عزباً ثم تزوجت، صحيح، فالأصل في عقد النكاح أنه طارئ، وهذا عقد وليس صفة. كذلك الأفعال، إذا أنا بنيت شيئاً أو أنشأت شيئاً، هذا الشيء أنا بنيته أو فعلته بعد أن لم يكن، فهو أيضاً بالمعنى العريض يدخل تحت الصفات العارضة، وهذه لا تسمى صفات، وهي العقود والأفعال. ولذا الشيخ مصطفى الزرق الله يرحمه عبر عن هذه القاعدة بلفظ ماذا قال؟ الأصل في الصفات غير كلمة الصفات للأمور، فقال: «الأصل في الأمور العارضة العدم»، حتى تشمل الصفات والعقود والأفعال. فهمتم ماذا فعل لتكون شاملة للصفات وغيرها مما يحدث ويطرأ؟ وهذا القسم وما الحق به من العقود والأفعال هو موضوع هذه القاعدة.
النوع الثاني من الصفات هي الصفات الأصلية، وهي الصفات التي يكون وجودها في الشيء مقرراً لوجوده، فهو مشتمل عليها بطبيعته غالباً. غالباً يعني، ما أحد يقول لي يا شيخ في احتمال أنه بنت ربنا يخلقها بدون غشاء بكارة، تمام، أو ربنا طفل ربنا يخلقه مريض منذ البداية، بنقول هذا على خلاف الغالب، هذا نادر، والنادر لا حكم له، صحيح، والنادر لا حكم له. مثلاً كالسلامة في الإنسان والصحة، كالسلامة مثلاً في السلع والثمار، فهذه الأصل فيها الوجود حتى يثبت عدمها.
تعبير الفقهاء بقولهم «الأصل العدم» إنما هو من باب الاختصار، وإلا مقصوده ما سبق. وفي ذلك يقول الإمام ابن نجيم: ليس الأصل العدم مطلقاً. وإنما رأى ابن نجيم أن هذه القاعدة يجب أن تفصل أكثر، وإنما هو في الصفات العارضة هي الأصل فيها العدم، وأما الصفات الأصلية فالأصل فيها الوجود.
الجهة الثانية في ذكر دليله: يمكن الاستدلال عليها بنفس أدلة القاعدة الكبرى «اليقين لا يزول بالشك»؛ ذلك لأن العدم هو المتيقن ابتداء في الصفات العارضة، والحدوث طارئ، فمتى وقع الشك فيه رجعنا للأصل.
من فروع القاعدة: إذا اختلف البائع والمشتري عند من حدث العيب في البيع. أنا بعتك سيارة وأنت أخذتها فترة ثم أتيت وقلت أنا وجدت فيها عيباً، فقال البائع: العيب حصل عندك، والمشتري قال له: العيب كان موجوداً عند البائع. قول من نأخذ بناءً على القاعدة التي معنا؟ الصفات العارضة وهي العيب هنا العدم. وقال: وكان محتملاً أن يكون عند كل واحد منهما؛ لأنه إذا كان ما في احتمال عقلي واقعي أن يكون عند واحد منهما، لأنه أحياناً بعض العيوب يظهر من خلال القرائن بشكل قطعي أنه هذا العيب قديم أو أن هذا العيب طارئ بعد، فإذا كان هناك شيء يقطع الشك باليقين انتهينا. لكن إذا كان محتملاً أن يكون نشأ عند البائع أو عند المشتري ولا بينة لأحدهما، فعند الجمهور القول قول البائع أنه باعها سليمة، باعتبار أن الأصل في الصفات العارضة وهي العيب العدم، وأن العيب حدث عند المشتري؛ لأن الأصل سلامة المبيع والعيب حادث فالأصل عدمه. هذا هو المعتمد عند الحنفية والمالكية والشافعية، وهو رواية عند الحنابلة لكنها ليست المعتمدة. المعتمد عند أصحابنا -كما ذكره عندكم في الحاشية رقم ثلاثة- أن هنا القول قول المشتري بيمينه. لماذا؟ لنفس القاعدة، قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، لكن بتطبيق آخر لها؛ قالوا لأنه ينكر القبض في الجزء الفائت، يعني هذا العيب هو تفويت، فالمشتري لما يقول العيب عند البائع وليس عندي هو ماشي معه أصل يدعمه، ما هو الأصل الذي يدعمه؟ أن الأصل أن هذا الجزء الناقص أنا لم أقبضه منك أيها البائع حتى تثبت أنك أعطيتني إياه، نعتبر العيب نقصاً حتى نسهل.
كان المشتري يقول: أنا أيضًا يدعمني، لأن الأصل أن هذا الجزء الناقص أنا لم أقبضه، وإنما الأصل أنني أخذت السلعة بدون هذا الجزء الناقص حتى تثبت لي أنت خلاف ذلك. لكن الجمهور نظروا إلى أن هذا الجزء الناقص الأصل وجوده، وأنت أيها المشتري عليك أن تثبت عدمه؛ فالجمهور نظروا إلى قضية أنه صفة عارضة، فقالوا: لا، الأصل وجوده وعدم وجوده هو الطارئ، فأنت كمشتري عليك أن تثبت وإلا فالقول قول للبائع.
أخذ الحنابلة قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك». ومن جهة أخرى، ما نظروا إلى أنه عدم وجوده ووجود العيب صفة عارضة، بل نظروا إلى أصل القاعدة وقالوا: المشتري يدعمه، وتُدعم هذه القاعدة من باب أصلها وهو اليقين لا يزول بالشك. وهل أنت قبضت هذا الجزء الناقص واستلمته من البائع؟ هذا ليس متيقنًا، وأزعم أنني لم أقبضه، فبالتالي يبقى البائع ماذا مطالبًا؟ أن يسلمه لك، فنعتبر أن القول قول المشتري أنه لم يستلم هذا الجزء الناقص أو المعيب حتى يثبت البائع أنه سلمه إياه. سبحان الله، شوف كيف عقول العلماء وكل شخص كيف يفكر في نفس المسألة وفي نفس الواقعة، مثل مسألة المالكية مع الجمهور في قضية الطهارة أو الشك في الطهارة.
مسألة أخرى، لو قال العامل في شركة المضاربة لصاحب رأس المال: «لم أربح إلا مثلاً 100 دينار»، فالاصل قول من؟ قول العامل أم صاحب رأس المال؟ قالوا: صاحب رأس المال أنت كاذب يا أيها العامل أنت ربحت. العامل قال: ما ربحت. الأصل قول العامل؛ لأن الأصل عدم الربح، فالربح صفة عارضة، فإذا أنت تقول إنني ربحت تفضل اثبت ذلك. هذا ذكره المذاهب الأربعة متفقون عليها عمومًا.
أيضًا لا يشترط عند الشهادة على نكاح الشهادة بخلو الزوجة من الموانع. الآن تعرفون من شروط عقد النكاح وجود شاهدين رجلين سامعين، هل مطالب الشهود بأن يشهدوا على أن الزوجة التي تزوجها فلان خالية من الموانع التي تمنع النكاح، كالعدة والردة والعيوب التي تمنع النكاح كالجنون والجذام وغيرها من الموانع التي تفسخ العقد أصلًا؟ نقول: لا، لأن الأصل في العدة والردة والعيوب الشديدة التي يفسخ بها العقد هو عدمها، وهي صفات عارضة، فنكتفي بالشهادة على أصل العقد، ولا نطالب بالشهادة على ما بعد ذلك؛ لأن الأصل في هذه الصفات العدم، فلا نكلفهم أن يبحثوا عنها ليشهدوا بها. هم يشهدون على الظاهر، نشهد أننا رأينا فلان تزوج من فلانة، وكان الظاهر والأصل أنهما خاليان من الموانع الشرعية، هكذا يقول: إنهما خاليان من الموانع، ولا يطالبان بالشهادة على الصفات العارضة التي هي خلاف المعتاد في الرجل أو في المرأة.
كذلك قال: «أكل طعام غيره»، وقيل لشخص: «أنت أكلت طعامي»، فقال: «أنت أبحته لي». فما هو الأصل وما هو العارض؟ هل العارض أن الأشخاص يبيحون الطعام لغيرهم، أم الأصل أن الأشخاص لا يبيحون الطعام لغيرهم؟ الأصل أن الإنسان لا يبيح الشيء لغيره، فإذا أباحه له فهذا عارض، فبالتالي المتمسك باليقين الذي يقول: «لم أبح»، والذي يريد الوصف العارض الذي يقول: «إنك أبحته»، فالمتمسك بالوصف العارض هو الذي عليه الشك، وأما أنا فتمسك بالأصل وهو أنني لم أبح لك. وإنكر المالك إذا قال شخص: «أكل طعام غيره»، وقال: «كنت أبحته لي»، فأنكر المالك وقال: «أنا لم أبح لك»، صدق المالك؛ لأن الأصل عدم الإباحة، وإباحة الطعام للآخرين وصف عارض كما قاله السيوطي رحمه الله.
القاعدة الخامسة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. هذه أيضًا من القواعد المندرجة تحت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك»، أوردها ابن نجيم، وهذه مسألة كثيرة مهمة وتنطبق عليها أمثلة كثيرة في حياتكم العملية، وكذلك وردت في المادة التاسعة من مجلة الأحكام العدلية، وأوردها الزركشي والسيوطي بلفظ: «الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن».
ومعناها مقرر عند الفقهاء عمومًا في المذاهب. ما معنى ذلك؟ أولًا الحادث هو الشيء الذي كان غير موجود ثم وجد، فالحادث قريب من معنى الصفات العارضة التي ذكرناها في القاعدة السابقة، لكن هنا نتكلم عن وصف عارض أو شيء حادث ثبت حدوثه، هنا ما في نقاش أنه حدث ولا ما حدث، نحن متيقنون من حدوث الوصف العارض أو العقد، لكننا أين شككنا؟ شككنا في زمن حدوثه. متى حدث؟ هل حدث قبل صلاة الظهر ولا بعد صلاة الظهر؟ هل حدث ليلة الليلة الماضية ولا الليلة التي قبلها؟ فالإشكال هنا في وقت الحدوث، وأما أصل الحدوث فهو متفق عليه.
فالقاعدة تتعلق بما يطرأ من الأشياء، إذا لم يدرى في أي وقت طرأ وحدث، أنحكم بوقوعه في الوقت الأبعد عن الحال أم الأقرب له؟ فبينت القاعدة أننا نحكم بالوصف الحادث أو العقد الحادث أو الفعل الحادث أنه ينسب إلى أقرب الأوقات، حتى نبتعد عن الحكم بنسبته إلى أبعدها؛ لأن اليقين المتيقن هو أقرب الأوقات. يعني اختلفنا: هذا الشيء حدث بعد الظهر أو قبل الظهر، ما هو اليقين المتيقن؟ اليقين المتيقن أنه بعد الظهر كان موجودًا، ونقطة النقاش بيني وبينك هل أيضًا قبل الظهر كان موجودًا أو لا؟ فيقينًا وجد بعد الظهر، ومشكوك أنه كان قبل الظهر، فالأصل أن أضيفه إلى ما هو متيقن وهو وجوده بعد الظهر، حتى يثبت أنه كان أيضًا موجودًا قبل الدخول، هكذا منطق المسألة.
فالقاعدة تتعلق بما يطرأ، فخرج عن القاعدة إذا ما ثبت يقيناً نسبته إلى الزمان البعيد، فمتى ثبت ذلك حكم به الجهة الثانية. وفي ذكر دليلها يمكن الاستدلال عليها بنفس أدلة «اليقين لا يزول بالشك» لأنها ضمنيًا مندرجة تحتها، ومما يدل عليها أيضًا حديث ابن عباس عن أم ميمونة -أم مؤمنين ميمونة- أن النبي ﷺ سئل عن فارة وقعت في السمن فماتت، فقال: «خذوها وما حولها فاطرحوها». خذوا الفارة الميتة واللي حولها من السمن واطرحوها.
ما وجد دلالة، يقول وجد دلالة أن الفارة لم يعلم متى وقعت في السمن، وهل كان السمن وقت وقوعها سائلاً أو جامداً، أو كان بينهما باعتبار أن السمن الأصل فيه أنه سائل مثل العسل ويجمد مع الوقت. مشكلة العسل أنك تضعه ويكون سائلاً، ومع البرد يتحول لبلوري جامد.
فبقول لك الآن لما قال: «ألقوها وما حولها» على الرواية المطلقة، أو على رواية أخرى لحديث: «إن وقعت في سمن جامد»، فإذا سئل عن السمن الجامد مباشرة لن يكون فيها دليل، لكن إذا قيل له: فارة وقعت في السمن، هكذا كان السؤال، فقال عليه الصلاة والسلام: «خذوها وما حولها فاطرحوه». إذاً هو لم يسأل هل وقعت في السمن وهو سائل أو وقعت فيه بعد أن جمد، وصلى الله عليه وسلم حكم مباشرة على اعتبار أنها وقعت في السمن بعد أن جمد، أو حتى على رواية السمن الجامد؛ لأنه حتى على رواية السمن الجامد، إن فارة وقعت في سمن جامد، لم يسأل صلى الله عليه وسلم هل وقعت فيه وهو جامد أو قبل أن يجمد، وكأنه عليه الصلاة والسلام أضاف وقوع الفارة إلى أقرب الأوقات وهو وقت الجمود، ولم يضفه إلى وقت السيولة؛ لأنه سيختلف الحكم بين إذا وقعت في وهو جامد وبين إذا وقعت وهو سائل.
الفارة إذا ماتت جو السمن هي ميتة، فإذا كان سائلاً تنجس كله، المائع ينجس بملاقاة النجاسة كله، وأما إذا كان جامداً فهنا يتصور أن تلقى المنطقة التي ماتت وما حولها وينتفع بالباقي. فهو صلى الله عليه وسلم لما سئل عن فارة وقعت في سمن وكان هذا السمن جامداً، قال عليه الصلاة والسلام مباشرة: «ألقوها وما حولها فاطرحوه»، يعني وانتفعوا بالباقي، فجعل أن الأصل أن الفارة وقعت بعد الجمود، ولم يدع للأصل أنها وقعت في وقت ما كان السمن سائلاً، فأضاف الموت إلى أقرب الأوقات وهو وقت الجمود.
الجهة الثالثة في ذكر بعض الفروع الفقهية، حقيقة هناك فروع فقهية كثيرة بهذه القاعدة. الفرع الأول مثلاً: من رأى في ثوبه منياً ولم يذكر احتلاماً، هذه مسألة مرت معنا في العديد من كتب الحنابلة. استيقظ في الصباح فوجد على ثوبه منياً ولم يذكر أنه احتلم، هنا قالوا: لزمه أن يعيد جميع الصلوات التي صلاها من آخر نومه.
شخص وجد على ثوبه منياً، هو متى وجد على ثوبه المني؟ عند صلاة الظهر، أو حتى أعطيك مثالاً: بعد صلاة الظهر صلى الظهر ثم وجد على ثوبه منياً. الآن أقول لك: أنا نمت قبل الفجر ونمت بعد الفجر، هذا المني محتمل أن يكون حصل بعد الفجر من نومه بعد الفجر، ومحتمل أن يكون حصل من النوم التي قبل الفجر، فإلى أيهما سأضيفه؟ نقول نضيفه إلى أقرب الأوقات، إلى أنه حصل بعد الفجر حتى يثبت لك يقيناً أنه من النوم التي قبل الفجر. هذا نص عليه الإمام الشافعي وذكر اتباع المذاهب الأربعة، وتوضيحه أن من رأى في ثوبه منياً ولم يذكر احتلاماً في اليقظة، فوقوعه حال نومه هو الظاهر؛ لأنه قد يقع في النوم ولا يشعر به صاحبه، فيلحقه بأي نومة نامها، اليقين كونه محدثاً في آخر نومة نامها، هي بعتبر المني جاء منها، ومشكوك في النومة التي قبل الفجر أو تبعت امبارح أو قبل امبارح، فيناط الحكم بالنومة الأخيرة وهي نومة بعد الفجر التي حكينا عنها.
نفس الشيء، توضأ من بئر، إياما شخص ما شاء الله يتوضأ من بئر وصلى بعد خمسة أيام، طلع في البئر فارة ميتة فيه. إذا كان أقل من قلتين فالفارة ستنجسه بالملاقاة، وإذا كان أكثر من قلتين البئر تنجسه بالتغير، بس المنطقة التي فيها التغير وما حولها إن كان يسيراً على الطريقة المهم. وجد فيها بئراً نعتبر أن الماء أقل من قلتين، فالماء الآن ما هي الصلوات التي يلزمه قضاؤها؟ هل نقول والله هي الفارة الأصل أنها موجودة من خمسة أيام، ولا الأصل أنها موجودة من آخر مرة توضأ فيها؟ يعني هو آخر مرة توضأ ما كانت الفارة موجودة، توضأ وصلى وراح ومضى، رجع عشان يتوضأ مرة ثانية لقى الفارة، أول مرة ينتبه لها.
لو كان متيقناً أنها الآن وقعت، خلصنا، هي مسألة أنه شاك: أنا أول مرة أنتبه لها، هي موجودة من بعد آخر مرة توضأت ولا من خمسة أيام؟ والله ما أنا عارف، فماذا نقول له؟ لم يلزمه قضاء إلا ما تيقن أنه صلاه بنجاسة، فنقول إذاً هي الفارة أنت مش عارف هل وجدت بعد آخر وضوء ولا قبل آخر وضوء، الأصل أنها وجدت بعد آخر وضوء، وبالتالي أمورك في السليم، صلواتك كلها صحيحة ما في عليك تقضي شيء؛ لأن الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فنضيفها إلى آخر مرة توضأت فيها، وبالتالي كل صلواتك السابقة صحيحة.
قال: وهي آخر صلاة صلاها قبل علمه بالفارة لأنها هي التي تحقق وضوءها بالماء النجس. كيف صورة المسألة هنا؟ يقول: ثم وجد فيها فأرة، لم يلزمه قضاء إلا ما تيقن أنه صلاه بنجاسة. يعني إذا نفترض أنه من خلال تحريات معينة ثبت أن هذه الفارة ميتة وموجودة قبل آخر وضوء، وصلى، يعني مثلاً جاء صاحبه قال له: يا زلمة والله شفت في عربيتك، قال: آه يا زلمة أنا شفتها قبل الظهر، قال: طيب ليش ما حكيت لي؟ فيصير يسأله: طيب شفتها قبل الظهر، قبل الفجر، قال: لا والله ما شفتها، هنا صار المتيقن عندي أنه قبل الظهر كانت موجودة، لأنه هو صاحبي، بالتالي علي أن أعيد آخر صلاة صليتها بالوضوء وهي صلاة الظهر، طب صلاة الفجر؟ طب صلوات البارحة؟ لا تلزمني حتى يثبت لي بيقين أنها كانت موجودة مثلاً البارحة وجاء من شهد لي بذلك، وهكذا فنبني على ذلك.
وبهذا قال الإمام أبو يوسف محمد بن الحسن الشيباني: من وجد نجاسة على ثوبه، وهذه كثير إخواني، بتهم الناس، هي الفتوى، كثير من الشباب حتى في حياتنا العملية، أنت ممكن تكون صليت صلاة، صليت مجموعة صلوات: فجر، ظهر، عصر، مغرب، عشاء، بعد العشاء بعد ما صليت العشاء وجاي أنت تنام، ذهبت إلى دورة المياه وأنت تتفقد ملابسك الداخلية وجدت وجود أثر نجاسة على الملابس الداخلية، أثر مثلاً غائط أو شيء.
الآن كثير من الناس تتكركب، أقول لك معناها: كل صلاة اليوم باطلة؟ لا، نقول له لا حرج عليك.
هي النجاسة، هل أنت متيقن متى حصلت؟ ولا كل الاحتمالات مفتوحة؟ إذا قال كل الاحتمالات مفتوحة، ممكن تكون وجدت بعد صلاة العشاء، ممكن تكون وجدت بعد المغرب، ممكن توجد بعد العصر، ممكن وجدت بعد الظهر؛ نقول: أضف هذه النجاسة إلى أقرب الأوقات وهو بعد العشاء. فتقول في ذهنك: الأصل أنها وجدت بعد العشاء حتى أتيقن من خلاف ذلك، وبالتالي ما عليه قضاء ولا صلاة، مع أنه أحد الاحتمالات الواردة أنها تكون وجدت قبل العشاء وقبل المغرب وقبل الظهر، لكن أنا ما عندي يقين بشيء، وبالتالي الأصل أنها وجدت بعد العشاء فصلواتي كلها صحيحة ما تتكركب.
لكن مثلا إذا كانت طبيعة النجاسة التي وجدت -أعطيك مثلا أفكار- أنت الآن دخل وقت العشاء مباشرة، صليت مباشرة، ثم فتشت ملابسك بعد الصلاة مباشرة فوجدت نجاسة يابسة جداً جداً على ثيابك؛ هنا ربما تصل أنت إلى اليقين أنه هذه لا يمكن أن تكون حصلت بعد العشاء، ليه؟ لأنه لو كانت نجاسة حصلت بعد العشاء، أو حتى بدنا على غائط، خلينا نشوف بول، وجد قطرات من البول ناشفة جداً يابسة، بتقول لي: يا شيخ هذه لا يمكن تكون وجدت بعد العشاء، ليه؟ لأنه أنا الآن دخل العشاء والآن مباشرة صليت، خلال خمس ست دقائق كنت مخلص أموري دخل الوقت وصليت ثم كشفت، فهذه النقطة بالمنطق العقلي والسوي لا يمكن تكون وجدت بعد العشاء، لأنه لو كانت وجدت بعد العشاء لكان ينبغي أن تكون رطبة، ما دامت يابسة.
فما هي أقرب الأوقات التي يمكن أن تكون حصلت فيها ويبست؟ والله ممكن نقول قد ماذا تحتاج نقطة البول حتى تنشف؟ مثلاً نقول تحتاج إلى نصف ساعة، فأقرب أوقات الحدوث المنطقية هي بعد المغرب، إذاً علي أن أعيد صلاة العشاء، لأنه هنا أنا متيقن بالمنطق السوي أنه هذه لا يمكن تكون صارت بعد العشاء، لأن لو كانت حصلت الآن بعد العشاء لكانت رطبة، فنشفانها ويبوستها دلالة على أنها حصلت قبل ذلك، فأضيفها إلى أقرب أوقات الحدوث، فبتقول: متى أقرب وقت منطقي يمكن أن تكون حصلت فيها ونشفت إلى هذه الدرجة من اليبوسة؟ والله بعد المغرب، فهنا أعيد العشاء فقط، فهذا شيء أنت ستقدره، فالحمد لله الذي جعل لك سعة في هذا.
مثلاً ممكن شخص يقول: هل ينبغي أن تضاف إلى آخر وقت التغوط؟ لا، تضاف إلى أقرب وقت صلاة، ليه؟ لأن الشخص تغوط واستجمر، ونحن قلنا سيبقى أثر الاستجمار بين الأليتين وهذا عرق النجاسة إذا نزل على الثياب الداخلية ينجسها، لكن هل أنت متأكد متى نزل عرق النجاسة على ثيابك الداخلية؟ قد تقول ليس مباشرة بعد التغوط، قد يكون الأمر احتاج إلى ذهاب منك وتعرق وذهبت إلى المسجد وكذا حتى صار عرق، فالعرق هو الذي أدى إلى نزول النجاسة على الثياب.
أحياناً التفصيل مهم أن الناس تفهم هذا، من الشباب الذين يسمعوننا أحياناً الإنسان قد يتغوط ويستنجي ويكون قصر في الاستنجاء قليلاً، حتى تنتقل بقية البراز التي بين الأليتين إلى الثياب الداخلية؛ البراز ليس على الخارج، أول ما وضع ثيابه الداخلية التصق البراز بين الأليتين بسبب سوء التنظيف، وحتى انتقل هذا المتبقي إلى ثيابه الداخلية احتاج إلى احتكاك وعمل وذهاب وعودة فتحرك فالتصق بالثياب الداخلية، فهنا أنت مش متيقن إلى الآن متى عملية الانتقال بالضبط حصلت للبراز إلى الثياب الداخلية، فنعود إلى نفس الفكرة: يضاف إلى أقرب الأوقات العقلية المحتمل حصول الانتقال فيها، وهذا فيه تيسير على الناس كثيراً.
خاصة عندنا من الحنابلة، نحن مشكلتنا في المذهب أنه إذا بعد الصلاة اكتشفت وجود النجاسة سواء كنت جاهلاً أو ناسياً تريد أن تعيد، لكن هذه تسعفك أنها أنت ماشي؛ لو بعد الصلاة وجدت نجاسة جاهلاً أو ناسياً تعيد، لكن بدك تتأكد، بدك تكون متيقناً أنها كانت موجودة قبل. طبعاً ناسياً أنت متأكد أنها موجودة قبل، كيف ناسياً؟ أنت عارف قبل الصلاة أنها موجودة ثم بعد الصلاة تذكرت، هذه تريد أن تعيد الصلاة. أما في حال الجهل، أنت صليت وبعد الصلاة اكتشفت وجود النجاسة، على المذهب تريد أن تعيد في حال الجهل، لكن الفكرة أنني سأضيف الحادث لأقرب وقت، فإذا كان في احتمالية أن تكون النجاسة هذه وصلت إلى ثوبي بعد الصلاة، فسأضيفها إلى ما بعد الصلاة وأعتبر نفسي ما علي الإعادة.
لو مات مسلم وخلف زوجة نصرانية، شوف هذه المسألة: مسلم مات فخلف زوجة نصرانية، لما جاء توزيع الورثة قالوا لها: يا حجة أنتِ ما لكِ ورثة، لأن «المسلم والكافر لا يتوارثان»، فادعت أنها أسلمت قبل موت زوجها، قالت: أنا أسلمت قبل موته، والله كنت أتشهد وأصلي معه، فالورثة قالوا: لا يا حجة، بل أسلمتِ بعد موته فما لكِ ميراث، فالقول قول الورثة لأن الأصل كفرها. فحتى لو ثبت عند القاضي إسلامها، سيضيف القاضي إسلامها إلى أقرب أوقات الحدوث في هذه المسألة وهو ما بعد الموت، حتى تثبت بالبينة أنها كانت مسلمة قبل الموت خاصة وهي تطلب حقاً لها، فيضاف إلى أقرب زمن وهو ما بعد موت زوجها فلا ترث من زوجها، نص عليه الإمام الشافعي وقال ابن قدامة صاحبنا رحمه الله خلافاً، فأيضاً الحنابلة يتفقون.
ما يستثنى من هذه القاعدة هو المسألة المعاكسة للمسألة السابقة، وستكون مستثنى منها؛ لو مات ذمي فقالت زوجته -أو العكس ذمي متزوج ذمية- الأصل إذا مات الذمي وزوجته ذمية، في لحظة موت زوجها زوجته ذمية لها الميراث، حتى لو أسلمت بعدين ما دام في لحظة الموت كانت الزوجة ذمية لها الميراث. فهي الآن بعد موت الذمي، الزوجة مسلمة وتصلي ما شاء الله عنها، فجاءوا لها: يا حجة أنتِ ما لكِ ميراث ليه لأنكِ مسلمة وزوجك ذمي؟ قالت: الله يسامحكم، أنتم مش عارفين أن أنا أصلاً ما أسلمت إلا بعد موته؟ أنتم فاكريني مسلمة قبل موته؟ لا، أنا لما مات كنت ذمية وأسلمت بعد موته، أنا لي ميراث ما أحد يمنعني. تريد أن تثبت ميراثها، فجاء الورثة وقالوا لها: لا يا حجة، أنتِ ما شاء الله عليكِ الحمد لله أسلمتِ قبل موته، أسلمتِ قبل موت زوجك بدقائق.
الآن ماذا أفتى الحنفية؟ المذهب عند الحنفية في هذه المسألة أن القول أيضًا قول الورثة. بس هيك صرنا خلاف القاعدة؛ لأننا قلنا الأصل إضافة الوصف الحادث إلى أقرب أوقاته. هي قالت: «إني أسلمت بعد موته»، والورثة قالوا: «أسلمت قبل موته»، فالأصل أن نقبل قولها إلى أقرب أوقات الحدوث، خلافا لزفر، وزفر هو الوحيد الذي يستمر على القاعدة.
لماذا الحنفية هنا خالفوا أصلهم؟ انظر في الصفحة السادسة، حاشية ستة في الصفحة التي تليها، ما هو التعريف؟ قال: «وإنما فرقوا بين المسألتين في معتمد مذهبهم؛ قالوا لا يحكم الحال».
في المسألة السابقة؛ مسألة المسلم إذا مات وخلف زوجة نصرانية فادعت أنها أسلمت قبل موته، قالوا: نحن مشينا على القاعدة وأضفنا الحادث إلى أقرب أوقاته، والأصل أنها إنما أسلمت بعد الموت، لكن في هذه لا أضفنا الحادث إلى الحال، بل إلى الماضي. لماذا؟ خلاصة ما يريدون قوله: فرقوا بين المسألتين فقالوا في السابقة لا يحكم الحال؛ لأن الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق، وهي محتاجة إليه. أما الورثة فهم الدافعون، ويشهد لهم ظاهر الحدوث؛ لأن الظاهر أنها أسلمت بعد الموت فليس لها الميراث.
أما في هذه المسألة التي بين أيدينا، فالورثة قالوا: لا، يا زوجة الذمي، أنتِ أسلمتِ قبل الموت، ولكن أخذنا في قولهم لأنها في هذه المسألة تدعي الإسلام بعد الموت، وهي متهمة في ادعائها بأنها تريد أن تكسب حقًا، فلذلك رجحنا جانب الورثة في هذا.
هذه طريقة الحنفية، وإن كان هناك خلاف بينهم، لكنهم لاحظوا أنها مسألة الذمي؛ إذا أسلمت زوجته الذمية بعد الموت فادعت أنها أسلمت قبل الموت، قالوا هنا لن نقبل قولها ولن نطبق القاعدة، لأنها هنا محتاجة إلى إثبات ذلك، هي لها مصلحة في أن تثبت أنها أسلمت لتتحصل على المال، فنقول لها: يجب أن تثبتي ذلك، فخالفنا القاعدة لأن لها مصلحة في إثبات أنها أسلمت بعد موته في المسألة الأخيرة.
أما في المسألة السابقة، فهي بالعكس؛ مصلحتها كانت أن تثبت أنها أسلمت قبل حتى تستحق، والورثة هم الذين أثبتوا أنها أسلمت بعد ذلك، فالقاعدة -إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته- ماشية معهم، فخلصنا من ذلك. لكن في الحالة الاستثنائية، المرأة ستستفيد وستحصل على المال، فلما رآها جمهور الحنفية أن هذه المرأة تدعي الوصف الحادث بعد الموت وبدها تمشي على قاعدة الأصل وإضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، قالوا لها: سامحينا، أنتِ متهمة في هذا؛ لأن الظاهر أنك تريدين تطبيق القاعدة حتى تستفيدي ماليًا، فعليك البينة. وباختصار، كأنهم يقولون الأصل أنك غير وارثة حتى تثبتي أنك وارثة، كأنهم مشوا على قاعدة «اليقين لا يزول بالشك».
الأصل أنها كانت وارثة؛ لأنه كان ذميًا وهي ذمية، لكن هي قالت: «أنا أسلمت بعد الموت»، فقال الورثة: «بل قبل الموت». هنا لا يظهر، لأنهم طبقوا قاعدة حتى إثبات الأصلية، لأننا لو أردنا أن نمشي على الأصل، فالأصل أنها بقيت ذمية حتى مات زوجها، ثم نضيف إسلامها إلى أقرب أوقات الحدوث، لا، بل دعونا نبقى على العلة التي ذكرها وهي أنها متهمة أنها تريد مصلحتها، فلذلك قلنا لها: أثبتي ذلك، الأصل أنها متهمة في ذلك، فما دامت متهمة نقول: أثبتي وتأخذين.
هذا هو الملح، وإن كان زفر يطرد ويقول: "ليست متهمة، نحن نضيف الحادث إلى أقرب أوقاته، إذن نضيفها إلى أقرب أوقاتها ونعتبرها بالتالي وارثة".
قال زفر: «لو وعى شخص أن إقراره وقع حال طفولته، وادعى المقر له أن ذلك وقع بعد البلوغ، فالقول للمقر مع اليمين مراعاة لأصل براءة الذمة». يعني لو ادعى شخص أنه أقر، وأن إقراره وقع حال طفولته، وادعى المقر له أن ذلك وقع بعد البلوغ؛ الآن لو أردنا أن نضيف الحادث -وهو الإقرار- إلى أقرب أوقاته، فأقرب الأوقات هو بعد البلوغ، لكن عندما كان هذا سيرزمه بإلزامات، عدلوا عن القاعدة هنا أيضًا، وهذا مثال مستثنى.
الإقرار فعل حادث، هل حصل بعد البلوغ أم قبل البلوغ؟ إذا أردت أن أمشي على القاعدة سأضيفه إلى ما بعد البلوغ، ومن سيستفيد؟ سيستفيد صاحب الحق؛ لأن الإقرارات إنما تؤخذ من المكلفين، فهو المنتفع؛ أنا الذي أدعي أنك أقرت لي بعد بلوغك. والمدعى عليه يقول: أنا أقررت في قبل البلوغ وكنت طفلًا، والطفل الأصل لا يؤاخذ بإقراراته.
فهنا نقول كأن هناك قاعدة تزاحمت مع قاعدة إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، وهي «الأصل براءة الذمة»، وتدعيم هذه القاعدة هنا سيجعلنا نضيف الحادث إلى أبعد أوقاته وهو الطفولة؛ لأن إضافته إلى أقرب أوقاته ستجعل ذمة المدعى عليه مشغولة. فهذا ما نسميه تزاحم القواعد وتعارضها؛ أنا عندي قاعدة «الأصل براءة الذمة» وقاعدة «إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته»، فإذا طبقت قاعدة إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته ستختل قاعدة الأصل براءة الذمة وتؤدي إلى إشغال الذمة، فهنا نقدم براءة الذمة من خلال إضافة الحادث إلى أبعد أوقاته حتى يثبت خلاف ذلك.
نكتفي إذا بهذا القدر إن شاء الله، ونكمل ما تبقى من قواعد هذه القاعدة في المجلس القادم، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل