بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم إلى مجلس جديد من التعليق على كتاب المنحة الإلهية بشرح القواعد الفقهية لشيخنا الشيخ أيمن الحبشي حفظه الله ورعاه.
وما زلنا نعيش في أفياء القاعدة الكلية الكبرى الأولى قاعدة الأمور بمقاصدها، فبعد أن عرفنا معناها ودليل هذه القاعدة، شرع الشيخ في ذكر بعض المفاهيم العامة المتعلقة بها، ثم سيشرع إن شاء الله في ذكر بعض القواعد المندرجة تحتها. فوصلنا إلى المسألة الرابعة في محل النية، فيقول حفظه الله: اتفقوا على أن محلها القلب؛ الأصل في النية أنها عمل قلبي، وهذا معلوم لأنها بمعنى القصد، والقصود إنما مكانها القلوب.
قالوا هنا ثلاثة أصول: الأصل الأول أن التلفظ باللسان بالنية لا يكفي دون نية القلب، فلو أن شخصاً تلفظ بلسانه ولم ينوِ بقلبه فإن هذا لا يجزئ. قال: فلو نوى بلسانه صلاة العصر ولم ينوِها بقلبه لم تصح، وهذا واضح. الثاني أنه متى خالف اللفظ ما في القلب فالعبرة بما في القلب لا بما ظهر على اللسان، وهذا أيضاً متفق عليه. فلو نوى بقلبه صلاة الفجر وبلسانه أخطأ فقال نويت صلاة الظهر أو يريد صلاة الفجر أو سنة راتبة، فلا، انعقدت فجراً.
الثالث: طبعاً هنا فائدة في الشرح الكبير للدردير، يقول إن وقع ذلك سهواً منه؛ أما إن كان شخص يتلاعب فجاء إلى صلاة الفجر وقال أنويها ظهراً على وجه التلاعب، قال فهذا تبطل صلاته ليس من جهة الخطأ في النية بل من جهة التلاعب والاستهزاء.
الفائدة الثالثة قال: إذا وجدت نية القلب وحدها فهي كافية، يعني حصلت الركنية أو الشرطية ولا يشترط التلفظ بها. لكن هل يستحب في العبادات التلفظ؟ هذه مسألة فيها خلاف في الفروع الفقهية؛ فاختلف الحنفية مثلاً بين الاستحباب والسنية والكراهة، وقال المالكية في الصلاة يجوز التلفظ بها والأولى تركه، واستحب الشافعية النطق بالمنوي قبل التكبير، وكذا استحبه الحنابله سراً؛ فالمذهب عند أصحابنا يستحب النطق بها سراً. هذا خلاف دعوه في مواطن الفروع.
قال ابن نجيم مثلاً، وابن نجيم من الحنفية وهو من أشهر أصحاب القواعد الفقهية لدى المذهب الحنفي، يقول في فتح القدير: لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم التلفظ بالنية لا في حديث صحيح ولا في ضعيف. وفتح القدير لابن الهمام وهو من علماء الحنفية، وزاد ابن أمير الحاج أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك لم ينقل عنهم استحباب التلفظ بالنية.
قال: ويستثنى من الأصل الثاني مسائل؛ ما هو الأصل الثاني أو القاعدة الثانية؟ أنه متى خالف اللفظ ما في القلب فالعبرة بما في القلب لا باللفظ. ماذا يستثنى منها؟ هذا ربما استثناء ليس في باب العبادات بل في باب المعاملات، قال: لو قال رجل لزوجته أنت طالق، ونوى أنها طالق من وثاق. الآن صرح الحنفية والشافعية والحنابله على أنه ديانة بينه وبين الله يقبل لا قضاء؛ أما القاضي إذا الاثنين وصلوا المحكمة، حكت والله قال لي أنت طالق، قال والله قلت لها أنت طالق بس قال قصدي أنك طالقة من وثاق، فعند القاضي إذاً لا يقبل نية نيته إذا لم توجد قرينة. شو القرينة؟ أنها تكون هي فعلاً كانت مربطة؛ فإذا قال لها أنت طالق مع وجود القرينة حتى قضاء يقبل نيته، لكن إذا قال قصدت أنت طالق من الوثاق ولم توجد قرينة تدل على قصد الوثاق، فبالتالي قضاء لا نقبلها وإن كان ديانة بينه وبين الله نقبلها. فهنا مثال على ماذا؟ على متى خالف اللفظ ما في القلب؛ قال فالعبرة بما في القلب.
لكن هنا يعني استثناء الشيخ لهذا المثال، أقول هذا المثال قد لا يتطابق مع المثال للأصل الذي مثل به، ليه؟ لأنه المثال الذي مثل به للأصل الثاني هو في صفحة 42: لو نوى بقلبه صلاة الفجر وبلسانه صلاة الظهر. الآن هو ايش نطق؟ صلاة ظهر، هسا صلاة الظهر ليس أحد محتملات صلاة الفجر، فهنا في خطأ فعلاً صحيح، فهنا النية شيء وما على اللسان شيء آخر بس ما على اللسان هو خطأ؛ قال ظهر وأراد فجراً. لكن في المثال الذي جعله استثناء، هنا حقيقة ما ذكره نوع المجاز، أنه قال لزوجته أنت طالق، الآن كلمة طالق تحتمل طالق من بالزواج وتحتمل طالق من الوثاق، فهو قال قصدت أنك طالق من الوثاق، هنا هل خالف اللفظ ما في القلب؟ حقيقة إذا كان يقصد الظاهر المتبادر أتفق معه، لكن إذا كان يقصد أن الظاهر لا يصح حمله على ما في القلب فهذا خطأ فيه إشكال؛ لأنه قولها أنت طالق وقصده أنت طالق من وثاق، هذا يصح حمله على ما في القلب ولذلك أصلاً صححنا ديانة طلاقه، صححنا ديانة طلاقه لأن كلمة أنت طالق أحد محتملاتها، وإن لم يكن هو المتبادر من الذهن، أحد محتملاتها أنها طالق من الوثاق.
فاعتقادي المسألة هذه تختلف عن المسألة التي تكلم عنها؛ لأنه في الأصل الثاني كنا نتكلم متى خالف اللفظ ما في القلب فالعبرة بما في القلب لا باللفظ، نقول الذي استثناه حقيقة لا أعتقد أنه مستثنى من هذا الأصل؛ لأنه هذا المثال هو لم يخالف اللفظ ما في القلب، لا، هو قال أنت طالق وقصد بعبارة أنت طالق طالق من وثاق فطابق اللفظ ما في القلب، لكن ديانة قبلناه، أما في الظاهر قضاء حتى لا يكون هناك تلاعب قلنا للقاضي لا نلزم بالمتبادر حتى تأتي القرينة؛ فاعتقادي المثال لا ينطبق على ما ذكره في الأصل الثاني والله أعلم.
ثم سننتقل الآن، هناك قال هذه مسائل أربعة تتعلق بالنية، وثمت مسائل أخرى ستظهر لك في أثناء ذكر القواعد المندرجة. الآن القواعد الكلية الكبرى بطبيعتها أنها تندرج تحتها مجموعة من القواعد أسفل منها، طبعاً هذه القواعد التي تندرج أسفل قد تكون قواعد كبرى، بس تمام أو قواعد كلية، طبعاً هي كل القواعد هذا لكنها ليست بكلية؛ هذه القواعد الأساسية وإنما مندرجة تحتها.
يقول الجهة الخامسة في ذكر بعض القواعد المندرجة عن قاعدة الأمور بمقاصدها، وسيذكر الشيخ خمس قواعد: القاعدة الأولى لا ثواب إلا بنية. القاعدة الثانية مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي. القاعدة الثالثة هل العبرة في العقود بالألفاظ والمباني أو بالمقاصد والمعاني؟ ولاحظ هنا عبر عن القاعدة بصيغة استفهام، وهذه من أنواع التعبير؛ يعني هناك أحياناً يعبر عن القاعدة بصيغة جزمية بصيغة خبرية، وأحياناً قد يعبر عن القاعدة أو الضابط الفقهي بصيغة إنشائية على صورة استفهام، وعادة ما يعبر عن القواعد المجزوم بها بصيغة خبرية، وعن القواعد التي هي محل خلاف شديد بصيغة إنشائية. هل النية تخصص العام وتعمم الخاص؟ أيضاً عبر عنها بصيغة استفهامية إنشائية. هل الأيمان مبنية على الألفاظ أو على الأغراض؟ يعني على المقاصد؟ أيضاً هذه عبر عنها بصيغة استفهامية. فهذه خمس قواعد نتدارسها إن شاء الله معاً باعتبارها مدرجة تحت قاعدة الأمور بمقاصدها.
فنبدأ بالقاعدة الأولى: لا ثواب إلا بنية. اعتبرها الإمام ابن نجيم قاعدة كبرى كما قلت، يعني البعض يعتبر هذه القواعد المندرجة هي أصلاً قواعد كبرى، وإن كانت تندرج تحت غيرها مما هو أكبر منها. البعض يعتبرها قاعدة كبرى مستقلة، وابتدأ كتابه بالكلام عنها؛ يعني ابن نجيم أول ما بدأ به في كتابه قاعدة لا ثواب إلا بنية، والأليق والله أعلم أن تكون مندرجة تحت قاعدة الأمور بمقاصدها لكونه أشمل.
طيب الجهة الأولى في بيان معناها، كل قاعدة الآن من هذه القواعد المندرجة سنعرف معناها، أدلتها، والأمثلة الفقهية عليها. لا ثواب؛ الثواب يطلق ويراد به الجزاء والعوض، وأصله من ثاب يثوب إذا رجع، فكان المثيب يرجع إلى المثاب بمثل ما دفع. طبعاً فكان المثيب؛ المثيب اسم فاعل، يرجع إلى المثاب بمثل ما دفع؛ هذا إذا كان الثواب على عوض؛ أنت أعطيتني فأنا كافأتك، فهذه المكافأة وهذا العوض الذي أعطيه لك مقابل ما أعطيتني إياه يسمى ثواب. لذلك كانوا يتكلمون عن الهبة بشرط الثواب، كثير من الفقهاء كانوا يتكلمون عن الهبة بشرط الثواب، شو يعني الهبة بشرط الثواب؟ أنه أعطيك هبة بشرط أن تثيبني عليها، يعني أن ترجع لي بتعويض مقابلها، والهبة بشرط الثواب هذا نوع من أنواع ماذا؟ الهبة بشرط الثواب أقرب إلى صورة البيع؛ إني أنا أثيبك، أعطيك هبة مقابل أن تثيبني عليها، وإن لم تكن بيعة بالمعنى الدقيق باعتبار أن الثواب لم يحدد تفاصيله. لكن هنا أنا فقط أردت أن أفهمك ما معنى قوله فكان المثيب يرجع إلى المثاب بمثل ما دفع، فالمثاب هو دفع ابتداءً، وأنا كمثيب أعوضك عما دفعته.
أعمال موجود، لكن الأشهر في الاستعمالات الشرعية أن الثواب هو مقابل الأعمال الصالحة، أنه تثاب مقابل معروف أنك تفعل معروف، الله سبحانه وتعالى يثيبك عليه. قال والمقصود من القاعدة أن الثواب الأخروي، لاحظ إذاً الأشهر في الاستعمال هنا الثواب الأخروي من الله تعالى إنما يحصل للمرء إذا حصل شيئين؛ أحدهما قصد التقرب بالعمل إلى الله، فلا ثواب على عمل قصد فيه صاحبه غير الله. ورأيت كثيراً من شراح القاعدة يقتصرون على هذا المعنى، أنه لا ثواب إلا بنية، ايش معناها الأول؟ لن تحصل ثواب أخروي إلا إذا نويت نية شرعية، إلا بنية؛ النية هنا النية الشرعية التي هي نية التقرب إلى الله، فلا ثواب على عمل قصد فيه صاحبه غير الله، وهنا ستحمل النية باعتبار المنوي له.
قال والثاني؛ المعنى الثاني الذي يدخل تحت هذه القاعدة قال قصد المكلف للعمل، فمن فعل شيئاً دون قصد فلا ثواب له، وهنا ستحمل النية على معنى المنوي به، يعني فلا ثواب على عمل إلا بنية العمل، إلا إذا نويت هذا العمل، أنه كما مر معنا مع ابن دقيق أنه من عمل دون نية، من عمل شيئاً دون نية لن يثاب. فيقول المعنى الثاني أن يقصد المكلف للعمل باختياره ويريد به العمل العبادي، فمن فعل شيئاً دون قصد فلا ثواب له.
وأيضاً متى كان للعمل الواحد مقاصد عديدة يمكن للمكلف أن ينويها فلا ثواب إلا على ما نواه من هذه المقاصد دون غيره. تمام، أنت ممكن تصلي في الصباح مثلاً تصلي صلاة ضحى وتصلي معها مثلاً بنية تحية المسجد في حال مثلاً دخلت المسجد الساعة الثامنة أو التاسعة بعد الشروق بمدة، تستطيع أن تنوي تحية مسجد بنفس الركعتين وصلاة الضحى. الآن إذا نويت صلاة الضحى وتحية المسجد حصلت بالمقصدين نيتين ثوابين عفواً، وإذا نويت أحد المقصدين حصلت ثواب فقط ما نويته. نفس الشيء، أنت ممكن تنوي شخص أصبح جنباً يوم الجمعة، فالغسل كما مر معنا الغسل يمكن أن تنوي به الجنابة، هذه نية واجبة، وغسل الجمعة. طيب إذا نويت به فقط الجنابة هل ستحصل ثواب غسل الجمعة؟ لا؛ لأنها ليست منوية.
ممتاز، وإذا نويت غسل الجمعة ولم تنوِ الجنابة ستحصل غسل الجمعة ولن تحصل ثواب الجنابة، وإن كان على مذهبنا في المعتمد أنه من نوى غسل الجمعة يحصل له غسل الجنابة لكن لن يحصل الثواب، ففرق بين الإجزاء وبين الثواب. فهنا لا نتكلم عن الإجزاء، ركز هنا أن الإجزاء مفهوم يتعلق بالحكم الوضعي صحة وبطلان، وهل ارتفع ولا ما ارتفع؟ هنا نتكلم عن الثواب. فقال لك وأي فعل كان له مقاصد عديدة يمكن أن تقصدها به فما نويت إلا مقصداً واحداً لن تحصل إلا هذا المقصد ولن يتعدى الأمر إلى غيره كما ذكرنا.
الجهة الثانية في ذكر دليل القاعدة، يدل على الأمر الأول قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]. هذا الذي أمرنا به، فأي عمل أمرت به فلم تفعله مخلصاً لله فيه لن تحصل عليه شيئاً، لأنه هذا قيد، وقوله تعالى ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: 20]؛ هذا كله يدل على أهمية أن تقصد وجه الله سبحانه وتعالى. قال ابن جرير في تفسيره يقول تعالى ذكره: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه، نزد له في عمله الحسن فنجعل له بالواحد، أي بالحسنة الواحدة عشراً إلى ما شاء ربنا من الزيادة، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، أي ومن كان يريد بعمله الدنيا ولها يسعى للاخرة نؤته منها ما قسمنا له منها.
ويدل على كلا الأمرين، أي على المعنى الأول منوي له والمعنى الثاني أن المنوي به قوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، فإذا نويت الناس فلك ما عند الناس، تمام، قال: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ إذا أردت الناس فأمرك عند الناس، اذهب فاطلب ثوابك ممن طلبت منهم ولن تحصل ثواب عند الله.
وإنما لكل امرئ ما نواه، سواء من المنوي له أو ما نواه أي المنوي به. فهذا يدخل أو هذه اللفظة تشمل كلا الأمرين.
الجهة الثالثة: نذكر بعض الفروع الفقهية المندرجة في القاعدة. قال: مما يتفرع عن المعنى الأول المنوي له، كل عبادة فعلها العبد كالصلاة والصيام والصدقة والحج، فلا ثواب عليها إلا إن قصد بها وجه الله؛ هذه قضية واضحة. ثانياً: ترك المعاصي، سبق معنا حتى في شرح الأحكام أن ترك المعاصي لا يفتقر إلى نية ابتداءً، لكن لن تثاب على ترك المعاصي إلا إذا نويت. فقد سبق أنه لا يفتقر إلى نية، ولكن متى توفرت دواعي المعصية وأحجم العبد عن فعلها خوفاً من الله، فإنه يؤجر ويثاب على ذلك. متى خطرت في ذهنك فتركتها لله، هنا تؤجر، وفي ذلك يقول ابن كثير: واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام، شوف هذا التقسيم من ابن كثير، قال: أولاً تارة يتركها لله فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح: «إنما تركها من جرائي». شو يعني جرائي؟ أي من أجلي.
الحالة الثانية: قال وتارة يتركها نسياناً وذهولاً عنها، إنه هو مش منتبه أصلاً على المعصية، ناسيها وهذا حال كثير منا، الحمد لله أن المعصية قد لا تخطر في ذهنك في بعض تفاصيلها، قال فهذا هل يثاب؟ قال فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينوِ خيراً ولا فعل شراً. وإن كنت قلت لكم سابقاً الذي يظهر أنه هذا الذي لا تخطر في ذهنه المعاصي ويموت وهو غافل عنها، نقول لعله إن شاء الله في الجملة يحصل ثواباً عاماً على انكفافه عنها، لكن لن يحصل ثواب تفصيلي على كل ترك للزنا؛ لأنه كل ثانية وكل دقيقة أنت تارك للزنا، فهل ستثاب على كل دقيقة وكل ثانية كونها لم تخطر في ذهنك؟ لا يظهر ذلك، وإنما إن شاء الله أنه يثاب ثواب جملة، تمام؛ لأنه الإنسان، عفواً الذي نحن كبشر، لماذا أخذ ثواب جملة؟ إن شاء الله أنه نحن كبشر عندنا دواعي عموماً للشهوات، فانشغالك بالعلم وانشغالك بالأمور النافعة وانشغالك بالصالحات قد يكون هو الذي جعل تلك الأمور تعزب عن ذهنك، فأقول لعلك إن شاء الله بهذا الذهول أنت تسببت به، تسببت به؛ وإلا فالإنسان الفارغ الذي لا يفعل شيئاً من الصالحات يستبعد ألا يطحن السيئات؛ لأن العقل هذا لا بد أن يفكر، فإما أن يطحن جيداً وإما أن يطحن سيئاً، فنقول لعلك تسببت إن شاء الله في تركك وفي نسيانك وذهولك عن هذه المعاصي بإقدامك على الصالحات.
الحالة الثالثة: قال وتارة يتركها عجزاً وكسلاً بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنزل منزلة فاعلها، كما جاء في الحديث في الصحيحين: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»، حاسبه على ماذا؟ بماذا كتبت له السيئة؟ على الحرص على قتل صاحبه، صحيح. هنا البعض قد نازع في هذا الحديث فقال: كيف تقول إنه هنا السيئة كتبت على نيته؟ هذا الرجل صدر منه فعل، هذا مسك سلاح وراح للمعركة وصار يقاتل، فهل نقول إنه كتبت له سيئة فقط على نية؟ مش هذا صدر منه عمل فعلياً مسك سلاحه راح، مش إنه بس هو قاعد في الدار وكان حريصاً على قتل صاحبه، فالسيئة إنما كتبت على العمل الذي صدر منه. نقول حقيقة النبي عليه الصلاة والسلام لما علق الإثم ما علقه على عمله، علقه على نيته، ماذا قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»، جعل هذه علة الإثم، ما قال فإنه قد سعى في قتل صاحبه أو عمل أو مسك سيفه لقتل صاحبه، قال: «إنه كان حريصاً»، والحرص هو شعور داخلي، تمام؛ فجعل مناط الإثم هي الحرص وليس ما ظهر منه من قرائن، هذا دل على أنه أثم على نفس النية.
ويزيد الأمر توضيحاً تمثيل ذلك بتلك الشهوات المحرمة، وفيها يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله متحدثاً عن شهوة الفرج والعين: اعلم أن هذه الشهوة هي أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على العقل، إلا أن مقتضاها قبيح يستحيا منه ويخشى من اقتحامه، وامتناع أكثر الناس عن مقتضاها إما لعجز أو لخوف أو لحياء أو لمحافظة على جسمه، وليس في شيء من ذلك ثواب؛ طبعاً لاحظوا ما قال في عقاب، النقاش الذي كان يدور إنه هل إذا ترك الشيء خوفاً من الناس هل سيعاقب على ذلك؟ هو قال ما لك ثواب بس ما قال إنك ستعاقب إذا تركتها من أصلها استحياءً من الناس. قال فإنه إيثار حظ من حظوظ النفس على حظ آخر، نعم من العصمة ألا يقدر، تمام، من العصمة ألا يقدر يعني من توفيق الله لك أن الله عز وجل يجعلك غير قادر على المعصية، قال من العصمة ألا يقدر، يعني أنك تكون عاجزاً عنها بحيث حتى لو فكرت فيها أصلاً بتنساها، بتقول أصلاً هذا الملف مسكر، زي شخص مثلاً ينوي أنه يظلم الناس إذا أصبح حاكماً ومسؤولاً وهو مسكين مش مسؤول عن بيت، من الأسماء أنك لا تقدر أن فيه أحداً تحت ولايتك وأن الله لم يهيئك لهذا حتى يصرف عنك على الأقل إثم هذا الموضوع. نعم، قال لكن إذا نوى وعزم وصمم ثم ترك شيئاً من ذلك في اللحظة الأخيرة بسبب عجز طارئ أو استحياء من شخص برز فجأة، فهذا يأثم، هذا يأثم.
قال ففي هذه العوائق فائدة، شوف شو قال الغزالي وهي دفع الإثم؛ إذاً هذا برهان لما ذكرناه قبل قليل، أما تناقشنا في مسألة ماذا؟ أنه هل من ترك المعاصي من أجل الاستحياء من الناس أو كذا، وإن كلام ابن القيم ظاهره أن هذا صرف همة قلبه إلى غير الله، كما قلنا هذا لا يطرد، وأن الأصل أن الإنسان إذا ترك المعاصي كما يقول ترك المعاصي ولم يعزم عليها حتى ولو كان لبعد دنيوي، نقول له أنت ضيعت الثواب، لكن لا أقول له إنك ستأثم؛ لأنك تركتها وغفلت عنها لبعد دنيوي، إلا في الصورة التي تكلمنا عنها إذا عزم فطرأ أمر دنيوي فمن أجله لم يكمل، وليس من أجل الله فهذا سيأثم على نيته السيئة. قال فإن من ترك الزنا إن دفع عنه إثمه بأي سبب كان تركه، آه اندفاع الإثم بأي سبب كان تركه، بس هذا متى بنتكلم عنه إخواني؟ إذا لم يعزم ابتداءً على الزنا، بس هو تاركه نقول بأي سبب كان تركه سواء استحياءً من الله أو استحياءً من الناس، أنت لا تأثم. لكن قال وإنما الفضل والثواب الجزيل في تركه خوفاً من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسير الأسباب، لا سيما عند صدق الشهوة، وهذه درجة الصديقين. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» منهم: «رجل دعته امرأة ذات جمال وحسب إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين».
ممتاز، لكن كما قلت لا بد أن نقيد كلام الغزالي بمن لم يعزم، بمن خطرت في ذهنه المعصية فتركها ابتداءً استحياءً أو ما شابه ذلك. أما من خطرت في ذهنه المعصية وعزم وبدأ خطواته من أجل الوصول إليها ثم طرأ بعد ذلك مانع دنيوي، فمن أجله فقط لم يكمل، فهذا عليه وزر، لا نقول يندفع الإثم بل عليه إثم العزم. ثالثاً: من فعل بعض المباحات كالأكل والشرب والنوم يقصد التقوي على الطاعة، أثيب على ذلك؛ فهذا مثال على لا ثواب إلا على نية، تمام أو لا ثواب إلا بنية بالمعنى الأول، وهو المنوي له.
نأتي إلى المعنى الثاني وهو المنوي به، فقال ومما يدخل تحت المعنى الثاني، من اغتسل غسل الجمعة وهو سنة عند الأئمة الأربعة ناسياً أن عليه جنابة، ناسياً أن عليه جنابة ارتفع حدثه، طبعاً إحنا في المذهب عندنا يرتفع حدثه سواء ناسي أن عليه جنابة أو غير ناسي بناءً على ما رجحناه. وإلا في الشيخ هنا أي الشيخ أيمن مشى مع كلام الوجيز، مشى مع كلام الوجيز وهو أن غسل الجمعة إنما يرفع الجنابة إذا كان ناسياً بهذا القيد، قال من اغتسل غسل الجمعة ناسياً أن عليه جنابة قال ارتفع حدثه، ولكن لا يثاب عليه ثواب الفرض، يعني حصل الإجزاء الحكم الوضعي، لكن هل ستثاب عليه ثواب غسل جنابة؟ لن تحصل ثواب غسل جنابة وإن كان يرتفع، قال لأنه لم ينوه ولا ثواب إلا بنية؛ نص عليه أيضاً الحنفية كما في حاشية ابن عابدين. أيضاً المسألة الثانية: من توضأ وصلى أمام جاهل وقصد بها التنفل وفي نفس الوقت تعليم الجاهل، شخص قال لك علمني الصلاة فذهبت أنت فتوضأت وصليت أمامه ركعتين، قلت بدي أنوي بها التنفل وأنوي بها تعليم هذا الرجل الجاهل، فيقول حصل له أجر صلاته وأجر تعليمه؛ لأنه فيه مقصدين وأنت نويت كلا المقصدين وهما يصلحان للاجتماع، فحصل؛ مش شرط أن تكون نيتك للإنشاء. إذاً طبعاً القاعدة هذه قاعدة سهلة لا أريد أن أطيل فيها، قاعدة لا ثواب إلا بنية من القواعد السهلة الميسورة.
نذهب إلى القاعدة الثانية، قال: مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي؛ بقم تركزوا فيها، مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين عند القاضي. أورد أصل هذه القاعدة أئمة كثر من أئمة المذاهب الأربعة، وهذه طريقة الشيخ أيمن أول ما يذكر القاعدة يذكر أولاً من أوردها من أصحاب المذاهب المتبوعة. قال وردت في كتب الفقه وفي كتب القواعد الفقهية، واختلفت ألفاظهم في التعبير عن هذه القاعدة، والكلام عنها من ثلاث جهات.
الجهة الأولى: في بيان معناها، يقول تتعلق هذه القاعدة بلفظ المتكلم إذا خالف نيته بعموم أو خصوص، يعني إذا تكلم الإنسان بلفظ ونيته أخص من عموم اللفظ أو نيته أعم من خصوص اللفظ، يعني قد تتكلم بلفظ عام وتنوي به الخصوص، وقد تتكلم بلفظ وتنوي به العموم، ممتاز؛ إذا خالفت نيتك لفظك، ماذا نفعل؟ ما المحكم؟ قال تتعلق هذه القاعدة بلفظ المتكلم إذا خالف نيته بعموم أو خصوص أو أراد به المتكلم خلاف ما يتبادر إلى ذهن السامع، يعني أنا تكلمت أمامك بلفظ عام وأنا قصدت به الخاص أو العكس، وهو ما يسمى بالتأويل والتورية، فهي بهذا تكون أعم من القاعدة السابقة، تمام أعم من لا ثواب إلا بنية؛ لأن لا ثواب إلا بنية بتتكلم عن ماذا يا مشايخ؟ بتتكلم عن الثواب، الثواب الأخروي، هذا موضوعها، لكن هذه القاعدة تتكلم عن ماذا؟ عن أمور الدنيا والآخرة، هذه القاعدة تتكلم عن أمور الدنيا والآخرة، سواء الأحكام الدنيوية أو الأحكام الأخروية.
فالقاعدة تقول مقاصد اللفظ على نية اللافظ، فأنا ممكن أتكلم بلفظة خاصة وأنوي بها معنى عاماً، فيكون الثواب على ماذا؟ على المعنى العام. هذا كله من فوائد حديث وإنما لكل امرئ ما نوى، والله هذه كلها فوائد كثيرة، بقول لك وإنما لكل امرئ ما نوى، قاعدة عظيمة جداً أن الجزاء على النوايا، فأنت مثلاً هنا شوف هذه التي يمكن أن تضيفها على حديث إنما الأعمال بالنيات، على كلام ابن دقيق أن الإنسان قد يقول لفظاً خاصاً وينوي به معنى عاماً محبوباً لله، فيعطيك الله الثواب ليس فقط على ما يقتضيه ظاهر لفظك، من ألفاظ التسبيح أو التعظيم، أو تقصد بها مثلاً كلمة لكن تنوي بها معاني كثيرة جداً جداً، يعطيك الله الثواب على النيات والمعاني الكثيرة التي قصدتها، وليس فقط على مقتضى اللفظ الخاص تمام، وليس فقط على مقتضى اللفظ الخاص، وإنما لكل امرئ، أليس القول عملاً؟ القول عمل، مر معنا واتفقنا من دقيق العيد أن الأقوال داخلة في حيز الأعمال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ من الأعمال ما نوى، وإنما لكل امرئ الشيء الذي نواه، نعم. قال، أنا عفواً رجعت للخلف، قال فهي بهذا تكون أعم من القاعدة السابقة؛ لأنها كما قلنا تتكلم عن أحكام الدنيا والآخرة، أحكام الآخرة مثلت عليها، من قال لفظاً خاصاً وأراد به معنى عاماً أو العكس، كذلك في أحكام الدنيا، إذا قال زوجتي طالق أو مثلاً أي أعط أخاك، أعط أخاً، الآن أخاً مطلق وهي لا تدل على الاستغراق، لكنه قد يقصد بها أعط كل إخوانك، كما سيأتي معنا عند بعض الفقهاء، أن هنا ينظر إلى عموم لفظ عموم نيته وإن كان اللفظ مطلقاً لا يدل على الاستغراق والعموم، يقول لك أعط أخاً لك وقصد أعط كل إخوانك، فهنا استعمل لفظة تدل على الواحد وقصد بها الجميع، فيحمل على ما نواه.
أو حتى في مقامه، حتى أسهل عليه، في مقام النيات لو قال والله لا أدخل هذا البيت ونوى اليوم، فهنا لا نعمم نقول خلص يجوز أن يدخله إلى أبد الآباد وإلا سيحنث، نقول نحمله على نيته، هو صح كلامه على عمومه لكن نحمله على نيته. زوج قال لزوجته إذا خرجت من الدار فأنت طالق، وكان يقصد إذا خرجت الآن، هذا الذي في نيته الآن قوله إذا خرجت من الدار فأنت طالق، إذا أردنا أن نأخذها على إطلاقها وعمومها في الأزمنة، أنه أي خروج من الدار أنت طالق، لكن لما أتينا إلى نيته قال لا أنا قصدت الآن، مش قصدي بكرة وبعد بكرة.
فهنا سأحمل على نيته، وهذه كلها أحكام دنيوية، فإذاً لما نقول مقاصد اللفظ على نية اللافظ، مقاصد اللفظ أي ما يحتمله اللفظ من المعاني، مقاصد اللفظ هذا اللفظ شو المقصود منه؟ شو المعنى منه؟ مقاصد اللفظ ما الذي يحددها؟ نية اللافظ، إلا في حالة واحدة ستأتي معنا، إلا في اليمين عند القاضي هذا سنأتي إليه إن شاء الله في الاستثناء، لكن كقاعدة عامة الأصل أن مقاصد الألفاظ التي يتكلم بها المكلفون إنما متعلقة بماذا؟ بما ينوونه منها، إلا في أحوال معينة، سنقول لنيتك: سامعيني لا علاقة لك وسنحاسبك على ألفاظك.
قال الإمام ابن قدامة، الآن سيشرح ابن قدامة معنى التأويل؛ لأن هنا في الحقيقة كلام الشيخ لما قال: تتعلق هذه القاعدة بلفظ المتكلم إذا خالف نيته بعموم أو خصوص أو أراد به المتكلم خلاف ما يتبادر إلى ذهن السامع، يمكن أن تكتبوا هذا عندكم حتى يتضح الكلام أكثر وأكثر، الألفاظ التي يتكلم بها الإنسان قد يكون اللفظ من البداية يحتمل عدة معاني متساوية، لا يوجد أحدها أظهر من الآخر، فاختيار أحد هذه المعاني هو أيضاً يندرج تحت هذه القاعدة، أن مقاصد اللفظ على نية اللافظ، فلو أن شخصاً قال: اشتريت عيناً، قلنا له ماذا تقصد بالعين؟ فالعين لها عدة معاني على السواء، العين تطلق على الذهب، والعين تطلق على عين الماء، وتطلق على أي متاع يسمى عيناً، لها عدة معاني، فهنا كلمة عين على وجه التساوي تحتمل عدة معاني، فمن الذي سيفسرها؟ نية اللافظ، فنقول: مقاصد اللفظ على نية اللافظ، يعني بماذا قصدت بكلمة العين؟ فإننا سنحمل على ما نويت وعلى ما قصدت.
فهذه الحالة الأولى التي يكون فيها اللفظ يحتمل عدة معاني متساوية، فهنا سنفسر اللفظ فعلاً على ما قصده اللافظ. الحالة الثانية أيها الكرام أن يكون اللفظ له معنى ظاهر متبادر إلى الذهن، ممتاز، بالتالي السامع سيحمل الألفاظ على المعنى الظاهر المتبادر، لكن المتكلم قصد به خلاف المعنى الظاهر، هذا ماذا كنا نسميه في علم الأصول؟ تأويل، أن اللفظ له معنى ظاهر، فالأسد معناها الظاهر الحيوان المفترس، ولكن المتكلم قصد به الرجل الشجاع، فهذا اسمه تأويل، صرفت اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى الأقل ظهوراً، المعنى المرجوح بقرينة طبعاً، قد تكون قرينة مقالية وقد تكون قرينة حالية، وحقيقة أي تعميم اللفظ الخاص أو تخصيص اللفظ العام هو في الحقيقة من قبيل التأويل، لأن اللفظ العام يدل على العموم، فإذا نويت به الخصوص أنا قصدت به خلاف الظاهر، أليس كذلك؟ خلاف ما يتبادر إلى ذهن السامع، وكذلك العكس اللفظ الخاص الأصل يدل على الخصوص فإذا أنا نويت به العموم، أنا نويت به ما لم يتبادر إلى ذهن السامع، فهذا أيضاً نوع من أنواع التأويل.
فإذا أردت أن أكون دقيقاً كلمة التأويل أو التورية، طبعاً التورية أحياناً قد تكون مقصودة فعلاً، أنني أريد أن آتي بلفظ أنت تفهم منه معنى وأنا أريد منه المعنى البعيد، هذه عادة تسمى تورية إذا كان في مقام أنا أتقصد فيه أن آتي بلفظ أنت كسامع تحمله على المعنى القريب وأنا أقصد به المعنى البعيد، لكن مفهوم التأويل مفهوم أوسع من ذلك في الحقيقة، فقد لا أكون أنا من البداية أصلاً قصدت الإخفاء والتعمية، وإنما استعملت لفظاً وأردت به المعنى المرجوح أو الاحتمال المرجوح بقرينة ظاهرة دون أن يظهر أي قرينة أن هناك تعمية أو إخفاء أو نوعاً من التوهيم، لا هذا من أساليب العرب، استعمال المجازات، فهذا لا إشكال فيه، فليس كل تأويل هو تورية في الحقيقة، ليس كل تأويل هو تورية. التورية تستعمل لما أكون أنا كمتكلم متقصد أن يذهب ذهنك إلى المعنى القريب وأنا أكون قصدت المعنى البعيد، هي هنا عادة نسميها تورية، وأما التأويل بالمعنى الأصولي فهو أوسع من ذلك، فقد يكون فيه تورية وقد لا يكون فيه تورية، بل أنا من البداية أتيت بالمجاز والقرينة واضحة أمامك، فهمها من فهمها وجهلها من جهلها.
ممتاز، فإذاً لما نقول مقاصد اللفظ على نية اللافظ، في الحقيقة ينبغي أن يكون الكلام أوسع، أنه قد يكون اللفظ مشتركاً فنحمل معناه على نية اللافظ، وقد يكون اللفظ له معنى ظاهر ومعانٍ مرجوحة، فهنا أيضاً نحمله على المعنى الذي قصده المتكلم حتى ولو كان المتكلم قصد المعاني المرجوحة، والتخصيص العام وتعميم الخاص هو من قبيل التأويل، وهو عدول عن المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح لقرينة. أنا عندما ذكرت هذا الكلام لأنه إذا تلاحظون كلام الشيخ أيمن هنا نوعاً ما عام، لما قال: تتعلق هذه القاعدة بلفظ المتكلم إذا خالف هذا اللفظ نيته بعموم أو خصوص أو أراد به المتكلم خلاف ما يتبادر إلى ذهن السامع، تمام، هذه الأحوال عموم أو خصوص أو أراد خلاف ما يتبادر إلى ذهن السامع هذه كلها هي من ضرب التأويل، لكن في ضرب هو لم يذكره وهو الضرب الأول وهو اللفظ المشترك والذي يحتمل عدة معاني وفي النهاية سنعود إلى المتكلم حتى نعرف ما الذي قصده من هذه المعاني، كذلك حتى في باب الإقرارات، هذا يأتي معكم في باب الإقرارات، من أقر بشيء، قال: لفلان علي شيء، نقول شو قصدت بشيء؟ قال: القاضي يعود إليه في تفسير هذا الشيء، فنعود إلى نيته ماذا قصدت أنه عليه شيء، فمن الذي سيفسر هذا الشيء؟ أنت المتكلم، فهذا في نوع أيضاً نقول من الاشتراك، أنه كلمة شيء هذا الشيء وهذا الشيء وهذا الشيء، فحدد لي أي نوع منها، بخلاف ذلك الاشتراك اللفظي الذي ذكرته ابتداء في لفظة العين. المهم يقول ابن قدامة معنى التأويل: التأويل أن يقصد بكلامه محتملاً يخالف ظاهره.
الآن إخواني، أول شرط من شروط التأويل حتى يكون صحيحاً هو أن تصرف أيها المتكلم اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى الآخر المرجوح، أن يكون المعنى المرجوح هو أحد المحتملات المقصودة من اللفظ، يعني لو رجل قال لزوجته: أنت طالق، وقال قصدت بها أنت طالق: أنت سعيدة، نقول يا عم ما يضبط؛ لأن كلمة سعيدة هي ليست أحد محتملات أنت طالق بشكل من الأشكال، صحيح؟ لو قال شخص: جاءني رجال، وقال قصدت بالرجال النساء، نقول له كلمة رجال ما حدا يطلق الرجال ابتداء ويقصد بها النساء، فهنا لا تقل لي أنا أولت، نقول هذا اسمه لعب، والأصوليون يفرقون بين اللعب وبين التأويل.
فلذلك يقول: التأويل أن يقصد بكلامه محتملاً، يعني أن يكون المعنى الذي صرفت الظاهر إليه أحد المعاني المحتملة فعلياً في الدلالات اللغوية، أن يقصد بكلامه محتملاً يخالف ظاهره، يعني يخالف المعنى الظاهر، نحو أن يحلف أنه أخي كما حصل مع سيدنا إبراهيم لما قصه مع سارة لما قال له النمرود: من هذه؟ فقال: هذه أختي، تمام، فهنا قصد بأختي: أخت الإسلام، وهي أحد المعاني المحتملة لكلمة الأخوة، أنه أن يعرف أنه أخي يقصد أخوة الإسلام أو أنه أخي أي شبيهي، أنه أخ نقول هذا أخو هذا يعني شبيهه، هذا أيضاً من دلالات كلمة الأخ. أو يعني مثلاً بالسقف والبناء، السماء، فلو قال والله مثلاً: والله ما نمت تحت سقف الليلة، واحد قال لك نمت الليلة تحت سقف، قلت والله ما نمت تحت سقف، تقصد ما نمت تحت السماء وإنما نمت تحت سقف البيت، فكلمة السقف قد تحتمل معنى السماء وتحتمل معنى سقف البيت، فأنت لما تقصد يعني ما نمت في العراء تحت السماء وإنما نمت تحت سقف، فكلمة سقف أنت قصدت بها ماذا؟ تمام، أو لو قلت مثلاً والله لأبيتن تحت سقف، ونزلت بت الليلة في الصحراء، أخيلك أنت حلفت لبت تحت سقف، يلا أنت كذبت، أنت بت في الصحراء، ما كان قال لك لا، أنا قلت سقف البناء، سقف، أنا نويت السماء، تمام، السماء هل تسمى سقفا؟ نعم، ﴿سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32].
كذلك بالسقف بناء السماء، وبالبساط والفراش، الأرض تسمى فراشاً، فلو واحد قال والله لنام على فراش، فحط رأسه ونام على البلاط، هل نقول إنه كذب إذا نوى بالفراش الأرض؟ ما في مشكلة، صحيح هو مش المعنى المتبادر، المتبادر إلى الذهن أن الفراش هو الذي فيه صوف وإسفنج وكذا، لكن هذا أحد المحتملات، فإذا نواه نعود إليه في تفسير مراده، وهنا نحن نتكلم عن ماذا؟ نتكلم عن تفسير مراد المكلفين وليس عن تفسير مراد الكتاب والسنة، وإن كانت القضية متشابهة، العبد الفقير رسالته في الماجستير كانت في هذا العنوان: تفسير أقوال المكلفين بناء على القواعد الأصولية عند الحنابلة، أنه نحن عادة بنطبق قاعدة العام والخاص والمطلق والمقيد والظاهر والمؤول على نصوص الكتاب والسنة، لكن نفس هذه القواعد سنطبقها على أقوال المكلفين، فهناك عام وخاص ومطلق ومقيد وظاهر ومؤول في تفسير أقوالنا في الأيمان، في الطلاقات، في التعاملات، في العقود وما شابه ذلك، طيب، وكذلك لو قصد بالأوتاد الجبال، ولو قصد باللباس الليل؛ لأن هذه كلها استعمالات أصلاً قرآنية.
أو يقول ما رأيت فلاناً مثلاً، فيقول يعني ما ضربت رئته، ما رأيته، من الرئة وليس من الرؤية، تمام ما رأيت يعني ما ضربت رئته، شوف هي الدلالة البعيدة هي من التوريات اللي فيها لف ودوران، يقول قال ولا ذكرته، يريد ما قطعت ذكره، على أحد المعاني البعيدة لكلمة ذكر، هنا قل ما ذكرت فلاناً يعني ما قطعت ذكره، أو يقول جواري أحرار ويقصد بالجواري السفن، مش الجواري النساء الإماء، ونسائي طوالق يعني نساء الأقارب منه، تمام، قال ونسائي طوالق، يعني نساء الأقارب منه يقصد، يعني ليس نسائي، يعني هنا اللعب في كلمة نسائي، ولما أقول لك نسائي طوالق يحتمل أنني أقصد زوجاتي، صح، ويحتمل أن أقصد بكلمة نسائي أخواتي وعماتي وخالاتي، فلما أقول لك والله نسائي طوالق لا أقصد أن زوجاتي طوالق، أنه هيك صار في نوع من التطليق، لا أقصد نسائي يعني النساء المحسوبات عليّ، عماتي وخالاتي وأخواتي، وهن طوالق، وأحكي عنهن، أخبر عنهن أنهن طوالق، مش إنه هو يطلق زوجاته، شوف كلها تأويلات وتلاعب بالألفاظ.
طيب، قال فهذا وأشباهه يقول ابن قدامة مما يسبق إلى فهم السامع خلافه إذا عناه بيمينه فهو تأويل، الآن إذا كنت في سياق اليمين وحلفت يمين مثلاً بعبارة من هذه العبارات، فنحن نتعامل مع نيتك ونقول يا عم رجوع إلى نيتك، فإذا فسرت لنا اللفظ يا أيها الحالف المتكلم إذا فسرت لنا اللفظ بخلاف ما يتبادر إلى أذهاننا، لكن بمعنى محتمل، حتى ولو كان بعيداً نوعاً ما، خلص المقصد يرجع فيه إليك، فمقاصد اللفظ على نية اللافظ، ما عندنا مشكلة، هذا هو الأصل.
قال فيرد السؤال، إذاً هنا بالتالي، هل العبرة بنية المتكلم أو بلفظه؟ وإذا اعتبرت نية المتكلم فهل تنفعه نيته فيسلم بالتالي مثلاً من إثم اليمين الفاجرة؟ إذا كان حلف يمين على شيء ماضٍ، والله ما شفت فلاناً، والله ما رأيت فلاناً، هو يحكي عن شيء ماضٍ، هسا إذا كان كاذباً الأصل اليمين غموس صح؟ فبقول والله ما رأيت فلاناً وأنت باقي رأيته، بس هو قصده ما رأيته يعني ما ضربت رئته، يعني لفّ فيها شوي، إذاً هل هذا نقول والله أنت عملت يميناً غموساً ولا برئ من اليمين الغموس بتأويله؟ قال فيسلم من إثم اليمين الفاجرة لو حلف عند القاضي فنوى بلفظه خلاف ما فهمه القاضي.
الآن شوف هنا نتكلم عن مسألة ماذا؟ كأصل عام، سيأتي معنا أن الأصل كما قلنا العبرة بنية المتكلم، لكن هل هذا سيطرد حتى لو كان المتكلم ظالماً، ظالم وطلب منه القاضي أن يحلف يميناً أنه ما عمل هيك، وهو قال أصلاً الفقهاء يجوزون التأويل، خليني أتأول، نقول سيأتي معنا الأصل نحن معطينك مساحة للتأويل، وأن العبرة بنية اللافظ إلا في هذه الجزئية، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اليمين على نية المستحلف»، هذا متى؟ إذا كنت أنت ظالماً وعارف حالك ظالم وطلب منك القاضي اليمين، هنا ليس لك أنك تتأول في اليمين فتعبر بلفظ وتنوي معنى آخر وتقول هيني افتكيت من اليمين الغموس، لا ما افتكيت منها؛ لأن التأويل في اليمين إنما هو مساحة أعطاها الشارع لغير الظالم، لغير الظالم أما الظالم ليس له مساحة التأويل، بل يجب أن يلتزم بالمعنى المتبادر إلى ذهن السامع والذي يطلبه السامع منه.
ولذلك قال: هذا هو محل البحث في القاعدة، وللفقهاء تفصيل وخلاف وخلاصته أن يقال: من حلف أو متى حلف المكلف بالله فالاعتبار فيها بنيته لا بنية المستحلف له، اللي قال لك احلف، طيب العبرة بنيتك ما عندنا مشكلة ابتداء، قال إلا أن يكون الحالف ظالماً يقتطع بيمينه هذه حقاً لغيره، فحينئذ لا تنفعه نيته أي لا ترفع عنه إثم اليمين الفاجرة. قال الإمام الموفق بن قدامة: لا يخلو حال الحالف المتأول من ثلاثة أحوال، أحدها أن يكون الحالف مظلوماً، مثل من يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلماً منه ضرر، فهذا له تأويله. الآن لو كنت أنت جالساً عند شخص ظالم، هذا الظالم قال لك: أعرف أنك ما عملت هيك، ما مشيت مع فلان، بعض الشباب بتجي عليها الصدق ساعتها، أنت عارف لو صدقته لظلمه أو يضر فلاناً، في هذه الحالة نحن ما...
أنت من أول ما تدخل على هذا الظالم، كن ناويًا أن كل كلمة سأحكيها أقصد بها معنى آخر؛ لأنه في جلوسك أمام الظالم لن تكون فاضيًا للتأويل من الخوف. خلص، انوِ من البداية أن يا رب كل كلمة سأقولها أنا أقصد بها معنى بعيدًا. فإذا سألني عن شيء رأيته، سأقول له: ما رأيته، بمعنى ما ضربت رؤيته. وإذا ذكرته، سأقول: ما ذكرته، بمعنى ما قطعت ذكره على طريقة ابن قدامة التي ذكرها قبل قليل. فإذا كنت مظلومًا وهناك ظالم يستحلفك، فكل تأويل جائز، بل قد يكون التأويل واجبًا والتصريح حرامًا وآثمًا.
الحالة الثانية: أن يكون الحالف ظالمًا؛ يعني العكس، الحالف هو الظالم مش المستحلف، كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده. فهذا ينصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي عناه المستحلف وهو القاضي، ولا ينفعه الحالف تأوله. وبهذا قال الشافعي وأحمد وغيره من أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافًا أصلاً؛ ولا يستقيم باب القضاء كله إذا سرقت مصاري، فقال لك القاضي: احلف أنك ما سرقت، ما بيطلع لك تقول: أقسم بالله أني ما سرقت وقصدك والله السنة الماضية. لا، ما بضبط؛ لأنه أنت هنا يجب عليك أن تعرف على ما ينويه القاضي مش على نيتك أنت، وإلا ستكون يمين غموس.
الحالة الثالثة: إذا في الحقيقة لم يكن هناك ظالم ولا مظلوم. فظاهر كلام أحمد أنه حتى هذه الحالة يجوز فيها التأويل، ولا نعلم فيها خلافًا أيضًا. وهنا يمثلون بقصة لطيفة، يقولون دخل شخص على أحمد وطلابه فقال: هل المروذي هنا؟ فأحد تلاميذ أحمد -أنا ناسي من هو، حنبل أو أحد- قال: المروذي ليس هنا. المروذي كان قاعدًا جنبه، فقال: المروذي ليس هنا، فماذا فهم الداخل؟ أنه المروذي مش موجود في المجلس، وماذا قصد المتكلم؟ أن المروذي ليس هنا أي ليس جالسًا في يده. وهذه كانت في قضية مباحة؛ يعني ما كان في حاكم ولا في ظالم ولا مظلوم، بس المروذي، تعرف أنه واحد بده يطلبك وأنت مش فاضي له، ولا صعبة، خلص قل له: فلان ليس هنا، وأشر له. وهذه قد تستعملها مثلاً إذا كان شخص كثير من الناس تزوره في المنزل، فدق الطارق عليه الباب فيقول لابنه: قل لهم فلان ليس هنا، حتى تخلص وتفتك ويروح الضيوف. هذا إذا احتجت إلى ذلك، فإن لك مندوحة في الشريعة.
وثمت قاعدة في هذا المعنى ذكرها الإمام ابن نجيم في قوله: اليمين على نية الحالف إن كان مظلومًا، وعلى نية المستحلف إن كان ظالمًا، كما في الخلاصة. طبعًا هنا لاحظ أن قاعدة ابن نجيم خاصة في باب القضاء، لكن العبارة القاعدة التي معنا أوسع حقيقة، العبرة بمقاصد اللافظ. القاعدة التي معنا أوسع لأنها لا تتعلق بباب القضاء وإنما هي أعم؛ مقاصد اللفظ على نية اللافظ، ثم ذكرنا إلا في اليمين عند القاضي. فابن نجيم كأنه تكلم فقط عن مسألة الاستثناء والتفصيل فيها، أما نحن فقاعدتنا أعم من ذلك بكثير.
لكن هل يستوي في ذلك اليمين بالله واليمين في الطلاق والعتاق؟ خلاف بين الفقهاء على أقوال. الآن اليمين بالله أظنه معلوم لديكم، لكن هناك ما يسمى اليمين بالطلاق أو العتاق. الآن كل تعليق للطلاق يسمى يمينًا وحلفًا في العرف الفقهي؛ يعني من قال: إذا خرجت من الدار فأنت طالق، هذه في العرف الفقهي تسمى يمينًا. كذلك إذا قال: إذا طلع من الدار عبدي حر، إذا أحضرت كذا أمتي حرة. هذا أيضًا نحن بنسميه في اللغة العربية أسلوب شرط، لكن في العرف الفقهي يسمونه يمين عتق. أولاً لابد من أن نحرر ما معنى يمين الطلاق؛ أن يقول: إذا فعلت فأنت طالق، إذا خرجت فأنت طالق، إذا تكلمت فأنت طالق؛ هذا يسمى يمين طلاق، وإن كان لا يقصد به تعظيم اليمين الذي يبحث في العقائد وأنه لا يجوز بغير الله ولا بأسماء اليمين الذي يقصد به توثيق الشيء بذكر أمر معظم، أما هذا وإن كان يسمى يمين طلاق لكن لا يظهر أنه مخالف للشريعة؛ طبعًا لأنه يسمى يمين تجوزًا وإلا فهو نوع من التعليق.
طيب الآن لو شخص قال على سبيل التأويل -خلينا نأخذ الأحوال الثلاث وهو مظلوم أو في حالة لا ظالم ولا مظلوم- لو قال: علي الطلاق ما هو هون، مش علي ما قال والله، لو حولها ليمين طلاق: علي الطلاق أو إن زوجتي طالق إن كان هنا. نيجي على قضية المروذي إن كان هنا؛ هل يجوز التأويل في يمين الطلاق ويمين العتق كما يجوز التأويل في اليمين بالله، أم التأويل خاص باليمين بالله؟ فهمتم الآن السؤال؟
فماذا قال الحنفية؟ اليمين بالطلاق والعتق على نية الحالف مطلقًا -شوف كيف اختلفت المذاهب هنا- ظالمًا كان أو مظلومًا. يعني عند الحنفية لا، مفيش لعب؛ بالطلاق المعلق والعتق المعلق هذه ما فيها لعب سواء كنت ظالمًا ولا مظلومًا. مرادهم أن عدم وقوع الطلاق والعتق يكون على حسب نية الحالف، لا أنه يسلم من إثم ظلمه؛ يعني الحنفية يرون أن مجال التأويل في نية الطلاق ونية العتق أوسع من مجال التأويل في اليمين بالله. فاليمين بالله التأويل فيها فقط إذا كنت مظلومًا يا أيها الحالف أو كنت في وضع الاعتدال، لا ظالم ولا مظلوم. أما إذا كنت ظالمًا فلا يجوز عندهم التأويل في الحلف بالله. أما في الحلف بالطلاق أو الحلف بالعتق، فعندهم يجوز التأويل فيها حتى لو كنت ظالمًا. فلو قاضٍ قال لشخص ظالم: احلف أنك ما سرقت، قال: امرأتي طالق إن كنت سرقت وهو سارق، هل ينفع التأويل أنه نوى بكلمة طالق: طالق من الوثاق؟ عندهم ينفعه؛ كيف ينفعه؟ طيب هو كذاب يا شيخ! هذا الرجل قالوا: هذا ينفعه حتى لا نوقع الطلاق على زوجته، باعتبار الحكم الوضعي أن الطلاق لم يقع، وأن في النهايات نوع من المساحة الموجودة، لكن هل هو آثم في عدم اعترافه بظلمه؟ نعم، فيقول: كوننا لم نوقع الطلاق على زوجته لتأويله هذا من حيث الأحكام الوضعية أن هذا اللفظ نوى به كذا فلا تطلق زوجته، لا أنه سيسلم من الإثم؛ بخلاف اليمين بالله، كأنهم يرون أن اليمين بالله أعظم من أن يحلف الظالم به كاذبًا. يعني قالوا العتق والطلاق هذه أمور دنيوية فحتى لو كان ظالمًا نقبل تأويله وإن كان هو آثم، بس اليمين بالله أعظم من أن يحلف بها هذا الظالم كاذبًا أو متأولاً؛ فاليمين على نية المستحلف حصرها الحنفية في اليمين بالله.
الحالة الثانية، وقال المالكية -شوف المذهب الثاني-: تارة تساوي النية اللفظ؛ أي أن يحتمل اللفظ ما نواه الحالف وغيره على حد سواء، زي كلمة العين؛ كلمة العين تحتمل العين بمعنى الذهب، تحتمل العين عين الماء، تحتمل العين بمعنى السلعة. فهنا ما معنى عندهم؟ شوف هذه الدلالة الدقيقة، ما معنى تساوي النية اللفظ؟ أنه عندي لفظ يحتمل عدة معاني كلها متساوية، فيقصد المتكلم وينوي معنى من هذه المعاني، ويحتمل اللفظ ما نواه الحالف ويحتمل ما لم ينوه بس على حد سواء، اكتب إذا المشترك اللفظي فالعبرة في هذا في ماذا؟ في اليمين، فالعبرة بنيته في اليمين بالله وكذا في غيره كالطلاق والعتاق؛ إذا كان مثلاً في لفظه أثناء يمين الطلاق فقال: زوجتي طالق إن كنت اشتريت عينًا. هسه هو اللعب مش بكلمة طالق بكلمة عين، فإيش بقول؟ الآن بقول لك: أنا العين قصدت بها في نيتي ذهب، والمحكم الذي يستحلفه يقصد بالعين عين الماء؛ فهو تلاعب في ماذا؟ في دلالة اللفظة فحملها على معنى، والسامع قد يكون يسأل عن معنى آخر. بس لماذا تسامحوا حتى في يمين الطلاق والعتق؟ قالوا تسامحنا لأن اللفظ يحتمل هذه المعاني كلها على حد سواء، وليس أحدها أظهر من الآخر. فقالوا: إذًا الحالة الأولى أن يكون اللفظ الذي حلف عليه -سواء يمين بالله أو يمين طلاق أو يمين عتق- له معاني كلها متساوية في الدرجة كالمشترك اللفظي، فالمستحلف يقصد معنى والحالف يقصد معنى آخر، فقالوا: هذا كله يقبل فيه التأويل.
ثم قال: وتارة تكون النية أشد من اللفظ، يقصدون بها أن تكون أعم وأوسع من اللفظ، هذا معنى الأشدية هنا؛ قال: فهي أولى بالاعتبار. كان قال مثلاً كما قلت: أعطي أخًا لك، وقصد الآن كلمة أخ مش مطلق؛ لأن في سياق الأمر زي حر الرقبة، فكلمة أخ الأصل أنك تخرج من عهدتها بأخ واحد، لكن هو نوى ايش؟ كل إخوانك، فهنا النية أشد من اللفظ لأنها أوسع. مثلًا لو قال: والله لا أجلس عندك الليلة، وقصد في نيته كل الليالي؛ ما مر أني أجيء أبدا في ليلة من الليالي. هسه لو هو قال: لا والله لا أجلس عندك الليلة، كلفظ إيش يقتضي؟ أنه هذه الليلة ما يجلس عنده، لكن هو نوى شيئًا أعم، إيش نوى؟ أنه ما أدخل بيتك أبدًا في ليلة من الليالي، فهنا نقول النية أشد من اللفظ؛ قال: فهي أولى بالاعتبار سواء في اليمين بالله أو في اليمين بالطلاق أو العتق، إذا قصد أطلق لفظًا ونوى به ما هو أوسع منه.
قال: وتارة أن تكون النية مخالفة للفظه، ممتاز، لكنها موافقة للاحتمال المرجوح القريب من المساوي. آه هون صار يتكلم عن لفظ له عدة معاني، لكن أحد المعاني ظاهر والمعاني الأخرى مرجوحة بدها قرينة، فيقول: وتارة تكون النية ليست على المعنى الظاهر للفظ، لكنها موافقة للاحتمال المرجوح يعني النية على حسب المعنى المرجوح القريب من المعنى المساوي -والمساوي هو المعاني الظاهرة، يقصد بها المعاني الظاهرة- قال: فحكمها حكم المساوية التي تقبل في الفتوى والقضاء، إلا في الطلاق والعتق المعين عند القاضي، فيعتبر فيها لفظه. آه، إذا قالوا ما يجوز عندنا حمل اللفظ أو صرف اللفظ من معناه الظاهر إلى المعنى المرجوح في باب القضاء إذا كان يمينك يمين طلاق وعتق، إلا في الطلاق والعتق المعين عند القاضي فيعتبر فيهما لفظه ظاهره؛ أنه عند غير القاضي في مساحة للتأويل حتى في يمين الطلاق ويمين العتق.
ثم قال: وتارة تخالف نيته لفظه وتوافق الاحتمال المرجوح البعيد جدًا، فهذه لا تقبل لا في باب القضاء ولا في باب حتى الفتوى، حتى لو شخص سألك عن شغلة وأنت بدك تصير تصرف، حتى في باب الفتوى التي ليست قضاء لا يجوز ولا تقبل.
وقال الشافعية والحنابلة: اليمين بالطلاق والعتق هنا كاليمين بالله، أنه وين أجزنا التأويل في اليمين بالله نجوز التأويل في يمين الطلاق ويمين العتق، وين ما جوزنا ما بنجوز، وهي الظالم مسألة الظالم. وقال الحنابلة: يقبل منه التأويل في الحكم مع قرب الاحتمال وتوسطه، لا مع بعده. يعني الحنابلة برضه زي الشافعية؛ أولاً شو قالوا؟ اليمين بالطلاق والعتق يجوز فيه التأويل مثل اليمين بالله إلا فيما استثني وهو يمين الظالم. والحنابلة مما أفادوه -يعني هذا مش شيء ينفردون به- يقولون: إن الاحتمال الذي يكون إليه التأويل يجب أن يكون من الاحتمالات القريبة أو المتوسطة، لا مع بعده؛ لا تقبل الاحتمالات البعيدة، لأنه هذا التأويل يكون أقرب إلى اللعب منه إلى التأويل الصحيح. فيقبل أن تحمل اللفظ على المعنى المرجوح القريب من المعنى الظاهر أو المعنى المرجوح المتوسط، ولكن لا يقبل حمله على المعنى البعيد، وهذا ليس خاصًا بهم، حتى الشافعية كذلك.
إذًا هذا يعني بشكل عام، وإن كان قلت لك تفاصيل المذاهب تفصيليًا ممكن يرجع فيها إلى مكانها، لكن هذا كان كلامًا في ماذا؟ في يمين الطلاق ويمين العتق. لاحظنا أن الحنفية عمومًا يوسعون في يمين الطلاق ويمين العتق للظالم والمظلوم أكثر من توسيعهم في اليمين بالله، ووجدنا أن المالكية عندهم تفصيل دقيق جدًا بين المعنى المساوي للفظ إذا كان اللفظ يحتمل عدة معاني متساوية، وبين أن تكون النية أشد من اللفظ، وبين أن تكون النية أضعف من.
اللفظ من المعنى الظاهر، وإذا كانت النية أضعف من المعنى الظاهر فإنهم يفرقون بين إذا كانت قريبة منه فحكمها حكم المساوية، وبين إذا كانت بعيدة جداً قال: فهذه لا تقبل في القضاء ولا في الفتوى. والكلام هنا عموماً عن يمين الطلاق ويمين العتق، كما قلت لك أنت في النهاية اضبط مذهبك؛ مذهب أصحابنا الحنابلة هو أنه يمين الطلاق ويمين العتق فيه مساحة في التأويل، وهي نفس المساحة التي في اليمين بالله، وهذا يكفيك.
الجهة الثانية في ذكر دليل هذه القاعدة؛ مما يدل على أصل جواز التورية حديث أنس رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله احملني»، فقال النبي ﷺ: «إني حاملك على ولد الناقة»، قال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي ﷺ: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟». فأطلقوا ولد الناقة وأرادوا به الناقة الكبيرة، وإن كان المتبادر إلى الذهن من ولد الناقة أنه الفصيل الصغير، فهذا نوع من التورية القصد به المداعبة والمزاح، فالرجل فهم ولد الناقة الصغير الذي لا يحمل عليه، وما أراد النبي ﷺ إلا موازحته.
أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها، قال النبي ﷺ: «إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف». قال الخطابي: إنما أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافاً. وفي هذا الباب من الأخذ بالأدب في ستر العورة وإخفاء القبيح من الأمر، والتورية بما هو أحسن منه، وليس يدخل في هذا الباب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل واستعمال الحياء وطلب السلامة للناس.
أنت لما تضع يدك هكذا، طبعاً هذه التورية هنا ليست في باب الأقوال وإنما في باب الأفعال، فهو بالقياس إذا جازت التورية في الأفعال فلا مانع أن تجوز التورية في الأقوال. وإلا فالأصل حقيقة أن هذا الحديث يتكلم عن التورية في الأفعال؛ أنك وضعت يدك هكذا فأوهمت الناس أن هناك رعافاً نزل من أنفك، وإنما قصدت أن تظهر قبيح ما صدر منك.
وإذا صدر صوت أثناء الصلاة من الشخص، وعرف أنه الريح خرجت منه، فهذا الرجل حتى لا يفضح نفسه النبي ﷺ أعطاه خياراً، وهو أنه بعد ما يهدأ الصوت قليلاً يمكن يفعل كأنه نزل رعاف من أنفه وهكذا ويخرج، فهذه توريه في باب الأفعال. فإذا جاءت التورية في باب الأفعال بما لا مفر منه، فلا مانع من التورية في باب الأقوال بما لا مفر منه.
وقال كعب بن مالك: «ولم يكن النبي ﷺ يريد غزوة إلا وربما استعمل التورية في الحرب». وقد كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً، ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما أراد، وهو التأويل. وقال لعجوز: «لا تدخلون الجنة عجوز»، لما ظنت أنه لا تدخل الجنة أصلاً، وماذا قصد النبي ﷺ؟ أنها لا تدخل وهي على صورتها التي هي فيها، وإنما الله يعيد إنشائهن.
ودل على كون اليمين تكون على نية المستحلف إن كانت بحق، وهذا المسألة والحالف ظالم؛ حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك»، وفي لفظ: «اليمين على نية المستحلف». هذا يدل على أن هذا مستثنى من التورية. قال الإمام النووي رحمه الله: «وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي؛ فإذا دعا رجل على رجل الحق فحلفه القاضي فحلف وورّى، فنوى غير ما نوى القاضي، انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية»، وهذا مجمع عليه، ودليل هذا الحديث هو الإجماع.
ثم ذكر بعض التفصيلات لبعض الأئمة، قال: «ولو ساغ التأويل في مثل هذا لبطل المعنى المبتغى باليمين عند القاضي، وصار معنى تحليف المدعى عليه لا قيمة له»؛ لأن مقصود اليمين عند القاضي هو تخويف الحالف ليرتدع عن الجحود خوفاً من عاقبة اليمين الكاذبة.
وأدلة تحريم اليمين التي يكون فيها الحالف ظالماً ولو تأول، أدلة ظاهرة، ومنها حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، فقال له رجل: «وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟»، قال: «وإن كان قضيباً من أراك».
وهذا يدل إخواني على جهد العلماء حقيقة في فهم حديث النبي ﷺ وإسقاطاته؛ لو أن الطالب المبتدئ أخذ هذا الحديث سيظن أن كل اليمين عند القاضي لا يجوز فيها التأويل، فيكون المسكين مظلوماً والحق مدنساً فيه، ومع ذلك يقول لك: يا أخي أنا لازم أصدق عند القاضي. كثير من الناس صدقوني تأتينا فتاوى وأسئلة عجيبة، يكون الرجل أو المرأة مظلومة، وإذا حلف أمام القاضي سيرتوط مع أنه بريء، يقول لك: يا شيخ أنا ما بكذب، اليمين غموس.
لا يا أخي، أنت عندك مندوحة في الشريعة، إذا أنت عارف نفسك مظلوم بينك وبين الله معك مساحة للتاويل، وإن تحلف حتى يا شيخ على المصحف، حتى لو على المصحف تحلف وتتأول في يمينك شيئاً آخر حتى تخرج من هذه الورطة. فانظر إلى مساحة الشريعة وانظر إلى العلم كيف يسهل على الإنسان حياته، بخلاف الجهل الذي يوقع الإنسان في مآزق الأمور.
بقيت هنا مسألة أتركها للبحث، وهي: لو كان الشخص ظالماً، الذي عليه اليمين الحالف ظالم لكن يعلم إذا صدق أنه سيقع عليه من العقوبات والظلم ما هو أعلى من مظلمته، فهنا هل يجوز له أن يحلف ويتأول؟ فهمتم المسألة؟ الشخص ظالم، الآن القاعدة أن الظالم ليس له أن يتأول، لكن لو كان يعلم الظالم أنه إذا صدق الجماعة ناويين له، وأنه سيقع عليه من الظلم ما هو أعلى من مظلمته التي فعلها.
أحياناً في بعض الدول إخواني، الزاني البكر في شرع لا يجرد كيمياء ويعاد إلى الحياة العملية؛ في بعض الدول الزاني البكر إذا ثبت زناه بطرف آخر يُحبس سبع أو ثمان سنوات، طب هذا دمر حياته، الشخص يعني تقريباً ثمان سنوات سجن، تقول يا شيخ يستاهل، هذا ظالم، بس نحن عارفين الجريمة كبيرة من الكبائر، لكن هل العقوبة متناسبة مع العقوبة الشرعية أم فيها أضرار وخروج بالعكس على المجتمع متوحشاً أكثر؟ لأنه يشعر أنه غير محصن، فبالتالي بيطلع من السجن بالنسبة له أخف، لكن الزاني البكر حده مئة جلدة ويعود إلى الحياة العامة بعد الحد، إذا تم إخفاؤه في السجون سبع أو ثمان سنوات.
البعض يعتبر أن هذا تراجع، لا، هذا أنت وحشته أكثر؛ لأنه سيخرج معطلاً عن العمل ذهب شريط من عمره، وقس على ذلك بعض العقوبات سبحان الله المخالفة لشرع رب العالمين، ويكون فيها ظلم أكبر واقع على البشر. فهنا هل يجوز له أن يحلف كذباً؟ طبعاً الكذب هنا بمعنى التأويل، إياك أن تظن أن الكذب إذا أطلقته أقصد به الكذب الصريح، أنه ينوي الكذب، لا، الكذب بمعنى التأويل أن يحلف وينوي خلاف ما هو ظاهر حتى تنصرف عنه المظلمة الشديدة.
هذه مسألة فيها بحث، والذي يظهر لي أنه ينبغي حقيقة أن ينظر في خير الخيرين وشر الشرين، يعني إذا كانت مفسدته محدودة والمظلمة التي ستقع عليه أكبر؛ فهذا ظالم لكنه في نفس الوقت سيكون مظلوماً، فيمكن أن نجيز له التأويل في اليمين، مع إخبارنا أنه إذا كان حقاً ينبغي أن ترده، وإذا كانت معصية ينبغي أن تتوب، هذا لا يرفع عنك إثم الخطيئة. وأما إن كان الضرر الواقع عليه، يعني حجم الظلم الزائد عليه يبقى أقل من حجم المفسدة التي ارتكبها، وأنه يحتاج إلى رادع شديد، وأنه إذا قلنا له تأول سيكون باباً فتح له، لا، الأصل أن يبقى على الاعتراف، مقارنة بماذا؟ بأنه فساده الذي ارتكبه شديد بحجم المظلومية التي سيتعرض لها، فهي قضية تحتاج إلى ميزان فقهي، والله تعالى أجل وأعلم.
الجهة الثالثة في ذكر بعض الفروع الفقهية التي تندرج تحت هذه القاعدة، قال: لو كان القاضي حنفياً يرى استحقاق الشفعة للجار، عند الحنفية الشفعة ليست فقط في الأراضي غير المقسومة، بل هناك شفعة أيضاً حتى لو كان هناك انقسام، هناك شفعة لجيرانك. نحن عندنا في المذهب الشفعة هي فقط بين الشركاء الذين يشتركون في الأراضي التي لم تفرز، عند الحنفية أوسع من ذلك؛ الشفعة هناك شفعة حتى لو كان هناك إفراز وهناك جار ساكن جنبك وأنت بدك تبيع عقارك، الجار له أن يطالب بالشفعة مع أنه جار مش شريك لكن له أن يطالب بالشفعة.
قال: وكان المدعى عليه شافعياً، المدعى عليه بالشفعة شافعياً لا يرى استحقاقها أو حنبلياً، فحلف الشافعي على عدم استحقاقها عليه، يعني جاء القاضي الحنفي، القاضي الحنفي ماذا في ذهنه؟ أنه الشفعة تستحق بالجوار، والمدعى عليه شافعي، فقال القاضي الحنفي للشافعي أو الحنبلي: احلف أنه ما عليه حق الشفعة، فحلف قال: والله ما عليّ حق الشفعة، بس هذا على رأي من؟ على رأيه هو المدعى عليه مش على نية القاضي، لأنه على القاضي يرى أن الشفعة تثبت بالجوار، فهو حلف المدعى عليه على نيته هو، أنه والله ما في عليّ شفعة على نيتي مش على ما تتصوره أنت، لأنه على تصورك رح يطلع عليه شفعة. قال: فحلف الشافعي على عدم استحقاقها عليه عملاً باعتقاده، قال: لم يدفع ذلك عنه إثم اليمين الفاجرة.
هذا إذا كانت يمينه بغير الطلاق أو العتق، وكان ظالماً لم يدفع ذلك عنه إثم اليمين الفاجرة، ممتاز. هذا إن كانت يمينه بغير الطلاق أو العتق، وكان ظالماً، ها متى لم يدفع ذلك عنه إثم اليمين الفاجرة؟ شوف القيود: إذا كانت يمينه بغير الطلاق أو العتق؛ لأن الطلاق أو العتق لا يعتبر أصلاً يمين غموس، وإنما تترتب عليه الجزاءات الدنيوية فقط. صحيح لو قال واحد: زوجتي طالق إذا فعلت كذا، هسه نحن ما بنسميها يمين باعتبار أنها مش يمين بالله، بس ستترتب عليها جزاءاتها، إذا فعلت كذا تعتبر امرأتك طالق، وإذا كنت فاعل كذا يعتبر عبدك حر، فهي لا تسمى. قال: لم يدفع ذلك عنه إثم اليمين الفاجرة إذا كانت يمينه بغير الطلاق أو العتاق، يعني إذا كانت يمينه بالله، هذا معنى العبارة: لم يدفع عنه إثم من اليمين الفاجرة إذا كانت يمينه بالله وكان ظالماً.
أما إذا كان مظلوماً، هي بس قضيته شفعة يعني هو لم يظلم أي اعتداء على أملاك الناس، ولا أي ظلم تجاه أي شخص، أحياناً ممكن يكون هو هذا الشخص نفسه مؤذياً أو ضر الناس اللي حواليه أو فعل أشياء فيها أذى، فإذا ما كان هو ظالماً لأحد بس القاضي قال له احلف أنه ما لك حق الشفعة، فقال: والله ما في حق شفعة، هسه هو عارف أن القاضي يقصد بالشفعة حتى لو شفعة الجوار، وهو قصد الشفعة بمعناها الشافعي، أقول: شوف إذا ما كنت ظالماً، إذا لم تكن ظالماً أمورك بتمشي، يعني خلص احلف على نيتك لأنه القاضي بده يحملك على قوله وأنت شايف أن كلامك ضعيف، فانا بدي أواري حتى أخلص من القضية كلها.
قال: أما إذا كان ظالماً باعتداء، يعني ممكن مثلاً عفواً هو نفسه معتدي في جزء من أرضه على جوار جاره، صح ولا لا؟ ركز معي، يعني ممكن أحياناً في بعض الناس بعض المزارع أو بعض هذا، يثبت في المساحة أنه هو داخل على أرض الجار، فانت ظالم، أنت ظالم صح أنت شافعي وحنبلي بس أنت ظالم؛ ليه؟ لأنه جزء من عقارك داخل على أملاك الجار، فانت ظالم ورحت بعت عقارك لشخص، فلما يجي القاضي يحلفك أنك ما عليك شفعة، تقول: والله ما عليّ شفعة وأنت تقصد بنيتك الشافعية وأنت عارف أنه حنفي، أقول لك تعال: لو أنت مش ظالم مش معتدي في عقارك أو ملكك على أملاك الجار ماشي، بيضبط أنك تتأول في اليمين، بس إذا في نوع من الاعتداء منك على أملاك الجار أرضك داخلة في أرضه أو بناؤك داخل في بنائه، مش حينفع تنفي عن نفسك حق الشفعة، بتقول ما أنا شافعي وهو حنفي خليني أنوي أحلف على نيتي، لأنه أنت أصلاً من البداية ظالم بسبب دخول عقارك على أرض جارك، فلذلك قال: لم يدفع ذلك عنه إثم اليمين الفاجرة.
بس متى وهذا قيدها، هذا إذا كانت يمينه بغير الطلاق أو العتق وكان ظالماً، طب إذا كان يمينه بالطلاق أو العتق، هسه هذه ما رح نعتبرها يمين غموس، هسه إذا كان يمينه بالطلاق أو العتق وكان ظالماً هذه شو قلنا؟ هذه نحن ما بنعتبرها يمين بالمعنى الشرعي هي مش يمين غموس، بس إذا كان ظالماً لا يجوز له أن يتأول فيها. فحتى نحن نحط الاحتمالات الثلاث، أن كلامه شوي هيك عام، الاحتمال الأول: أن يكون يمينه بالله وكان ظالماً شو بنحكي؟ لا يجوز له أن يتأول في اليمين، إذا كان يمينه بالله وكان ليس ظالماً يجوز له أن يتأول في اليمين. الاحتمال الثالث: إذا كان يمينه بالطلاق أو العتق وكان ظالماً، على قواعد الشافعي اللي أخذناها قبل شوي أنه الطلاق والعتق زي اليمين بالله، صح، فإذا كان بالطلاق أو العتق وكان ظالماً لا يصح التأويل فيها لكن لا تسمى يميناً غموساً، لأنه في فرق بين أقول أنها ما بصير التأويل وبين أقول أنه يمين غموس، اليمين الغموس إنما يكون بالحلف بالله.
فإذا كان يمين بالطلاق أو العتق وكان ظالماً لا ينفعه التأويل وسيقع عليه مقتضى الطلاق أو العتق، هذه رح نستفيدها، لن ينفع التأويل وسيقع عليه مقتضى الطلاق والعتق لأنه ظالم وهو عارف حاله غير صادق، لكن لن نعتبرها ماذا؟ يمين غموس، لأنه ما في فيها يمين بالله. طيب لو كان يمين بالطلاق أو العتق وكان مظلوماً أو لا ظالم ولا مظلوم، فهذه يجوز التأويل فيها ولا يقع عليه مقتضاها. فإذًا إذا كانت يمين بالله وكان ظالماً لا يجوز له التأويل وعندئذ تسمى يمين غموس، أيضاً إذا كان يمين بالله وكان مظلوماً أو لا ظالم ولا مظلوم فإنه يجوز له التأويل وليست يميناً غموساً فاجرة. إذا كانت بالطلاق أو العتق وكان ظالماً لا يجوز له التأويل وسيقع مقتضى الطلاق أو العتق، ولكنها لا تسمى يمين، وإنما هو تعليق طلاق. وأما إذا كان بالطلاق أو العتق وكان مظلوماً أو لا ظالم ولا مظلوم، فيجوز له التأويل فيها.
طيب مثال آخر: لو قال: والله فلان أخي وقصد أخوه الإسلام فيصح تأويله، ما لم يرد بذلك باطلاً، كما لو حلف أن فلاناً أخي ليعطى على غلة وقف لا يستحقها، مثلاً لو واحد قال: هذه الأرض وقف لأولاد أبو خالد، فجئنا على خالد قلنا له: جيب إخوانك، قال: والله هذا أخي، برضه اسمه سعد، طلع سعد مش أخوه في النسب، طلع أخوه في الإسلام، نقول له: هذا ما بيضبط، لأنه أنت هيك عم تعطي سعد غلة وقف لا يستحقها، لو كان في مكان مظلوم أو لا ظالم ولا مظلوم بيضبط بتحكي هذا أخي وتقصد أخوه الإسلام، لكن في هذا السياق هو سيأخذ شيئاً لا يستحقه فهذا نوع من أنواع الظلم. قال: وإنما استحلفه القاضي على أخوة النسب، فهو ظالم لا يسلم من إثم اليمين الفاجرة.
طيب، من سرق له مال وتمكن من أخذه من بيت سارقه، فادعى السارق عليه، فحلف صاحب المال: والله ما أخذت ماله ولا دخلت بيته، وقصد اليوم فله تأويله؛ لأنه مظلوم. شخص سرق مني ألف دينار، ممتاز، فشفته سبحان الله، مررت من جانب بيته فشفته حاط الألف دينار تاعتي أو سيارتي أو كذا في داخل الكراج، خليني آخذها، شخص سرق مني سيارة، أنت مررت من جانب بيته وجدته حاط السيارة وين في الكراج عنده، وعرفت أنه مش موجود، رحت فتحت باب الكراج دخلت بيته أخذت سيارتي وروحت، فراح ورافع عليّ قضية أنه داخل على بيتي وكذا وكذا، أجاني القاضي قال لي: احلف أنك ما دخلت على بيته، أنا عارف حالي أنه أنا مظلوم، ممتاز، ما عندي أدلة تثبت أن هذه السيارة لي، وهيك فرضية المسألة أنه هو مش قادر يثبت أن السيارة له أمام القاضي، بس هو بينه وبين الله يعلم أن السيارة له، والآن القاضي بده إياه يحلف أنه ما دخل، احلف أنك ما دخلت الدار، إذا ما حلف رح يتورط في قضية خمس سنين الاعتداء على أموال الآخرين، فهذا يجوز له أن يتأول ويقول: والله ما دخلت داره ويقصد اليوم باعتبار أنه دخل دار أمس، هو أخذ سيارته، فهذا له أن يتأول ويقول: والله ما دخلت داره ويقصد به اليوم، فله تأويل لأنه مظلوم؛ يعني إذا ما حلفت زي هيك رح يروح حقي، شوف مساحة الشريعة.
من أخذ متاعاً من آخر قبل أيام ولم يرده، ولا بينة لصاحب المتاع، فاشتكى إلى القاضي فاستحلفه: هل أخذت منه شيئاً؟ من أخذ متاعه من آخر قبل أيام وما رجع لي إياه ولا بينة لصاحب المتاع، شنو هي المشكلة أصلاً أنه أنت أخذت مني متاع ما رجعت لي إياه، والمشكلة في عندي دليل يثبت أنه هذا المتاع لي يا وردتك، قال: فاستحلفه فاشتكى إلى القاضي فاستحلفه: هل أخذت منه شيئاً؟ ونية القاضي في أي يوم كان، فأنا رحت رفعت قضية قلت يا قاضي: فلان أخذ متاعي وما رجع لي إياه، هسه أنا ما عندي أدلة تثبت أن هذا الشيء اللي في إيدك متاعي بس أنا رفعت عليه قضية، قلت يا هذا الرجل أخذ سيارتي وهي السيارة لي وما رجع لي إياها، فالقاضي بالإجراءات القضائية رح يجي على المدعى عليه يقول له: احلف بالله أنك ما أخذت منه شيئاً، طبعاً القاضي شو قصده في أي يوم من الأيام، فقال: والله ما أخذت منه شيئاً وقصد اليوم، فإنه يعد كاذباً في حقيقة الأمر وظالماً، يأثم بيمينه والمتاع حرام عليه حتى وإن قضى له القاضي.
ممتاز، يعني أنا ما عندي دليل يثبت أن هي السيارة لي بس رحت حكيت خلص السيارة بدي أتوجه لهالقاضي وأشوف شو بده يطلع معه، رحت عند القاضي: يا قاضي فلان ماخذ سيارتي وهي سيارتي، أنا ما عندي دليل يثبت بس خليه يحلف، خلص أنا قلت بدي أحلف، فالقاضي التفت إلى المدعى عليه وقال: احلف أن هذه السيارة لم تأخذها منه، هسه هذا المدعى عليه إذا قال: أنا بدي أتأول وأقول والله ما أخذتها منه وقصدي اليوم، وإنما أنا قصدت البارحة أنني أخذت منه البارحة فأقول والله ما أخذتها منه وأقصد اليوم، هل يقبل هذا التأويل؟ لا طبعاً، ليه؟ لأنه أنت ظالم أنت ماخذ سيارة الرجال، فما لك أنك تتأول وتحلف على نيتك أيها المدعى عليه في هي الحالة، هنا ستحلف على نية القاضي حتى لو قضى لك القاضي، ترى هذه يمين فاجرة اقتطعت بها مال أخوك المسلم.
قال: فإن كان الحالف مظلوماً، كان يكون المتاع في الحقيقة للمدعى عليه وليس للمدعي ولم تكن بينة في هذا ويعلم كذب المدعي، فله أن يحلف ويوري، ايش يعني؟ زي ما حكي زي المسألة السابقة، أنه أنا صح أخذت السيارة منك بس أنا هي السيارة لي وأنت ظالمني فيها وأنا استطعت أني أظفر بها ظفراً منك، فالآن القاضي إذا بده يجي يحكي لي: احلف أنك ما أخذتها منه، لا أنا أخذتها منه بس هي حقي، بس إذا أنا قلت أني أخذتها منه مش رح أقدر أثبت أن هذه حقي، فحلفت قلت: والله ما أخذتها منه وأنا أقصد اليوم فعلاً، وإنما كنت أخذتها البارحة، هنا انعكست القضية بس لأنك بينك وبين الله تعرف أنك مظلوم، شوفوا كيف القضية تفترق فقط أنك ظالم ولا مظلوم.
ويعلم كذباً ودع، فله أن يحلف ويورّي، أن يقول: والله ما أخذت متاع فلان، وقد صدق في حقيقة الأمر. ليه؟ لو حكيت مثلاً: والله ما أخذت سيارة خالد، ترى أنت صادق؛ لأن السيارة لي أصلاً، يعني ما في داعي أني أقصد اليوم ولا بكرة، ممكن طريقة أخرى في التأويل: والله ما أخذت سيارة خالد، وأقصد أني ما أخذت، بل أخذت سيارتي؛ فمساحات التأويل واسعة.
كم مضى من وقت المجلس؟ ساعة ونصف.
القاعدة الثالثة: العبرة في العقود للألفاظ والمباني، أو للمقاصد والمعاني؟ وهذه القاعدة أفكارها متقاربة مع القاعدة السابقة، بس مساحات تطبيقها مختلفة. وهي مشهورة جداً، ودائماً يقول: هل العبرة في العقود... تتكلم عن ماذا القاعدة؟ عن العقود بالتحديد، هذه مساحة عملها العقود؛ العبرة فيها بالألفاظ والمعاني بين المتعاقدين، بالألفاظ والمباني أو للمقاصد والمعاني. اشتهرت هذه القاعدة عند أهل العلم، وتعددت ألفاظها في التعبير عنها؛ منهم من يذكرها بصيغة الجزم، فيقول: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. والبعض يأتي فيها بصيغة الاستفهام، بسبب اختلاف الفروع في المذهب.
اختلاف الفروع في المذهب أنه أحياناً في بعض المسائل تجد أنه يغلّب فيها جانب الألفاظ، وفي مسائل يغلّب فيها جانب المعاني. والكلام عليها من ثلاث جهات: الجهة الأولى في ذكر معناها؛ تعلق هذه القاعدة بالعقود، هي أولاً ضع عليها خط؛ أن مساحة عمل هذه القاعدة في باب العقود، مش في باب الأيمان أو النذور أو ما شابه ذلك، مساحتها العقود والألفاظ المقترنة بها.
ولا يخلو الأمر من حالتين: يعني الألفاظ التي تقترن بالعقود، ماذا قلت لك أثناء: بعتك سيارتي بكذا، بقيمة كذا، وهكذا. قال: إما أن يتفق لفظها ومبناها، يعني ألفاظ العقود التي تجري على أمرين: الحالة الأولى أن يتفق اللفظ والمبنى مع قصد المتكلم والمعنى، كان يقول: بعتك سيارتي بألف دينار، وقال الطرف الآخر: اشتريت، فكلمة البيع هنا على معناها الحقيقي، وكلمة اشتريت على معناها الحقيقي، فلا إشكال أنه بيع، وليس هذا محل القاعدة، انتهينا؛ لأنه واضحة هنا اللفظ طابق المعنى.
وأما أن يختلف اللفظ والمبنى عن القصد والمعنى؛ كان يقول: أهبُك سيارتي بعشرين ألفاً، فاللفظ هبة، بس شو المدلول؟ لما أقول لك بعشرين ألفاً، هي القرينة عرّفتني أنه كلمة الهبة هنا ليست على معناها الحقيقي، وإنما دلت القرينة على أنك قصدت بالهبة البيع، فهل نعتبر اللفظ فنعتبرها هبة؟ أو نعتبر المعنى وهو وجود العوض هنا، فنعدّه بيعاً ومن ثم ستجري عليه أحكام البيع، وليس أحكام الهبة؟ لأن الهبة مثلاً تلزم بالقبض، بينما البيع بماذا يلزم؟ بمجرد التفرّق، وانتهاء خيار المجلس وخيار الشرط، يلزم البيع حتى ولو لم يحصل قبض من أحد الطرفين، يعني في أحكام كثيرة متعلقة بالبيع تختلف عن أحكام الهبة، فهل سنفسّر هذا بيعاً ولا هبة؟ هذا هو السؤال.
فيقول: هذا هو محل البحث في القاعدة المذكورة، والفقهاء مختلفون في أيهما يُعتبر حينئذ. فالحنفية يقدّمون المعنى والمقصد مطلقاً على اللفظ، ومن ثم أوردوها بصيغة الجزم، ومنه الإمام السرخسي حيث قال: العبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ. وجاء في المادة الثالثة من مجلة الأحكام العدلية: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.
ويُفهم من كلام بعض المالكية أن مذهبهم أيضاً كذلك، قال في نشر البنود بعد ذكر مسألة في الاستثناء: وهذا جارٍ على أصل مالك من أنه لا يراعي مناسبة الألفاظ من جهة اللغة في صحة العقود إذا فُهم المقصود، قاله بعض علمائهم. ماذا يقول؟ إنه مالك لا يهتم كثيراً بالتدقيق اللغوي في دلالة اللفظ في مقابل الواقع والعرف في استعماله، فيرى أن العبرة بما ينويه العاقد.
وأما الشافعية والحنابلة فتارة يقدّمون المعنى وتارة يقدّمون اللفظ، ولذلك صيغة القاعدة عند الشافعية والحنابلة بصيغة الاستفهام؛ قال ابن السبكي: هل الاعتبار بألفاظ العقود أو بمعانيها؟ وقال ابن رجب وهو حنبلي: إذا وُصِل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها، فليُفسد العقد بذلك، أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه، فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلّب هل هو اللفظ أو المعنى؟ وجزم الإمام ابن القيم باعتبار القصد، فقال: الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها. طبعاً الشافعية من أكثر المذاهب جنوحاً إلى الألفاظ، ولذلك ابن القيم تكلّم بكلام شديد مع السادة الشافعية في إعلام الموقعين في مدى الظاهرية التي حصلت عندهم حتى في بيع العينة وغيرها؛ حيث اعتمدوا الألفاظ، وقالوا: النوايا يحاسبهم الله عليها، أما نحن من باب القضاء نتعامل بالظاهر. والحنابلة لا، حقيقةً هم قريبون من المالكية في اعتبار المقاصد والمعاني في كثير من العقود.
الجهة الثانية في ذكر دليل القاعدة: يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وقد مرّ معنا أن «إنما الأعمال بالنيات» تطبّق حتى في باب العقود، أنه أنا أعطيتك إياها؛ هل أعطيتك إياها قرضاً ولا أعطيتك إياها هبة؟ النيات تتدخل. والمراد في الصور التي قدّم الفقهاء فيها النية والقصد، أما الصور التي قدّموا فيها اللفظ والمبنى، فلكل صورة دليل أو تعليل يخصّها؛ يعني ماذا نقول؟ الأصل اعتبار المقاصد والمعاني، وأما متى نظرنا إلى اللفظ ولم نلتفت إلى المقصد، فهذا لا بد أن يكون دليل خاص بهذه المسألة يبحث عنه في موطنه.
مثلاً ألفاظ الطلاق، بس عموماً ألفاظ الطلاق حتى لا يكون الطلاق مجالاً للعب والاستهزاء، الشريعة حسمت الأمر فيه؛ أن ألفاظ الطلاق الصريحة العبرة فيها بالألفاظ والمباني دون النظر إلى النوايا، اللهم إلا إذا كانت النية هناك قرينة قوية تؤكّدها من وجود وثاقة وما شابه ذلك، أما مجرد نية تقول: أنا نويت بها كذا، غير معتبر. ففي أبواب الشريعة إغلاقاً لمجال اللعب والهزل فيها، وهي خاصة الأبواب المتعلقة بالفروج، الطلاق والنكاح والرجعة وغيرها؛ «ثلاث جِدُّهن جِدّ وهزلُهن جِدّ»، ومنها الطلاق والنكاح والرجعة، وفي رواية: الطلاق والنكاح والعتاق؛ حتى ما حدا يتلاعب فيها، الألفاظ الصريحة مباشرة ينزل محتواها، حتى ولو فسّرتها بنية تخالف ذلك، إلا كما قلنا: قرينة تقوي نيتك.
الجهة الثالثة في ذكر بعض فروع القاعدة: من وهب لآخر شيئاً واشترط عليه العوض فهو كالبيع، نصّ عليه الإمام الشافعي في الأم وذكره أتباع المذاهب الأربعة؛ وهبتك هذه السيارة بألف دينار، هنا الهبة العبرة بها هنا البيع، بل حتى الإمام الشافعي الذي يجنح إلى الظاهرية في كثير من ألفاظ العقود هنا نظر إلى المدلول.
من اشترى كيس سكر من آخر وقال له: خذ هذه الساعة أمانة عندك حتى أحضر لك الثمن، فاللفظ أمانة، كلمة الأمانة تدل على الوديعة، لكن هنا في حقيقة السياق المراد بها الرهنية، لكن حكمه هنا حكم الرهن؛ فللبائع أن يبقيها عنده ليس فقط حتى يحضر الثمن، بل حتى يستوفي دينه أو يَعذر الثمن، ذكره بعض متأخري الحنفية.
مثال ثالث: لو أجّره بلفظ البيع ففيه قولان للشافعية، أصحّهما لا تنعقد. لو قال: أجّرتك هذه الدار بمئة ألف دينار، الآن معروف أنه لما أقول لك مئة ألف دينار هذا أكيد مش أجرة شهرية، لأن لو كانت أجرة شهرية لأجّرتك الدار بثلاثمئة في الشهر، لما قال: أجّرتك الدار بمئة ألف دينار، عُرِف من السياق أنه استعمل أجّرتك بما نبِعتُك؛ فالشافعية عندهم قولان أصحّهما أنها لا تنعقد، اعتمدوا اللفظ؛ لأن اللفظ لا يصلح.
الحنابلة ماذا قالوا؟ الحنابلة يصح عندهم البيع بلفظ الإجارة، فقالوا: والمذهب عند الحنابلة صحة الإجارة إن لم يضف البيع إلى العين، كان يقول: بعتك منفعة سكن الدار شهراً، أما إذا قال: بعتك هذه الدار شهراً، فلا تصح؛ الشافعية قالوا لا تنعقد، والمذهب عند الحنابلة تصح إن أضاف البيع إلى المنفعة، ولا تصح إن أضاف البيع إلى العين، فلو قال: بعتك منفعة هذه الدار شهراً، نصحّحها على أنها إجارة، وأما إن قال: بعتك هذه الدار شهراً، هنا تعتبر لاغية؛ لأنه أضاف البيع إلى العين وليس إلى منفعتها، فإضافة كلمة المنفعة هنا مهمة عندهم.
قال: لو استأجر نقداً ذهباً أو فضة وأطلق، لم تصح الإجارة، لأن النقود لا تُستأجر، لأن ما المراد بالنقود أعيانها وليس منافعها مع بقاء أعيانها، مش قلنا هناك العين إذا كانت لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها لا تصح الإجارة عليها، كان أقول: أجّرتك التفاحة من أجل أن تأكل، قلنا لا تصح الإجارة؛ لأنه طبيعة الانتفاع يقوم على استهلاك العين. فلو قال لك شخص: أجّرتك خمس دنانير، طيب شو المنفعة من خمس دنانير؟ أنا ما رح أنتفع فيها إلا أني أصرفها، فهنا الإجارة ستؤدي إلى استهلاك العين، فهل يصح أن أقول: أجّرتك خمسة دنانير؟ يقول: لو استأجر نقداً وأطلق ولم يعطِ أي قرينة لدلالة كلمة أجرتك لم تصح الإجارة، بس عند الحنابلة شو قالوا؟ قالوا: وتكون قرضاً عند الحنابلة إذا البعض قال لا تصح الإجارة. طبعاً هنا هو قال لم تصح الإجارة كإجارة، لكن هل يمكن حملها على معنى صحيح؟ قول الحنابلة نصحّحها على أنها قرض، ومثل النقد هنا المكيل والموزون، وقال لك: أجّرتك هذا التمر أو أجّرتك هذا اللحم، تمام، فنقول: شو المراد من استئجار هذه الأمور؟ استهلاكها، فالمكيل والموزون الذي لا يقبل للإجارة بطبيعة أنه مستهلك؛ فهنا نقول لفظة أجرتك هذا اللحم أو أجرتك هذا التفاح أو أجرتك هذه النقود لا تصح إجارة، وإنما تحمل على أنه قصد الإقراض، والإقراض ترد فيه البدل، فهنا نظر الحنابلة إلى المعنى.
أخيراً: من أعار آخر شيئاً مدة معلومة واشترط عليه عوضاً معلوماً، قلت: بعتك هذه السيارة مقابل خمسة دنانير أو مئة دينار، هي العارية فيها مقابل؟ العارية بدون مقابل، هنا ماذا نفعل؟ هل نقول صحت؟ قال: صحت، لكنها لا تحمل على أنها عارية، قال: ولكنها إجارة لا إعارة على المعتمد عند الحنابلة، فهنا قدّموا المعنى من اللفظ. وذكر هذه المسألة أيضاً بعض متأخري الحنفية. إذاً لاحظ هذه خمسة أمثلة تدل على أنه الأصل الحقيقة عند جمهور الفقهاء الجنوح إلى المعاني والمقاصد في العقود والتصرفات وليس إلى الألفاظ والمباني.
نكتفي اليوم بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله القواعد المتبقّية المدرجة تحت قاعدة: «الأمور بمقاصدها»، في درس قادم إن كان في العمر بقية، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل