دخولتسجيل الدخول

المنحةالإلهية | المجلس4 | القواعد المندرجة تحت الأموربمقاصدها٢ | اليقين لايزول بالشك |

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وعليكم السلام ورحمة الله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن على نهجه اقتفى.

حيّاكم الله أيها الإخوة المتابعون في مجلس جديد من مجالس التعليق على المنحة الإلهية شرح القواعد الفقهية لشيخنا الشيخ أيمن الحبشي، متعه الله بالصحة والعافية. ما زلنا نعيش في أجواء القاعدة الكلية الكبرى الأولى «الأمور بمقاصدها»، ونتدارس القواعد المندرجة تحتها.

تدارسنا إلى الآن ثلاث قواعد مندرجة تحتها: قاعدة «لا ثواب إلا بنية»، وقاعدة «مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي»، والقاعدة الثالثة التي صاغها بصيغة الاستفهام: «هل العبرة في العقود بالألفاظ والمباني، أو بالمقاصد والمعاني؟». هذه تم بحثها بحمد الله في المجلس السابق. وأعود وأكرر أن المطلوب من هذا الكتاب إنما هو تصور القواعد ومعانيها ودلائلها، وأن تطبق مثالاً أو مثالين أو ثلاثاً حتى تكون فاهماً لتطبيقاتها، وليس أن تضبط مذهباً معيناً الآن؛ فهذا الكتاب هو مدخل لدراسة علم القواعد الفقهية. أما القواعد الفقهية المتعلقة بمذهبك وفروع مذهبك فهذه لا بد أن تدرس قواعد فقهية على مذهبك.

نحن هنا ندرس القواعد المؤثرة في الفقه عموماً، ليكون لديك نوع من الممارسة والدربة على فهم أسس هذه القواعد وطرق التفكير فيها وكيف تختلف المذاهب الفقهية في تطبيقها لتوسيع المدارك. ممتاز، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة أخرى في دراستك يا طالب العلم الحنبلي مثلاً، أن تدرس قواعد فقهية على مذهبك وتتدارسها حتى تركز على مذهب معين. وهكذا كل الطلاب الشافعية والمالكية والحنفية عليهم بعد ذلك أن يتخصصوا بالقواعد الفقهية المتعلقة بمذاهبهم.

نذهب الآن إلى القاعدة الرابعة المندرجة تحت قاعدة «الأمور بمقاصدها»، وهي تقول: «النية تخصص اللفظ العام، وهل تعمم اللفظ الخاص؟». المقطع الأول ضمن جملة خبرية، والمقطع الثاني ضمن استفهامية إنشائية للإشارة إلى وجود خلاف في القسم الثاني.

ذكر هذه القاعدة بعض من ألّف في القواعد الفقهية مثل الحافظ ابن رجب عليه رحمة الله وأشار إليها، والسيوطي في الأشباه والنظائر أشاروا إلى هذه القاعدة. قال: ووجدت مسائلها مبثوثة في كتب الفقه عند أصحاب المذاهب الأربعة. والكلام عن هذه القاعدة من جهات، الجهة الأولى في بيان معناها.

يقول: اللفظ الذي يستعمله المتكلم لا يخلو إما أن يكون لفظاً عاماً أو أن يكون لفظاً خاصاً. فإذا أتى المكلف بلفظ -سواء عام أو خاص- وله فيه نية، فلا يخلو: إما أن تكون هذه النية متطابقة تماماً مع اللفظ في عمومه أو خصوصه؛ أنا تكلمت بلفظ عام ونيتي عامة، أو تكلمت بلفظ خاص ونيتي خاصة، النية مطابقة للفظ تماماً في عمومه أو خصوصه.

كأن يحلف: «والله لا أكلم زيداً»، وقصده عينه. هذا زيد دون غيره، وفي كل وقت؛ لأن «لا أكلم زيداً» هذا العموم يدل ليس فقط على عموم عدم التكليم، بل يدل أيضاً على عموم الأزمنة والأمكنة. فيقول: وفي كل وقت، فهنا توافق لفظي مع مقصودي؛ فلفظي «لا أكلم زيداً» يقتضي ألا أكلم هذا الشخص بعينه طول الأوقات، ونيتي هكذا. في هذه الحالة قال: إذن اللفظ الخاص بزيد عام في الوقت وقصد الحالف جاء كذلك تماماً، فهذا بين لا إشكال فيه بين مذهب من المذاهب، هنا سنمشي على مقتضى اللفظ الذي هو مقتضى النية أصلاً.

الحالة الثانية قال: وإما أن يكون اللفظ الذي استعمله المتكلم عاماً، والنية أخص؛ فهل نعمل بعموم اللفظ أو بخصوص النية؟ هذا هو محل البحث في الشق الأول من هذه القاعدة. الاحتمال الثالث العكس: أن يكون لفظ المتكلم خاصاً (زيد، خالد، عمرو)، والنية أعم منه؛ فهل نعمل بخصوص اللفظ أو بعموم النية؟ هذا هو محل البحث في الشق الثاني من القاعدة. أليس كذلك؟

طيب، ستقول لي: يا شيخ هذه القاعدة ألا تشتبك مع القاعدة الثانية «قاعدة مقاصد اللفظ على نية اللافظ»؟ أقول: بالتأكيد، هناك اشتراك بين القاعدتين. وأنا أحب دائماً ربط الطالب بالمفاهيم المشتركة حتى لا يظن أنها قاعدة مختلفة تماماً عن تلك القاعدة. مهم جداً ربط الأفكار حتى تشعر أن علمك مستوٍ. نقول: هذه القاعدة مندرجة تحت تلك القاعدة، لكن ما الفرق بينهما؟ أن هذه القاعدة أخص من تلك القاعدة، لأن «قاعدة مقاصد اللفظ على نية اللافظ» تشمل عدة صور منها تخصيص العام وتعميم الخاص، ولكن منها أيضاً -وهو الذي ركزنا عليه- قضية التأويل، أن يكون اللفظ حقيقة أو ظاهره معنى فأحمله على أحد معانيه المجازية، حتى ولو لم يكن من صورة تعميم الخاص أو تخصيص العام.

نحن في تلك القاعدة ذكرنا أن تعميم الخاص أو تخصيص العام هو داخل تحت «مقاصد اللفظ على نية اللافظ»، لكن تلك أعم لأننا هناك لم نتكلم فقط عن قضية تعميم خاص أو تخصيص عام، بل يشمل أيضاً أن يكون اللفظ حقيقة وأريد به المجاز، حتى ولو لم يكن من قبيل العموم أو الخصوص؛ قد يكون من قبيل المطلق والمقيد، قد يكون من قبيل المشترك، قد يكون أشياء كثيرة. «مقاصد اللفظ على نية اللافظ» أوسع من قضية تعميم الخاص وتخصيص العام، هذه جزئية من جزئيات تلك القاعدة، لكنها تسلط الضوء فقط على مسألة التخصيص والتعميم.

بعد أن عرفنا اشتباك هذه القاعدة مع القاعدة السابقة، نقول: دعونا نبحث هل النية تخصص اللفظ العام؟ نبدأ بالشق الأول: لفظ عام ونويت به خاصاً. توضيحها: خلينا نأخذ مثالاً ثم نعرف الأقوال. لو قال رجل: «والله لا أكلم أحداً». كلمة «أحداً» نكرة في سياق النفي فتفيد العموم. لكنني ماذا نويت؟ نويت زيداً، ونويت في هذا اليوم بالتحديد؛ الآن «والله لا أكلم أحداً»، فيها عموم من حيث الأشخاص وعموم من حيث الأزمان؛ لأنك حين تقول «لا أكلم» هذا نفي التكليم في الأزمنة.

هناك عموم من حيث الزمان ومن حيث الأشخاص، لكن أنا لما قلت هذا الكلام لماذا قلته؟ والله في هذا اليوم رأيت زيداً، وزيد "سمَّ بدني" في هذه الصباحيات، فلما رأيته "سمَّ بدني" قلت: "والله ما بدي أكلم أحداً". شو نيتي أنا؟ زيد، وقصدي اليوم. هنا نقول: هل يحنث هذا الحالف لو كلم غير زيد، أو لو كلم زيداً غداً؟ أو نقول إن عموم قول «أحد» مخصص بالنية؟ فلو كلم غير زيد لم يحنث، ولو كلم زيداً أو غيره في اليوم التالي لم يحنث. اتفقت المذاهب الأربعة في الجملة على أن النية تخصص العام إذا صلح اللفظ للتخصيص، أي لفظ يقبل التخصيص وأنت أطلقته فنيتك تخصص باتفاق المذاهب الأربعة. طبعاً لماذا قيده «إذا صلح اللفظ للتخصيص»؟ يعني إذا كان اللفظ بطبيعته أصلاً لا يقبل التخصيص، كأن يكون اللفظ لا يوجد له إلا صورة واحدة لا غير، فتقول لي: والله أنا نويت صورة من صوره، فبنقول لك: اللفظة التي استعملتها لا يوجد لها إلا صورة واحدة، فقولك أنك نويت صورة جزئية منه قول غير مقبول. إذاً الشق الأول متفق عليه، فلذلك لم يأتِ فيه بصيغة الاستفهام في صيغة القاعدة.

لكن الصورة الثانية المعاكسة: هل النية تعمم اللفظ الخاص؟ توضيحها: لو قال رجل: «والله لا أتغدى عند زيد». كلمة «أتغدى» تشمل الغداء، لكنها في الأصل لا تشمل العشاء ولا الإفطار. نقول له: أنت ماذا قصدت بـ «لا أتغدى»؟ قال: قصدي أن لا آكل عنده شيئاً، لا صباحاً ولا مساءً ولا عصراً ولا شيئاً. إذاً نقول: أنت قلت «لا أتغدى»، وهي لفظة أخص، وقصدت ما هو أوسع أنك لا تأكل شيئاً في ساعة من الساعات. فبنقول: لفظه أخص من قصده، فهل نعمم اللفظ فيحنث إذا أفطر عنده أو تعشى ولم يتغدَّ؟ أم نبقى على خصوص اللفظ فلا يحنث في يمينه إلا بالغداء بالتحديد؟

نقول هنا: اختلف أهل العلم. فالقول الأول: أن النية تعمم اللفظ الخاص، وهذا مقتضى مذهب السادة المالكية ومذهبنا الحنابلة. وبالتالي عند الحنابلة في مذهبنا، النية تشتغل على الجهتين؛ قادرة على أن تخصص اللفظ العام، وأن تعمم اللفظ الخاص. وكذلك عند المالكية. والقول الثاني عند الشافعية والحنفية: أن النية في الأصل لا تعمم اللفظ الخاص. هذا مذهب الشافعية وهو الذي يظهر من كلام بعض الحنفية. وكأن الشيخ يرى أن المسألة تحتاج إلى تحرير أكثر لمعرفة ما هو المعتمد عند الحنفية، وعزاه إلى الحنفية القرافي.

لاحظ ماذا قال في الحاشية رقم واحد: قال: لم أستطع أن أجزم هنا بنسبة هذا القول إلى الحنفية، وذلك لأن ابن نجيم قال في «الأشباه والنظائر»: "وأما تعميم الخاص بالنية فلم أره إلى الآن". تخيل مع سعة المذهب الحنفي ومع مدارس وأقوال وحجم الكتب، ولكنه يقول: لم أجد فيه قولاً معتمداً في المذهب إلى الآن. ونقله عنه ابن عابدين في حاشيته ثم قال: "والظاهر أن تعميمه من باب الزيادة على اللفظ، وإذا لم تصح الزيادة عليه بالعرف فلا تصح بالنية الأولى؛ لأن العرف ظاهر بخلاف النية". تمام؟ فلا تصح بالنية الأولى؛ لأن العرف ليس شيئاً ظاهراً، ومع ذلك نعتبر العرف زيادة على اللفظ فلا نقبله في التخصيص. فمن باب أولى النية وهي أمر باطن أن نعتبرها زيادة على النص.

بناءً على ما سبق يمكن أن تصاغ القاعدة عند المالكية والحنابلة: «النية تخصص العام وتعمم الخاص»، وأن تصاغ عند الشافعية والحنفية -إن صح النقل عنهم-: «النية تخصص العام ولا تعمم الخاص». واضح؟

طيب، في ذكر بعض الفروع الفقهية المدرجة تحت القاعدة؛ نبدأ بالفروع المنطبقة على الشق الأول وهذا يتفق عليه المذاهب الأربعة. لو حلف شخص: «لا أدخل داراً». لو قال: «والله ما بدخل بيتاً». شو قصدك يا فلان؟ قال: أردت بيت سعد. قلتَ أنت عممت قلتَ: «والله لا أدخل داراً»، وقصدت داراً معينة. بالتالي هنا لو زار دار خالد أو دار بكر أو دار فؤاد، هنا لا يحنث وإن كان اللفظ عاماً. لماذا؟ لأنه خصص عموم اللفظ بنيته. نص على هذا المثال أصحابنا الحنابلة وهو مقتضى المذاهب الأخرى. كذلك لو قال: «والله لا أدخل بيت فلان»، ونوى اليوم. والله ما بدخل بيتك يا فلان! وهذا كثير عند الناس عند الغضب، تطلق مثل هذه الألفاظ: «والله ما بدخل دارك»، عنده مشكلة معينة معه. نقول: قصد شيئاً ولا ما قصد؟ دائماً إخواني في الفتوى لا تستعجلوا؛ احذر الاستعجال في الفتاوى في ألفاظ الطلاق وفي ألفاظ التحريم وفي ألفاظ الأيمان عموماً، اسأل عن القصد؛ لأن القصد مؤثر جداً في الحكم. فلو قال: «والله لا أدخل بيت فلان» ونوى اليوم، لم يحنث إذا دخل هذا البيت في الغد؛ لأن نيته لا يدخل اليوم. وهذا ما تقتضيه المذاهب الأربعة.

نأخذ المثال الرابع حتى نختصر قليلاً؛ لو أزعجه ابنه طالباً منه شراء لعبة، فقال: «والله ما بشتري لك شيئاً». تعرف بعض الآباء لما يعصب على ابنه -يابا بدي لعبة بدي لعبة- قال: «والله لا أشتري لك شيئاً». لكن هو شو نيته؟ الألعاب أو اللعبة المعينة التي كان الطفل يزن عليها. هنا لا يحنث لو اشترى له غير هذه اللعبة إذا كان يحلف على هذه اللعبة. ممتاز؟ هذا مثال القسم الأول وهذا متفق عليه.

طيب نأخذ أمثلة على الشق الثاني. لو كان رجل يمنُّ على زيد بإحسان ونعم، يحمل الناس منّة، فقال زيد: «والله لا أشرب عند هذا الرجل قطرة ماء». من كثر ما مَنَّ على زيد، زيد ماذا قال؟ «والله ما بشرب عندك قطرة مي». طيب الآن هذا سؤال، ما قصده؟ زيد لما قال: «والله ما بشرب منك قطرة مي»، قصده أن يقطع منّة هذا الرجل، ومنّة هذا الرجل ليست محصورة في الماء، بل حتى في طعامه وثيابه وأي هدية أو أي شيء يعطيك إياه. فنقول: إذا كان قصده قطع منّته، فقولك: «والله لا أشرب شربة ماء» هذا لفظ خاص وأنت تريد به العموم؛ لأنك تريد: «والله ما بشرب ولا باكل ولا باخذ منك تليفون ولا هدية ولا ثوب». فبالتالي قالوا: لو أخذ منه شيئاً غير قطرة الماء من الطعام أو الثياب حنث. كيف يا شيخ حنث؟ أنا قلت: «والله ما بشرب قطرة مي» ما قلت: «والله ما باكل».

لا نقول له: تعال، أنت مالكي ولا حنبلي ولا إيه؟ قال: أنا مالكي أو أنا حنبلي، نقول له: أنت مالكي وحنبلي تلتزم بالمذهب. أنت قصدك قطع منك كليًا، وهذا يقتضي تعميم لفظك؛ فيشمل أي شكل من أشكال التناول عنده خلافًا للشافعية؛ فلا يحنث عندهم إلا بشرب الماء فقط. ليه؟ لأن القاعدة عندهم أن النية لا تعمم اللفظ الخاص، فتمسكوا بظاهر اللفظ، وهو ظاهر مذهب الحنفية كما تقدم.

نأتي مثلاً للمثال الثالث، أنا بعض الأمثلة سأتركها للشباب لأنها سهلة. نأخذ مثال مثالين ونمضي. لو قال لزوجته: إذا رأيتك تدخلين دار فلان أنت طالق، وقصد تعليق الطلاق على دخولها مطلقًا سواء رآها ولا ما رآها، وهذا كثير الناس تقع فيه. إذا بشوفك عند دار فلان أنت طالق، مش هيك بنقول إحنا بالعامية: إذا بشوفك؟ هسا هو هل نيته إنه يشوفها فعلياً؟ ولا إذا بشوفك يعني إذا بتكوني عند دار فلان سواء شفتك ولا ما شفتك؟ إذا عرفت أنك عند دار فلان، ما هي زيها زي الشوف صارت.

فنقول هنا ما يقتضيه قول المالكية والحنابلة ما هو؟ قال: فالحكم عندئذ أنها تطلق بمجرد دخولها لدار فلان حتى ولو لم يراها، ونكون عممنا اللفظ الخاص. اللفظ الخاص أنه قيد الأمر بالرؤية، ولكننا عممنا برؤيته أو عدم رؤيته لأنه قصد مجرد الدخول، وهذا معروف من عرف الناس أخذاً بعموم قصده، نص عليه الإمام أحمد بن حنبل.

لو حلف على زوجته لا تركتي هذا الصبي يخرج، يعني فخرج بغير اختيارها، فنص الإمام أحمد أنه إن نوى ألا يخرج من الباب فخرج فقد حنث. وإن كان نوى ألا تدعه يخرج لم يحنث لأنها لم تدعه. لو حلف على زوجته بالطلاق أو بأي يمين إنك لا تتركي هذا الصبي يخرج. طيب الآن الصبي خرج بغير اختيارها. فنص الإمام أحمد إنه هنا، شوف كيف الإمام أحمد، الأئمة من الأقدمين بفصلوا في النوايا؛ أنه إن نوى ألا يخرج من الباب فخرج فقد حنث، ليه؟ لأنه هو بيقولها لا تركتي هذا الصبي يخرج. هسا هو إيش قصده؟ قصده سواء بإرادتك أو بدون إرادتك، المهم عنده إنه الصبي ما يخرج من الباب سواء بإرادتك ولا بدون إرادتك. هسا هو ظاهر اللفظ إن الأمر متعلق بإرادتها، إنه ما تتركي هذا الصبي يخرج. طيب هو طلع بغير اختيارها، فنقول هنا إذا نوى ألا يخرج الصبي من الباب، تركته ولا ما تركته، هي ماسكة فيه وهو جره وطلع فرضًا، أو بأي صورة أخرى خرج بغير اختيارها، فقد حنث.

وأما إن كان نوى بقوله لا تركتي بمعنى ألا تدعيه، أنت لا تدعيه يخرج، فهي لم تدعه يخرج، لكنه خرج بغير اختيارها، لم يحنث؛ لأنه هنا النية أصبحت مطابقة لظاهر اللفظ. أما في الحالة الأولى هو قصد لا تركتي إنه ما يطلع الصبي أبدًا بإرادتك أو بدون إرادتك، فعلى مقتضى مذهب أصحابنا أننا نعمم اللفظ بسبب وجود النية العامة. طيب، هذه أمثلة على آلية تطبيق القاعدة.

نرجع على القاعدة الثانية في باب القضاء. في القاعدة الثانية لما قلنا مقاصد اللفظ علانية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي، كنا نتكلم عن مسألة اليمين عند القاضي بالتحديد. هون في هذه الجهة الشيخ سيبحث مسألة قضائية بس هي مش متعلقة باليمين بحد ذاته، متعلقة بما نحن فيه وهي ماذا: تخصيص العام بالنية في باب القضاء، حتى ولو لم يكن حلف ولا يمين. أنا بدي إياك تركز معي حتى تعرف الفرق بين المسائل؛ هناك كنا نتكلم عن اليمين بالتحديد عند القاضي وهل يجوز تأويلها ولا لا، فالكلام هناك في الأيمان عمومًا سواء كانت يمين بالله أو يمين طلاق أو عتق إذا بتذكروا في الدرس الماضي.

هنا يبحث صورة واحدة وليس شرطاً فيها اليمين أصلاً، ويبحث صورة المسألة وهي الشق الأول من القاعدة: تخصيص اللفظ العام بالنية، إحنا قلنا هذا جائز عند المذاهب الأربعة. طيب لو فعله عند القاضي ما حكمه؟ فيقول أورد الإمام ابن نجيم قاعدة قال فيها: تخصيص العام بالنية مقبول ديانة لا قضاءً. وعند الخصاف من الحنفية يصح قضاءً أيضاً. هنا إخواني لما نبحث المسألة لا نبحثها من جهة أنه في ظالم ومظلوم؛ هذه تتعلق باليمين. هنا بنبحثها بصورة عامة، لا نتكلم عن قضية ظالم ومظلوم، نتكلم عن أمر فقهي إن أنت ارتكبته، لفظة صدرت منك كلفظة طلاق أو لفظة ظهار فيها حقوق. فلما سألك القاضي إنه شو قصدك بهذه اللفظة، أنت قلت له هذه اللفظة، طبعاً أنت استعملت لفظة عامة، وهو والله قصدت بها صورة جزئية يا أيها القاضي. ممتاز، إذًا عرفتم شو الفرق بين هذه المسألة وتلك؟ هنا لا نتكلم عن اليمين، قال له احلف فتأول، هذيك فيها فرق بين ظالم ومظلوم. لا، هنا نتكلم أنه أنت طلعت منك لفظ الطلاق أو لفظ الظهار أو أي لفظة فيها حقوق، فالقاضي بيستفسر منك عن هذه اللفظة نفسها: أنت إيش قصدت فيها؟ فلما فسرت أنت هذه اللفظة فسرتها بقصد أخص من عمومها، فهنا ما الحكم؟ هذا هو السؤال، وهذه هي محل القاعدة.

فيقول هذه القاعدة محل خلاف بين الفقهاء وكلامهم في الفروع مختلف، فمثلاً فرع الحنفية على ذلك، مثلاً لو قال لزوجته -لاحظوا كل الأمثلة ما راح يكون فيها يمين عند القضاء أساساً-: لو قال رجل كل امرأة أتزوجها فهي طالق، هذا مسكين ورط حاله، ثم قال نويت من بلدتي كذا. مثلاً كل زوجة سواء تزوجتها من عمان ولا من العقبة ولا من الشمال ولا من الجنوب، لفظة عامة. لما سئل عن نيته شو قال: لا، أنا قصدي إذا تزوجتها من عمان، نويت من بلدتي كذا. هنا ماذا قالوا: الحنفية لا يقبل هذا قضاءً عند القاضي، وإن كان يقبل ديانةً. يعني لو القاضي قال له أنت شو نويت؟ قال له نويت عمان، يقول له القاضي هذه النية ما بتهمني، لفظك عام بعاملك على عمومك، وأي وحدة راح تتزوجها راح تعتبر طالق عليك، راحت. الخصاف من الحنفية شو قال: قال لا. طبعاً لما يقولك هذا قضاءً لا يصلح معناها ديانةً يصلح؛ يعني لو أنت ما رحتش عند القاضي، أنت عند الحنفية كلهم ما عندهم مشكلة إنك تروح تتزوج واحدة من غير هذه البلدة، إنه ديانةً يقبل تخصيصك للفظ العام، لكن قضاءً لا يقبل. الخصاف جزاه الله خير وسعها وقال حتى قضاءً يقبل تخصيص اللفظ العام في حال سألك القاضي عن قصدك فقلت قصدي كذا. ممتاز؟

خالفهم المالكية فاعتدوا بالنية في هذه المسألة في باب القضاء. يعني المعتمد عند المالكية في هذه المسألة على الأقل، القول الأساسي عندهم أنه قضاءً يقبل التخصيص. فقالوا من حلف لزوجته لا يتزوج عليها في حياتها، هذه بتنفعكم إن شاء الله، بسم الله. والله زوجتك بتزن عليك وكذا وقالتلك والله بدك تحلف هسة إنه مش راح تتزوج علي. من حلف لزوجته والله لا أتزوج عليك في الحياة، فمن تزوجها فهي طالق. قال ثم طلقها، طلق زوجته، وتزوج، وادعى: طيب يا عمي كيف تزوجت؟ أنت حلفت لزوجتك والله ما بتزوج عليك ما دمت على قيد الحياة. فهو قال يا جماعة أنا شو قصدي؟ ها، تطلعوا على قصدي، أنا قصدي ما دامت على ذمتي، أما أنا إذا طلقتها شو بتكون فيا؟ قال: وادعى أنه نوى ما دامت معه في عصمته، نفعه ذلك في الفتوى. يعني لو راح سأل شيخ مش قاضي بضبط، ولو راح عند القاضي برضه بضبط هذا التخصيص. ولهم تفصيل في قبول التخصيص في القضاء مش هذا موطننا وليس هذا مقصده عندنا، بس خذ المثال والفكرة العامة.

الشافعية ماذا قالوا: قالوا إن كانت اليمين بالله تعالى ولم يتعلق بها حق آدمي، قبلت دعوى التخصيص في الحكم. وهنا كأنه المثال الذي أتى به رجع لموضوع اليمين عند القاضي هذا المثال، رجع لموضوع تلك المسألة إن كانت اليمين بالله ولم يتعلق بها حق آدمي، يعني أنا مش ظالم لأحد، بالتالي يقبل دعوى التخصيص في الحكم. بل حتى وإن كانت اليمين طلاق أو عتاق أو بالله، تمام، بس هنا لأنه ربطها بالإيلاء. وإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق أو بالله في باب الإيلاء، الباب الإيلاء ما هو: أن يحرم الرجل وطء زوجته، أن يحلف الرجل بالله أو باسم من أسمائه أو صفاته أنه لا يطأ زوجته أربعة أشهر فصاعداً. هسا الإيلاء حرام. طب إذا كانت اليمين بالطلاق، حلف بالطلاق على الإيلاء أو حلف بالعتاق على الإيلاء أو بالله في الإيلاء. تمام، هسا هي يتعلق بها حق آدمي ولا لا؟ هي يتعلق بها حق آدمي. قالوا هنا لا يقبل التخصيص أمام القضاء، ويدين فيما بينه وبين الله. طبعاً وإن كان ربما الشيخ أنا في اعتقادي لو ذهب إلى مسألة أوضح في تفاصيلها يعني على الطريقة السابقة أفضل حتى ما يدخل موضوع اليمين عند القاضي مع الباب اللي إحنا فيه لأنه الباب اللي إحنا فيه كما تلاحظون يتعلق بتفسير الأقوال، إنه أنت إيش نويت لما تكلمت هذه المسألة وإيش ما نويت، تمام؟ فلو أنه اقتصر على ذلك لكان أفضل. خلونا الآن نيجي على فمن ذلك.

لو خاصمته زوجته، خلينا نيجي على هذا المثال أوضح، فقالت: تزوجت علي؟ فقال لها منكرًا: كل امرأة لي طالق. تمام، الآن قال: كل امرأة لي طالق، هو شو وهمها؟ يا عمي إذا تزوجت عليك كل وحدة بتزوجها طالق. قلنا له: بس أنت لفظتك عامة، أنت بتحكي: كل امرأة لي طالق، واللي سألتك ما هي منهم. فقال: لا يا مشايخ، أنا قصدي أنتم عارفين السياق، هي سألتني: أنت متزوج علي؟ فأنا من الخوف طلعت مني هذه العبارة: كل امرأة لي طالق، وهي منهم. السائلة منهم. فقال: أردت غير المخاصمة لي، يعني لا أنا مش قصدي هذه اللي سألتني، قصدي يعني أي وحدة أخرى تزوجتها، إذا هي عدمت الآن اعتبروها طالق، بدي أدافع عن نفسي.

فالأكثرون ماذا قالوا: قالوا لا يقبل ظاهرًا، وتطلق زوجته التي سألت. يعني أكثر الشافعية هنا ظاهرًا يعني قضاءً، هسا بينه وبين الله لو ما راحش سأل ديانةً بضبط، لكن لو رحت ورفعت للمحكمة والمرأة حكت بدي أسأل دائرة الإفتاء، دائرة الإفتاء شو لازم تقول له: زوجتك هذه منهم، ولن نقبل تخصيصك. إذا هنا أصبح القول قريب من قول الحنفية صحيح؟ أصبح القول هنا قريب من قول الحنفية لما قالوا كل امرأة لها زوج فهي طالق ما قبلوا قضاءً لو نويت من بلد كذا. ففي هذه المسألة الشافعية اقتربوا من الحنفية في القول المعتمد على الأقل. طبعاً ذكر أقوال أخرى للشافعية، وقيل يقبل تخصيصه للعموم بالنية بسبب وجود القرينة وهي قرينة إيش، السؤال، إنه هي قالت له أنت متزوج علي كذا، هذه قرينة ساعدت. فكأن التخصيص عندهم إيش سبب قبوله، القبول قضائيًا عندهم بتخصيص النية يجوز إذا كان هناك قرينة، وهذا الذي صححه النووي. وقيل لا يقبل تخصيص العموم بالنية قضائيًا مطلقًا حتى ولو لم توجد قرينة، فكأن الشافعية عندهم ثلاثة أقوال: إنه لا يقبل مطلقًا، يقبل التخصيص بالنية ولو لم توجد قرينة قضائيًا، لا يقبل إلا مع القرينة. واضح؟ وإن كان الأكثر فيما يظهر على اعتماد اللفظ، ظاهر اللفظ.

طيب، قال واختلف كلام الحنابلة في بعض الصور، فلو سألته زوجته طلاقها، واحدة قالت لزوجها طلقني، فإيش قال لها، نسائي طوالق. نسائي، واحد متزوج أربعة. ممتاز. إجت إحدى الزوجات قالت طلقني، فإيش قال: نسائي طوالق. هذه عبارة شوف. الحالة الثانية في جملتين، إجت، لا، هي إجت ما قالت له طلقني، بالعكس، قالت طلق نساءك، اه هون السياق بيختلف، فقال نفس الجملة، نسائي طوالق. الجواب هو نفسه صحيح؟ بس السؤال مختلف. في الحالة الأولى شو سألت، طلقني، فقال: نسائي طوالق. الحالة الثانية قالت له: طلق نساءك، فقال لها نفس الجواب: نسائي طوالق. تمام.

الآن إحنا خلينا نشوف كلمة نسائي مش جمع مضاف إلى معرفة، يفيد العموم الآن، أصبح يعم جميع النساء اللي عنده. الآن لو هو قال: لا، أنا خصصت بالنية واستثنيت السائلة في المسألتين، هذه اللي سألت أنا استثنيتها في المسألتين. من حيث الديانة بينه وبين الله يقبل تخصيصه في كلا المسألتين، لكن من حيث الحكم القضائي قبل في الثانية ولم يقبل في الأولى. لماذا، لأنه في قرينة، اعتمدوا القرينة، شو القرينة، إنه هي في الثانية شو حكت له، طلق نساءك. فالقرينة تدل إنه هي ما بدها هي تتطلق، هي بدها غيرها يشيلهم، فلما قال: نسائي طوالق. تمام؟

لما قال: نسائي طوالق. ثم زعم أنه خصص بالنية غير السائلة. بنقول: والله في قرينة. اللفظة بتساعد حقيقة؛ يعني قرينة لفظية واضحة. أما في الحالة الأولى لا أصل للقرينة، بالعكس؛ هي سألت زوجته طلاقها، قالت له: طلقني، فأنت قلت لها بدون جواب: نسائي طوالق. بالعكس القرينة تتجه بالاتجاه الآخر، وهو أنه هذه مش مستثناة، بل هي على رأسهم؛ لأنها هي السائلة أصلاً، فتجي تقول لي: والله ما قصدتها.

قال الحنابلة في المعتمد قضاءً لا يقبل. بينك وبين الله أنت دبر حالك يقبل بينك وبين الله. فلذلك قالوا: قبل حكماً في الثانية؛ لأن خصوص السبب وهو طلبها تطليق نسائه يدل قرينة تدل على النية. واختلفوا في الأولى. لاحظ يعني الأولى ما ذكرها حتمياً، لكن في الإقناع هذا الذي وجده قال ماذا؟ لا تقبل حكماً، لا تقبل حكماً.

وبالتالي هذا يظهر لك أنه قضية هل الألفاظ لما تفسر عند القاضي، وأنا أريدك أن تنتبه، نحن هنا نختلف عن ذلك؛ هناك في المسألة قاعدة سابقة كنا نتكلم عن اليمين عند القاضي، وما مدى التأويل فيها يجوز، وفرقنا بين الظالم والمظلوم. هنا لا نتكلم عن الألفاظ الصادرة من الإنسان في الطلاق في العتق الألفاظ العامة التي يستعملها إذا سئل عنها أمام القاضي في المحكمة، إذا سئل عنها أمام القاضي في المحكمة وزعم أنه قصد بها بنيته التخصيص.

تمام؟ يعني هناك لا، هناك أنت حلفت عند القاضي. القاضي ما سألك شو قصدك لا لا. احلف، حلفت وأنت نويت خلاف ما فهمه القاضي، هل يجوز ولا لا؟ فرقنا بين الظالم والمظلوم وعدم وجود ظالم ولا مظلوم. هون لا، هون إحنا بنتكلم يا إخوة عن مسألة أنت قلتها في بيتك، في الشارع، في كذا، والقاضي عم يسألك عن نيتك، فأنت فسرت له نيتك هل سيقبلها القاضي ولا لا؟ مسألة مختلفة تماماً. واضح الفرق بين المسألتين؟ هناك القاضي استحلفك فأنت استحلفْتَ ونويت خلاف ما فهمه هل يقبل ولا لا؟ فرقنا بين الظالم والمظلوم. أما هنا لا، أنت المسألة التي قلتها ما قلتها عند القاضي، قلتها في بيتك، لزوجتك، لصديقك، في أي معاملة، ثم القاضي استفسرك عن النية، ولما استفسرك عن النية أنت زعمت أنك تقصد الخصوص ولا تقصد مقتضى اللفظ العام؛ فهذه التي ذكرها الشيخ هنا أنه تطبيقاتها مختلفة.

وحقيقة الذي يظهر أنه في هناك اعتماد كبير على القرائن يا تلاحظون. يعني عند الحنابلة واضح أن القرائن مؤثرة. الشافعية على قول النووي، النووي يعتبر القرائن مؤثرة في تفسير الأقوال تمام؟ ولذلك أنا أتفق أن القضية تقبل النسبية من مسألة لأخرى، أنه في مسألة سنقبل ومسألة لا تقبل تخصيص اللفظ العام على حسب احتمالية اللفظ للتخصيص، ما مدى مساعدة القرائن لمقصدك. فإذا كان تخصيص بعيد جداً واضح أنه سذاجة لا نقبل، لكن إذا كان في مؤشرات قوية أنه فعلاً السياق يدعم التخصيص ويقبل عموماً الأصل أن نقبل.

طبعاً ونفرق هنا أنه في الديانة دائماً يقبل. خلاص أنت احفظها ديانة دائماً يقبل ما دام اللفظ يحتملها. ديانة يقبل ما دام اللفظ يحتملها طبعاً، ما بيصير تكون أنت اللفظة النية لا تدخل بأي شكل من الأشكال تحت اللفظ وتقول أنا نويت، ما يصلح. فقضية أن تكون اللفظة تحتمل صورة النية هذا شرط سواء ديانة أو قضاءً، وأما قضاءً فكما قلت لكم على التفصيل السابق.

القاعدة الخامسة والأخيرة من قواعد الأمور بمقاصدها: هل الأيمان مبنية على الألفاظ أو على الأغراض؟ وهذه قد تكون قاعدة وقد تجعل ضابطاً باعتبار أنها مسألة متعلقة بإيش بما يعني أو قاعدة متعلقة بجانب واحد من الجوانب، وهي الأيمان بالتحديد. فهذه تتكلم عن ماذا؟ هل الأيمان التي تصدر من المكلفين نفسرها شأن مبنية أي تفسيرها على الألفاظ وظاهر اللفظ، أو على الأغراض يعني المقاصد والنوايا؟ الغرض هنا يقصد المقصد الذي نواه، وهي حقيقة لا تخرج عن قاعدة مقاصد اللفظ على نية اللفظ، كقاعدة عامة مقاصد اللفظ على نية اللفظ، فأنتم تلاحظون أن القواعد المندرجة فيها نوع من التشابه، فيها نوع من التشابه أو نقاط الاشتراك بينها.

من ذكر هذه القاعدة عند الحنفية ذكرت هذه القاعدة بصيغة الجزم؛ ماذا يقول الحنفية؟ الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض تمام؟ وبلفظ الأيمان مبنية على الألفاظ والعرف لا على الأغراض، وبلفظ الأيمان مبنية على الألفاظ الجارية لا على الأغراض؛ هكذا الحنفية يعبرون عن هذه القاعدة، وإنما صغتها بصيغة الاستفهام لوجود الخلاف في معناها بين الفقهاء على ما سيأتي. فخلينا ننظر في معناها. الأيمان جمع يمين، واليمين هو الحلف والقسم ممتاز، والألفاظ جمع لفظ، وهو مصدر من لفظ، يقال لفظ بكلام حسن أي تكلم به. واللفظ عند النحاة هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية من الألف إلى الياء، والأغراض جمع غرض، يقال غرضه كذا أي حاجته وبغيته، والمراد بها هنا بما هو أوضح حقيقة من كلامه الأغراض هي المقاصد والنوايا.

وتقدم أن هذه القاعدة مذكورة بألفاظها السابقة عند الحنفية، فيحسن الوقوف على مراد الحنفية من ذلك؛ لأن أكثر من اهتم بصياغتها على صورة قاعدة المذهب الحنفي، فلذلك الشيخ اهتم بالمذهب الحنفي ابتداءً في تفسيرها، ثم سنعرف المذاهب الأخرى وما رأيهم فيها. الآن سؤال: لما يقول الحنفية الأيمان مبنية على الألفاظ، ماذا يقصدون بالألفاظ؟ يقول هنا الشيخ، قد يتبادر إلى الذهن أن المراد الحقائق اللغوية للألفاظ والكلمات، وأنه أي إنسان تكلم بكلمة إذا قلت المعتمد هو اللفظ بروح بفتح المعجم بشوف هذا اللفظ قبل 1400 سنة شو معناها في الحقيقة اللغوية وبفسر فيها كلامه. هل هذا هو المقصود؟ أن العبرة بالألفاظ يعني بحقائقها اللغوية؟

الآن أنتم بتعرفوا أخذنا في أصول الفقه أنه هناك حقيقة لغوية وحقيقة عرفية وحقيقة شرعية. فلما نقول العبرة بالألفاظ في تفسير الأيمان، هل نريد تفسير الألفاظ بالحقائق اللغوية ولا بالحقائق العرفية؟ فهمتم السؤال؟ فيقول وما فهمه بعض المعاصرين ممن شرح القاعدة، وهو أن المراد تفسير الألفاظ بالحقائق اللغوية قال هذا غير مراد، بدنا ننتبه على هذا الخطأ؛ لأنه نفسهم الحنفية ماذا صرحوا في الصياغة الثانية؟ الأيمان مبنية على الألفاظ والعرف، الشيخ حكى، وفي الصياغة الثالثة الأيمان مبنية على الألفاظ الجارية، يعني على المعنى العرفي مش على المعنى اللغوي، وهذا خطير جداً ننتبه له إخواني. لا يصح ولا يحق في باب الفتوى أن تفسر اليمين واللفظة بناءً على معناها اللغوي غير المستحضر في عرف الناس اليوم، هذه كارثة حقيقة.

زي كما قال لك يعني زي ألفاظ حبلك على غاربك وغيرها من الألفاظ التي تستعمل، يعني ما حدا يعرف أصلاً شو معنى حبلك على غاربك فضلاً أنك تقول والله يا أنت قصدك بهالطلاق أو شيء تمام؟ وغير ذلك. فدائما الألفاظ تفسر على معانيها العرفية، إنه كل كلمة القفل، المفتاح، الدكة، اللصابات، كل هذه الألفاظ اليوم في عرفنا لها دلالة، وفي العرف الأقدمين لها دلالة أخرى، وحتى هذا ما نبهنا عليه في شرح الأقصر لما كانوا يمثلون أنه ما الذي يدخل في شراء الدار، القفل وما غير القفل، وما بدك تعرف أنت شو القفل عندنا وشو القفل عندي؛ لأن الذي يحفظ الميثاق ويطبقه في كل الأزمنة على نفس الدلالة اللغوية هذا يخطئ؛ إنه العرف يتقدم ويختلف من مكان إلى آخر.

إذاً أنهم صرحوا في ألفاظ القاعدة الأخرى بقولهم الألفاظ والعرف، وقالوا الألفاظ الجارية، فدل على أن مرادهم أنها مبنية على الألفاظ إيش؟ العرف القولي لا الحقيقة اللغوية. وفي هذا يقول الحموي في شرحه على قواعد ابن نجيم ماذا يقول؟ الأيمان مبنية على الألفاظ يقول أي باعتبار عرف الحالف؛ لأنه المراد ظاهراً والمقصود غالباً. فهو نص هنا الحموي على أن المعنى الألفاظ أي عرف الحالف وليس الحقيقة اللغوية التي كانت في اللغة العربية ابتداءً، وهو ما صرح به ابن نجيم نفسه حيث قال: والأصل أن الأيمان مبنية على العرف عندنا لا على الحقيقة اللغوية كما نقل عن الشافعي؛ لأن المتكلم إنما يتكلم بالكلام العرفي، أعني الألفاظ التي يراد بها معانيها التي وضعت في العرف. كما أن العربي حال كونه من أهل اللغة إنما يتكلم بالحقائق اللغوية، فالمعاصر اليوم باعتبار العرف يتكلم بالحقيقة العرفية، فوجب صرف ألفاظ المتكلم إلى ما عهد أنه المراد بها عنده وفي سياق زمانه. فهذه قضية مهمة.

وقولهم لا على الأغراض، أي لا على المقاصد والنيات، واحترز به عن القول بماذا؟ بأنها تبنى على النوايا، فهذا ليس معتمداً عند الحنفية. وبناءً على ما سبق على مذهب الحنفية يقدم العرف في تفسير ألفاظ اليمين على نية الحالف مطلقاً، أليس كذلك؟ الجواب لا. مش بالطب، يا شيخنا، أنتم قلتم العبرة بالألفاظ لا بالأغراض! نقول لا، بدك تستنى شوي. فالأمر لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأول أن يوافق غرضه -يعني نيته- لفظه العرفي، كما قلنا، أن يتطابق الدلالة العرفية للفظ مع النية، ولا فيش إشكال، يعني قلت اعتمدت اللفظ أو النية نفس المؤدى. الحالة الثانية أن ينقص غرضه عن لفظه، يعني أن يكون أخص، يعني النية أخص من اللفظ، قال فهو من تخصيص العام بالنية، ومر معنا في القاعدة السابقة أن الحنفية يوافقون الجمهور أن اللفظ العام يجوز تخصيصه بالنية، وسبق الكلام عنها في القاعدة السابقة. إذاً هنا ما عندهم مشكلة أنه لفظ اليمين إذا كان عاماً المعنى العرفي عام وقصدت به، نويت به شيء خاص، أنه يقبل. وإلا صار الكلام متعارض بين القاعدة هذه والقاعدة السابقة.

ثالثها: أن يزيد الغرض -النية- على اللفظ، فالعبرة هنا بالعرف عندهم لا بالغرض، وهو بالتالي يمثل الشق الثاني من القاعدة السابقة وهو تعميم الخاص بالنية، وسبق أن ذكرنا الخلاف فيها، وعرفنا أن الحنفية ماذا يعتبرون؟ أن النية لا تخصص أو مقتضى ما عندهم أن النية لا تعمم اللفظ الخاص. ومن ثم يبين لنا أن القاعدة في الحقيقة ليست على إطلاقها عند الحنفية، بل مرادهم بأن العبرة بالألفاظ الجارية لا بالمعاني والمقاصد، أن العبرة في الإيمان بالألفاظ الجارية في العرف، ما لم تكن نية يحتملها اللفظ، ما لم تكن نية يحتملها اللفظ. طبعاً ايش يعني نية يحتملها اللفظ؟ انظروا ماذا قال الحموي في شرحها؛ يعني الألفاظ تفسر تحمل على الأمور الجارية، ما لم تكن هناك نية، قال الحموي إذا لم يكن له نية، فإن كانت واللفظ يحتملها انعقدت اليمين باعتباره، كما في الفتح أو نقص الفتح القدير تمام.

فإن كانت أي هناك نية واللفظ يحتملها، انعقدت اليمين باعتباره أي باعتبار النية. بس هنا عن أي نية يتكلم؟ نية التي تخصص العام ولا تعمم الخاص؟ تخصص العام؛ لأنه قلنا هنا يتفق الحنفية مع الجمهور أن النية هنا التي يحتملها اللفظ النية المخصصة لعموم لفظ اليمين، فحتى يكون كلامهم متسق مع الكلام الذي في القاعدة السابقة. أما إذا كانت النية أعم من لفظ اليمين، فهنا إحنا ايش قلنا؟ مش قلنا ابن نجيم أصلاً قال لم أجد فيها نصاً؟ صفحة 59 لما قلنا وهو الذي يظهر من كلام بعض الحنفية أنه ابن نجيم لم يجد نصاً في مسألة إذا كانت النية أعم، وإن كان ابن عابدين قال الظاهر أنه لا يقبل؛ لأنه ماذا قال ابن عابدين؟ الظاهر أن تعميمه من الزيادة على اللفظ، وإذا لم تصح الزيادة بالعرف عند العرف نفسه لا يقبل أن يكون أعم من اللفظ، إذا كان العرف أعم من اللفظ لم يقبل فلا تصح بالنية الأولى؛ لأن العرف ظاهر بخلاف النية تمام؟

وإن كانت أنت تحتاج إلى تحرير من جهة، أقول لك العرف لا يوسع النية، لا يوسع الـ يعني لا يقبل لأنه زيادة على النص؛ أي عرف يقصد؟ لأنه إحنا أصلاً مر معنا أن اللفظ يفسر بالعرف، فلما تقول أن العرف لا يقبل لأنه يعتبر زيادة على النص، إذاً أنت بدنا نعرف أي عرف تتكلم عنه؛ لأنه إحنا أصلاً اتفقنا أنه ماذا؟ اتفقنا أن العرف به تفسر الألفاظ، فكيف سيكون زيادة على النص؟ إذاً واضح أن ابن عابدين يتكلم عن عرف معين؛ تمام؟ أنه زيادة قد يكون عرف طارئ أو شيء من ذلك، لكن العرف الأصلي الذي يفسر به اللفظ هذا مر معنا أنه أصلاً لا يفسر اللفظ إلا به. هنا يأتي السؤال: هل بقية المذاهب توافق الحنفية على هذا التقرير وهو أن العبرة في الأيمان بأنها تفسر بالأعراف الجارية وليس بالمقاصد؟ طبعاً عرفنا أن الحنفية هم يتـ يعني هذه القاعدة أصلاً أصبح وين تطبيقها؟ في النية التي تعمم اللفظ عند دلالته العرفية، وأما إذا كانت تخصص اللفظ فهي مقبولة حتى نفهم مذهب الحنفي.

فيقول: الجواب قد يتوهم أن الشافعية يوافقون الحنفية بإطلاق، حيث أن الإمام النووي عليه رحمة الله يقول: الأيمان تبنى على الألفاظ لا على القصود التي لا يحتملها اللفظ تمام؟ لكن الألفاظ هنا يقصد بها الحقائق اللغوية عند الشافعية، وللشافعية خلاف في تقديم العرف على الحقيقة اللغوية أصلاً، فخلاف الألفاظ في قاعدة الحنفية فالحنفية فسروا الألفاظ بالألفاظ العرفية ابتداءً بالمعنى العرفي، بالحقيقة العرفية، وسبق ما يشير إلى الفرق بين المذهبين فيما نقلته قريباً من كلام ابن نجيم في الصفحة السابقة لما قال ابن نجيم: لا على الحقيقة اللغوية كما نقل عن الشافعي. إذاً الشافعية لما يقولون: الأيمان تبنى على الألفاظ، أنت ممكن تقول: إذاً الحنفية والشافعية نفس الشيء. أقول لك: لا استنى، الحنفية لما قالوا: الأيمان تبنى على.

الألفاظ يقصدون بها العرف، أي المعنى العرفي للفظ. أما الشافعية لما يقولون في كتبهم: الأيمان تُبنى على الألفاظ، يقصدون الحقيقة اللغوية لا العرف، فالأصل أنها تُقدّم على الحقيقة العرفية عندهم؛ ولذلك قالوا: وللشافعية خلاف في تقديم العرف على الحقيقة اللغوية أو تقديم الحقيقة اللغوية على العرف.

أما المالكية والحنابلة فنصوصهم صريحة في تقديم النيات مطلقاً، وهذا الذي يتناسب مع قولهم في القاعدة السابقة أن النية تخصص اللفظ العام وتعمم اللفظ الخاص؛ لأن الأيمان هي من قبيل الألفاظ، ولا تخرج عن كونها ألفاظاً، فإذا كانت القاعدة العامة أن النية تخصص اللفظ العام وتعمم اللفظ الخاص، فهذا يقتضي أن تكون النية قابلة للتعميم وقابلة للتخصيص. ولذلك عندنا في المذهب، مذهب أصحابنا الحنابلة، أول شيء يذهب إليه في تفسير الأيمان هو النية، فلا حقيقة عرفية ولا لغوية ولا شيء، اذهب إلى نيته سواء كانت عامة أو خاصة. فنصوصهم صريحة في تقديم النيات أولاً على المعنى اللغوي والعرفي، وأن النية تخصص العام وتعمم الخاص. ويمكن أن نأخذها على شكل قاعدة: العبرة في الأيمان بالأغراض لا بالألفاظ، عكس المشهور عن الحنفية والشافعية.

ولا يشكلن عليك إطلاق كثير منهم أن الأيمان مبنية على العرف؛ فإن مرادهم تقديم العرف على الحقيقة اللغوية، وليس مراد الحنابلة تقديم العرف على النية. لما يقولون في بعض التعليلات: والأيمان مبنية على الأعراف، فيظن البعض أن المراد أن العرف هو الأول، لا، النية أولاً، وقولهم إن الأيمان مبنية على الأعراف يقصدون في حالة عدم وجود نية، فيُفسّر اللفظ بمعناه العرفي لا بالحقيقة اللغوية كما يقول الحنفية.

ذكر بعض فروع القاعدة: لو اغتاظ شخص فحلف ألا يشتري له بريال، ونيته ألا يشتري له بأي شيء، فاشترى له بمئة ريال. هو قال: والله ما بشتري لك بريال، فجاء بعد ذلك وقال: أنا لم أكذب ولم أحنث لأني قلت ما بشتري بدينار وأنا اشتريت بخمسة. نقول له: أنت لما قلت والله ما بشتري لك بدينار، هل تقصد خصوص الدينار أم نيتك ألا تشتري له شيئاً؟ أنت لما تقول لابنك والله ما بشتري لك ولا بفلس، لا تذهب لتتحاذق وتقول اشتريت له بفلسين؛ لأن نيتك أنك لا تشتري شيئاً مطلقاً. فهنا نقول: النية أعم من اللفظ عند الحنابلة والمالكية.

عند الحنفية قد تضبط معك هذه الحذلقة؛ قالوا لو حلف والله لا يشتري له بدينار فاشترى له بمئة دينار لم يحنث، لأن الحنفية النية لا تُعمم اللفظ الخاص. فالنية عندهم لا تُعمم، بينما المالكية والحنابلة ينظرون إلى النية في باب تعميم الخاص كما ينظرون في باب تخصيص العام.

ولو حلف لا يبيعه بعشرة، والله ما ببيعك بعشرة، وغرضه ألا يبيعه بأقل من عشرة. ثم رضي وباعه بتسعة، هو تحاذق وقال: أنا لم أحنث في يميني لأني لم أبع بعشرة. على مذهب الحنفية والشافعية يضبط كلامك لأنهم يرون أن النية العامة لا تعمم اللفظ الخاص، فهم ينظرون إلى اللفظة (عشرة)، أما عند المالكية والحنابلة فيحنث؛ لأن النية عممت اللفظ الخاص لتقديمهم الغرض ولو كان أعم من اللفظ.

نذهب إلى القاعدة الثانية من القواعد الكبرى، وهي قاعدة اليقين لا يزول بالشك. انتهينا من القاعدة الأولى بخمس قواعد فرعية مندرجة تحتها. الآن نذهب إلى قاعدة كبرى أيضاً، وهي قاعدة اليقين لا يزول بالشك؛ اشتهرت هذه القاعدة بلفظها ومعناها عند أهل العلم من المذاهب الأربعة في كتب الفقه وقواعده، والكلام عليها سيكون من ثلاث جهات؛ الجهة الأولى في معناها.

أولاً نحلل ما معنى اليقين لا يزول بالشك؟ فقالوا: اليقين في اللغة هو العلم، وزوال الشك كما قاله الجوهري في الصحاح. وأما في اصطلاح الفقهاء فمعناه أوسع من ذلك، يقول النووي: اعلم أنهم يطلقون العلم واليقين ويريدون بهما الظن الظاهر لا حقيقة العلم واليقين؛ فكثيراً ما يُطلق العلم ويُراد به الظن الظاهر. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10]، وكثير من الأمور التي يسميها الفقهاء علماً هي في النهاية تُعتبر من قبيل غلبة الظن. ولهذا أصل في اللغة يقول الجوهري: ربما عبروا عن الظن باليقين، وعن اليقين بالظن، وهذا معلوم واضح. وقد مثل النووي لذلك بمن توضأ بماء ثم أخبره ثقة بنجاسته، فحكمه حكم اليقين في وجوب غسل ما أصابه وإعادة الصلاة، وإنما يحصل بقول الثقة ظن لا علم يقين.

ومرور أجيال على الصلاة إليها دلالة على صحتها ويقينية القبلة فيها. هنا اليقين بمعنى غلبة الظن أيضًا، فهذا كلام صحيح في الجملة. فعلم مما سبق أن اليقين عند الفقهاء تارة يطلق على الاعتقاد الجازم، وتارة يطلقونه على الظن الذي دلت عليه الأمارة الشرعية المعتبرة، وإن كان هو في نفسه ظنًا لم يصل لدرجة اليقين.

أما الشك فهو عند اللغويين والفقهاء كلاهما هو مطلق التردد بين الاحتمالين، سواء رجح أحدهما على الآخر أو لا. عند الفقهاء الشك يشمل الظن، والتردد المتساوي، والاحتمال المرجوح؛ فكل هذا يعتبر من قبيل الشك. وإن كان حقيقة لا يطرد هذا الاستعمال عند الفقهاء، فقد مر معنا في مذهب الحنابلة بعض المسائل لا يقصد بالشك فيها التساوي، وأن الأمر إذا أصبح ظنًا يختلف الحكم عن الشك. فانتبه لهذه الفكرة، فبعضهم قد يظن أن هذا مضطرد دائمًا، وأنه إذا أطلق الفقهاء الشك فيشمل الظن، وهذا عام لكنه ليس مضطردًا. ففي مسائل يطلق الفقهاء الشك ويقصدون بها حالة الاستواء في التردد، وإذا رجح أحد الجانبين فيكون هذا ليس شكًا ويسمونه ظنًا، ويبنون عليه أحكامًا مختلفة، لكن الأكثر في إطلاقهم للشك أنه يشمل الظن.

قال الفيومي: قال أئمة اللغة: الشك خلاف اليقين، فقولهم خلاف اليقين هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه أو رجح أحدهما على الآخر. قال الله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: 94]، قال المفسرون: أي غير مستيقن، وهو يعم الحالتين: حالة استواء الطرف أو حالة وجود رجحان من أحد الأطراف على الآخر. وقد استعمل الفقهاء الشك في الحالين على وفق اللغة، نحو قولهم: من شك في طلاق زوجته، فهذا يشمل من ظن أنه طلقها، ومن استوى عنده الاحتمالان، ومن كان عنده احتمال ضعيف. كذلك قول من شك في الصلاة يبني على الأقل، فهنا الشك يشمل الظن أو التساوي أو الأقل؛ أي لم يستيقن، وسواء رجح أحد الجانبين أو لا. وهذا هو الشك المراد في القاعدة، إذًا في قاعدة اليقين لا يزول بالشك المراد بالشك مطلق التردد، سواء استوى الاحتمالان أو غلب أحدهما على الآخر، وقد نص كثير من الفقهاء على هذا المعنى كالنووي والسيوطي وابن نجيم في مواضع وغيره.

وبهذا يبين أن الشك عند الفقهاء أعم من الشك في اصطلاح الأصوليين، ففي علم الأصول اختص الشك بالتردد بين الاحتمالين إن كانا على حد سواء بلا ترجيح لأحدهما على الآخر. وحاصله أن الظن وهو الاحتمال الراجح عند الفقهاء هو من قبيل الشك، وهذه النقطة التي نريد أن نركز عليها. الظن وهو الاحتمال الراجح الأصل عند الفقهاء أنه من قبيل الشك، ولكن كما قلنا هذا ليس دائمًا، فانتبه في بعض الفروع يقصد بالشك استواء الطرفين.

يقول الزركشي في المنثور عن الشك: وأما عند الفقهاء فزعم النووي أنه أي أن الشك كاللغة في سائر الأبواب، لا فرق بين المساوي والراجح، وهذا إنما قالوه في الأحداث؛ إنما شك في الحدث أنه يبني على اليقين وهكذا. وقد فرقوا في مواضع كثيرة، ثم ذكر مسائل، وقد وجدت مسائل عديدة في غير الأحداث كالطلاق مثلًا، وذكرها في الفروع الفقهية ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين. فيقول إلا أن هناك مسائل اعتبر فيها الظن رافعًا لليقين، والقاعدة تقول: اليقين لا يزول بالشك، وقلنا الشك يشمل الظن؛ فإذًا مقتضى هذا الكلام أن اليقين لا يزول بالظن، ولا يزول باستواء الطرفين، ولا يزول بالاحتمال المرجوح. الآن من ناحية الواقع العملي وجدنا في بعض المسائل أن هناك يقين ارتفع بالظن مع أن الظن يسمى شكًا في المصطلح الفقهي، فإذًا هذه القاعدة ليست مضطردة بنسبة 100% بل لها استثناءات.

إذا تبين لك معنى اليقين والشك في كلام الفقهاء، فيكون معنى القاعدة أن المرء إذا تيقن حصول شيء أو عدم حصوله، فلا يمكن أن يزول يقينه هذا بمجرد شك طارئ، لا بد من يقين مثله؛ وطروء الشك لا يؤثر فيما ثبت عنده بيقين. لكن بقي هناك استشكال وهو أننا إذا قلنا إن اليقين يشمل أيضًا صورة الظن، والشك أيضًا يشمل صورة الظن، فكيف سنعالج هذه المشكلة؟ ما دام أحيانًا اليقين يطلق ويراد به الظن أو غلبة الظن، والاحتمال الراجح هو ظن يسمى شكًا في الاصطلاح الفقهي؛ إذًا أصبح الظن أحيانًا يسمى يقينًا، وأحيانًا يسمى شكًا، فيطلب الفرق بينهما.

نقول: هذا قد يختلف، فقد ينزل الظن منزلة اليقين في صور ويعتبر هو الحل الأول والوحيد إذا وجد، وقد ينزل منزلة الشك في بعض الصور إذا قوبل بظن أعلى أو يقين. وهذا استقروه، فقد تجد أن الشك الذي يراد به الظن هو الشك الذي يطلق في مقابلة وجود ظن أعلى أو يقين، عندئذ يكون الشك يشمل الظن، وهذه حاول أن تستقرئها.

تنبيه، قرر الإمام ابن نجيم أن الحنفية يلحقون غالب الظن باليقين، وهذا ليس على إطلاقه عند غيرهم، فثمة مسائل لم يعتبروا فيها غلبة الظن بمنزلة اليقين بل اعتبروها من صور الشك. فإن قلت ما الفرق بين الظن وغلبة الظن عند الحنفية؟ فالجواب ما بينه ابن نجيم بقوله: الظن هو الطرف الراجح وهو ترجيح جهة الصواب، والوهم رجحان جهة الخطأ، وأما أكبر الرأي وغالب الظن فهو الطرف الراجح إذا أخذ به القلب. يعني اعتبر أن غلبة الظن تعني أن القلب استقر لها وارتاح وأخذ بها أخذًا كليًا، فيبين لك أن الفرق عندهم راجع إلى طمأنينة القلب. وأما غير الحنفية فنص بعضهم على أن غلبة الظن لا ترفع اليقين، ومن أولئك الإمام الزركشي الحنبلي صاحب شرح الخرقي، حيث قال: الشك في كلام الخرقي خلاف اليقين وإن انتهى إلى غلبة الظن، وفاقًا للفقهاء واللغويين.

وممن بين المقصود بغلبة الظن من غير الحنفية الإمام الشيرازي الشافعي، حيث قال: غلبة الظن أن تتزايد الأمارات الموجبة للظن وتتكاثر، ويكون على الحكم دليلان وثلاثة، ويخبره ثقتان وثلاثة وأكثر. شوف هذه فوائد جميلة اقتنصها، أنه ما الفرق بين غلبة الظن والظن عند الفقهاء؟ غلبة الظن هو الظن المتزايد حتى يصل إلى درجة قريبة من اليقين. ومع هذا فسأذكر لك بإذن الله فروعًا فقهية لقاعدة ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، وهذا يؤكد أن اليقين لا يرتفع بغلبة الظن؛ لأن غلبة الظن تبقى ضمن مساحة الشك، بخلاف ما ذكره ابن نجيم، ومع ذلك وجدنا بعض الفقهاء من غير الحنفية عملوا بغلبة الظن ورفعوا بها اليقين، وهذا سيكون مما خرج عن القاعدة، ويعتبر نوعًا من الاستثناء.

التنبيه الثاني: إشكال قد يرد على الأذهان وأجاب عنه أئمة الشام، وهو أن المرء إذا عرض له شك بعد يقين، فلا ريب أن يقينه الأول قد انتفى، إذ الموقن جازم والشاك متردد، فكيف نقول اليقين لا يزول بالشك؟ هذا يشبه مسألة في باب الإجماع، وهي الإجماع في موطن الخلاف، كيف يقولون الإجماع حجة في موطن الخلاف؟ وهذه صورة مختلف فيها، والأكثر يقول لا تقبل.

كيف تستدل بإجماع في موطن نحن مختلفون فيه؟ باستجرارك لإجماع في مكان نحن متفقون فيه، ونفس الشيء هنا. لما تقول اليقين لا يرتفع بالشك؛ أنا كان عندي يقين أني متوضئ، ثم شككت هل أحدثت أو لا، هل اليقين الأول ما زال موجودًا الآن؟ لا؛ لأنني الآن أصبحت في مرحلة الشك، فكيف تقول اليقين لا يزول بالشك مع أنه زال وانتهى؟

وقد أجاب عن ذلك غير واحد منهم التاج السبكي حيث قال: ولا يخفى أنه لا شك مع اليقين، ولا يقين مع الشك؛ ولكن المراد استصحاب الأصل المتيقن لا يزيله شك طارئ عليه. طب نفس الشيء افعلوا في مسألة الإجماع في موطن النزاع؛ أكيد موطن النزاع ليس فيه إجماع، وهذا حتى الذين يقولون باستصحاب الإجماع هم عقلاء يعرفون ذلك، لكنهم ماذا يقولون؟ نستصحب حكم الإجماع في المسألة المتفق فيها على المسألة المتنازع فيها حتى يظهر لنا دليل آخر، فهو صورة معقولة، ولذلك ابن القيم أشار إلى قبوله بهذا المنطق في إعلام الموقعين، إنه نحن لم نستصحب نفس الإجماع، هذا لا يقوله عاقل، وإنما استصحبنا الحكم الذي وقع عليه الإجماع في محل النزاع باعتباره أقرب شيء، أو أهون شيء موجود حتى تثبت لي خلاف هذا الحكم.

هنا نفس الشيء، وإن كنت أنا أرى أن العبارة استجلبته لابد تكون بالعكس، ولا يخفى أنه لا شك مع اليقين، بس تقبل لأنه الأصل أن يقول: لا يقين، أي لا يبقى اليقين مع وجود الشك. لا يقين مع الشك، لكن حتى على طريقته تضبط أنك تقول لا شك مع اليقين، أي هما لا يجتمعان، هذا الذي يريد أن يقوله في الصورة الواحدة، ولكن المراد أنني استصحبت الأصل المتيقن في حالة الشك، وإن كان اليقين فعليًا قد ارتفع من عندي؛ أي أن المراد أن حكم اليقين السابق باق، وهو يجب أننا نعمل بحكم ذلك اليقين وليس أن اليقين باق. فرق بين أن أقول حكم اليقين أو أثر اليقين باق في موطن الشك، وبين أن نقول أن نفس اليقين باق في موطن الشك، أن تقول نفس اليقين باق في موطن الشك فهذا لا يقوله عاقل. أما حكمه وأثره، وهو أنني ما زلت متوضئًا، هذا الأثر هو الذي سيبقى باقيًا في حالة طروء الشك عليه، ولا يزيله الشك الطارئ، لا أن المراد أن اليقين نفسه راح يضل، هذا لا يمكن. نفس الشيء، افهم مسألة استصحاب الإجماع في محل الخلاف.

التنبيه الثالث: محل القاعدة في الأمور الطلبية لا الخبرية، وهذا بين، إذ إن بحث الفقهاء إنما هو في المسائل الفرعية، لا في الأصول العقدية. فمن تيقن وجود الله أو نزول القرآن أو وجود الجنة ثم طرأ عليه شك، لا، هذا زال يقينه؛ ففي مسائل العقائد المطلوب ليس أثر اليقين، في العقائد المطلوب نفس اليقين يبقى، نفسه بده يبقى، وإذا زال نفس اليقين مشكلة في العقائد. أما في الفقهيات زوال اليقين نفسه مش مشكلة، المهم استصحاب أثره، شوف الفرق بين العقائد والفروعيات.

وينبه إلى أن المراد هو حصول حقيقة الشك هنا لا الوسوسة، يقول ابن تيمية: وأما إن كان وسواسا والعبد يكرهه، زي كثير من الناس عنده وسواس في العقيدة، فهذا صريح الإيمان؛ يعني الوسواس لا يناقض اليقين، يقين الاعتقاد الذي يناقض يقين الاعتقاد هو الشك. من الذي يؤكد أن فرق بين الشك في الاعتقاد والوسوسة في الاعتقاد؟ ابن تيمية وغيرهم، لما قالوا: وأما إن كان وسواسا والعبد يكرهه فهذا صريح الإيمان، كما هو مصرح به في الأحاديث الصحيحة؛ وهذه الوسوسة هي مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته دالة على وجود اليقين الصريح وليس على زلزلته.

الجهة الثانية في دليل القاعدة، يدل على اعتبار هذه القاعدة الخبر والإجماع. فأما الخبر فأشهره حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، وقد شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أي يتصور ويتوهم أنه يجد الشيء أي الريح أنه خرج منه ريح أثناء الصلاة، فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ طبعا الريح وما في حكم الريح، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». متفق عليه. هذا الحديث يؤسس لهذه القاعدة؛ لذلك قال البغوي عليه رحمة الله: وفي الحديث دليل على أن اليقين لا يزول بالشك في شيء من أمور الشرع وهو قول عامة أهل العلم. وقال ابن عبد البر: ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينقله من يقين طهارته إلى شك، بل أمره أن يبني على يقينه في ذلك حتى يصح عنده يقين آخر هذا التقدير يصير إليه. وقال الإمام النووي: وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها.

ومن الخبر أيضًا حديث أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا فليطرح الشك وليبني على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم». قال: فليطرح الشك وليبني على ما استيقن؛ هذه هي القاعدة أصلا، اليقين لا يزول بالشك، هذه كأنها منصوصة في كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قال أبو العباس القرطبي في شرحه لهذا الحديث: تمسك بظاهره جمهور أهل العلم في إلغاء المشكوك فيه والعمل على المتيقن، وألحقوا المظنون بالمشكوك في الإلغاء، وانعقد الإجماع أيضا على أصل العمل بهذه القاعدة وإن اختلفوا في بعض الفروع في ذلك، ويقول القرافي: فهذه قاعدة مجمع عليها، وهي أن كل مشكوك يجعل كالمعدوم الذي يجزم بعدمه.

الجهة الثالثة في ذكر قواعد فقهية مندرجة؛ الآن بعد أن ذكرنا القاعدة ومعناها والتنبيهات المتعلقة بها نشير إلى أبرز القواعد المندرجة تحتها وهي ثلاث عشرة قاعدة:

القاعدة الأولى: ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين. القاعدة الثانية: الأصل بقاء ما كان على ما كان. القاعدة الثالثة: الأصل براءة الذمة. القاعدة الرابعة: الأصل في الصفات العارضة العدم. القاعدة الخامسة: الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. القاعدة السادسة: الأصل في الأشياء الإباحة. القاعدة السابعة: الأصل في الأبضاع واللحوم ونفس المعصوم وماله التحريم. القاعدة الثامنة: لا عبرة بالدلالة في مقابلة النص. القاعدة التاسعة: لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل. القاعدة العاشرة: لا عبرة بالتوهم. القاعدة الحادية عشرة: لا عبرة بالظن البين خطؤه. القاعدة الثانية عشرة: لا ينسب إلى ساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة إلى بيان بيان. القاعدة الثالثة عشرة: الممتنع عادة كالممتنع حقيقة.

طبعا هذه القواعد كما هي قواعد فقهية هي أيضا قواعد أصولية، فيها جانب أيضا من القواعد الأصولية في قراءة النص وفهمه وتفسيره، فتشعر أنه فيها جانب أصولي فقهي في نفس الوقت، لذلك هي قواعد مهمة جدًا. نترك الحديث عنها إلى الدرس القادم، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.