الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الثاني من التعليق على كتاب المنحة الإلهية لشيخنا وأستاذنا الأستاذ أيمن الحبشي، متعه الله بالصحة والعافية. ما زال الحديث في مقدمات هذا الكتاب؛ في الدرس الماضي تكلمنا عن تعريف القواعد الفقهية وأهميتها وبعض المسائل المتعلقة بتقسيماتها وأنواعها. اليوم بقي علينا الفصل الأخير من المقدمات، ونشرع إن شاء الله في المقدمة الأولى؛ الفصل الأخير يتكلم عن نشأة القواعد الفقهية وعن تدوينها.
قسم الشيخ موضوع نشأة القواعد الفقهية ووزعه على ثلاث مراحل: مرحلة وجودها في النصوص الشرعية، ومرحلة وجودها متناثرة في بطون الكتب الفقهية، ومرحلة التدوين في كتب مستقلة؛ وإن كان الشيخ أيمن عرفنا في الدرس الماضي أنه يرى أن القواعد الفقهية ليست علماً مستقلاً، وإنما هي تبقى تابعة لعلم الفقه، ولا يصلح أن تفصل عنه على صورة علم مستقل، وعرفنا ما في هذا الموضوع من النقاش. يهمنا هنا أن نعرف التاريخ بشكل مختصر لنشأة هذا العلم في مصنفاته المستقلة من أين كانت البداية.
يقول: المرحلة الأولى التي مر بها هذا العلم هي مرحلة وجود القواعد الفقهية في نصوص الوحي، ونصوص الصحابة والتابعين. هذه المرحلة الأولى وأعطاك على ذلك أمثلة؛ منها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، هذه تمثل قاعدة عموماً وإن لم تكن نص قاعدة هكذا، لكن هي تمثل قاعدة رفع الحرج في الشريعة، قاعدة المشقة تجلب التيسير، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها تدل على رفع الحرج عن المكلفين؛ فإذا ضاق الأمر اتسع، هذه يصلح أن يستدل لها بقاعدة: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها وغيرها، فهي في حكم لفظ قاعدة.
كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، هذه الكلمة الجامعة منه هي في حكم قاعدة: الأمور بمقاصدها. كذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ»، يعني من كان ضامناً لشيء فربحه وخراجه له، تمام الذي يضمن الشيء هو الذي يأخذ غلته من الربح؛ لأنه الغرم بالغن كما يقول، وسيأتي لنا شرحها إن شاء الله. كذلك قول عمر بن الخطاب: لا عفو عن الحدود أو عن شيء منها بعد أن تبلغ الإمام، فإن إقامتها من السنة، هذه يمكن نجعلها ضابطاً في باب الحدود أنه لا عفو عن الحدود إذا بلغت السلطان كضابط فقهي. كذلك قول القاضي شريح رحمه الله عليه: لا يقضى على غائب، الأصل أن القضاء يكون على الحاضرين، فلا يقضى على غائب حتى يستدعى ويطلب ويجلس ونحاول أن نعرف منه، إلا في أحوال معينة مستثناة يقضى فيها على الغائبين، هذه حال أخرى، لكن الأصل أن القضاء يكون على الحاضر. فهذه تعتبر أمثلة على قواعد فقهية أو ما هو في حكم القواعد والضوابط الفقهية مبثوثة في نصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف.
ولعل هذه النصوص النبوية والآيات القرآنية هي التي قدحت فكرة القواعد الفقهية وتبويبها في أبواب عند العلماء الذين أتوا بعد ذلك؛ لما رأوا أن طريقة الشريعة الاعتماد على الكليات، رأوا أن هذه الطريقة يجب أن تكون متبعة في التصنيف الفقهي. فجاءت المرحلة الثانية وهي مرحلة القواعد الفقهية المتناثرة في بطون الكتب الفقهية. ممتاز؛ هنا القواعد الفقهية ذكرها العلماء في كتبهم حقيقةً إما في بيان لحكم معين ورد به الكتاب، أو تعليلاً له، أو لسبب آخر. ولذلك أنا قلت لكم في الدرس السابق أن كثير من القواعد الفقهية هي تمثل عللاً للأحكام، قاعدة الضرر يزال، التابع تابع، وغيره من هذه القواعد هي في الحقيقة أيضاً تمثل تعليلاً وتفسيراً للأحكام الفقهية الواردة في بطون الكتب الفقهية.
فلذلك العلماء في المرحلة الثانية كتبوا مسائل فقهية، وفي أثناء كتابتهم كانوا ربما يشيرون إلى علل هذه المسائل من خلال ذكر ضوابطها؛ فيأتي مثلاً إلى مسألة معينة فيقول: وهذه حكمها كذا كذا لأن التابع تابع، هو علل وفي نفس الوقت أعطى ضابطاً وقاعدة، وقس على ذلك؛ مثلاً يأتي على باب البيوع أو المعاملات فيقول: وهنا تكون الغلة للبائع أو للمشتري لأن الخراج بالضمان، هو علل بس في نفس الوقت أعطاك ضابطاً وقاعدة. فهذه حُسمت المرحلة الثانية، والمرحلة الثالثة حقيقة هي اعتمدت على المرحلة الثانية. من أشهر من كان يهتم بهذا التعليل القواعدي إذا صح التعبير الإمام الشافعي؛ فمثلاً كان يقول في باب الإقرارات أو في كثير من الأبواب المتعلقة بألفاظ المكلفين: لا ينسب إلى ساكت قول، الآن هذه ربما الشافعي كان يذكرها كتعليل في بعض الأحكام الفقهية، لكنها أصبحت بعد ذلك قاعدة.
وكذلك قوله رحمه الله: إذا ضاق الأمر اتسع، شوف هذه إحدى القواعد المشهورة وهي من نصوص الإمام الشافعي الرشيقة، وتذكر كتعليل لكنها في نفس الوقت أصبحت قاعدة. وكذلك قول الإمام ابن القاص الشافعي في كتاب التلخيص: كل ما خرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، تصلح أن تكون ضابطاً فقهياً. ولذلك كثير من الضوابط والقواعد الفقهية سواء عند الحنابلة أو عند غيرهم تكون مذكورة في الكتب الفقهية: كل ما يصح قرضه يصح بيعه، مش معنى إلا بني آدم، هذه يذكرها الحنابلة في أخصر المختصرات وفي غيرها. لذلك حقيقة كثير من المتون المختصرة التي جاءت في مرحلة متأخرة أغلبها عبارة عن ضوابط وقواعد، أو كثير من نصوص المتون هي عبارة عن ضوابط وقواعد: وكل أجزاء الميتة إلا كذا وكذا، ضابط.
ففائدة المتون التي تحفظ أن تكون ضوابط وقواعد، وليس حقيقة الأمثلة التي تورد فيها. ولذلك إذا تذكر كنت أقول لكم دائماً في دراسة المتون لا تركز على المثال كثيراً لأن المثال قابل للتغير بتغير الزمان والمكان، ولكن ركز على فكرة المثال الذي هو الضابط الذي يجمع هذه الأمثلة؛ فهذه وظيفة المتون أنك تحفظ منها الضوابط والقواعد.
المرحلة الثالثة أصبحت تجمع هذه القواعد المبثوثة في كتب الفقه والضوابط في كتب مستقلة، وأول الكتب المؤلفة في القواعد هو كتاب الإمام أبي الحسن الكرخي، هذا هو المشهور الحنفي؛ يعني الحنفية أسبق من غيرهم في هذا الباب. فالإمام أبو الحسن الكرخي ينسب إليه أول تصنيف في باب القواعد الفقهية، لكن القواعد التي جمعها حقيقة أوسع من أن تكون قواعد فقهية، وبعضها فقهية وبعضها أصولية، جمع فيها تسعة وثلاثين ضابطاً أو قاعدة، واشتهرت باسم أصول الكرخي، ولم يكن جميعها قواعد فقهية كما قلنا، بل كان فيها بعض القواعد الأصولية.
يقول هنا الشيخ: مما يلاحظ أن جميع الكتب المؤلفة في القواعد الفقهية كانت سائرة على أحد المذاهب المتبوعة؛ يعني باختصار إخواني ما ينفع شخص يؤلف كتاب القواعد الفقهية وهو غير منضبط بمذهب من المذاهب، لأن هذه القواعد هي ثمرة الجهد الفقهي الموجود في كل مذهب من المذاهب؛ يعني هي ثمرة الثروة الفقهية عند الحنابلة أو الشافعية أو المالكية. والشيخ أيمن حريص على تنبيه الطلاب على التمذهب، وعلى أن هذا المسلك الصحيح في فهم سواء أصول الفقه والقواعد الأصولية أو فهم القواعد الفقهية. ولذا كان سائر على أحد المذاهب المتبوعة، ولم نر خروجاً عن هذا السبيل إلا في كتب المعاصرين.
الكتب المعاصرة المجمعة في القواعد الفقهية هي التي أصبحت تكتب قواعد فقهية هكذا؛ فلا يعنى عامة بغض النظر ما المذهب الذي تنتمي إليه هذه القاعدة، وهذا إشكال حتى أصول الفقه المعاصر نفس المشكلة، تجد كثير من كتب أصول الفقه المعاصر فضفاضة، هي لا تنتمي إلى مذهب معين، وإنما هي تمثل رأي صاحبها فقط أو اختيار صاحبها. فلما يقول لك شخص والله هذا كتاب أصول الفقه على طريقة كذا وكذا، أو أصول الفقه وقواعده، نقوله على مذهب من؟ يقول لك أصول الفقه على الراجح، الراجح عند من؟ عندك أنت؟ إذاً هذه الأصول الفقه التي تتبناها أنت، وكأنك تقول للطالب: اقرأ أصول الفقه التي أنا أتبناها. هذا هو الواقع، سواء عرف ذلك من عرفه، ووجه إلى ذلك من جهله، ممكن حتى المؤلف هو ليس منتبهاً على هذا، لكن هذا هو الواقع؛ لأنه القواعد الفقهية أو القواعد الأصولية هي تحتاج في إثباتها إلى الاستدلال، فلما تثبت لي قاعدة فقهية أو قاعدة أصولية كأنك تقول لي قام لي الدليل على إثبات هذه القاعدة، إذا لم تكن مقلداً لمذهب من المذاهب؛ أما إذا كنت مقلداً لمذهب فأنت لا تحتاج أن تقول قام الدليل، لأنك تقول أنا في النهاية مقلد لهذا المذهب وهذه هي قواعده الأصولية أو الفقهية.
وبناء على أن القواعد الفقهية دائماً مربوطة بالمذاهب، سريعاً دعونا نمر على أبرز كتب القواعد الفقهية في المذاهب المتبوعة. نبدأ بالسادة الحنفية، ما أبرز كتب القواعد الفقهية لديهم؟ عندك أصول الكرخي وهذا سبق الكلام عنه أول كتاب عموماً، تأسيس النظر لأبي الليث السمرقندي عليه رحمه الله من علماء القرن الرابع الهجري، تأسيس النظر لأبي زيد الدابوسي، وهو من علماء الحنفية الكبار الذين دار بينهم وبين الغزالي وغيره من أهل زمانهم نقاشات أصولية كبيرة، الأشباه والنظائر لابن نجيم، وهذا يعتبر موسوعة فقهية، وإن كان متأخراً ابن نجيم، لكن كتابه مرجعية مهمة جداً في الفقه الحنفي في القواعد الفقهية، وقد سار على طريقة ابن السبكي الشافعي في الأشباه والنظائر وأشار إلى ذلك في مقدمته، ويعد كتاب ابن نجيم أشهر كتب القواعد الفقهية عند الحنفية. ولذلك كان هناك اهتمام من المتأخرين من الحنفية في شرحه، فكان هناك شرح مثلاً غمز عيون البصائر لأحمد الحموي، ويعتبر هذا أيضاً من الشروح الجميلة والقوية على مذهب السادة الحنفية. أيضاً مجلة الأحكام العدلية التي دونت في زمن الخلافة العثمانية وقد ألفها جمع من علماء الحنفية في عهد السلطان الغازي عبد العزيز خان في القرن الثالث عشر الهجري، حتى يعمل بها على شكل دستور قريب من الأنظمة المعاصرة؛ يعني أصبحت مسائل الفقه الحنفي دونت على شكل مواد قانونية، هي المواد القانونية هي أقرب إلى أن تكون قواعد وضوابط فقهية. وشرحت أيضاً بعدة شروح منها مثلاً درر الحكام شرح مجلة الأحكام للشيخ علي حيدر، ألفه باللغة التركية ثم تم ترجمته، المهم شرح قواعد المجلة حقيقة الشيخ أحمد الزرقاء عليه رحمه الله شرحها في كتابه شرح القواعد الفقهية على طريقة السادة الحنفية. هذه نظرة عامة سريعة على كتب الحنفية.
نذهب مثلاً إلى كتب المالكية: من القواعد الفقهية المتقدمة عندهم كتاب أصول الفتيا على مذهب الإمام مالك للخشني من علماء القرن الرابع الهجري، أيضاً كتاب الفروق، طبعاً كتاب الفروق ستقول يا شيخ هذا في علم الفروق الفقهية، نقول هو أصل علم الفروق الفقهية هو أقرب لعلم النظائر الذي مر معنا البارحة، وهو يبين لك القواعد وما الفروق بينها فهو يجمع؛ يعني كتاب القرافي الفروق هو يجمع بين القواعد والفروق بين القواعد، فلذلك يمكن تصنيفه ضمن هذا الصنف. أيضاً كتاب القواعد للمقري محمد بن محمد المقري من علماء القرن الثامن الهجري له كتاب في القواعد الفقهية على مذهب السادة المالكية، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي، وأخيراً المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب للتجيبي؛ التجيبي بفتح الجيم المالكي، وله شرح مشهور بشرح المنهج المنتخب للإمام المنجور وهو شرح أيضاً شهير.
نذهب إلى كتب السادة الشافعية: من بواكير الكتب التي خرجت عندهم كتاب قواعد الأحكام ومصالح الأنام المعروف بالقواعد الكبرى، كتاب العز بن عبد السلام، وهذا الكتاب أنتم تلاحظون في مادته أنها لا تعتبر جمعاً لقواعد فقهية واضحة، لكن هو في جملته يمثل قواعد فقهية في التعامل مع أبواب المعاملات، في التعامل مع أبواب القضاء، في التعامل مع أبواب السياسة الشرعية؛ فهو يتضمن في نصوصه الكثير من القواعد والضوابط العامة، قواعد العدل، قواعد ما شابه ذلك، فهو يمثل فعلاً قواعد ولذلك سمي القواعد الكبرى، وإن كان اعتناءه الأكبر بباب قواعد المصالح والمفاسد. عندنا بعد ذلك كتاب الأشباه والنظائر لابن الوكيل، للإمام صدر الدين بن الوكيل، ويعرف أيضاً بابن المرحل، وهو من أول من الفقّه تحت اسم الأشباه والنظائر، أول من قعّد القواعد الفقهية تحت اسم الأشباه والنظائر هو الإمام ابن الوكيل. عندك أيضاً المجموع المذهب في قواعد المذهب لصلاح الدين العلائي، وعندنا أيضاً الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي، عندنا كتاب منثور في القواعد الفقهية للإمام الزركشي، وعندنا أيضاً الأشباه والنظائر للسيوطي وهو من أشهر الكتب عند المتأخرين حقيقة، كتاب الأشباه والنظائر عند السيوطي؛ السيوطي أستاذ في الجمع يعني ماهر وحاذق في قضية الجمع عموماً في الفنون، حتى نظم الشيخ أبو بكر الأهدل خلاصة هذا الكتاب في منظومته الشهيرة الفرائد البهية التي يحفظها الشافعية، منظومة الفرائد البهية في القواعد الفقهية هي أيضاً منظومة على كتاب أو على خلاصة خلينا نقول كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي.
من كتب الحنابلة أشهر كتاب ومن أعظم الكتب عندنا هو كتاب تقرير القواعد وتحرير الفوائد للحافظ ابن رجب عليه رحمه الله، ويعرف أيضاً بقواعد ابن رجب، وجل هذا الكتاب الحقيقة هو ضوابط فقهية وليست قواعد؛ لأنه يتكلم فيه عن أمور جزئية في أبواب الطهارات والصلوات والحج والمعاملات، وهو كتاب بديع يدل على رسوخه في العلم، حتى ابن حجر العسقلاني مدح هذا الكتاب فقال: أجاد فيه، ويدل على سعة اطلاع ابن رجب في المذهب. وعندنا اختصار القواعد الفقهية اختصار قواعد ابن رجب للشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابه تحفة أهل الطلب، وعندنا أيضاً في خاتمة الكتاب.
مغني ذوي الأفهام لابن عبد الهادي سرد لمجموعة من القواعد الفقهية. طبعاً هناك كتاب القواعد الفقهية الكبرى والصغرى لنجم الدين الطوفي، وهذا الكتاب مفقود، هناك كتابان للإمام الطوفي، وهناك كتب مميزة لو قدر لها أن تخرج لكان فتحاً كبيراً، منها الطوفي؛ لأن الطوفي أنتم رأيتم كتاب شرح مختصر الروضة، حجم الإتقان وحسن التصنيف فيه، فلذلك صنف كتاباً اسمه القواعد الكبرى والقواعد الصغرى، وهذان الكتابان كما قال الشيخ أيمن مفقودان. يقول الشيخ: وقد بحثت عنهما في فهارس المخطوطات في المكتبات العالمية ولم أظفر بهما حتى الآن، ولو وجدا لكانا صيداً ثميناً، خاصة لشخصية مثل شخصية الطوفي عليه رحمة الله.
حقيقة نقر أن المكتبة الحنبلية ما زالت تحتاج إلى تدعيم أكثر وأكثر في علم القواعد الفقهية، وهذا لعله يعود إلى طبيعة الحنابلة في فقههم وابتعادهم عن القضاء؛ يعني كلما كان المذهب أكثر اعتناءً بالقضاء وبالنظر في أحوال الناس، كلما احتاج أكثر إلى ضبط مسائله على شكل ضوابط وقواعد. لما ابتعد الحنابلة عن القضاء ربما كان في تقصير في قضية التدوين في هذا العلم والتصدر له، وإلا فهو علم مهم جداً.
طبعاً أظن أن كتاب إعلام الموقعين للإمام ابن القيم الحنبلي عليه رحمة الله لا يمثل قواعد فقهية بحتة، لكن في حشوه قواعد فقهية وضوابط فقهية كثيرة جداً، أعلى من كتاب القواعد الكبرى للعز بن عبد السلام. من نصب نفسه أو صدر نفسه لقراءة هذا الكتاب وتدوين ما فيه من القواعد والضوابط التي ذكرها ابن القيم، أظن سيخرج بمادة مناسبة. أيضاً كلام ابن تيمية المبثوث هنا وهناك حقيقة يمثل العديد من القواعد الفقهية التي توجد في ضمن كلامه منثورة. ولو طبعاً هناك كتاب اسمه القواعد النورانية، لكن هذا لا يمثل القواعد الفقهية بحد ذاتها، وإن كان يسمى هكذا بالقواعد، لكنه لا يمثل كتاباً مستقلاً نستطيع أن نقول في القواعد الفقهية.
الكتب المعاصرة أنتم عرفتم أنه في مشكلة في الكتب المعاصرة عموماً أنها لا تلتزم بالمذهبيه، لكن يمكن الاستفادة منها حقيقة في ضبط بعض الأمور. من أشهرها كتاب الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية للدكتور محمد صدقي البورنو، أظن هذا توفي قريباً، وكثيراً ما ينسب الفروع إلى المذاهب، ولذا قدمته في الذكر. أيضاً الشيخ السوري الذي توفي قريباً قبل شهر تقريباً أو شهرين، دكتور حسن هيتو، أظن هذا أيضاً له موسوعة أو شيء من ذلك في القواعد الفقهية، أظنه كتب شيئاً من ذلك أيضاً. المهم أيضاً عندنا الممتع في القواعد الفقهية للدكتور مسلم الدوسري، فيه جمع جيد للقواعد الكلية والضوابط الفقهية، والدكتور محمد عثمان شبير أيضاً، والمفصل في القواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين. وعندنا القواعد الفقهية، وهو كتاب تعليمي من إثراء المتون، لهم كتاب جيد في التمرين على القواعد الفقهية طبعوه.
من أشهر كتب المعاصرين حقيقة، كما ختم لك، كتاب القواعد الفقهية للشيخ علي الندوي، وهذا كتاب مقرر اليوم في الجامعات، كتاب فيه تحرير كبير، وهو يقرر في جامعاتنا اليوم في مرحلة الماجستير أو الدكتوراه، وكذلك القواعد الفقهية ليعقوب الباحسين كتاب يجدر الانتباه له والاهتمام به. لكن من أضخم الكتب المعاصرة في القواعد الفقهية كتاب البورنو يعتبر موسوعة كبيرة.
الآن نختم هذه المقدمة بذكر فوائد القواعد الفقهية؛ لماذا ينبغي لطالب العلم أن يدرس القواعد الفقهية ويضبطها؟ هناك العديد من الأمور التي تجتنى، أظن في الدرس الماضي ذكرنا نص السيوطي رحمه الله عليه في الحاشية، ذكر فيه قيمة القواعد الفقهية، ويمكن أن نبني عليه هنا أن القواعد الفقهية أولاً تسهل عليك الحفظ والضبط للمسائل الفقهية، لأن المسائل الفقهية بالآلاف المؤلفة، وأن تبقى على ذهن الطالب مستحضرة هذا ربما يكون من المحال، لكن الضابط والقاعدة تعينك على جمع هذه المسائل الشوارد وتقييد الأوابد حتى تبقى مستحضراً لما يمكن استحضاره، فإذاً هي تسهل عليك عملية الحفظ والضبط للمسائل الفقهية، ومعرفة مآخذها. هذا الجميل في القاعدة أنه لا يعطيك فقط ضابطاً هكذا متخيلاً، هو يعطيك الضابط مع الإشارة إلى العلة التي بني عليها هذا الضابط.
أيضاً تكوين الملكة الفقهية لدى الفقيه؛ لأن الضوابط والقواعد تجمع المتشابهات، فأنت تصبح تفهم كيف الشريعة، أن هذه مجموعة من المسائل المتشابهة، إذاً الشريعة تقوم على الجمع بين المتماثلات، وليس كما يزعم البعض على التفريق بينها، عرف ذلك من عرفه وجهل ذلك من جهله، وإذا كانت هناك أمور متشابهة لكن فرق بينها في الحكم، هذا يكون لملحظ معين، وأن الذي فرق بينه فيه علة أخرى أرجح في هذا المقام وفي هذا السياق؛ فهي باختصار تضبط الميزان والبوصلة.
أيضاً تعينك على إدراك مقاصد الشريعة؛ لأن معرفة القواعد العامة التي تندرج تحتها مسائل عديدة يعطي تصوراً واضحاً عن مقاصد الشريعة. أنا لما أعرف الضوابط الفقهية والقواعد، وكل ضابط وقاعدة يمثل تعليلاً، هذا التعليل يمثل المقاصد الإلهية. لما يقول أنا فعلت كذا من أجل كذا، التعليل هو الذي يبين المقصد الإلهي من هذا الحكم التشريعي. فبضبطي للقواعد؛ الضرر يزال، العادة محكمة، الأمور بمقاصدها، المشقة تجلب التيسير، أعرف أن الإله سبحانه وتعالى يريد منا اليسر ولا يريد التعسير، أعرف أن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن ننتبه إلى النيات ومقاصدنا، أعرف أن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نجعل العادات محكمة ضمن قواعدها وضوابطها؛ فإذاً القواعد الفقهية تعينك على ضبط المقصد الإلهي.
يمكن جعل القاعدة أصلاً تقاس عليه المسائل التي تشبهها في العلة، نجعل القاعدة الفقهية أساساً لعملية القياس، وهذا مر معنا في الدرس السابق لما تكلمنا: هل يصح الاستدلال بالقاعدة الفقهية المستنبطة؟ والشيخ رجح أنه يمكن الاستدلال بها باعتبار أنها يمكن تحويلها إلى عملية قياس فقهي ظني.
يقول: ويحسن هنا أن نورد العبارة الرشيقة للعلامة القرافي في أول كتابه الفروق، مبيناً فائدة القواعد الفقهية، حيث قال: «وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف». إذاً جعل القرافي علو قدر الفقيه وعلو كعب الفقيه منوطاً بمدى إحكامه للقواعد الفقهية الخاصة بمذهبه، قال: «ويظهر رونق الفقه، وتتضح مناهج الفتاوى، وتكشف فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء؛ الأقدر على جمع النظائر والمتشابهات وعلى التفريق بينها». يعني أن يعرف ما هو المتشابه فيجمع بينه، وما هو المختلف فيفرق بينه؛ هنا يظهر مدى الإحكام والإتقان ليس فقط بمجرد الحفظ.
«فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع». ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، يعني الذي يمسك فرعاً فرعاً فقهياً ويصبح يعلل له بصورة جزئية؛ هذه الصورة الجزئية قلنا أنها حلال لكذا، هذه الصورة الأخرى قلنا أنها حرام لكذا، هذه الصورة قلنا أنها مباحة لكذا، ولا ينظر إلى الكلي الجامع، أحياناً سيقع في تناقضات، فيأتي إلى أمور متشابهة يحكم على هذا بالتحريم ويحكم على هذا بالتحليل مع أن النظر الفقهي الكلي من بعيد يقتضي أن تكون هذه مثل هذه؛ فالذي يبقى فقط مع التعليلات الجزئية لفروع المسائل سيقع في خلط، ولن تنتظم قاعدته ولن يطرد؛ بخلاف الذي يعرف الجوامع الكلية، هذا الذي يكون أكثر اطراداً.
«ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى». بدك تحفظ كل منتهى الإرادات وكل الإقناع، بعدين بدك تحفظ الكشاف، لأنه أنت ما عندك ضابط، ما عندك قاعدة؛ بخلاف اللي عنده ضابط وقواعد يختصر على نفسه. لذلك لما يقولون في العصور المتأخرة إن والله من القرن السابع الهجري وما بعده هذا عصر الجمود انشغلوا بوضع المتون، أنا أعتقد أن هذا الكلام غير محرر كثيراً؛ لأن وضع المتون هي حقيقة عملية مهمة جداً كانت تحصل في القرن السابع وما بعده، لما كثرت المدونات الفقهية وبسطت المسائل فيها كنا نحتاج إلى المتون المختصرة التي تجمع الضوابط والقواعد حتى يمكن الحفظ، لأنه هل الفكرة أن نبقى نكثر فروعاً نكثر فروعاً دون أن نجمع الفروع المتشابهة في قواعد وضوابط؟
فوضع المتون هذه نعمة من الله حتى يسهل على الطالب أن يحفظ ويضبط أكبر عدد ممكن من المسائل، وإلا لو بقيت المسائل كما كتبت في القرن الأول والثاني والثالث الهجري لضاع كثير من العلم بسبب وجود آلاف المسائل المبثوثة هنا وهناك. فالمتون مرحلة مهمة وخطيرة، وهي التي تعينك على ضبط النحو، ضبط البلاغة، ضبط أصول الفقه، ضبط الفقه، لأن المتون هي حقيقة عملية جمع لقواعد العلم، أليس هذه وظيفة المتون؟ الجمع لقواعد العلم هذه وظيفتها، فلذلك إياك أن يأتيك شخص يقول لك والله هؤلاء الشباب مساكين بس ينشغلون بحفظ المتون، قل له: نحن لا نحفظ المتون، نحن نحفظ قواعد هذه العلوم، تفضل أرني ضبطك للقواعد؛ أما حضرتك أنت تفتح كتاباً لا تستطيع أن تتكلم بكلام علمي رصين مطرد، وإنما تشرق وتغرب لأن الأصول والقواعد غير منضبطة لديك. فالمتون هي مرحلة مهمة في التأسيس، لا ينبغي العدول عنها، لكن لا ينبغي أيضاً أن تقف دوماً عندها، لأنه لا بد من مرحلة التطبيق والمعالجة، لأن المعالجة والتنزيل هي التي تجعل القواعد راسخة ومحكمة وتصبح تراها عملية أمام عينيك بعد أن كانت مجرد قواعد نظرية أنت تحفظها بشكل عام.
قال: «وانتهى العمر ولم تقضِ نفسه من طلب مناها. ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره؛ وتناسب، وأجاب الشاسع البعيد، وتقارب، وحصل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان». فبين المقامين شأو بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد؛ لذلك الكبار هم الذين يعتنون بالتقعيد، فتجد مثلاً العز بن عبد السلام، تجد القرافي، ابن دقيق العيد، الشاطبي، ابن تيمية، ابن القيم؛ هؤلاء يهتمون بالتقعيد؛ لأنه أنا لا بد أضع المنهج، أما تفاصيل المنهج وتطبيقاته لن تنبو إذا كان المنهج واضحاً. المشكلة أنك فقط تهتم بحفظ الفروع وأنت لا تملك المنهج المعرفي للنظر والتفكير، هذا أخطر شيء. ولذلك القواعد الفقهية مثل القواعد الأصولية، لا بد أن تنتمي إلى نطاق معرفي معين؛ حنفي، مالكي، شافعي، حنبلي، حتى أعرف المنهج المعرفي الذي أنا أفكر من خلاله، وإلا فأنت تدعي أنك شكلت منظومة معرفية جديدة، فهذه أنت تحتاج أن تدلل عليها بعد أن تقنعنا بأهليتك لهذا المقام أصلاً.
قال: وهذا القدر يكفي في المقدمات، والآن نشرع في القواعد الفقهية الكلية الكبرى، وهي خمس كما بينا في الدرس الماضي، وهذه القواعد، أول قاعدة منها قاعدة «الأمور بمقاصدها».
بسم الله، الآن أولى القواعد الفقهية الكبرى وأهم القواعد الفقهية الكبرى هي قاعدة: الأمور بمقاصدها. وهذه القاعدة دائماً تأتي مع شرح حديث «إنما الأعمال بالنيات»، وكما أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» يدخل في كل أبواب الفقه، فهذه القاعدة تدخل في كل أبواب الفقه: الأمور بمقاصدها. قال: اشتهرت بهذا اللفظ في كتب القواعد الفقهية، وأرشق وأحسن من هذه العبارة عبارة قول من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». يعني لو أردت تعبيراً أعلى وأفخم من هذا التعبير من تعبير الأمور بمقاصدها، فتعبير النبي عليه الصلاة والسلام هو أجمع تعبير وأفخم تعبير، «إنما الأعمال بالنيات»، خاصة على الشرح الموسع الذي اعتمده ابن جرير الطبري وأبو طالب المكي وابن تيمية وغيرهم، وهو أن المراد «إنما الأعمال بالنيات» أن كل عمل من خير أو شر إنما منبعه من إرادة ونية، تمام. لكنهم يعتمدون قاعدة الأمور بمقاصدها بهذا اللفظ نظراً لأنهم يتكلمون في الأبواب الفقهية، وإلا فالقول النبوي «إنما الأعمال بالنيات» أجمع وأعلى، كما سيأتي معنا إن شاء الله في شرح عمدة الأحكام.
الآن نبدأ بتحليل القاعدة، وهذه طريقة الشيخ أيمن أنه يبدأ بالقاعدة، شرحها، دليلها، وأبرز الأمثلة عليها، وكان الشيخ حفظه الله يلزمنا أثناء الدراسة في المدينة النبوية أن الطالب لا يحفظ ويضبط من الأمثلة إلا...
كان الشيخ حريصاً على التمذهب وينبهنا على ضرورته، لذلك هو يقول: أنا وضعت أمثلة على كل المذاهب حتى ترى القاعدة كيف تطبق في كل المذاهب، لكن في النهاية أنت تطالب بحفظ المثال الذي يتلاءم مع مذهبك. هذه كانت الطريقة في التدريس، وكانت طريقة جيدة حتى لا يشوش على الطلبة دراستهم لمذاهبهم.
يقول: معنى القاعدة الآن "الأمور بمقاصدها". القاعدة تتكون من كلمتين: الأمور، بمقاصدها. نبدأ بكلمة الأمور، كلمة الأمور جمع أمر، والأمر في اللغة له عدة معاني. يطلق الأمر بمعنى الطلب، ويطلق كلمة أمر بمعنى الشأن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97]، يعني ما شأنه. ويطلق الأمر أيضاً بمعنى الحال، والبعض يقول نفس الشيء: وما أمر فرعون برشيد، يعني وما حاله. ويطلق الأمر بمعنى الصفة، فهذه كلها إطلاقات للأمر في اللغة. الشيخ هنا اختار منها، قال والمناسب منها هنا في هذا المقام أن نقول الأمور بمقاصدها، أي الأمر بمعنى الحال. اختار من تعريف الأمر في اللغة الأمر بمعنى الحال، واستدل على ورودها بهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، طبعاً هنا أمر تحتمل أن تفسر بمعنى الشأن ويمكن أن تفسر بمعنى حاله، وهذا كله معقول وقريب.
ومراد أهل العلم الآن بهذا المعنى اللغوي لكلمة الأمر الذي يناسبنا في هذا المقام، ونقله الآن للمعنى الشرعي، سيكون معنى الأمور بالمعنى الشرعي في هذا المقام هي الأقوال والأفعال التي يقوم بها المكلفون. إذاً مراد أهل العلم بالأمور في هذه القاعدة بالتحديد الأقوال والأفعال الصادرة من المكلفين.
قال: وأما المقاصد فالمقاصد جمع مقصد، والمقصد مصدر ميمي، قصد يقصد مقصداً. فهو مقصد، وهو من القصد، إذا قلنا مقصد مصدر ميمي، فالقصد أيضاً هو المصدر الحقيقي، قصد يقصد قصداً. ويطلق في اللغة أيضاً القصد على عدة معاني، من أشهر معاني القصد في اللغة التوجه والإمامة، تقول قصدت هذه النقطة، شو يعني توجهت إليها وأممتها. ولذلك لما فسروا الحج ماذا قالوا في الحج؟ القصد إلى معظم، يعني التوجه إلى معظم وهو بيت الله سبحانه وتعالى. هذا معنى القصد في اللغة التوجه والإمامة، أما مراد أهل العلم بالمقاصد في هذه القاعدة في باب القواعد الفقهية المراد بالمقاصد هو النيات.
فكأنه أصبح المعنى الآن، وليس المراد أن الأفعال والأقوال لا تحصل إلا بالنيات؛ فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية. هنا سنعود إلى الخلاف الذي ذكرناه في "أحكام الأحكام" شرح "عمدة الأحكام"؛ أن الشيخ هنا فسر النية بالمعنى الشرعي، وليس النية بالمعنى اللغوي العام الذي يشمل مطلق الإرادة. فنحن حين يقول الشيخ: فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية، نقول له: أنت ماذا تقصد بأن يفعل أو يقول شيئاً؟ هل تقصد الأفعال والأقوال الاختيارية، ولا الأفعال والأقوال الاضطرارية؟ الأفعال والأقوال الاضطرارية كحركة الرمش ورعشة اليد، أو ما يصدر من النائم من كلمات، ممكن أتفق معك أن هذه الحركات الاضطرارية لا تكون بنية، لكن أي فعل أو قول اختياري صدر من عاقل لا بد فيه من نية بالمعنى العام، يعني لا بد فيه من إرادة، سواء إرادة ونية بالمعنى الشرعي أو إرادة عامة. فالذي يغتسل للتبرد عنده نية ولا ما عنده نية؟ عنده نية إرادة، أريد أغتسل للتبرد، لكنها ليست نية شرعية. الذي يمشي باتجاه المسجد ليحرك قدميه هو لم ينوِ الذهاب إلى المسجد، لكنه نوى تحريك الأقدام، هذه نية. فقوله: فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية، يقصد بدون نية شرعية، المعنى الضيق للنية. وبالتالي هو يسير مع من يرى أنه لا بد من تقدير شيء، فالتقدير للمحذوف على طريقة "إنما الأعمال بالنيات" ما هو في هذه القاعدة؟ يقول: فلا بد حينئذ من تقدير مقتضى دلالة اقتضاء كما مر معنا مع ابن دقيق العيد حتى تصح الجملة، وهو أن نقول: أحكام الأقوال والأفعال بحسب النيات. هكذا اختار التقدير المحذوف، أن نقول أحكام الأقوال والأفعال يكون على حسب النيات.
قال: وهذا هو المعنى الإجمالي للقاعدة، ولاحظ أنه هنا يتكلم عن الأحكام المتعلقة بالأقوال والأفعال من جهة الأمور الشرعية. يقول أحكام الأقوال على حسب نوايا المكلفين وأحكام الأفعال على حسب نوايا المكلفين، فهنا يتجه إلى الكلام عن الأحكام الشرعية المبنية على الأقوال والأفعال. قال هذا بحسب النيات، لكن سنلاحظ أنه هنا سنواجه إشكالاً؛ أنه بعد قليل سيأتي بنوايا متعلقة مثلاً في باب المعاملات، ويذكر لك أمثلة أنه فلان دفع مالاً لشخص، فسنسأله ما نيتك في الدفع له؟ هل نيتك الإقراض ولا نيتك الهبة؟ الآن هذه النية هي ليست النية بالمعنى الشرعي النية التعبدية، وإنما هي النية بمعنى الإرادة بالمعنى العام، يعني ما إرادتك في دفع المال في باب المعاملات؟ فهل نعود فنقول هل الشيخ هنا قصد بالنيات النية بالمعنى الشرعي فقط، ولا النية بما هو أعم، النية التي تشمل مقاصد المكلفين عموماً، سواء مقاصدهم التعبدية في باب الصلاة والزكاة والصيام، ومقاصدهم الحياتية في باب المعاملات والإقرارات؟ حقيقة من حيث الواقع العملي والتطبيق الذي سيجنح إليه الشيخ، هو قصد بالنية من حيث التطبيق النية بالمعنى العام.
فهنا سنجد أنه صار إشكال، أنه ماذا قال في أعلى الصفحة؟ قال: فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية. لكن لما أتيت تشرح القاعدة وتبين معناها، قلت لا بد أن أقدر محذوفاً والتقدير: أحكام الأقوال والأفعال بحسب النيات. حقيقةً هذا سنبينه شرح ابن دقيق العيد، من ذهب إلى دلالة الاقتضاء بالمعنى الخاص يقول لابن تيمية: هؤلاء هم الذين فسروا النيات بالنيات الشرعية، فهؤلاء هم الذين احتاجوا أن يقولوا بدلالة الاقتضاء الخاصة والمحذوف الخاص. أما من ترك النيات على معناها العام، فهؤلاء لا يحتاجون إلى تقدير خاص، وإنما نبقى على التقدير العام "الأمور بمقاصدها"، يعني ماذا؟ الأفعال والأقوال كائنة بمقاصدها، توجد بمقاصدها. أنا لو أريد أن أمشي مع الشيخ أيمن أكثر وأكثر ماذا سأقول؟ سأقول: نعم، أنا أدرك أنك تريد أن تصل إلى معنى أوضح، يعني لو قلنا الأفعال والأقوال كائنة بمقاصدها، أي تكون بالنيات والإرادات. ربما هذا لا يعبر كثيراً عن المقصود بالقاعدة. يعني في حديث "الأعمال بالنيات" تصلح معنا لأننا نريد أن نعطي جوامع الكلم، وأن كل عمل لا بد فيه من إرادة، هذا يصلح كلفظة جامعة. لكن هنا في باب القواعد الفقهية، أنا أتفق معك أننا ربما نحتاج إلى شيء من التخصيص أكثر وأكثر حتى يعرف ماذا نريد من تطبيق القاعدة.
فقد أوافق أننا نقول الأقوال والأفعال بحسب النيات، وأقدر كلمة محذوفة في المبتدأ وهو "أحكام" الأقوال والأفعال بحسب النيات. فهنا أنا أبقيت النيات بالمعنى العام، النيات بمعنى الإرادة، ليست النية التعبدية بحد ذاتها، النيات بالمعنى العام. لكن الذي دفعني إلى أن أقدر كلمة "أحكام" في البداية ما هو؟ حتى أبين فائدة القاعدة في الأمور الشرعية، أنه نحن في النهاية نريد في الأمور الشرعية الحكم الفقهي، هذا الذي أريده. فأقول: نعم جيد أن تقول تقدير الأمور بمقاصدها، الآن قلنا الأمور بمعنى الأقوال والأفعال، مش هكذا فسرناها؟ والمقاصد فسرناها بمعنى النيات. فلو بقيت على الإطلاق "الأقوال والأفعال كائنة بالنيات"، ربما السامع لا يفهم كثيراً المراد في الباب الفقهي، فيكون من الجيد من باب التوضيح أكثر وأكثر أن تقول ماذا؟ أحكام الأقوال والأفعال، يعني الأحكام الفقهية المبنية على أقوال المكلفين وعلى أفعال المكلفين، هذا على حسب نياتهم، سواء كانت نيات إيجابية محمودة أو حتى لو كانت نيات سيئة. لأنه هذا أيضاً أحكام الأقوال والأفعال ستكون على حسب النيات.
لكن هذا التقدير أن أقدر كلمة "أحكام"، الذي ألجأني إليه ليس التعليل الذي ذكره ابتداءً. أنا سامحوني شوي تفصيلي لأنني أحب أن أقتنع بالكلام الذي يقال هل هو صحيح ولا غير صحيح. الذي ألجأني إلى تقدير كلمة "أحكام الأقوال والأفعال بحسب النيات" هو ليس التعليل الذي بدأ به الشيخ أيمن، وهو قوله ماذا؟ فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية. لأنه أنا أعتقد أنه أي فعل اختياري لا يمكن أن يكون بدون نية. أليس قلنا هو يقول الشيخ: ليس المراد أن الأفعال والأقوال لا تحصل إلا بالنيات؛ فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية. هنا أنا في اعتقادي الشيخ ذهب إلى تعليل الفريق الثاني، لكن لما رجع إلى القاعدة اضطر أن يرجع إلى القاعدة على طريقة ابن تيمية وابن جرير على المعنى الأول. فهمتم نقطة الإشكال؟ هو أخذ تعليل الفريق الثاني في شرح حديث "إنما الأعمال بالنيات"، وهو أنه الأقوال والأفعال قد تحصل بدون نيات. تقول: كيف تحصل الأقوال والأفعال بدون نيات؟ الأفعال والأقوال الاختيارية لا يمكن تحصل بدون نيات. آه، أنت تقصد أن الأقوال والأفعال الاختيارية قد تحصل بدون نيات شرعية تعبدية. طيب، هل هنا أنا في البحث هنا أتكلم فقط عن النية الشرعية التعبدية، ولا عن النية بالمعنى العام، النية المذمومة والنية الخيرة؟ أنا أتكلم عن النية بالمعنى العام.
ففي اعتقادي أقول والله أعلم أن الإشكال الذي يقع في كلام الشيخ أيمن أين هو؟ أنه حقيقة ملزم في هذه القاعدة أن يسير على طريقة ابن تيمية، وهو أنه لا يحصر النيات فقط بالنيات الخيرة النيات الشرعية، بل ينبغي أن يقول: الأقوال والأفعال بحسب النيات، سواء كانت نيات خيرة أو نيات مباحة طبيعية، زي هي نية قرض ولا نية هبة، مش ضروري تكون هي نية معاملات فقط، أو نية حتى سيئة كما سيأتي معنا في باب الإيمان وبغيرها من الأبواب، أو في باب القذف مثلاً، لو الشخص قال كلمة شو نيتك في هذه الكلمة؟ إذا كانت كنائية في بعض المرات نيات سيئة، بس قد تكون نية عن نية تفرق، وينبني على كل نية حكم. فإذاً هو مضطر في شرحه للقاعدة أن يجعل النيات على المعنى العام، سواء نية خيرة ولا نية سيئة ولا نية مباحة، فأقول أنت رجعت إلى المربع الأول. فالتعليل الذي ذكرته في قولك: فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية، هذا لا يصلح لك. هذا يصلح لمن يفسر النية بالنية الشرعية المحمودة فقط. وهذا يعني في اعتقادي أن يكون هنا قد يكون حصل الخلط في الكلام، فهمتم ولا ما فهمتم؟
إذاً لما يقول: وليس المراد أن الأفعال والأقوال لا تحصل إلا بالنيات؛ فإن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية، نقول: هذا كلام مستدرك. لماذا؟ نقول: إذا كنت تقصد أن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية الأفعال الاضطرارية، كلامك صحيح بس هذا ليس موضوعنا؛ لأن الأفعال الاضطرارية خارجة عن التكليف. طيب إذا كنت تقصد أن الأفعال والأقوال الاختيارية يمكن أن تكون بدون نيات، أقول لك انتظر قليلاً، ماذا تقصد بدون نية؟ إذا كنت تقصد بدون نية شرعية، أتفق معك. بس إذا كنت تقصد بدون نية بالمعنى العام بدون إرادة، لا يمكن؛ فإن أي إنسان عاقل لا يتصرف إلا بإرادة. فإذا كنت تقول: لا أنا أقصد بدون نية شرعية، بنقول: إذاً أنت ستحصر القاعدة "الأمور بمقاصدها" يعني الأمور بالنيات الشرعية، أقول لك: لا، النيات هنا عندي بالمعنى الأعم، يشمل النيات الشرعية أو النيات المذمومة أو النيات المباحة. أقول: إذاً كلامك تضارب، إذاً أنت ترى أن القاعدة تتكلم عن مطلق النيات، فلا يصلح إذاً أن تعلل لماذا ذهبت إلى دلالة الاقتضاء بأن الإنسان قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية.
كان عليه أن يعلل بماذا؟ طيب ما هو التعليل الصحيح؟ أنا الآن بدي أصوب، أقول: التعليل الصحيح الذي كان ينبغي أن يجنح إليه الشيخ هو أن يقول: وإنما احتجت إلى دلالة الاقتضاء حتى تعرف ثمرة القاعدة أو المقصود من القاعدة، لأنني لو قلت الأقوال والأفعال تكون بالنيات على الإطلاق، ليس هذا هو المطلوب هنا؛ لأن المطلوب من القاعدة أن يظهر أثرها الفقهي، هذا المطلوب منها. ما دام المطلوب أن يظهر الأثر الفقهي، إذاً أنا محتاج أن أضع دلالة اقتضاء لشيء محذوف، أقول: الأحكام الشرعية للأقوال والأفعال تكون بحسب النيات. أقول: صح، أنت لهذا تحتاج دلالة الاقتضاء، وليس لأن المرء قد يفعل أو يقول شيئاً بدون نية. فهمتم كيف النقاش؟ ليس لهذا التعليل الذي ذكرته، بل لأن السياق البحثي هنا هو الذي دفعك إلى دلالة الاقتضاء؛ لأنني هنا لست في سياق بيان فلسفة الوجود كما في حديث "إنما الأعمال بالنيات"، أن فلسفة الوجود أنه ما من عمل إلا بنية. أنا هنا في سياق بيان الأثر الفقهي للأقوال والأفعال، هذا يكون بحسب النيات سواء كانت نيات خيرة أو سيئة أو مباحة.
طيب، أنا أطلت في ذلك، لكنه هذا نوع من النقاش الذي أثيره لنعرف هذا الكلام متناسق مع التعليل أو لا. لاحظ ماذا قال بعد ذلك، قال: توضيحه بالمثال، من صلى ركعتين فإنما يعرف حكم صلاته بحسب نيته. هذا بالنسبة نعم باب الصلاة، فمن نواها فجراً فهي فرض، ومن نوى الركعتين تحية مسجد ستكون نفلاً. طبعاً هنا دخل شيء يعني هذا المثال سيأتي.
إكمالًا للشرح، ما هي النيات؟ وظيفتها أن تميز العبادات عن العادات، ومن وظيفة النيات أيضًا أن تميز بين عبادة وعبادة، هل هي فرض أو نفل؟ قال: ومن دفع لفقير مالًا، فالحكم يختلف بحسب النية، فقد ينويها زكاة فهذا سيكون هذا الدفع فرضًا، وقد ينوي بهذا الدفع نفقة لولد صغير، فهذه نفقة واجبة، لا زكاة، ومن دفعه لفقير مقابل شراء طعام فهذا بيع مباح، ومن دفعه له إحسانًا بلا عوض فهذه صدقة نفل، وعلى هذا فقس؛ فنِيّة التصرف واحدة وهو دفع مال، لكن تفسير هذا التصرف وحكمه على حسب نيتك في عملية الدفع، أليس كذلك؟
خلاصة ما نريد أن نصل إليه معنى قاعدة الأمور بمقاصدها: الأحكام الشرعية للأقوال والأفعال تكون بحسب النيات، هذه القاعدة العامة، والدليل عليها من أشهر أدلتها الحديث المشهور حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وحقيقة هذا الدليل هو الذي يؤسس لهذه القاعدة، والكلام عليه -أي على هذا الدليل- كالكلام على لفظ القاعدة من حيث وجوب تقدير مضمر ليصح الكلام؛ إذ إن الأعمال قد تقع بدون نية.
كيف الأعمال تقع بدون نية؟ الأعمال الاختيارية لا يمكن إلا أن تكون بنية بالمعنى العام للنية، لكن أنا أعرف الشيخ هنا يحتاج أكثر إلى تحرير، أن الأعمال قد تقع بدون نية شرعية، لكن لا يمكن أن تقع الأعمال الاختيارية بدون إرادة والنية بالمعنى العام، فاقتضى الكلام وجوب إضمار ليصح، نفس المشكلة التي وقع فيها عاد فيها هنا، وهنا سنعرف من أين وقع الإشكال؛ أنه أخذ ابن دقيق العيد تمامًا ما ذكره في الأحكام، قال: وفي ذلك يقول الإمام ابن دقيق العيد: قوله صلى الله عليه وسلم «الأعمال بالنيات» لابد فيه من حذف مضاف، فاختلف الفقهاء في تقديره؛ فالذين اشترطوا النية قدروا: صحة الأعمال بالنيات أو ما يقاربه، والذين لم يشترطوها قدروا: كمال الأعمال بالنيات أو ما يقاربه.
هو نفس كلام ابن دقيق العيد الذي شرحناه في الأحكام، لذلك لن أطيل فيه، حقيقة هنا وقد رجح الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى؛ لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ، فكان الحمل عليه أولى، نفس الكلام الذي قرأناه في ابن دقيق العيد الشيخ أخذه تمامًا، لكن كما قلنا صار في إشكال الآن، أن كلام ابن دقيق العيد كما نبه على ذلك ابن تيمية في شرح حديث إنما الأعمال بالنيات، قال: وإنما دخل على هؤلاء الإشكال أنهم قصدوا بالنيات النيات الشرعية.
وأنت يا شيخ هنا لا تريد النية بالمعنى الشرعي فقط، أنت تريد النية بما هو أعم، ذلك النية الشرعية أو النية الفاسدة، أو حتى النية المباحة، وأنت ستنص على ذلك بعد قليل، فإسقاط الكلام هنا يحتاج إلى إعادة نظر.
قال: وأدلة اعتبار النية حقيقة كثيرة جدًا، حتى قال الإمام السيوطي عليه رحمة الله: ورد في مطلق النية من غير خصوص هذا اللفظ أحاديث كثيرة جدًا تزيد على عدد التواتر. يعني الأحاديث لو أردنا استقراء الأحاديث النبوية التي كان للنية فيها أثر وحضور، سنجد أنها أحاديث تصل بالعشرات إذا لم تصل إلى المئات، أنه أراد قتل صاحبه، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، من طلب علمًا ما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا... هذه كلها أحاديث تتكلم عن النيات.
فأنت عندك مئات الأحاديث حقيقة التي أشارت ونبهت وركزت على قضايا النيات، وليس هذا هو اللفظ الوحيد الذي يمكن أن يعتمد عليه، حديث «إنما الأعمال بالنيات» هو أحد الأحاديث، نعم واحد المركزيات، لكن كما قال السيوطي ليس هو فقط هذا اللفظ الوحيد الموجود، بل عندنا أحاديث كثيرة تزيد على عدد التواتر، لما قال: ورد في مطلق النية من غير خصوص هذا اللفظ، طبعًا هو يخص من غير خصوص هذا اللفظ؛ يعني نحن لسنا ملزمين بلفظ النية. وماذا يقصد من غير خصوص هذا اللفظ؟ أحيانًا يعبر عنها بالنية، أحيانًا يعبر عنها بالابتغاء، أحيانًا يعبر عنها بالإرادة، أحيانًا يعبر عنها من أجل كذا، فيقول لك: بغض النظر هل استعمل لفظ النية أو لفظ الإرادة أو لفظ الابتغاء أو غيرها، المهم أنها كلها مترادفة، ما ورد في هذا يربو على عدد التواتر.
ومما يدل على اعتبار النية أيضًا مثلًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، والإخلاص لا يتحقق إلا بالنية، لكن هنا سياتي الشيخ أن النية كما ذكرنا في شرح دقيق العيد، النية تطلق على المنوي له وتطلق على المنوي به، في الباب الفقهي نحن نبحث عن المنوي به عمومًا، وفي باب العقائد والسلوكيات يتكلمون عن النية بمعنى المنوي له، وهنا المقام في هذه الآية مقام المنوي له، قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: 19-20]، الابتغاء من مرادفات النية، يعني القصد، وهنا عبر عن المقصد بلفظ الابتغاء، ولكن هنا أيضًا أتكلم عن النية بمعنى المنوي له.
صحيح حديث أنس بن مالك أن النبي عليه الصلاه والسلام قال: «لا عمل لمن لا نية له»، طبعًا البعض ضعف هذا الحديث، لكن هنا استعمل لفظ النية بالتحديد، وهذا يؤكد على مركزية النية، وأصبح قريب من اللفظ «إنما الأعمال بالنيات» لأنه هذا حصر وهذا حصر، صح لا عمل لمن لا نية له، قريبة من إنما الأعمال بالنيات.
طبعًا هذا حتى أكون دقيق هنا ليس أسلوب حصر، هذا «لا» النافية للجنس، يقول: لا عمل للذي لا نية له، لكن يستفاد منه الحصر، يعني يفهم منه الحصر فهمًا، وإن لم تكن هو أسلوب حصر؛ أسلوب الحصر هو بـ «ما» و«إلا»، لكن هنا أنت تتكلم عن لا النافية للجنس، فالحصر فهم فهمًا، أنه لما يقول لك: لا عمل لمن لا نية له، إذا العمل متوقف على النية فهمًا، ولا يمكن أن يصح بدون نية. حديث سعد بن أبي وقاص أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها»، تبتغي الابتغاء من ألفاظ النية، لكن هنا كلها أدلة على النية بمعنى المنوي له، وأجمع العلماء في مختلف العصور على المعنى الذي تضمنته الآيات والأحاديث المذكورة، فعندك إذًا أيضًا دليل الإجماع، فأصبحت هذه القاعدة: «الأمور بمقاصدها» دليلها الجلي الواضح الذي يكون شبه نص عليها حديث «إنما الأعمال بالنيات»، ثم ما يشابهه ويقاربه من الأحاديث كما قال السيوطي وإن لم يعتمد فيه لفظ النية، ثم أتى إلى ذكر الآيات التي تؤكد على ضرورة النية ومركزيتها، وإن لم تكن تتكلم عن النية بالمعنى الفقهي، وإنما كانت تتكلم عن النية بالمعنى العقدي السلوكي، ثم استدل بالإجماع، فإذا الكتاب والسنة والإجماع كله يعتبر دليل على هذه القاعدة.
الجهة الثالثة: في بيان منزلة هذه القاعدة في الشريعة، سبق أن هذه القاعدة عائدة إلى حديث «الأعمال بالنيات» وهو حديث منزلته عظيمة، وقد مرارًا وتكرارًا سبق أن أشرنا أن هذا الحديث، قال الشافعي مثلًا: يمثل ثلث العلم ويدخل في سبعين بابًا من الفقه، وقال الإمام أحمد: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث منها حديث عمر «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث عائشة «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه»، وحديث النعمان بن بشير «الحلال بين»، وإسحاق بن راهويه يقول: الإسلام على أربعة أحاديث هي أصول الدين، منها حديث «إنما العمل بالنيات»، وحديث «الحلال بين والحرام بين»، وحديث «إن خلق أحدكم يرجع في بطن أمه أربعين يومًا»، وحديث «من صنع في أمرنا شيئًا ما ليس منه فهو رد».
يعني باختصار العلماء تكلموا عن منزلة حديث «إنما الأعمال بالنيات»، فكل ما ورد في فضيلة حديث «إنما الأعمال بالنيات» يعتبر يصب في مركزية هذه القاعدة قاعدة «الأمور بمقاصدها» لأنها مستندة أصلًا على هذا الحديث.
الجهة الرابعة: في القول في النية وفيه مسائل، الآن سيتكلم عن الأحكام الفقهية، المسألة الأولى: الحكمة من مشروعية النية، لماذا شرعت النية أصلًا؟ قال: يطلق العلماء لفظ النية ويريدون به أحد معنيين، المعنى الأول: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، هذا الدور الأساسي للنية، بس هذا الدور الأساسي للنية، النية في أي باب إخواني؟ في باب العبادات، أنه سياتي معنا ويقول تنبيه ويذكر أن النية ترد في باب المعاملات أيضًا، فإذا جيد من الآن أن نحكم الأمور، النية في باب العبادات هي التي نهتم بها، أن تميز بين العبادة والعادة وتميز بين عبادة وعبادة، هذا النية في قسم العبادات.
فمن أمثلة ذلك تمييز غسل الجنابة عن غسل التبرد، نزلت أو ذهبت لأغتسل، ما الذي يجعل هذا غسل تبرد وهذا غسل جنابة، أو هذا غسل جمعة وهذا غسل نظافة؟ النية، فإذا نويت غسل الجنابة أو غسل الجمعة حصلت العبادة، ونفس الشيء الصيام، ممكن واحد يصوم تعبدًا، وممكن الواحد يصوم مثل كثير مثلًا من الكفار أو غير الملتزمين، قد يصوم صيام من الصباح للمساء بس عشان الرجيم بس، ما لم ينوِ التعبد لله ونعوذ بالله من الخذلان.
كذلك مثلًا من تمييز عبادة عن عبادة تمييز صلاة الفجر المفروضة عن سنة الفجر، ما الذي يميز سنة الفجر عن صلاة الفجر مع أنه هذه ركعتين وهذه ركعتين؟ النية فقط.
تنبيه: تبين لك ما سبق أن النية شرعت لهذين الأمرين: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، وقد جرت عادة كثير من أهل العلم على الاقتصار عليهما على ذكر هذين الملحظين، لكن الحقيقة أن للنية فوائد أخرى تظهر في المعاملات أيضًا، ها إذًا الشيخ نفسه ذهب إلى أن النية أيضًا لها وجود في باب المعاملات، فالمعاملات أيضًا إنما تتميز بالنية، والنية هنا هي نية شرعية ولا نية مباحة؟ يعني هل هي نية تعبدية ولا نية مباحة؟ هي نية مباحة، يقول: فمثلاً من دفع لآخر عشر ريالات يختلف العقد باختلاف النية، هل هو عقد صرف ولا عقد هبة ولا عقد قرض؟ فاهمني، فإن كان يقصد الصرف فهو عقد صرف، بالتالي أصبح هناك شروط الصرف يجب تطبيقها، إذا كان بقصد القرض أصبح عقد قرض يحتاج أن نطبق شروط القرض، وإذا كان بقصد الشراء فصار عندنا عقد بيع بدنا نطبق شروط البيع وهكذا، ممتاز.
طبعًا سامحونا أنا أحيانًا سأقفز، ما رح أقرأ كل الكلام، الكلام سهل يعني ما ليس متنا أننا نقرأ كل التفاصيل، بدنا نمشي.
المعنى الثاني: الآن هذا كله المعنى الأول للنية، قال تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات بعضها عن بعض، لكن كما قلت لكم اكتب هذه النية بالمعنى التعبدي، والنية في الحقيقة أعم من ذلك لأنها تميز أيضًا بين أنواع العقود، وتميز أيضًا بين أنواع الألفاظ أيضًا الصادرة من المكلفين، يعني لو بدك تضيف على فكرة العقود ممكن تكتب أيضًا: والنية تميز بين ألفاظ المكلفين الصادرة عنهم، فبعض الألفاظ تكون مشكلة، والله هذه قصد بها الطلاق ولا قصد بها الظهار؟ زي قول مثلًا: «يحرم عليّ زوجتي»، أحيانًا البعض قد يقصد بها هكذا والبعض قد يقصد بها هكذا، صحيح، أحيانًا قد يقول كلمة كنائية يقصد بها الطلاق، أحيانًا قد يقصد بها شيئًا آخر، فباب الألفاظ الكنائية عمومًا كله مبني على وجود النيات، كذلك باب الأيمان، تفسير الأيمان مبني على النيات، فإذا النيات واسعة وعامة وفضفاضة، فقد تكون النيات الشرعية، وقد تكون الإرادات العامة التي يحتاج إلى معرفتها أيضًا لتفسير أقوال المكلفين.
المعنى الثاني من النية: قال تمييز المقصود بالعمل وهو الله وحده لا شريك له، إذًا هو التقسيم الذي ذكرته لكم قبل قليل، أن النية يقصد بها العمل المنوي، ويقصد بالنية المنوي له، النية تستعمل للمنوي به والمنوي له، فالشيخ ابتدأ بالنية بالمعنى الأول المنوي به وهذا يستعمل في العبادات والمعاملات على وجه العموم، وتستعمل أيضًا النية بمعنى المنوي له، يقول: وهل هو الله وحده لا شريك له أو غيره، أو هو الله وغيره؟ والنية بهذا المعنى هي المقصودة عند أرباب السلوك والتزكية في كلامهم عن الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين، وأكثر ما يعبر عنها بلفظ مش النية، يعبر عنها بلفظ الإرادة، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أو ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾، وقد يعبر عنها أيضًا بالابتغاء، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، فجيد تعرف أنه في مقامات العقيدة والسلوك اللفظ الدارج هو لفظ الإرادة والابتغاء، وفي باب الفقهيات اللفظ الدارج هو لفظ النية.
والاهتمام بالنية مهم جدًا، إذ به سعادة المرء وفلاحه، وبه يحصل الأجر والثواب، ومن أعظم ما يبين عظيم أمرها حديث أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ناس يقضى عليه يوم القيامة...» وذكر الحديث بطوله حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار، أنا سأختصر بعض الأمور، أتركها لكم تقرؤونها إن شاء الله، حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار ما الذي أوبقهم وأهلكهم؟ النوايا، هذا جاهد ليقال مجاهد هذه نيته، وذاك قرأ ليقال أو تعلم العلم ليقال عالم هذه نيته، وذلك تصدق ليقال كريم فنيتهم أوبقتهم، فالاعتناء بالنوايا مهم جدًا.
يقول الشيخ أيمن الحبشي: إنه رجل كان يعتني جداً بالتزكية حتى في أثناء تدريس هذه القواعد الفقهية، رجل رقيق الدمعة وسهل الدمعة وكثير النصح والإرشاد والحرص على القضايا السلوكية والأخلاقية والقيمية عند طالب العلم. ولكن حتى في ثنايا هذا الكتاب ستستفيد منه الكثير من القضايا التربوية والسلوكية، لأنه رجل معتن بهذا الشأن ومحتف بالارتقاء بمستوى طالب العلم العبادي والتزكوي وليس فقط المستوى العلمي؛ فكان حريصاً على النصح والإرشاد، جزاه الله عنا كل خير.
المسألة الثانية: بعد أن عرفنا أن النية تطلق على قسمين: المنوي به، والمنوي له، نقول ما حكم النية؟ حكى ابن رشد اتفاق الفقهاء على اشتراط النية في العبادات، يعني أن العبادات لا تصح شرعاً إلا بالنية. لكن هذا الاتفاق سنجد أنه في بعض النقاط فيها اختلاف، وأنه ليس كل العبادات عند كل العلماء النية شرط فيها؛ وهم يذكرون مثلاً أن الوضوء عند الحنفية لا يشترط فيه نية الوضوء لأنه متميز في صورته.
يقول: إلا أن السيوطي رحمه الله ذكر أن أكثر الشافعية على اعتبارها ركناً لأنها داخلة في العبادة، وهذا شأن الأركان بخلاف الشرط. هذا خلاف عموماً تكتيكي؛ هل النية ركن في العبادات ولا شرط؟ الركن ما كان جزءاً من الماهية، والشرط ما كان خارجاً عن الماهية. نحن عند الحنابله نجعل النية شرطاً لا نجعلها ركناً، الشافعية أكثرهم يجعلونها ركناً، ولذلك هم يرون لابد من اقترانها بالعبادة، بل يرون أن النية لا تتقدم إلا على سبيل الاستثناء كنية الصوم، وإلا فالأصل اقترانها، فهذا لأنهم أصلاً يرونها ركناً من الأركان، والركن لا يسبق الشيء وماهيته.
فعموماً لما قال اتفق الفقهاء على اشتراط النية في العبادات، نقول: اكتب هذا في الجملة؛ لأنه في بعض تفاصيل العبادات سنجد أن الحنفية في مسائل من العبادات ما اشترطوا فيها النية، وفي مسائل أخرى اشترطوا فيها النية؛ فلما نقول اتفقوا عليها نقول هذا في الجملة. نعم، لأن مثلاً النية الحنفية أنفسهم قالوا: لابد من النية في التيمم. فإذاً في الجملة في اتفاق على أهمية النية في العبادات واشتراطها، لكن هل كل عبادة تشترط لها النية أم يمكن أن تصح العبادة بدون النية؟ نقول: هذا فيه تفاصيل داخل أروقة المذاهب.
وبناءً على هذا تتفرع كثير من مسائل الفقه، فمنها مثلاً أن من صلى ركعتين بنية النفل بعد طلوع الفجر، لم تجزئه عن صلاة الفجر نفسه؛ لوجوب تعيين النية في الصلوات عند المذاهب الأربعة. نحن قلنا أي صلاة فرض لابد أن تعين، أريد أن أصلي الفجر، الظهر، العصر، فلو شخص صلى ركعتين بنية النفل بعد طلوع الفجر، هل يصح مثلاً أن يقول: خلص بدي أعتبر هذول الركعتين عن صلاة الفجر؟ لا، ما بيزبط، لأنه صلاة الفجر عند المذاهب الأربعة، والظهر والعصر والعشاء، لابد حتى تكون النية صحيحة من التعيين؛ فإنه هي ظهر، عصر، فراتبة الظهر لا تجزئ عن الظهر، وراتبة مثلاً أو سنة المغرب القبلية لا تجزئ عن المغرب وهكذا. فهذا يدل لك على أن المذاهب الأربعة اشترطت تعيين النية للصلوات الخمس، إذاً هذا يدل على أن النية معتبرة في العبادات عند المذاهب الأربعة في الكثير من المسائل.
وأن من امتنع عن المفطرات من الفجر إلى المغرب بلا نية صوم لم يصح الصوم إجماعاً، حتى الحنفية، الكل يقول لابد من النية للصيام؛ إذاً النية معتبرة في العبادات. وأن من أخرج الزكاة بلا نية لم تجزئه عند كافة العلماء. كذلك من دفع لفقير مالاً ثم أراد احتساب هذا المال الذي دفعه زكاة، بس متى تذكر نية الزكاة؟ بعد الدفع، قال: لم يجزئه ذلك لتأخر النية عن وقت الدفع. ومن طاف حول الكعبة بقصد اللحاق بشخص، واحد طاف سبع مرات حوالين الكعبة عم يلحق شخصاً بس ما نوى الطواف بالكعبة، لم يصح طوافه عند الحنابلة. هنا طبعاً لما يذكر عند الحنابلة يعني يكون الشيخ هذه المسألة ما وجدها عند كثير من العلماء، يعني قد تكون المسألة ما لم يستطع الوقوف على إجماع فيها، فذكر أين وجدها أو لا، قد يكون فيها اختلاف؛ هذا فقط حتى تعرف منهج الشيخ أنه إما أن يكون وجد هذه المسألة مبحوثة عند غير المذهب أو وجدها لكن فيها خلاف، فينص على أن هذا الذي وجدته في مذهب الحنابلة وخالفهم غيرهم، ليس هدفه هنا أن يذكر خلاف الغير، خلص يكون هذا فقط أن يذكر من قال بوجوب النية.
وأن من حلف ولم يقصد اليمين لا تجب عليه الكفارة، تمام؛ اللي هو نسميه لغو اليمين، يمين اللغو، لماذا يمين اللغو يسمى لأنه أنت ما في عندك نية ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، كان في نية على اليمين. ولغو اليمين هو أن تقول لا والله وبلا والله وغيره؛ طيب هذا تأكيد على أن النية عموماً معتبرة في العبادات. وكنت أنا أرى أن المثال الأخير لو أن الشيخ، ممكن نقول: نعم هو اعتبر اليمين عبادة بمعنى بشكل من أشكاله، أن هي كل المسائل الصلاة والصيام والزكاة والدفع والطواف عبادات، فهل اليمين بحد ذاته عبادة ولا هو مجرد توثيق؟ باعتبار أن له شروطاً وأنه لا يجوز أن يكون بغير اسم الله أو صفة من صفاته أو كذا، يعني يمكن أن يعتبر عبادة بهذا المعنى، وإن كان أنت لا تقصده ابتداءً لذاته؛ يعني الصلاة، الزكاة، الصوم هي عبادة مقصودة، اليمين هو ليس شيئاً مقصوداً، لا يتعبد به بذاته، لكن هو اعتبره عبادة من أي جهة؟ أن له شروطاً وقواعد، وأنه لا يجوز إلا أن يكون باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته، فهنا من هذه الجهة اعتبر فيه شائبة العبادة.
الآن بعد أن ذكرنا أن النية تشترط في العبادات، هنا سيُسأل سؤال: إذا كانت العبادات المطلوبة هي عبادات تركية؟ الآن نحن عندنا، ركزوا معي إخواني ككلام عام، عندنا أوامر ونواهي، صحيح؟ مش الشريعة منية الأوامر والنواهي؟ النواهي، هل النهي لما الله عز وجل ينهاك عن شيء أن تفعله، هل كفك النفس عن هذا الشيء (الكف) هل هو فعل أو لا؟ هي بحثناها سابقاً في "بلغة الوصول"، أن هناك خلافاً بين علماء الأصول، هل كف النفس عن الشيء عندما ينهانا ربنا عنه هل الكف صحيح؟ نعم أن كف النفس عن الشيء هو فعل صحيح، لكن ما دام فعلاً هل يحتاج إلى نية؟ ما أنتم تقولون إنما الأعمال بالنيات، هل كف النفس عن الشيء يحتاج إلى نية حتى يصح امتثالك للنهي؟ أم أن الله إذا نهاني عن شيء فبمجرد ذهولي عنه وتركي له حتى ولو لم أقصد الانكفاف أنا أعتبر ممتثلاً للنهي؟
نقول: الصحيح في باب المنهيات بمجرد أن تترك الشيء الذي نهاك الله عنه، سواء تركته وأنت ذاهل عنه (يعني مش منتبه أنك تاركه ولم يخطر على ذهنك) أو تركته وأنت لا تكف نفسك كفاً عنه، أنت في كلا الحالتين تكون ممتثلاً للنهي؛ فلذلك يقولون في باب المنهيات لا نحتاج إلى نوايا، باب النيات لا يحتاج إلى نية، لماذا؟ لأن المنهيات المطلوب تركها، فإذا تركتها، سواء نويت الانكفاف أو لم تنوِ الانكفاف، في كلا الحالتين فعلت المطلوب منك. ممتاز، فلذلك قال هنا: ثمت مسائل كثيرة نص الفقهاء على عدم اشتراط النية فيها، منها باب التروك، ما يسمى عندهم باب التروك، فالتروك لا تفتقر إلى نية.
قال ومنها المنهيات، يقول القرافي: فالنواهي كلها يخرج الإنسان عن عهدتها، يعني هو اعتبر التروك لها عدة صور، الصور التي تدخل تحت التروك: المنهيات. قال: ومنها طهارة الخبث، فإنها من باب التروك، يعني هو اعتبر أن التروك الأشياء التي تتركها، هناك أشياء أنت نُهيت عنها، فإذا نُهيت عنها فالمطلوب منك أنك تتركها، فاعتبر المنهيات كلها من قبيل التروك. فمثلاً الله نهاك عن الخمر، الله نهاك عن الربا، الله نهاك عن تناول كثير من الأطعمة، فالمطلوب إذاً من هذه المنهيات ما هو؟ أن تترك هذه الأشياء. طيب تركي لهذه الأشياء التي ربنا نهاني عنها هل يفتقر إلى نية؟ الصحيح أنه لا يفتقر إلى نية، لكن النية في باب التروك تحتاج إليها لتحصيل الثواب المخصوص.
شخص نحن نهينا عن شرب الخمر، ممتاز، فهس يوم القيامة إذا شخص عاش الدنيا وفي كل الدنيا ما خطر على باله أصلاً شرب الخمر، هل سيحصل ثواب أنه لم يشرب الخمر؟ أم تحصيل ثواب عدم شرب الخمر يتوقف على أنك نويت أن تتركه لله؟ هنا ماذا يقول القرافي؟ لاحظوا ماذا قال: يقول القرافي: فالنواهي كلها يخرج الإنسان عن عهدتها وإن لم يشعر بها (يعني لم يشعر بها عند تركها) فضلاً عن القصد إلى تركها؛ يعني هس في واحد أصلاً تاركها وهو مش شاعر فيها ولا عمره خطر بباله هي المعصية أصلاً.
مثال ذلك: زيد المجهول لنا، حرم الله علينا قتله وماله وعرضه، صحيح زيد يعني هذا مثال، أي شخص في الشارع هكذا مسلم، أنا هس مأمور أو أنا منهي عن التعرض لنفسه وماله وعرضه، هس هذا الشخص أنا أصلاً ممكن ما خطر في ذهني أصلاً أتعرض لدمه وماله وعرضه، فهل تركي التعرض لدمه ومالي وعرضه أنا أثاب عليه مع أنه هذا زيد من الناس أنا أصلاً ما بعرفه ولا خطري في ذهني ولا عمري تقصدته؟ فيقول: خرجنا عن عهدة ذلك النهي بمجرد أننا ما تعرضنا له، وإن لم نشعر به ونحن أصلاً مش عارفين مين اللي ماشي في الشارع. قال: وكذلك سائر المجهولات لنا من المحرمات؛ يعني الخمرة الموجودة في أمريكا الموجودة في ذلك المحل أو الموجودة في عمان في محل من المحلات، الله يعافينا، هذه أنا مطلوب مني أتركها، بس أنا تاركها ضمنياً وأنا مش عارف عنها ولا شاعر فيها، فأنا حصلت المطلوب أني ما شربتها، وإن كنت لم أشعر أصلاً ولم تخطر في بالي. فيقول: نعم، إن شعرنا بالمحرم ونوينا تركه لله، حصل لنا مع الخروج عن العهدة الثواب لأجل النية؛ فأصبحت النية بالنسبة لباب التروك والمنهيات هي شرط في الثواب لا في الخروج عن العهدة.
إذاً في باب التروك، أقول عموماً لا مانع والله أعلم أن نقول إن الإنسان يوم القيامة يحصل ثواباً جملياً على عدم وقوعه في المنهيات، وإن لم يشعر؛ لكن الثواب الجزئي على ترك منهي معين هذا يحتاج إلى نية؛ يعني أنك لم تعمل علاقة محرمة مع سين من النساء، هذه متى ستحصل على ثوابها؟ إذا عرض عليك الفتنة فأنت انكففت؛ هنا يثيبني الله على أنني لم أقم علاقة مع سين من النساء. لكن عموم ترك النساء وعدم التعرض لهن، وأنك كنت أصلاً مش فاضي التفكير فيهن إن أمكن ذلك، أنت ستحصل عليه ثواباً جملياً، لكن لن تحصل ثواباً جزئياً على ترك س وصاد وعين وجيم من النساء؛ لأنه هي أصلاً ما خطرت في ذهنك. ففرق بين من ترك منهياً معيناً وكف عنه بنية الامتثال لله، فهذا يحصل الثواب على هذا المنهي المعين، وبين من لم يخطر في باله المنهي أصلاً، فهذا إن شاء الله يحصل عموماً ثواباً جملياً على ترك المنهيات، لكن لا يحصل أصل ثواب ترك كل منهي على وجه التفصيل.
طيب، الآن ماذا يقول هنا أيضاً؟ يقول ما يدخل تحت قاعدة التروك، قال: ومنها طهارة الخبث. الآن نحن بنعرف في باب الطهارة يقولون: إزالة النجس لا تحتاج إلى نية، فلو أنا بالغلط ضربت إبريق مي وإبريق المي اجا على الأرض وشال نجاسة، حصل إزالة النجاسة ولو لم أنوِ فعلاً ولم أقصد إدارة الإبريق على النجاسة. فإزالة النجاسات لا تحتاج إلى نية، يقولون لماذا؟ يقولون: لأنها من باب التروك، هكذا يعادل الفقهاء لأنها من باب التروك. ولهذا قال: لا يشترط فيها فعل ولا عبادة ولا قصد، بل لو زالت بالمطر النازل من السماء حصل المقصود، كما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم.
قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: طيب لكن السؤال، هل طهارة الخبث من باب التروك ولكنها ليست من باب المنهيات؟ واعتبر كأنه هناك أمور تعتبر من التروك لكنها ليست داخلة في المنهيات؛ لأنه ايش قال التروك؟ ثم تحت الشيخ بواب: ومن التروك المنهيات، ومن التروك اجتناب النجاسات. فكأنه يعتبر أن اجتناب النجاسة، كأنه اعتبر أن اجتناب النجاسة ليس من قبيل المنهيات، وإنما من قبيل الأمور التي أمر الله سبحانه وتعالى باجتنابها، يعني كأنه في هناك "لا تفعل كذا، لا تفعل كذا"، وهناك أمور مأمورات بس هو أمر باجتناب الشيء. هس أنت راح تقول هي داني وهي داني، صحيح، لأن الأمر باجتناب الشيء لما أقول لك الصلاه، أمرك أو عفواً مثلاً نجاسة على ثوبك تريد أن تصلي، أقول: أمرك بإزالة النجاسة، هس أنت مأمور بإيش؟ بإزالة النجاسة، خلص النجاسة موجودة، موجودة، فأنت مأمور بإيش؟ بإزالة النجاسة، هذا أمر مش نهي. فنقول: تعال طيب الله أمرني هنا بإزالة النجاسة، إزالة النجاسة هل هو فعل يعتبر تركي ولا فعل وجودي؟ يقولون: إزالة النجاسة وإن كنت هنا أنا مأمور بها أمراً...
لكن هي تصنف من قبيل الأمور التروك، لماذا؟ لأن النجاسة لو لم تكن موجودة على الثوب، لما كان فيها تكليف متعلق بي، فالمطلوب ابتداء ما هو؟ ضمنياً أنا مطالب باجتناب النجاسة، كأن الله قال لي: اجتنب النجاسة. صح، الله أمرني أن أجتنب النجاسة. طبعاً أنت ستقول: سأجتنب النجاسة، وهي في العقل الباطن نهي عن ملابستها، صح؟ يعني الأمر باجتناب النجاسات هو نهي عن ماذا؟ عن ملابستها، كأنني أقول لك: لا تجعل نجاسة تأتي إليك.
هنا أنت يمكن أن تحول الأمر إلى نهي، لكن هم اعتبروه من قبيل الأوامر. لما أقول لك: اجتنب النجاسات عند الصلاة وما شابه ذلك، فأنا هنا هل المطلوب مني فعل معين، ولا المطلوب مني مطلق الترك؟ المطلوب مني مطلق الترك، بدليل أنني لو اجتنبت النجاسة ولم يخطر في ذهني اجتنابها، هل أكون أنا فعلت المطلوب؟ نعم. إذاً يريد أن يقول لك بعض الأوامر هي أيضاً من قبيل التروك؛ فإن الله لما يأمرني باجتناب النجاسة عند الصلاة، هو لا يأمرني أن أحدث شيئاً، هو يأمرني أن أبقى في حالة الاجتناب، وحالة الاجتناب قد تكون بدون شعور مني أصلاً، وقد تكون بشعور مني، إذاً هي من قبيل التروك.
هي إذاً من قبيل التروك، وهي من قبيل التروك في باب الأوامر وليس في باب النواهي. طبعاً أنت ستقول لي: أليس الأمر باجتناب النجاسة هو نهي عن ملابستها؟ أقول: هو نفس الشيء، كل أمر أنت ممكن تأخذ منه نهياً من الجهة المقابلة؛ يستلزم النهي عن ضده، ويقولون: الأمر بالشيء يستلزم النهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بأحد أضداده، أليست هي من قواعد أصول الفقه التي أخذناها؟ فنقول أكيد في تلازم، لكن خلص هنا الشيخ نظر إلى ما هو عموماً مقبول، أنه في أمور لا نهي عنها مباشرة من الشرع، وفي أمور أُمر بها مباشرة من الشرع. فالمنهيات فعلاً تركها لا يحتاج إلى نية، وكذلك الأوامر التي طبيعتها فعل تركي، لا تحتاج إلى نيات. إذاً عرفنا لماذا جعل التروك على قسمين؛ لأن هناك تروك هي من قبيل المنهيات التي ربنا نهانا عنها: لا تشرب الخمر، لا تزن، لا تفعل، وهناك تروك هي وردت حقيقة من قبيل الأمر، أمرنا الله باجتناب شيء، فإذا أمرنا الله باجتناب شيء، نقول إذاً هذا أمر من قبيل التروك. والتروك المطلوب ألا يحصل، ألا يكون الشيء موجوداً سواء شعرت به أو لم أشعر به، فإذاً هذا أيضاً لا يحتاج إلى نية.
ممتاز، فلذلك قال: لو حصل هذا الشيء، ما دام الشيء هو أصلاً ابتداءً من قبيل التروك، فلو وقع وحصل، فإزالته ورفعه أيضاً لا تحتاج إلى نية؛ لأنه ابتداءً لا يحتاج إلى نية. فلو حصل على بدنك منه شيء أو على ثوبك منه شيء، أو حصلت ملابسة له بطريقة ما، فإزالة هذه الملابسة بأي شكل من الأشكال ولو لم توجد نية، تجزئ؛ فأنا أستطيع أن أغسل ثوبي دون نية غسل النجاسة وترتفع النجاسة. أستطيع أن أغسل الأرض وأنا لا أعرف أن عليها نجاسة، ثم شخص يخبرني بعد ذلك: أنت شطفت الأرض؟ أقول له: آه. فيقول: اللي كان عليها نجاسة. أقول له: خلص شطفتها، هل يقول لي: والله بدك تعيد شطفها لأنه أنت ما نويت؟ أقول لك: لا، الطلب إذا كان طلب اجتناب شيء، هذا لا يحتاج إلى نية؛ فالاجتناب لا يحتاج إلى نية. فلو حصل هذا الشيء بالخطأ أو بسبب أو بالتعمد، فإزالة هذا الشيء بعد حصوله أيضاً لا تحتاج إلى نية؛ لأنه في الأصل لا يحتاج إلى نية في تركه وفي اجتنابه، فلو وقع وحصل فإزالته وإعادته إلى حالة عدم الوجود لا تحتاج إلى نية. يمكن أن تفعلها بنية، ويمكن تفعلها بدون نية؛ طبعاً إذا فعلتها بنية إن شاء الله تُثاب، بس أنت لا تحتاج إلى نية حتى تصحح الإزالة.
إذاً هذا الأمر الأول الذي قال لا يحتاج إلى نية: التروك بنوعيها؛ التروك التي جاءت على صورة منهيات في الشريعة، أو التروك التي جاءت على صورة الأمر باجتناب أشياء، هذه كلها تروك. واضح الفرق بين التروك التي جاءت على صورة نهي وبين التروك التي جاءت على صورة أمر باجتناب أشياء، كلها تروك ولا تحتاج إلى نوايا. الحالة الثانية التي هي مقابلة للتروك، قال: الأمر الثاني الذي لا يحتاج إلى نية، وشوف المثال وخلينا نناقش الشيخ فيه، قال: الطلاق إذا وقع بلفظه الصريح، مش قلنا الطلاق يقع بالألفاظ الصريحة وألفاظ كنائية؟ إذا وقع الطلاق بلفظ صريح، رجل قال لزوجته: أنت طالق، نقول هنا يقع الطلاق ولا يحتاج إلى نية. هسّه هون أنا رح أناقش الشيخ في أنك هنا ماذا تقصد بالنية؟ الآن إذا كنت تقصد أنه لا يحتاج إلى أن ينوي به إيقاع الطلاق على المرأة المعينة وهي زوجته، ممكن أتفق معك عموماً، بس اللفظة نفسها لما صدرت، مش لازم تكون صدرت بنية وإرادة بالمعنى العام؟ يعني لو واحد بالغلط جاء على لسانه "أنت طالق" كان بده يقول لها "جيبي كاسة المي" بالغلط، فرضا، لا يعترض مثاله لو قال "جيبي كاسة المي" بالغلط "أنت طالق"، هسّه هذه فعلاً سبق لسان، فهي بدون إرادة ولا نية أصلاً للكلام بهذه الجملة، فهذا لا يقع؛ لابد من نية النطق في الطلاق.
لابد من نية النطق في الطلاق، حتى الطلاق الصريح لو واحد طلق زوجته وهو نايم، هو نايم بيحلم، قال لزوجته "أنت طالق"، هل يقع ولا لا يقع؟ لا يقع. المجنون طلاقه يقع ولا لا يقع؟ لا يقع؛ لأنه ما في نية نطق، فنقول الطلاق الصريح قطعاً يحتاج إلى إرادة التكلم. فالنية بالمعنى العام لا بد منها، إرادة التكلم؛ لأنه لو وقع من غافل أو من نائم أو من مجنون أو سبق لسان هذا لا يقع، حتى لو بالصريح، إذاً لازم وجود إرادة التكلم. لكن الذي تقصده أنه لا يحتاج إلى نية، أي لا يحتاج في تنزيل حكمه على الواقع إلى أن يكون الشخص الذي تكلم بالطلاق بإرادته ناوياً تنزيله على الواقع وإيقاع الفعل، لأنه قد يكون هازلاً أو مازحاً، فنقول: آه، هذه النية هي التي لا نحتاجها. فالكلام يحتاج إلى شيء من الضبط حتى يعرف ما هي النية المطلوبة والنية غير المطلوبة، حتى لا يظن أن الطلاق الصريح يقع حتى ولو كان سبق لسان، حتى ولو كان من شخص ذاهل، لهذا لا يمكن أن يقع.
في الحاشية رقم اثنين، نعم هو ذكر كلام القرافي في الذخيرة، وهو كتاب فقه للإمام القرافي، ما قال القرافي؟ النية في المذهب من الألفاظ المشتركة بين القصد الخاص وبين كلام النفس، فحيث قالوا: الصريح لا يفتقر إلى النية اتفاقاً، معناه أن الطلاق الصريح لا يفتقر إلى إرادة استعماله في مدلوله إلى نية، بل ينصرف بصراحته لمدلوله. وخلاصة الأمر أنه لا بد من قصد التلفظ، آه هذا كلام صح، إذاً هذا الاستدراك من الشيخ في مكانه: لابد من قصد، يعني نية التلفظ، لا قصد إيقاع الطلاق، فقصد إيقاع الطلاق على الواقع هذا الذي لا نحتاج إليه، بل بمجرد أن تتكلم وقع منك الطلاق. إذاً المثال الثاني يفترق قليلاً عن مثال التروك؛ لأن مثال التروك الأول هنا لا نحتاج إلى نية أبداً، حتى لو وقع وأنت نايم، جبت سطل وحطيته على النجاسة راحت، حتى لو حصل من مجنون أو من أي شخص لا يحتاج إلى نية بتاتاً، بخلاف المثال الثاني فإنه يحتاج إلى نية التلفظ، يعني اللي هو قصد التلفظ، وإن لم يحتاج إلى نية الإيقاع.
طيب، نكمل إلى وقت النية، الأصل أن تكون النية أول العمل، هذا هو الأصل في النوايا، أن تكون مقارنة لأوائل الأعمال سواء كانت عبادة أو معاملة أو زواج أو غيره. وثمت هنا تنبيهات: أن النية إما أن توجد أول العمل حقيقة وتسمى بالنية الحقيقية، وإما أن توجد أول العمل حكماً، هي في حكم أنها وقعت في البداية وإن لم تكن بالثانية، وقعت بالبداية فعلياً وهي تسمى النية الحكمية. توضيحه: من كبّر لصلاة الظهر مستحضراً النية أثناء تكبيرة الإحرام، فقد وجدت منه النية أول الصلاة حقيقة، وأما من نوى أنه سيصلي الظهر في أثناء وضوئه، يعني قبل الصلاة بزمن يسير، ثم ذهب فصلى، ولما قال الله أكبر ما كان مستحضر النية فعلياً، بس قبل الصلاة بوقت يسير كان مستحضرها، عند أصحابنا الحنابلة تصح، هي الحالة الثانية تسمى النية الحكمية، أنها لم تقع أول العبادة لكنها في حكم أول العبادة. كيف عندنا الطهور الحقيقي والطهور الحكمي؟ مش قسمنا المياه طهور حقيقي وطهور حكمي، والطهور الحكمي هو المتغير فعلياً عما خُلق لكنه تغير مغتفر، نفس الشيء هنا؛ هنا نية حقيقية ونية حكمية، فالثاني ذهل عن نيته لكنه نواها قبل الصلاة بوقت يسير ولم ينوِ قطعها، هذا المهم أنه لم ينوِ قطعها وإبطالها، فدخل في الصلاة وكبّر، فقال: هذا وجدت منه نية حكمية. ولا شك في صحة النية الحقيقية، وأما النية الحكمية فهل هي معتبرة عند الفقهاء؟ هنا دائماً الشيخ يذكر الخلافات الفقهية، أنا أقول لك وأنت في هذا المقام احفظ مذهبك، أنا سأقرأ الخلاف الفقهي سريعاً لكن يهمنا أن نضبط مذهبنا.
بالنسبة للحنفية، أجاز الحنفية النية الحكمية في الصلاة كما في الصورة السابقة، وهذا يعني أنهم يجيزون تقدم النية على العمل بزمن بشرط أنه ما لم يوجد فاصل أجنبي يؤدي إلى بطلان هذا التقدم، كالأكل والشرب والكلام، بخلاف ما لو كان الفاصل الوضوء والمشي، فلا يضره، يعني الحنفية فصلوا بين الفاصل الأجنبي، والفاصل الذي هو من صلب العمل من مقدماته، فإذا فصل بين النية والعبادة بوضوء أو مشي للصلاة هذا من ممهداتها، إذا فصل بين النية المتقدمة وبين العبادة بأكل أو شرب، لا هذا فاصل أجنبي يلغيها، هسّه هذا التفريق مش عند الحنابلة، هذا تفريق عند الحنفية في موضوع النية.
المالكية ماذا قالوا؟ قالوا يشترط في الصلاة مقارنة النية للتكبير، فإن تقدمت النية بزمن كثير لم تصح، وإن تقدمت بزمن يسير فعندهم قولان في داخل المذهب: الإجزاء وعدمه، ومرادهم بالمقارنة عدم الفصل بين النية والتكبير، لا مصاحبة النية له، قال: ومرادهم بالمقارنة هو أن لا يكون هناك أي فاصل بين النية والتكبير، فلو أتيت بالتكبير مباشرة بعد النية ما فصلت، حتى ولو لم تكن النية مصاحبة، فانت نويت "الله أكبر" هسّه هذه اسمها عندهم مقارنة، مع أن التكبير وقع بعد النية مباشرة وليس مصاحباً لها، هذا مدلول مفهوم المقارنة عند المالكية لما يستعمل هنا.
قال: وأجاز الحنابلة تقدم النية على التكبير في الصلاة، لكن قيدوا ذلك بالزمن اليسير عرفاً لا الطويل، لكن مثلاً عند الحنابلة لو أثناء هذا الزمن اليسير عملت شيئاً أجنبياً، ما عندنا مشكلة، خلاف الحنفية لا، ما بصير يتخلله فاصل أجنبي. ولكن مع ذلك ماذا قال الحنابلة؟ والأفضل مقارنتها للتكبير، ولا بأس بتقدمها على التكبير بزمن يسير بعد دخول وقت الصلاة، لكن هذا قيد، أن هذه النية المتقدمة بزمن يسير لازم تكون بعد دخول الوقت، هذا قيد ذكره الأصحاب. وأما الشافعية فهم أكثر من تشدد في ذلك، مذهب الشافعي شديد، يشترط مقارنة النية للتكبير في الصلاة، وهنا نحتاج أن ننظر برضه ما الذي يقصدونه بالمقارنة؟ هل يقصدون المقارنة المصاحبة ولا على طريقة المالكية؟ يعني ولو وقع التكبير بعدها مباشرة هل هذه مقارنة عندهم؟ لأننا قلنا المقارنة عند المالكية ما هي؟ ألا يفصل بين النية والتكبير بفاصل، وليس عندهم المقارنة يشترط فيها المصاحبة. لكن عند الشافعية لما قالوا مقارنة النية للتكبير، هل المقارنة عندهم المصاحبة، وهو أن تكون النية مستحضرة أثناء التكبير، أم يجزئ أن تكون كما عند المالكية أنك تنوي ثم تكبر مباشرة ويسمون هذه مقارنة؟ هذا يحتاج أن يُبحث في بطون الفقه الشافعي. طبعاً أعود فأقول هنا ليس المراد إخواني البحث الفقهي، إنما المراد فقط أن ننظر إلى صورة المسألة، وإلا الأبحاث...
الفقهية، كل مذهب تدر أن تلتزم به بمذهبك وتبحث فيه. فهنا كان الكلام عن وقت النية، قالوا: يستثنى من ذلك حقيقة عند الجميع -حتى عند الشافعية- الصيام؛ فيجوز تقديم النية في الصوم الواجب قبل الفجر. هذا على المذاهب الأربعة، وهذا يؤكد أنه ما من قاعدة إلا ولها استثناء، فالشافعية الذين يشترطون المقارنة ما اشترطوا ذلك في الصيام.
التنبيه الثاني: إذا وجدت النية أولاً فلا يجب استصحابها أثناء العمل حقيقة، وهذا مر معنا كثيراً في الوضوء وفي غيره؛ فالمهم أن أستحضر النية في بداية العمل، وأما أثناء العمل فيكفي الاستحضار الحكمي؛ لأنني ممكن أنسى أو أسرح أو أذهل، وهذا ليس مشكلة. قال: لأن ذلك أصلاً يشق عادة؛ أن أكون طول الصلاة مستحضراً أني أصلي، أو طول الوضوء مستحضراً نية الفرض، هذا متعب، فيكفي الاستحضار الحكمي، فيكفي استصحابها حكماً، أيضاً هذا عند المذاهب الأربعة.
توضيحه أن المرء إذا نوى مع التكبير لصلاة الفجر فقد وجدت منه النية أول العبادة حقيقة، ثم لو ذهب في أثناء الصلاة وسرح؛ وأكثرنا يسرح في الصلاة، هل نقول بطلت صلاته بالسرحان؟ كلا؛ فكر في أمور خارجة عن الصلاة دون أن ينوي فسخ النية، فالنية مستصحبة هنا حكماً لا حقيقة، فلا نحكم ببطلان صلاته في هذه الحالة.
التنبيه الثالث: إذا علمت أن استحضار النية أثناء العمل ليس واجباً، فإذاً الآن فهمنا أن وقت استحضار النية اللزومي هو أول العمل. وهل أول العمل يجب أن يكون مقارناً أم يجوز أن يتقدم بوقت يسير؟ هي فيها خلاف بين العلماء.
المسألة الثانية: أنه أثناء العمل باتفاق العلماء لا يجب استحضار النية حقيقة ويكفي استحضارها حكماً.
المسألة الثالثة: إذا قلنا إنه أثناء العمل لا يلزم الاستحضار الحقيقي ويكفي الاستحضار الحكمي، فما الذي يبطل الاستحضار الحكمي؟ قالوا: ثلاثة أشياء.
أولاً: نية القطع، وهذه واضحة؛ فلو نوى شخص قطع الإيمان -والعياذ بالله- ارتد. لو شخص نوى الآن قال: الآن أريد أن أقطع إيماني -والعياذ بالله- ردة. لو شخص أثناء الصلاة قال: خلص الآن أريد أن أقطع، انقطعت الصلاة، ويطبق ذلك على الصيام وغيرها. واتفقت المذاهب الأربعة في حالة استثنائية على أن من نوى قطع إحرامه بالحج أو العمرة لا ينقطع؛ هي حالة استثنائية، اتفقت المذاهب على أن من نوى رفض إحرامه -أي قطع إحرامه بعد الدخول فيه- لا يرتفض، أي لا ينقطع، بل يجب عليه إتمامه جبراً حتى ولو كان حج نفل أو عمرة نفل. بالنسبة للصيام لاحظ أن فيه نوعاً من الخلاف؛ قال: ولو نوى قطع الصيام بطل بمجرد نية القطع عند المالكية والحنابله، خلافاً للشافعية والحنفية الذين لم يروا مجرد نية القطع مبطلة حتى يصدر منه قاطع حقيقي فعلي بأن يأكل شيئاً أو يشرب شيئاً. إذاً الصيام هل نية القطع فيه مؤثرة؟ فيه خلاف.
أعود فأقول: خاصة إذا كان هناك اختبار في المادة، أيها الإخوة، أنا سأُلزمك فقط بمذهب الحنابلة، لا تضبط لأي مذهب آخر، أنا لا أريد أن أشوش عليك؛ اضبط فقط مذهبك في كل المسائل واجعل المسائل الأخرى للاطلاع، لأنك لست في صدد أن تضبط مذهب الشافعي من هذا الكتاب أو مذهب الحنفي والمالكي.
النوع الثاني مما يبطل النية حكماً: التردد في النية. ممكن أنا ما نويت القطع بس ممكن أتردد: أطلع من الصلاة ولا ما أطلع؟ فالتردد في النية ما حكمه؟ لو تردد في أثناء الصلاة هل يعتبر قاطعاً أو لا؟ عند الشافعية والحنابله قاطع، فعند أصحابنا نعم قاطع. ولو قال: إن كان غداً رمضان فأنا صائم، وإن لم يخرج غداً رمضان فأنا مفطر؛ عند المذاهب الأربعة لا تصح هذه النية لعدم الجزم. طبعاً كان أحد مشايخنا الكبار يعترض على هذه المسألة ويقول: أنا لا أرى أن هنا تردداً في النية؛ هنا التردد هل غداً من رمضان أو لا؟ هو جازم أنه إذا طلع بكره رمضان أنا صائم، وإذا طلع بكره ليس رمضان أنا لن أصوم، فكان يقول لنا: أنا هذه المسألة لا أعتقدها، يقول هنا لا يوجد تردد في النية. لكن لما نقول المذاهب الأربعة اتفقت على هذا، معناته لازم أن نهدأ قليلاً، أين التردد في النية حقيقة هنا؟ يقول الفقهاء: ما دام هناك شك أنه غداً من رمضان أو لا، فهذا الشك في اليوم سيتسرب إلى الشك في النية، ولا بد لزاماً اعتبروا هناك نوعاً من التلازم؛ ما دام أنت شاكّ هل غداً من رمضان أو لا، قالوا فهذا يلزم منه أنك لست جازماً بالنية، ستستقول لي: يا شيخ أنا ناوي أصوم بس إذا طلع رمضان، بنقول: شايف؟ هذه الجملة "بس إذا طلع رمضان" هذا التعليق هو بحد ذاته تردد.
الحالة الثالثة: العزم على القطع. العزم على القطع أيضاً أيها الكرام هو شكل من أشكال إبطال النية الحكمية. فما الفرق بين نية القطع وبين العزم على القطع؟ الحالة الأولى نية القطع أنه الآن نويت أقطع، العزم على القطع هو أنه ليس الآن نويت أقطع، لا، أقول مثلاً: وأنا أصلي الركعة الثانية سأطلع. فأنت الآن متى نويت القطع؟ أنت ما نويت الآن تقطع، أنت نويت أني سأعزم على القطع، فلو عزم بعد تكبيرة الإحرام عزم على أنه سأقطعها في الركعة الثانية، بطلت الصلاة في الحال، لا ننتظر الركعة الثانية حتى تبطل، لا يا أخي، الآن بطلت قبل أن يأتي الوقت الذي حددت فيه القطع. الآن ستبطل ولو كنت عزمت على القطع متى، يعني أنت سوّفت القطع وأجلته، فأنت هنا عزمت على القطع، هذا أيضاً يبطل عند أصحابنا، عند الحنابلة وعند الشافعية، وأنا كما قلت سأركز على مذهب السادة الحنابلة عند الشرح أكثر شيء.
إذاً، النية الحكمية ما الذي يبطلها أيها الكرام؟ ثلاثة أمور: نية القطع حالاً، التردد في النية، والعزم على القطع. هذا كله يبطل النية الحكمية، طبعاً على خلاف في الأمثلة، ويهمك أن عند السادة الحنابلة نعم تعتبر كلها من أشكال القطع. نكتفي اليوم بهذا القدر، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل