الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأخوة في أكاديمية غراس وفي كتاب جديد نقلب صفحاته، ننهل منه علماً ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا به. كتابنا الذي سنشرح فيه بإذن الله هو كتاب في علم القواعد الفقهية، ولعل هذه المرة الأولى التي نثبت فيها شرحاً في الأكاديمية على هذا الموضوع، في موضوع القواعد الفقهية.
وهذا الكتاب هو كتاب مبتدئ في هذا العلم لكنه نافع بإذن الله في إعطاء الصورة اللازمة لمن يريد أن يشرع؛ كتاب المنحة الإلهية لشيخنا وأستاذنا الدكتور أيمن بن محمد الحبشي، وهو معلمنا في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو متخصص في علم القواعد الفقهية وأستاذ فيه، تمرس في هذا العلم ودرس هذه المادة بالتحديد التي بين أيديكم الآن مرات ومرات، حتى كتب الله سبحانه وتعالى لهذه المادة أن تخرج بهذه الحلة وبهذا الكتاب. عندما كنا نتدارسها مع الشيخ في أيام المدينة كانت على شكل مذكرات، ثم بعد ذلك مع إلحاح الطلبة على الشيخ بأن يخرج هذه المادة على صورة كتاب نظراً لتميزها ولتحقيقها ولفائدتها في تشكيل التصور، فاستجاب الشيخ جزاه الله خيراً لما طلبه منه الطلبة، فأصبح هذا الكتاب بين أيديكم يتدارسه الطلبة المبتدئون في علم القواعد الفقهية.
القواعد الفقهية أيها الكرام من العلوم المهمة لطالب الفقه، بل حقيقة لا ينبغ طالب الفقه إلا إذا أحكم هذا العلم، نظراً لتناثر المسائل الفقهية في بطون الكتب وكثرتها، فيصبح على الطالب صعب أن يتذكر دوماً المسائل وهي بصورتها الجزئية التفصيلية. ويبحث دوماً في أثناء دراسته وفي أثناء تعلمه عن الضوابط والقواعد العامة التي تجمع له المسائل المتناثرة، سواء ضمن باب معين من أبواب الفقه أو ضمن مساحة الفقه الواسعة، فيجد مادة القواعد الفقهية هي التي تسعفه في هذا الباب، حيث تزوده بما يحتاجه من الضوابط والقواعد التي بها يحكم شتات المسائل المتناثرة.
الآن أن تبقى ضابطاً لكل المسائل الفقهية الجزئية الفروعية هذا صعب، خاصة عندما تتكلم عن عشرات الآلاف من المسائل، فيصبح الطالب الذي يحتاج إليه حتى ينبغ في واقعه المعاصر ويكون قادراً على إلحاق النظير بنظيره وشبك المسائل المتشابهة ببعضها يحتاج إلى مثل هذه القواعد الفقهية، التي تعينه على التنزيل والإسقاط ومعرفة النظائر والأشباه دون الحاجة إلى استذكار كل التفاصيل الموجودة في داخل الكتاب الفقهي التفصيلي، من هنا تظهر أهمية هذا العلم وتظهر أهمية إحكام هذه المسائل القواعد الفقهية.
أيضاً من القضايا المهمة في القواعد الفقهية أنها تسلط الضوء على ماذا؟ على علل المسائل؛ فأنت في القاعدة في الحقيقة أنت لا تحفظ فقط نصاً أو كلية أو قضية كلية تندرج تحتها عدد كبير من الجزئيات، أنت أيضاً في العادة تعرف الملحظ الفقهي والأساس النظري الذي بني عليه التفكير في هذا النوع من المسائل. فلما تسمع قاعدة الأمور بمقاصدها أو قاعدة لا ضرر ولا ضرار أو قاعدة العادة محكمة، ثم تعرف أيضاً القواعد التي تندرج تحتها، تصبح هذه القواعد هي تشكل لك المفاتيح والأفكار والعلل والحكم التي بنيت عليها المسائل المندرجة تحتها، فتصبح أنت تعرف المسألة بعلتها وتتذكرها بضابطها.
عندما نقول لك التابع تابع ثم تعرف كثير من الأحكام التي أخذ فيها حكم التابع بحكم المتبوع، تصبح علة هذا الحكم واضحة لديك وهي التبعية؛ من أين عرفت أن هذه العلة التي بنيت عليها هذه المسائل؟ من خلال نص القاعدة، فنصوص القواعد الفقهية سوى أنها تعينك على ضبط المسائل المتبعثرة، تعينك أيضاً على فهم العلل التي بنيت عليها هذه المسائل والمفاتيح التي من خلالها ننظر فيها. ولذلك أصبح هذا العلم كان في البداية كما سيأتي معنا علماً منثوراً مبثوثاً في بطون الكتب الفقهية، ثم أصبح علماً مستقلاً في مصنفات خاصة أصبح اسمها مصنفات القواعد الفقهية، وكذلك عند بعض الأقدمين يسمونها الأشباه والنظائر. ثم بعد ذلك كبر هذا العلم بعد أن كان مجرد جمع لقواعد، أصبح علماً برأسه يبحث فيه حتى عن مبادئه العشرة، ما تعريفه وما موضوعه وما أهميته وفضله إلى غير ذلك من القضايا التي تبحث في أي علم من العلوم.
اليوم بإذن الله سنشرع في المقدمة التي وضعها الشيخ لهذا الكتاب، ثم بعد ذلك إن شاء الله على استمرار هذه الأيام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على العلم النافع، نشرح في هذه القواعد أولاً بأول. طبعاً ميزة هذا الكتاب كما قلت أن الشيخ اعتمد اللغة المعاصرة السهلة والتعاريف اليسيرة، المقصد هو إيضاح الأفكار وليس تعقيد الكلمات والعبارات. المقصد هو أيضاً أن تتصور بشكل جيد القواعد الكبرى الكلية الخمس، ثم القواعد الكلية التي هي منتشرة في الفقه وإن لم تكن كبرى على مستوى القواعد الخمس لكنها منتشرة ومبثوثة في المسائل الفقهية، تتصور أهم وأبرز القواعد باختصار المؤثرة في الساحة الفقهية، يكون لديك معرفة بالقاعدة، دليل القاعدة، معنى هذه القاعدة، ثم بعد ذلك الشيخ سيسلط لك الضوء على أكثر من مثال وعلى أكثر من مذهب. طبعاً أنت في النهاية يهمك مذهبك كما سينبه الشيخ، لكن معرفتك كيف تتشكل القاعدة في المذاهب الفقهية المختلفة هذا سيوسع أفقك وطريقتك في التفكير، ولذلك أقول لا ينبغ طالب الفقه على أي مذهب من المذاهب حتى يحكم القواعد الفقهية الخاصة بها، لأن كما قلت هي التي ستجمع لك الشتات وتضبط لك منهجية التفكير داخل المذهب.
حتى لا نطيل في المقدمات نشرع مستعينين بالله في الفصل الأول الذي وضعه الشيخ وهو فصل تأكيدي متعلق بالتعاريف، سنبدأ بتعريف القواعد الفقهية. الآن القواعد الفقهية هو مركب تقييدي، اليس كذلك؟ من موصوف ووصف، القواعد الموصوفة بأنها فقهية. ودائماً المصطلحات المركبة كما ذكرنا في أصول الفقه، طبعاً لاحظوا أن الفرق بين أصول الفقه والقواعد الفقهية أن أصول الفقه مركب إضافي، أما هنا فمركب تقييدي من موصوف ووصف. دائماً المصطلحات المركبة طريقة العلماء في تقريرها هو أنهم يبدؤون بتعريفها باعتبار جزئييها، ثم نتطرق إلى تعريفها باعتبار جملتها باعتبارها أصبحت علماً ولقباً على هذا الفن.
فنبدأ بالجهة الأولى من التعريف، قال الشيخ أيمن حفظه الله: الجهة الأولى باعتبارها مركباً وصفياً من كلمتين القواعد الفقهية، فكلمة القواعد لحال والفقهية لحال، ومن ثم يلزم التعريف بكل من الكلمتين على حدة. إذاً القواعد الفقهية مركب من كلمتين: موصوف وهو القواعد، والصفة وهي الفقهية. نبدأ بالجزء الأول وهي كلمة القواعد، القواعد في اللغة جمع ماذا؟ قاعدة، قال سبحانه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: 60]. فالقواعد جمع قاعدة، وهي في اللغة تطلق على معانٍ عدة، وأنسبها في هذا السياق أن القاعدة هي الأساس الذي يبنى عليه الشيء، ومنه تسمى قواعد البيت وأساسياته، ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: 26]. هذا هو الأنسب في تفسير كلمة القواعد لهذا السياق، بخلاف القواعد من النساء، فهذه المرأة التي قعد حالها فما عاد يرغب بالزواج منها، لكن هنا الأنسب إذا قلنا القاعدة بمعنى الأساس فالذي يناسبها في السياق القراني ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي من الأساسات التي بنوها.
أما اصطلاحاً عرفت بتعاريف كثيرة، والجيد كما قلت في هذا الكتاب أنه ركز على الخلاصة، بعيداً عن جد التعاريف التي قد تشغل الطالب في البدايات، فنقول اصطلاحاً ما هي القاعدة؟ القاعدة قضية كلية، ونقول في تعريفها هي: القضايا الكلية التي تعرف بالنظر فيها قضايا جزئية. الآن سنبدأ نحلل هذا التعريف لنفهم ما معنى القاعدة، الآن سنعرف القاعدة بغض النظر هي قاعدة فقهية، قاعدة نحوية، قاعدة أصولية، القاعدة بالمعنى العام.
سناخذ كلمة القضايا، القضايا جمع ماذا؟ قضية، والقضية أيها الأكارم مصطلح منطقي، ينوب عنه أو يرادفه في علم النحو الجملة الاسمية والجملة الخبرية، ويرادفه في علم البلاغة الجملة الخبرية. فلذلك قال القضية في اصطلاح المنطقيين ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، وتسمى بالخبر. إذاً كلمة قضية هذا تعبير منطقي ممتاز، الذي يرادفه عند علماء البلاغة والبيان كلمة الخبر. طبعاً في علم البلاغة يقولون الجمل العربية إما أن تكون خبراً وإما أن تكون إنشاء، الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ يعني كل جملة يجوز أن تقول إنها صادقة -أي مطابقة للواقع- أو كاذبة -أي غير مطابقة للواقع- هذه تسمى جملة خبرية. وإضافة كلمة لذاته ما معنى ما يحتمل الصدق والكذب لذاته؟ يعني بغض النظر عن قائله؛ لأننا إذا أصبحنا ننظر إلى القائلين فهناك بعض الجمل لا الخبرية قطعاً صادقة ككلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وهناك جمل باعتبار قائلها قطعاً ستعرف أنها كاذبة، لكن هنا في مقام التعريف نقول دعونا من القائل ودعونا ننظر لنفس الجملة كتركيب. الجملة الخبرية هي التي كتركيب تحتمل أن تقول أنها صادقة ويحتمل أن تقول كاذبة بغض النظر من المتكلم، هذا هو تأصيلها، فهذه الجملة الخبرية التي تحتمل أن تقول أنها صادقة أو كاذبة هي التي تسمى عند المناطقة قضية، وتجمع على قضايا.
فقولك زيد قائم قضية لأنها تحتمل الصدق والكذب لذاتها. ونوعها، الآن بعض المصطلحات المنطقية الأساسية، تسمى هذه الجملة الخبرية إذا كانت بهذه الصورة البسيطة من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل تسمى قضية حملية، حمل فيها الخبر على المبتدا وحمل فيها الفعل على الفاعل. طبعاً عند المناطقة القضايا الخبرية تنقسم إلى قضايا حملية، وتنقسم إلى قضايا شرطية، التي فيها جملة شرط وجملة جواب الشرط، فزيد قائم جملة خبرية حملية، حمل فيها الخبر اللي هو قائم على المبتدا اللي هو زيد. وهي قضية حملية لاشتمالها على ما يسمى عندهم في المنطق الموضوع والمحمول، الموضوع هو المبتدأ في الجملة الاسمية والفاعل في الجملة الفعليه، يعني هذه بس اختلاف تعابير بين علم النحو وعلم المنطق، الخبر في الجملة الاسمية والفعل في الجملة الفعليه ماذا يسمى عندهم؟ محمول، لأنني حملت الخبر على المبتدأ اللي هو الموضوع، وحملت الفعل على الفاعل وهو الموضوع.
إذا عرفنا أولاً ما معنى قضية، واضح يا إخواني ما معنى القضايا؟ القضايا جمع قضية، والقضية هي الجملة الخبرية التي تحتمل الصدق والكذب لذاتها، فليست هي الجمل الإنشائية. والجملة الخبرية التي تحتمل الصدق والكذب لذاتها عند المناطقة تنقسم إلى حملية وهي الصورة البسيطة التي تتكون من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل، ويقابلها الجمل الشرطية التي تتكون من جملة شرط وجواب شرط.
الآن الكلية، كلمة كلية هذا وصف للقضية وتقييد لها، لذلك قال الكلية هي إحدى أنواع القضايا وليس المراد بها هنا ما اصطلح عليه المنطقيون، وإنما المراد بها هنا القضية المحكوم على جميع أفرادها. الكلية هي اللفظ الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، إذا بتتذكروا في بلغة الوصول أخذنا التفريق بين الكلي والجزئي، قلنا أسد، حيوان، شمس، نجم، طاولة، كرسي، مزهرية، هذه كلها كلي، ما معنى كلي؟ هو اللفظ الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فهذا كرسي وهذا كرسي وهذا كرسي، ولما أقول قلم أقول هذا قلم وهذا قلم، ولما أقول طاولة هذه طاولة وهذه طاولة، فهذا أخذناه في بلغة الوصول أن الكلي هو اللفظ الذي نحن عادة بنسميها أسماء أجناس. الكلي هو لفظ تصوره لا يمنع وقوع الشركة فيه، بمعنى بمجرد أن أتصور مدلوله فإن هذا المدلول ينطبق على أشياء كثيرة في الخارج.
ممكن حاليًا تربطه باسم الجنس. ويقابل الكل أي الجزئي كأسماء الأعلام، وهو اللفظ الذي إذا تصورته بمجرد تصوره يمتنع الشركة فيه، زي زيد وخالد؛ هسا لما أفهم أنا خالد، مين هو خالد؟ اه، خالد الذي يسكن فوقنا، بمجرد ما حاولت أفهم شو يعني خالد، لم يسقط إلا على فرد معين في الخارج. وقلنا إذا تذكرون في بلغة الوصول: طب في الواقع في هناك أكثر من شخص اسمه خالد؟ قلنا هذا الاشتراك باسم خالد اشتراك طارئ، وإلا الأصل أن كلمة خالد أول ما وضعت وضعت لشخص معين، بعدين في واحد عجبه اسم خالد فحب يسمي ابنه خالد أيضًا، فصار عندي خالدين، ثم واحد ثالث عجب أباه هذا الاسم فسمى، لكن الأصل في العالم أنه لا يقع إلا على شخص معين واحد، وهذا الاشتراك الذي تجدونه في الخارج هو اشتراك طارئ بسبب تناقل الاسم وتداوله بين الناس، وليس أن أصل وضع خالد أو زيد أو إبراهيم لأفراد كثيرة في الخارج.
ممتاز، فالأصل عند المناطقة يقولون تعالوا على الجملة الاسمية مثلًا، الجملة الاسمية تتكون من مبتدأ وخبر، هسا المبتدأ اسمه موضوع اتفقنا، إذا كان الموضوع وهو المبتدأ كلي تسمى هذه الجملة الاسمية أو القضية إيش بيسموها؟ قضية كلية؛ لأن موضوعها كلي. بس إذا كان موضوعها جزئي، يعني مثلًا لو قلت: ﴿اللَّهُ أَكْرَمُ﴾، ها تسمى قضية كلية؛ ليه؟ لأن المبتدأ اللي هو موضوع كلي "الإنسان"، لكن لو قلت: "زيد نفعني الله بعلمه"، هي تسمى قضية إيش؟ جزئية، ليه؟ لأن المبتدأ اللي هو "زيد" جزئي، يعني يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فأنت روح لي على المبتدأ وحدد لي هو كلي ولا جزئي. إذا كان من الكلي الذي درسنا في بلغة الوصول الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، هذه الجملة الحملية تسمى جملة حملية كلية، وإذا كان جزئي علم مثلًا تسمى إيش؟ قضية حملية جزئية. ممتاز، فإذاً الإطلاق الأول لكلمة كلي عند المناطقة على ماذا؟ على القضية الحملية التي موضوعها كلي فتسمى إيش؟ كلية.
ثم هذه القضية الحملية التي موضوعها كلي وتسمى كلية حقيقة، يأتون أكثر فيقسمونها، يقولون: القضية الحملية الكلية تنقسم إلى قضية حملية كلية غير مسورة، لا بسور كلي ولا بسور جزئي. الآن قضية الأسوار، السور في الجمل عند طريقة المناطقة، السور ما هو؟ السور إما أن يكون سورًا كليًا، وهي باختصار أدوات الاستغراق عند الأصوليين زي ال الاستغراقية، وإما أن يكون سورًا جزئيًا، وهي كلمة "بعض" أو "جزء" وما يرادفها، وإما أن تكون القضية الحملية الكلية مهملة، إيش يعني؟ يعني في مطلعها لا يوجد سور أصلًا، لا سور كلي ولا سور جزئي.
طب فمثلًا إذا قلت: "كل إنسان حيوان"، كلمة "كل" هي سور، وهو يدل على الاستغراق من ألفاظ العموم فيسمى هذا سورًا كليًا لهذه القضية الحملية الكلية، فتسمى كلية. طب لو قلت: "بعض الحيوان إنسان"، كلمة "بعض" هذه بيسموه سور إيش؟ جزئي؛ لأنه دل على البعضية. طب لو قلت: "الإنسان أكرمه الله"، هسا شوفوا هذه، الآن هذه بيقولوا ال هنا في الإنسان إيش هي؟ إذا قلت هذه ال الاستغراقية، رجعت لسور كلي صارت زيها كل زي حيوان، زي ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، إذا قلت لا هذه ال الجنسية فقط أنت تتكلم عن جنس الإنسان وليس عن كل فرد من الأفراد، هذه تسمى قضية مهملة؛ لأن أنت هون لا قلت كل ولا قلت بعض، جبت الجنس واكتفيت، فهي تسمى مهملة أي في عليها سور.
فأصبحت القضية الكلية، إذا شو تعريف القضية الكلية بالاصطلاح الأول؟ التي موضوعها كلي، إما أن تكون مهملة ليس عليها سور، أو يكون عليها سور كلي، أو يكون عليها سور جزئي. الآن هون ركزوا معي هون حبل الفرس وهو مربط الفرس، القضية الكلية التي سورها كلي تسمى كلية من هذه الجهة أيضًا، يعني القضية الكلية إذا كانت مسورة بسور كلي تسمى إيش؟ كلية. وإذا كانت غير مسورة تسمى مهملة، وإذا كانت مسورة بسور جزئي تسمى إيش؟ جزئية.
فصار عندي مصطلح الكلية يطلق على أمرين عند المناطقة: يطلق على الجملة التي موضوعها كلي بغض النظر مسورة ولا مش مسورة، تسمى كلية. ولها إطلاق ثاني: أن الكلية تطلق على القضية الكلية المسورة بسور كلي. فإذا كانت القضية الكلية غير مسورة زي ما حكينا "الإنسان أكرمه الله" والجنسية، تسمى هذه إيش في العرف عندهم؟ مهملة. وإذا كانت مسورة بسور جزئي زي "بعض الحيوان إنسان"، لو سألتك "بعض الحيوان إنسان" هذه هيك أولًا موضوعها كلي ولا جزئي؟ موضوعها كلي هو "حيوان"، وهو لأنه تصوره لا يمنع من وقوع الشركة فيه فهي كلي، لكنها مسورة بسور جزئي فتسمى من حيث التقسيمات السفلية جزئية؛ لأنها مسورة بسور جزئي. ولو كانت "كل" لكانت تسمى كلية؛ لأنها مسورة بسور كلي.
فصار مصطلح كلية يطلق على شيئين: يطلق على أي قضية حملية موضوعها كلي بغض النظر عن سورها تسمى إيش؟ كلية. ثم في التقسيم الأدق، لما نأتي إلى هذه القضية الكلية نجدها إما مسورة وإما غير مسورة؛ إذا غير مسورة مهملة، وإذا مسورة قسمين مسورة بسور كلي ولا جزئي، إذا مسورة بسور كلي تسمى كلية، فصارت كلية لكلية، وقد تكون جزئية لكلية صح وهي المصورة بسور جزئي، وإن كان الموضوع كليًا، وقد تكون مهملة لكلية. فإذاً اصطلاح كلية يستعمل في مكانين عند المناطقة.
فالشيخ هنا لما قال: "والكلية هي إحدى أنواع القضايا"، إيش قال؟ "وليس المراد بها هنا ما اصطلح عليه المنطقيون، وإنما المراد بها إيش؟ القضية المحكوم على جميع أفرادها". الآن القضية المحكوم على جميع أفرادها هي أيضًا تسمى كلية عند المناطقة، يعني هو يريد أن يقول وليس المراد بها هنا ما اصطلح عليه المنطقيون، شو يقصد ما اصطلح عليه المنطقيون؟ هو يقصد التعريف الأول للكلية اللي هو إيش؟ الجملة الحملية التي موضوعها كلي. يقول كلمة كلية هنا ليس نقصد بها القضية الحملية التي موضوعها كلي. ولا إيش تقصدون بها هنا؟ قال نقصد بها القضية المحكوم على جميع أفرادها. طب شو القضية المحكوم على جميع أفرادها؟ هي القضية المسورة بسور كلي، صحيح هي القضية المسورة بسور كلي. فنقول إذًا، أن نقول وليس المراد بالكلية هنا ما اصطلح عليه المنطقيون، هذا التعبير في اعتقادي ليس دقيقًا؛ ليه؟ لأنه حتى التعريف الثاني الذي ذكرته هو في اصطلاح المنطقيين، لكنه التعبير الثاني عن الكلية، أن الكلية هي القضية التي حكم فيها على كل أفرادها، يقابلها الجزئية وهي القضية التي حكم فيها على بعض أفرادها، ويقابلهم المهملة وهي القضية التي لم تصور، لا نعرف هل الحكم على الكل ولا على البعض.
فهل نقول هذا التعريف الثاني الذي اعتمده ليس هو من اصطلاح المناطقة؟ هو من اصطلاح المناطقة لكنه إطلاق آخر للكلية. ممتاز، فإذًا قوله "وليس المراد بها هنا ما اصطلح عليه المنطقيون"، هو أصلًا أخذ هذا الكلام من الشيخ يعقوب الباحسين حقيقة من كتابه القواعد الفقهية، وهو في المقدمات سيحيل عليه كثيرًا، والشيخ اليعقوب الباحسين ربما يعني كان أدق قليلًا حيث لم يقل وليس المراد بنا ما اصطلح عليه المنطقيون، لا قال وليس المراد بالكلية ما كان موضوعها كليًا فقط، لا المراد بالكلية ما كان الحكم على جميع الأفراد، فهذا تعبير أدق أنه أنا مش بقول لك هو، هو يقول لك الكلية هنا ليس على التعبير الأول للمناطقة بل المراد بالكلية التعبير الثاني للمناطقة، فكلاهما تعبيرات منطقية عرفنا. فهذا يعني تعديل ربما على كلمة الشيخ أيمن في هذا المنطق أنه ليس المراد بها مصطلح المنطقيون، نقول هذه العبارة تحتاج إلى نظر؛ لأنه حتى قال: "وإنما المراد بها أن القضية المحكوم على جميع أفرادها"، وهذا أيضًا تعبير مناطقة، فلا حاجة إذًا لأن نقول ليس مراد مسألة منطقي.
فإذاً باختصار أصبحت القاعدة الفقهية هي ها نرجع لتعريف القواعد الفقهية: القضايا الكلية، وعرفنا ما المراد بالكلية هنا يعني القضايا عرفنا هي إذًا الجمل الخبرية الحملية التي حُكِم فيها على جميع أفرادها، القضايا الخبرية التي حُكِم فيها على جميع أفرادها واضح. وهذا يعطيك طبيعة القاعدة الفقهية وهو أن الأصل في القاعدة الفقهية أن تكون جملة خبرية يحكم فيها على جميع أفراد الموضوع، ها "الأمور بمقاصدها"، ال الاستغراقية، فالماء كل أمورنا، كل الأمور بايش بمقاصدها، فحكمت على كل الأمور، كل الأمور أن الحكم فيها إنما يكون على إيش باعتبار المقاصد. العادة محكمة، مش هي إحدى القواعد الفقهية الكبرى؟ العادة، ال هنا استغراقية، فهذا سور كلي يعني كل عادة محكمة، فهذا معنى أنها كلية يعني حكمنا على كل العوائد أنها إيش؟ محكمة، بس طبعًا لا بد وأن تقيد بعدين بشروط أنه إيش العوائد المحكمة.
نفس الشيء كمان اليقين لا يزول بالشك، ال استغراقية، يعني كل يقين لا ينبغي أن يزول بايش؟ بالشك، فإذًا هذه قضية يعني جملة خبرية كلية. شو يعني كلية؟ يعني حكمنا على جميع أفراد الموضوع، حكمنا على جميع أفراد الموضوع، اليقين كل أنواعه لا يزول بالشك. حكمنا على كل أفراد الموضوع، كل ما يندرج تحت اليقين، كل ما يندرج تحت اليقين فإنه لا يزال بالشك، كل ما يندرج تحت الأمور فإنه بمقاصدها، كل ما يندرج تحت العادة فهي محكمة إلا طبعًا ما سيتم استثناؤه. واضح إذًا ما معنى كلية؟ حكمنا على جميع الأفراد المندرجة تحت الموضوع، ها الحكم على جميع الأفراد المندرج تحت الموضوع هو المبتدأ. قال وسميت كلية من حيث إيش؟ قال من حيث اشتمالها بالقوة، شوف كلمة بالقوة وليس بالفعل، على أحكام جزئيات موضوعها.
زي ما قلنا اليقين لا يزول بالشك، لو سألتك أين الموضوع في هذه الجملة؟ قل لي المبتدأ، هي جملة اسمية الموضوع هو المبتدأ، المبتدأ إذًا طب ما هو المبتدأ؟ كلمة اليقين. ممتاز، اليقين وهو الموضوع وهو المبتدأ هل له جزئيات كثيرة في الفقه؟ نعم، هناك اليقين في باب المياه، وهناك اليقين في باب الوضوء، وهناك اليقين في باب الغسل، وهناك اليقين في باب الميتة، وهناك اليقين، ما شاء الله كلمة اليقين هذه في جميع الأبواب الفقهية موجود جزئيات لها. الآن هذه الجزئيات قال تسمى إما فروعًا، إما نسميها جزئيات مندرجة تحت اليقين، أو فروعًا مندرجة تحت اليقين. فلما قلت اليقين لا يزول بالشك أنا فعليًا حكمت على كل هذه الجزئيات، على كل هذه الفروع المندرجة تحت مفهوم اليقين، بماذا حكمت عليها؟ أنها لا تزول بالشك، صحيح.
نفس الشيء العادة محكمة، هسا العادة عندي عادات في النكاح، عندي عادات في البيوع، عندي عادات في القضاء، عندي عادات في كذا، هسا هذه كلها جزئيات وفروع، كلها داخلة تحت إيش؟ مفهوم العادة، فلما أقول العادة محكمة جميع هذه الفروع الموجودة والتي تندرج تحت كلمة العادة حكمت عليها بأنها إيش؟ محكمة، أي لها اعتبارها الشرعي، طبعًا بس سيأتي معنا تقييد لهذه العادات بعد ذلك. ممتاز، فهذا معنى قوله من حيث اشتمالها بماذا بالقوة. بقي علينا أن نعرف لماذا قال بالقوة وليس بالفعل؟ هو قال من حيث سميت كلية من حيث اشتمالها بالقوة، ما قال بالفعل، لأنه أنا لما قلت لك اليقين لا يزول بالشك هل أنا تطرقت لجميع الجزئيات بالتفصيل في باب المياه وفي باب الصلاة وفي باب الصيام وفي باب كذا، ولا أعطيت عبارة عامة يقين؟ وأنت ضمنيًا ستطبقها على جميع جزئياتها. فنقول والله القاعدة كجملة كجملة هي لا تحتوي على جميع الجزئيات بالصراحة والمنصوص، لكنها في قوة احتوائها على كل جزئياتها؛ لأن كلمة اليقين هي في قوة احتوائها على جميع أمثلة اليقين في الخارج، كلمة العادة هي في قوة احتوائها على جميع العادات المعتبرة، كلمة الأمور بمقاصدها كلمة الأمور هي في قوة اشتمالها على كل الأمور التي يحتاج فيها.
فهي إذًا بالقوة حكمنا على جميع الجزئيات وليس بالفعل، لأنه لو كان بالفعل لا يجب أن أنص على كل جزئي جزئي وأقول اليقين في باب الماء هو كذا وكذا، من شك في كذا وكذا فليتبع اليقين في باب الصلاة، من شك في عدد الركعات فليعتمد اليقين، ما شك هل هذا الماء طهور ولا طائف يعتمد، هيك رح تصير بالفعل، بس نحن في القاعدة ما بنص على كل فرد فرد، بنعطي إيش حكم عام، وهذا الحكم العام يندرج تحته جميع الجزئيات، فلذلك قال وسميت كلية من حيث اشتمالها بالقوة -وإن لم يكن بالفعل- على أحكام جميع جزئيات موضوعها. وتسمى هذه الجزئيات المندرجة تحت الموضوع فروعًا، واستخراج هذه الجزئيات من الموضوع يسمى إيش؟ تفريعًا. فمثلًا اليقين لا يزول بالشك، اعمل لي تفريع عليها، بتقول لي اليقين في باب المياه: إذا تيقنا من طهورية الماء وشككنا في نجاسته فاليقين لا يزول بالشك. إذا تيقنت أنني مثلًا متوضئ ثم شك هل أحدث، فاليقين لا يزول بالشك، هذا اسمه تفريع، هذا إيش اسمه في مصطلحهم؟ تفريع، تفريع من خلال القاعدة. ممتاز، طيب قاله الكفوي طبعًا، هذا الكلام أخذه من الكفوي، فقولنا مثلًا اليقين لا يزول بالشك قال قضية كلية يعرف بالنظر فيها قضايا جزئية، كقولنا من تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على يقينه، من شك في تنجس الماء بنى على يقينه وهو بقاء.
وهو بقاء طهارته من شك في عدد الركعات، بنى على اليقين وهو الأقل، وغيرها من القضايا الجزئية التي تندرج تحت القضية الكلية. فكانت تلك القضايا الكلية إذا أسست لهذه القضايا الجزئية استندت إليها واستقرت عليها وتسمى فروعًا لها.
واضح يا إخوان، إذاً ما معنى كلية؟ فهموا ما معنى قضايا، وفهمنا ما معنى الكلية. القضايا الكلية، انتقل بعد ذلك إلى الجزء الثاني وهو كلمة "الفقهية"، لكن حقيقة أنا أريد أن أستمر قليلاً لأنه لم يكمل التعريف. نحن قلنا القضايا الكلية، وأنا أعرف طبعًا لماذا اقتصر على هذا؛ لأن البعض هكذا يعرف القاعدة أصلاً، يقول: القاعدة هي قضية كلية ويسكت.
لكن خلونا نكمل التعريف ليكون مفهومًا أكثر. قال: "القضايا الكلية التي تعرف بالنظر فيها قضايا جزئية". أريدك أن تنتبه إلى موضوع، وهو أن القواعد الفقهية، والجزئيات التي يندرج تحتها، ترى هي أيضًا قضايا. اليقين لا يزول بالشك، انظروا إلى المثال الذي مثل: "اليقين لا يزول بالشك". ما هي الجزئيات التي تندرج تحتها؟ أول جزئية: من تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين.
لو قلت لك: "من تيقن طهارته وشك في الحدث بنى على اليقين"، هذه نفس الجملة، وهي لا تتكلم عن شخص معين، بل تتكلم بصورة عامة. هل أتكلم هنا عن شخص معين اسمه زيد أو عبيد، أم أتكلم بصيغة عموم؟ من هنا اسم موصول أو اسم شرط، فهي تفيد العموم أيضًا. فأصبحت حتى هذه القضايا المندرجة تحت القضايا الكلية هي في الواقع قضايا؛ هي جمل مثل: "من تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين".
هذه الجملة بحد ذاتها، لو جئنا إلى التعريفات المنطقية قبل قليل، إذا قلنا إنها اسم موصول، هل تصنف كلية أم جزئية؟ هل الأسماء الموصولة أو أسماء الشرط هي كلية -يمنع تصور وقوع الشركة فيها- أم جزئية؟ الصحيح أنها كلية، "من" كلي، بالتالي هذه الفروع التي تندرج تحت القضايا الكلية هي فعليًا قضايا كلية أيضًا.
الموضوع كله من الأسماء الموصولة، وتصوره في الواقع لا يمنع وقوع الشركة فيه. طبعًا هناك نقاش قديم في علم الوضع: هل "من" وضعت لشخص معين ابتداءً أم هي كأدوات الاستفهام؟ ولكن هي من حيث الاستعمال حقيقة هي كلية، فهي لا تنطبق على شخص بعينه، بل كل شخص تنطبق عليه القواعد يدخل تحتها، فهي قضية كلية بهذا الاعتبار. وهل يمكن أن نعتبرها مسورة أيضًا؟ نعم، هي مسورة لأننا إذا قلنا إن من صيغ العموم، فقد أصبحت مثل الاستغراقية؛ أي: كل من شك، كل من تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين.
إذًا فعليًا، في تعريف القاعدة الفقهية عندما قال: "القاعدة هي قضايا كلية تعرف بالنظر فيها قضايا جزئية"، مش كان ينبغي أن يقول: "تعرف بالنظر فيها قضايا كلية مندرجة تحت القضايا الكلية الأكبر منها"؟ لماذا قال: "يعرف بالنظر فيها قضايا جزئية"؟ نحن ربما نقول، كما ذكرنا سابقًا في باب العام والخاص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ومع قولنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾. فأولات الأحمال بالنظر إليها وحدها عام، لكن إذا نظرنا إليها باعتبار "والمطلقات" فهي خاص بالنسبة إلى ذلك العموم، وهذا نسميه الخصوص النسبي؛ هي بحد ذاتها "أولات الأحمال" معاييرها أنها عامة.
الذي يظهر لي أن كلمة "القضايا الجزئية" هنا هي ما سماه هنا قضايا جزئية، ويصلح أن يقول إن هذه جزئية لكن ليس على طريقة المناطقة؛ لأنه إذا أردت أن تأتي على طريقة المناطقة، أظن سيصطدم بأن هذه القضايا التي تسميها أنت هنا جزئية موضوعها كلي، وتكون مسورة بسور كلي، بل في أغلب الأحيان هي مسورة بسور كلي. فلماذا سميتها جزئية؟ يقول لك: سميت جزئية باعتبار أنها مندرجة تحت قاعدة أو قضية كلية أكبر منها. فأنا أتفق معك أن هذه التسمية للجزئية هي بالنسبة لاندراجها تحت قاعدة أو قضية كلية أكبر منها، أما بالنسبة لذاتها فهي في ذاتها كلية، كلية باعتبار موضوعها في الأكثر، وكلية باعتبار أنها تكون مسورة في أغلب الأحيان بسور كلي.
فالأصل أنها تكون قضايا كلية، يُعرف بالنظر فيها قضايا كلية أخرى مندرجة تحتها، لكنه قال: "قضايا كلية يُعرف بالنظر فيها قضايا جزئية"؛ لكي لا يعجقك بكلمة "كلية وكلية". أنا في عقلي الباطن أعرف أنه ما سماه هنا قضايا جزئية ليس على اصطلاح المناطقة، بل هي قضايا كلية أيضًا في الأغلب، لكنها جزئية باعتبار أنها جزئيات مندرجة تحت قضايا كلية أكبر منها.
واضح؟ هذا هو تعريف القاعدة بالمعنى العام، سواء كانت قاعدة أصولية أو فقهية أو عقلية أو ما شابه ذلك. نأتي الآن إلى المفردة الثانية وهي كلمة "فقهية"، والفقهية نسبة إلى علم الفقه. الفقه في اللغة هو الفهم، أما في الاصطلاح فعرفه ابن الحاجب في مختصره المشهور: "هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال".
هذا هو نفس تعريف "بلغة الوصول" الذي قعدنا عليه ونحن نعيد فيه. ونرى ماذا قال الشارح الأول لمختصر ابن الحاجب، وما الذي دخل وما الذي خرج، وكيف أن البعض أدخل المقلد في هذا التعريف واعتبره فقيهًا واعتُرض عليه. هذا كلام طويل من يريد الوقوف عليه فليرجع لشرحنا على "بلغة الوصول"، لست مستعدًا لأن أعيد الشرح، فليس هذا موضوعنا هنا.
نريد أي تعريف للفقه الآن بغرض المشي مع الشيخ هنا ككلام عام. قال: "فخرج بقوله العلم بالأحكام العلم بماذا؟ بالذوات والصفات والأفعال". طبعًا ناقشنا كلمة "العلم"، وهل كلمة العلم على مصطلح المتكلمين صحيحة هنا؟ والخلاف بين الرازي وغيره وكيف تم الرد، وهل العلم هنا هو مطلق الإدراك أم المراد به الجزم؟ إلى غير ذلك من الأمور التي تم مناقشتها مع الطوفي؛ لأن الطوفي في شرحه مختصر الروضة اعتمد هذا، فمن يريد أيضًا أن ينظر في المناقشات.
فبإمكانه أن يراجع شرح مختصر روضة للطوفي. المهم قلنا العلم، إذا أردنا أن نحملها الإطلاق فالعلم هنا الإدراك، سواء كان إدراكاً قطعياً أو إدراكاً ظنياً للأحكام. وأخرجنا بالعلم بالأحكام العلم بالذوات مثل: علمت زيداً، أو العلم بالصفات مثل: علمت أن عزتك قائمة، أو العلم بالأفعال مثل: علمت قيامك؛ فهذا كله ليس داخلاً هنا. المراد هنا العلم بالأحكام، والحكم هنا نسبة الشيء إلى الشيء إثباتاً أو نفياً، هذا مراد بالحكم، مثل: علمت أن زيداً قائم، علمت أن محمداً في البيت، علمت أن الصلاة واجبة، علمت أن بيع العين حرام. فهنا أنا عن أي علم أتكلم؟ هل علم بالذوات أو علم بالصفات أو علم بالأفعال أو علم بالأحكام؟ هو علم بالأحكام. ثم قال: الشرعية، لإخراج العلم بالأحكام النحوية والأحكام البلاغية. والأحكام الفرعية لإخراج العلم بالأحكام الشرعية الأصولية، سواء كانت أصول الدين أو أصول الفقه؛ لأن هذه أحكام، بس هذه أحكام أصولية، نحن نريد الأحكام الشرعية الفرعية.
قوله: وخرج عن أدلتها التفصيلية، خرج به العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من خلال الأدلة الإجمالية، وأنا أعتقد أن هذا ليس صحيحاً كثيراً؛ لأنني قلت العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، إذا قلت عن أدلتها التفصيلية هل أخرجت العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها الإجمالية؟ إذا كنت آخذ العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، فهو لا يكون من الأدلة الإجمالية أصلاً؛ لأن الأدلة الإجمالية تحتاج إلى أدلة تفصيلية حتى أستطيع من خلالها أصلاً أخذ أحكام شرعية فرعية. فالأولى أن يقال، والله أعلم، إن كلمة عن أدلتها التفصيلية أخرج بها العلم بالأحكام الشرعية الفرعية الذي يكون بالتقليد، والذي ليس عن أدلة تفصيلية؛ وإنما هذا العامي الذي سمع الشيخ قال حكماً فرعياً فالتزمه.
أعتقد أن الأولى أن نقول: أخرج به المقلد؛ فإنه عنده علم بالأحكام الشرعية الفرعية، لكنه ليس عن أدلة أصلاً وإنما عن تقليد بحت، هذا الذي خرج بقوله عن أدلتها التفصيلية. ويقول: إذ إن الأحكام الفرعية تستنبط من الأدلة، والأدلة نوعان إجمالية وتفصيلية. فالإجمالية ككون الكتاب والسنة والإجماع والقياس حجة في إثبات الأحكام، والبحث في الأدلة الإجمالية هو وظيفة الأصولي. وأما التفصيلية فهي النصوص كـ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ولا تحاسدوا، وإجمال الصلاة في الآية المذكورة وبيان جبريل لها، فهذه أدلة في مسائل معينة، والعلم بها هو وظيفة الفقيه. نعم معلوم أن الأصولي هو الذي ينظر في الأدلة الإجمالية، والفقيه هو الذي ينظر في الأدلة التفصيلية.
لكن أنا عرفت مأخذي أيها الكرام، مأخذي هو أنك لما تقول: الأصل في التعاريف أنه كل قيد يخرج به محترز جديد. العلم بالأحكام أخرجنا الذوات والأفعال، الشرعية الفرعية أخرجنا بالفرعية العلم بالأحكام الشرعية الأصولية. إذاً أنا وصلت إلى العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، فالمتوقع بعد ذلك أن يكون القيد لإخراج إما بالتقليد، أو من خلال الأدلة التفصيلية. في خيار ثالث وهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من خلال الأدلة الإجمالية، وهذا الخيار ليس موجوداً؛ لأنه أنت لن تستطيع أن تطلب الأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة الإجمالية، وإنما تعرفها من الأدلة التفصيلية. الأدلة الإجمالية وظيفتها تثبيت الحجج؛ كتاب، سنة، إجماع، قياس. أنا بالتأكيد لن أجد أحداً يعرف الأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة الإجمالية مباشرة، أي دليل إجمالي هو فقط يعطيك تصوراً عن المصدر التشريعي، لكن سيحتاج إلى دليل تفصيلي ولا بد.
ثم قال: إذ إن العالم بالأحكام الفرعية لا يخلو؛ إما أن تكون معرفته بالاستنباط من الأدلة التفصيلية وهو المجتهد، وإما أن يكون بتقليد المجتهد وهذا هو المقلد، وعلمه بها لا يسمى فقهاً اصطلاحاً. إذاً هذا هو الصواب، يعني الأصل هو الاقتصار على هذا الكلام؛ فهذا الكلام في الأخير هو الذي تحتاجه؛ أن يقول: إن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية إما أن يكون من خلال الاستنباط من الأدلة التفصيلية وهذا هو المجتهد وهذا هو الفقيه الذي يدخل في حد الفقه، وإما أن يكون من خلال تقليد المجتهد، فهذا الذي قلد المجتهد لم يعرف الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي وإنما عرفه من خلال تقليده فقط للمجتهد، فهذا لا يسمى فقيهاً. فهذا المقطع هو الذي ينبغي الاقتصار عليه، وأما ما ذُكر قبل ذلك ففيه نظر، والله أعلم.
ثم قال: الآن بقي حالة واحدة، ما هي؟ علم النبي صلى الله عليه وسلم بالأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة التفصيلية، هل هذا يسمى فقهاً؟ وكذلك علم جبريل، جبريل يعرف الأحكام الشرعية الفرعية، قالوا: من الأدلة التفصيلية؛ لأن جبريل هو الذي كان يأتي بالوحي، فهو يعرف الأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة التفصيلية. فهل يسمى هذا فقهاً؟ قالوا: لا؛ لأن هذا العلم الذي تلقاه النبي عليه الصلاة والسلام يسمى وحياً، والفقه هو شيء يدل على الاستنباط والاجتهاد. والنبي عليه الصلاة والسلام وإن كان يجوز له الاجتهاد، لكن أساساً طريقته في إعطائنا الأحكام عن الأدلة التفصيلية؛ نعم هو يفهم تماماً دلالة الدليل التفصيلي على الحكم، لكن هل هو توصل للحكم من الدليل التفصيلي ولا من خلال وحي الله له؟ قالوا: جل الأحكام إنما توصل إليها من خلال الوحي، وكذلك جبريل، فكلاهما رسول السماء ورسول الأرض، لديه علم بالأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة التفصيلية، ولكن ليس عن طريق الاستدلال وإنما عن طريق الوحي.
فقولنا بالاستدلال أخرج به العلم الحاصل بالضرورة كعلم النبي صلى الله عليه وسلم وعلم جبريل، فلا يسمى هذا فقهاً في الاصطلاح؛ لأنه حاصل بالضرورة لا بالاستدلال. طبعاً البعض أيضاً يلحق بهذا ما يلحق، كما قلت لكم إن كان فيه نوع من التشغيب، البعض يلحق بهذا كل الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة زي وجوب الصلوات الخمس، فيقول: كل الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، حتى ولو كنت أنا أعلم أن دليلها ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾، لكن خلاص ما دامت معلومة من الدين بالضرورة فإني لم أحصلها من خلال الدليل التفصيلي، وإنما علمك بها حصل بماذا؟ بالاضطرار الذي لا يمكنك أن تدفعه، وليس من خلال النظر والاجتهاد في الدليل التفصيلي.
يقولون كذلك من علم الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية ولكن ليس بالاستدلال وإنما بالضرورة، فهذا لا يسمى فقهاً. ولكن هذا فيه نظر، والأصل أن لا؛ حتى لو كانت الأحكام الفقهية معلومة من الدين بالضرورة، ما دام أنا عرفت دلالتها من النص، يعني عرضت دلالة النص عليها مع علمي بأنها معلومة من الدين بالضرورة، فعلمي بها يسمى فقهاً، فتعاضد علمي لها من الدليل التفصيلي مع علمي لها بالعلم الضروري، فليس هناك مشكلة في ذلك؛ فهذا يقين على يقين. فمحاولة إخراج الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة من حد الفقه هي محاولة غير سديدة، والله تعالى أعلم.
هكذا انتهينا من قضية القواعد ومن القيد الثاني، نذهب إلى الجهة الثانية، الآن سنعرف القواعد الفقهية باعتبارها أصبحت لقباً متداولاً في الأوساط العلمية. وهي حقيقة لقب على نوع من القضايا والجمل المتداولة في الأبحاث الفقهية. وأنا طبعاً في قضية تحتاج إلى نقاش، هو القواعد الفقهية هل أصبحت علماً ولا لم تصبح علماً؟ أنا أشعر أن الشيخ أيمن يرى أن القواعد الفقهية هي ما زالت قضية تبعية للفقه وليست علماً مستقلاً، لكن حقيقة هذه قضية فيها نزاع. الشيخ يعقوب الباحسين ومجموعة من المعاصرين يرون لا، أن القواعد الفقهية تطورت، ما عادت مجرد قضايا مبثوثة في كتب الفقه، ما دام يُصنَّف فيها كتب مستقلة ووُضع فيها القيود ووُضعت لها كذا، هي حقيقة تطورت إلى أن أصبحت علماً له أبحاثه وله أسسه وشروطه، ويُعرف بالمبادئ العشرة.
فهذه قضية فقط انتبه لها، أن البعض يعتبر أن القواعد الفقهية ليست علماً مستقلاً وإنما هي تبع لعلم الفقه، والبعض يعتبرها أنها أصبحت علماً مستقلاً بمصنفاته وكتبه وطرائقه وله حد وموضوع وثمرة ونسبة وفضل، والواضع والاسم والاستمداد وحكم الشارع. وهذا حقيقة أقرب إلى الصواب أنها أصبحت علماً برأسه، وإن كان هو من جملة العلوم الفقهية، لكن مثل أصول الفقه مثل الفقه، هذا أصبح علماً له طرائقه في التدريس والتصنيف والكتابة والتعامل.
أما هنا هو ماذا يقول؟ قد يقول من خلال ما سبق يتبين لك أن القواعد الفقهية هي ماذا؟ هي قضايا كلية. هذا بناء على تعريف أن القضية هي قضايا كلية، قضايا كلية شرعية عملية، هو أخذها من كلمة فقهية؛ لأن القواعد الفقهية هي قضايا كلية شرعية عملية. أقول: هذا ليس تعريفها باعتبارها لقباً، هذا تعريفها باعتبار أنك جمعت بين الجزئين، هذا المضاف والمضاف إليه. لما نقول القواعد الفقهية باعتبارها لقباً، إذاً أصبحت عبارة عن اسم لقبي على فن معين. وهذا قد يتناسب معه ما ذكره هنا الشيخ يعقوب الباحسين لما عرّفها، فقال إن شاء الله أجدها سريعاً، قال: فإننا نقترح تعريف هذا العلم بأنه العلم الذي يبحث فيه عن القضايا الفقهية الكلية التي جزئياتها قضايا فقهية كلية.
لماذا الشيخ يعقوب الباحسين قال القضايا الفقهية الكلية التي جزئياتها قضايا فقهية كلية؟ أنه كما قلت لكم قبل قليل، حقيقة القضايا الكلية التي يندرج تحتها من جزئيات، هو أيضاً قضايا كلية، ولكنها جزئيات باعتبار أنها مندرجة تحت شيء أعم منها فقط. فلذلك هو نظر بطريقة أخرى، هذه القراءة هي التي توسع مداركك وتصير تفهم أنه لماذا قال كذا لا هذا قال كذا، فاعتذر لهذا أنني أفهم ماذا يريد أن يقول ويصبح بالتالي لديك نوع من سعة الأفق. فالمهم الشيخ يعقوب الباحسين يرى أن لا، إذا بدنا نقول القواعد الفقهية باعتبارها لقباً على فن معين، هنا نحن انتقلنا إلى علم اسمه علم القواعد الفقهية، وهذا ساعتها سيعرف العلم الذي يبحث فيه عن القضايا الفقهية الكلية التي جزئياتها قضايا فقهية كلية، من حيث معنى هذه القواعد وما له صلة بها، ومن حيث أركان القاعدة وشروطها ومصدرها وحجيتها، ونشأة هذه القاعدة وتطورها ومن قال بها، وطريقة العلماء في التعامل معها.
طبعاً هو اعترف في النهاية يقول وهذا وإن لم يكن تعريفاً على طريقة المناطقة، أن هذا حفلة تعريفه حوالي ثلاث أربعة أسطر، قال: لكن هدفي من هذا التعريف هو أن أقرب لك صورة هذا العلم وما الذي نعنيه أن القواعد الفقهية علم. فلذلك لما يقول الشيخ أيمن الحبشي هنا أنها باعتبارها لقباً وعلماً، بعدين لما يأتي يعرّف فيقول القواعد الفقهية قضايا كلية شرعية عملية، هنا أقول أنت ما عرفتها باعتبارها علماً، أنت هنا فقط جمعت المضاف والمضاف إليه، فقلت القواعد الفقهية القضايا الكلية الشرعية العملية. لكن إذا أردتها علماً لقباً إذاً هي تصبح لقباً على فن ما، اسمه القواعد الفقهية؛ فهذه اللقبية تقتضي أن نجعلها علماً مستقلاً له أبحاثه المتعلقة به، والله تعالى أعلم. طبعاً هذه طريقة الشيخ أيمن، وهي مسألة مع كل هذه النقاشات هي لا تُخل من موضوع الكتاب؛ لأن هي نقاشات اجتهادية تفكيرية، ما هو الأنسب في الكلام، ما هو الأولى على طريقة أهل العلم.
فمثلاً قاعدة اليقين لا يزول بالشك، قال: تعتبر قضية كلية؛ فقد حكمنا على كل يقين بأنه لا يزول بالشك، وهي شرعية عملية؛ لأن فروعها وأفرادها كلها من علم الفقه، وهو مختص بالأحكام الشرعية العملية كما سبق. فنقول أنت هنا جمعت بين المضاف والمضاف إليه لكنك لم تستعمل القاعدة الفقهية كلقب.
تنبيهات، التنبيه الأول: هناك عدة إشكالات عادة تطرح لما تُعرَّف القواعد الفقهية، أول إشكالية هي كلمة الكلية. وهذه ليست خاصة حقيقة بس في القواعد الفقهية، بل حتى في القواعد النحوية والقواعد البلاغية؛ هذه القضية دائماً شاعت لما نقول القواعد البلاغية، القواعد الأصولية، القواعد الفقهية، تقول إنها قضايا كلية. طب ما معنى الكلية؟ قلتم الكلية هي التي حُكم فيها على كل أفرادها. طب في الواقع العملي هل القواعد الفقهية أو البلاغية أو الأصولية فعلاً تنطبق على جميع جزئياتها أم هي أغلبية وهناك استثناءات؟ نقول الواقع العملي يشهد بأن أغلب القواعد الفقهية والبلاغية والنحوية هي قواعد ليست كلية، هي قواعد أغلبية.
من قاعدة إلا ولها استثناء. فالميتة عند الحنابلة مثلاً، ألم نقل إن الميتة نجسة؟ ماذا استثنينا منها؟ الطريدة، والفأرة ومسكتها، والبيض اليابس التي بيضتها يابسة، وميتة البحر. مش أنتم تقولون كل ميتة نجسة؟ هاه قد استثنيتم منها، فأين القاعدة والضابط؟ وقس عليها كثيراً من الأمور، وأنت خلال دراستنا للكتب الفقهية نجد أن هذه المسألة لم تجرِ على القاعدة، هي مستثناة منها لعلة.
إذا صار هناك خرم صار في إشكال، كيف تصفون القواعد بأنها قضايا كلية بمعنى حكم فيها على كل أفرادها، ولكن لما نأتي إلى الواقع ما من قاعدة إلا ولها استثناء؟ فهمتم الإشكال؟ فماذا يقول؟ قد تجد في كتب بعض العلماء من ينتقد كون القواعد الفقهية كلية، بل أكثر قواعد العلوم ليست كلية؛ ربما القواعد العقلية هي الأقرب إلى الاطراد التام، بس القواعد العلمية الأخرى هي قواعد لها استثناءات. فنقول ماذا؟ قال: هناك من ينتقد كون القواعد الفقهية أنها كلية؛ لأنه ما من قاعدة إلا ولها استثناءات، فحكمها حينئذ هي أغلبية أكثرية لا كلية. ولذلك فعلاً كثير من أهل العلم الذين صنفوا في علم القواعد لما عرفوا القواعد الفقهية ما قالوا هي قضايا كلية، قالوا هي قضايا أغلبية. هذه وجهة نظرهم مسألة محتملة حقيقة.
لكن لماذا كثير من المحققين بقي مصراً على تعريفها بأنها كلية مع إدراكه بأن هناك استثناءات؟ يقول: والجواب هو فيما قرره الإمام الشاطبي عليه رحمه الله حيث قال: الأمر الكلي إذا ثبت كلياً، فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه ذلك عن كونه كلياً. وأيضاً فإن الغالب الأكثر معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي جديد يعارض هذا الكلي الثابت. إذاً في وجهة نظر الشاطبي عليه رحمه الله: أن الاستثناء لا يقدح بكلمة الكلية. وكأنه يرى -هذه نظرة الشاطبي- أن الكلي لا يزيل الكلية عنه إلا إذا كان المستثنيات كثيرة بحيث أصبحت تشكل هي بحد ذاتها تجمعاً سكانياً كلياً يعارض الكل السابق، عندئذ تنتفي الكلية عن السابق ولا يصلح أن يوصف أنه كلي، أما مجرد ثلاث، أربع، خمس استثناءات، قال: هذا لا يخدش في أنه يسمى كلياً باعتبار الأعم الأغلب.
إذاً، الشاطبي يرى أن الشيء يبقى كلياً باعتبار الأعم الأغلب، ولو خرجت منه بعض الاستثناءات، فهذه الاستثناءات الشاردة ما دامت قليلة خفيفة لا ينتظم منها كلي جديد يعارض الكل السابق، فإنها لا تقدح في أن القاعدة تسمى كلياً. طبعاً هذا اتجاه منه إلى أن الكلي لا يشترط فيه أن يكون على الجميع مئة بالمئة، بل لو شذ واحد أو اثنان أو ثلاثة يقبل، وهذا جرياً منه على قاعدة العرب؛ كما جاء في حديث أم سلمة: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صام شعبان كله». قالوا: العرب تقول له «كله» مع أنه يكون أفطر يوماً أو يومين؛ لأنه هذا يتعارض مع حديث عائشة: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان». طيب فكيف أم سلمة تقول: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام صام شعبان كله؟ قالوا: أطلقت الكل وأرادت الأغلب. أطلقت الكل وأرادت الأغلب، وهذه طريقة شائعة عند العرب، أنه لما يكون الشغلة راح منها واحد أو اثنان يتجوز ويقول الكل. ولذلك كان ابن جرير الطبري لما رأى أن الإجماع ينعقد بقول الأكثرية، كأنه التجا إلى هذه القاعدة، ورأى أن مخالفة الواحد والاثنين لا تقدح في كلية الإجماع.
لكن يمكن أن نضيف حقيقة إجابة أخرى وأرى أنها مهمة هنا، وهو أن نقول: في الواقع ما من استثناء من قاعدة، إلا إذا ثبت أن فعلاً هذا الجزئي مستثنى من هذه القاعدة، فهو دليل على أنه أليق بقاعدة أخرى يندرج تحتها، وأنه ليس مناسباً لهذه القاعدة. ما من جزئي تم استثناؤه من قاعدة إلا وكان هذا الاستثناء -إن صح- دليلاً على أن هذا الجزء ليس لائقاً بهذه القاعدة، بل هو مندرج تحت قاعدة أخرى هو أليق بها. فباختصار ما عندنا جزئيات فلتت في الشريعة هكذا لا يوجد شيء يضبطها، لا، هذه الجزئية التي استثنيناها إنما استثنيناها لأنها مندرجة تحت قاعدة أخرى هي أليق بها؛ فلا يتحقق فيها تحقيق المناط، أي لا يتحقق فيها مناط القاعدة الأولى بشكل واضح كما يتحقق مناط أخرى. وهذا الجواب أظن أيضاً يبتعد عن الاعتراض أكثر وأكثر. فكل قاعدة كلية هي كلية فعلاً، والمستثنى منها ليس مستثنى إلا لأنه أليق بقاعدة أخرى، فبقيت القاعدة محافظة على كليتها فيما هو مناسب لها.
التنبيه الثاني في النسبة بين الفقه والقواعد الفقهية: العلاقة بين هذين العلمين، قد عرفت أن القواعد الفقهية منسوبة لعلم الفقه، ومن المعلوم أن لكل علم قواعد، ولم يؤحد عند أهل العلم اعتبار قواعد علم ما علماً مستقلاً عنه، فلا يقال علم النحو وعلم قواعد النحو، وعلم الأصول وعلم قواعد الأصول. ولذا نقول: لا يصح اعتبار القواعد الفقهية علماً مستقلاً مبايناً عن الفقه، بل هي جزء منه ولو أُفردت بالتأليف. هذه كما قلت لكم وجهة نظر الشيخ أيمن حفظه الله، وهو أن القواعد الفقهية ليست منفصلة عن الفقه وليست علماً مستقلاً، بل هي مندرجة وتابعة لعلم الفقه شاء من شاء وأبى من أبى، باعتبار قال حتى ولو أُفردت بالتصنيف. لماذا؟ يقول لك: هل نقول علم النحو وعلم قواعد النحو؟ قواعد النحو هي نفس علم النحو. هل نقول علم الأصول وعلم قواعد الأصول، ولا علم الأصول هو نفسه علم قواعد الأصول؟ نفس هذه.
كيف يمكن أن نناقش هذا الكلام حقيقة؟ كلام الشيخ قريب، لكن ما يمكن أن نقوله هنا أن الواقع العملي هو الذي أثبت التباين؛ وهو أن علم النحو هو أصلاً لا يدرس فيه إلا قواعد النحو، وقواعد النحو نأخذ منها تطبيقات اثنين، ثلاثة، يلا ائت بجملة فيها الفاعل جاء زيد، ائت بجملة فيها مبتدأ وخبر، فأنت فقط تطبق على القواعد. لكن ونفس الشيء في كثير من العلوم أنه فعلاً قواعد العلم هي نفس العلم، لكن في الواقع هنا في هذه المسألة الفقه والقواعد الفقهية نجد أن هناك في الواقع العملي فرقاً؛ أن هناك كتباً هي كتب الفقه، التي تدرس فيها التفاصيل والجزئيات؛ فنبدأ باب المياه: المياه ثلاثة، طهور وطاهر ونجس، والطهور أنواعه واحد، اثنين، ثلاثة، إلخ، والطاهر وأنواعه واحد، اثنين، هذا هو الذي في العرف يسمى فقهاً، وهذه مجالاته. وفي المقابل عندنا كتب -خلاص الواقع العملي أفردها- وأصبحت تعتني فقط بالقواعد والضوابط التي تجمع المسائل المبثوثة في كتب الفقه، يعني أصبح عندي كتب تهتم بالمسائل المبثوثة، وكتب تهتم بالقواعد الجامعة للمسائل المبثوثة. هذا الذي أفرزه طبيعة هذه العلوم.
فإذا كان طبيعة علم النحو وعلم قواعد النحو لا يفترقان، فلعل طبيعة الفقه وطبيعة قواعد الفقه أنهما يفترقان من حيث الواقع التدريسي والتعليمي والتصنيفي؛ أن هناك كتباً مستقلة تذكر التفاصيل، يعني أنا ما عندي كتب تذكر علم النحو وحده فتذكر تفصيلات أمثلة جاء زيد، زيد قائم، ما في، بعدين كتب بتجي بتضبط لك هي القواعد، لا، هو الواقع أن كتب النحو هي كتب قواعد النحو، لا يوجد انفكاك حتى من حيث الواقع العملي. أما الفقه وقواعد الفقه، الواقع العملي يثبت أن هناك انفكاكاً بين هذين من حيث التعامل والتعاطي وطرق الترقي، آلياته مختلفة عن آليات ذلك العلم. فمحاولة قياس مسألة الفقه وقواعد الفقه على مسألة النحو وقواعد النحو أظن أنها من حيث الواقع قياس مع الفارق، والله أعلم.
ثم قال: التنبيه الثالث في معنى الأشباه والنظائر: كثيراً ما تسمى كتب القواعد الفقهية بكتب الأشباه والنظائر، من أشهرها كتاب السيوطي المعروف بكتاب الأشباه والنظائر، وقس عليه العديد من الكتب التي حملت هذا العنوان. فما الرابط أو الفارق بين مصطلح القواعد الفقهية وبين مصطلح الأشباه والنظائر؟ يقول الشيخ أيمن: قد سمى جماعة ممن كتب في القواعد كتابه في القواعد الفقهية باسم الأشباه والنظائر. والأشباه جمع شبه وشبه وشبيه، وهو بمعنى المثل، هذا بالمعنى اللغوي العام طبعاً. وأما النظائر فجمع نظيرة، ونظير الشيء أيضاً هو مثله؛ لأنه إذا نظر إليهما كانهما سواء في المنظر، هذا المعنى اللغوي لكلمة الشبه والنظير. بالتالي الأشباه والنظائر من حيث المعنى اللغوي متقاربة كلها بمعنى المثل، كلمة أشباه ونظائر.
قال: فتبين أن معناهما واحد من حيث اللغة، لكن ذكر الإمام السيوطي عليه رحمه الله فرقاً بينهما، وهذا الفرق لعله فرق مصنوع، يعني صنعته الآلة العلمية والكتابية، وهي ماذا؟ قال السيوطي: إن المشابهة تقتضي الاشتراك في أكثر الوجوه لا كلها. ولذلك يعني كما يقول في باب الأسماء الحسنى وصفات الذات، ماذا قال ربنا سبحانه؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ويقول ابن تيمية: لم يقل ليس كشبهه شيء؛ لأن هناك اشتراكاً في المعنى الكلي بين اسم الرحيم الذي يطلق على الله والذي يطلق على المخلوق في المعنى الكلي طبعاً وليس في اللوازم، هناك اشتراك في معنى الرؤوف الذي يطلق على الله ويطلق على المخلوق، فهذه مشابهة، لكن ما في مماثلة؛ لأن المماثلة هي التساوي بين الشيئين من كل وجه. فلذلك يقول السيوطي: المشابهة تقتضي الاشتراك في أكثر الوجوه لا في كلها، والبعض يقول في بعض الوجوه بدل أكثر. وأما المناظرة فيكفي حتى نقول هذا الشيء نظير لهذا، نكتفي فيها ببعض الوجوه، أن يتشابهوا ولو قالوا في خصلة أو خصلتين، قال: ولو وجهاً واحداً فيقال هذا نظير هذا في الطول، أو هذا نظير هذا في سمرته، في هذا الوجه وإن خالفه في سائر الجهات الأخرى.
من خلال كلام السيوطي ماذا نفهم؟ أن كلمة الأشباه هي المسائل التي تشترك في أكثر وجوهها، وأما النظائر فهي المسائل التي تشترك في وجه أو وجهين أو ثلاث فقط. هذا صار العرف الدارج في الكتب. وعلى هذا يقول الشيخ الحبشي: إن المساواة بين مسألتين فقهيتين من أكثر الوجوه يوجب من حيث الصناعة اشتراكاً في الحكم، صحيح؟ مثلاً زي ما قالوا بعض أن الصلاة في الثوب النجس والصلاة في المكان النجس، هما يشتركان في أنه هذه صلاة وصلاة، وهنا في نجاسة وهنا في نجاسة، الفرق صفى أن هذا مكان وهذا ثوب، ففي فرق أكيد بين المكان والثوب أن الثوب يلاصق البدن وأما المكان فهو منفصل عن البدن، فكان على رأي بعض الحنابلة هذا كان يقتضي على رأي بعضهم المساواة في الحكم، لكن حقيقة نحن ماذا قلنا؟ إنه من لم يجد إلا ثوباً نجساً يصلي ويعيد، صح؟ ولكن من لم يجد إلا مكاناً نجساً يصلي ولا يعيد، احنا فرقنا بينهم بس هناك رواية مخرجة قالوا لا ما في فرق وهذه شبيهة بهذه، شبيهة أي في أكثر الوجوه، فكان يقتضي أنه يسوى بينهما فصار في كل مسألة رواية مخرجة، إذا بتذكروا هذه ذكرناها أمثلة على النقل والتخريج عند الحنابله. فهنا هذا مثال ذلك، أن المساواة بين مسألتين فقهيتين من أكثر الوجوه يوجب في النظر الفقهي أن يشتركا في الحكم من حيث الأصل، وأما اشتراكهما في وجه أو وجهين مع اختلافهما في أكثر الوجوه الأخرى، فهذا يوجب اختلافهما في الحكم من حيث الأصل. فالأول هو الذي تعورف عرفاً فقهياً على تسميته بالمشابهة، والثاني هو الذي عرف فقهياً أصبح يسمى بالمناظرة.
وبالتالي ما معنى الأشباه والنظائر على هذه الطريقة؟ الأشباه هي المسائل الفقهية التي تشترك في أكثر وجوهها فأصبح حكمها واحداً، وأما النظائر فهي المسائل الفقهية التي تشترك في وجه أو وجهين ولكنها تفترق في وجوه كثيرة أخرى أدى هذا إلى اختلاف حكمها؛ فالأشباه متساوية في الحكم، والنظائر مختلفة في الحكم. في عكس بعض من حيث النتيجة، الأشباه الحكم واحد فيها، النظائر بالعكس. لذلك النظائر أقرب إلى ما يسمى علم الفروق الفقهية؛ فعلم الفروق الفقهية مسائل تشترك في بعض الوجوه لكن هناك اختلاف في أكثر الوجوه. تمام؟ بس هذا الكلام في النهاية إخواني هو كلام أغلبي، ليه؟ لأنه أحياناً قد تجد مسائل تشترك في أكثر الوجوه وتفترق في وجه واحد، لكن هذا الوجه هو المؤثر، وهو الذي اقتضى اختلافهما في الحكم. وفي المقابل تجد مسائل تشترك في وجهين أو ثلاث وعلى طريقة قياس الشبه ألحقناه، تذكروا قياس المذي على البول ولا نقيس المذي على المني، قاسوه على البول مع أنه ربما نقاط الافتراق بينه وبين البول أكثر من نقاط الاشتراك، لكن خلاص يعني قول لك مش مشكلة، يعني يكفي شبه في جزئية أو جزئيتين أو ثلاث حتى نلحق.
لكن لذلك ما قرأتموه هنا من كلام السيوطي والشيخ أيمن قل كلام أغلبي وليس قاعدة مضطردة تطبقها على كل الصور. قال: ومن ثم فيمكن أن يقال أن القواعد هي القضايا التي جمعت تحتها الفروع، هذا القواعد، والأشباه هي تلك الفروع نفسها التي دخلت تحت القضايا؛ يعني بدنا نعمل هكذا شيء يربط بين الأشباه والنظائر والقواعد الفقهية، عندي ثلاث مصطلحات: قاعدة فقهية، أشباه ونظائر. بيجي بقول لك القاعدة الفقهية هي القضية الكلية التي يندرج بالقوة مش قلنا قبل قليل.
بالقوة تحتها العديد من الفروع، هذه الفروع التي تندرج بالقوة تحت القاعدة الفقهية نسميها أشباه، وهي نفسها. وأما النظائر فهي تلك الفروع التي استثنيت من تلك القضايا الكلية. مش حكينا أي قاعدة في فروع تندرج تحتها وفي فروع مستثناة منها؟ الفروع المشتبهه التي تندرج تحتها تسمى أشباه، والفروع التي استثنيت منها نسميها نظائر. وهذا كما قلنا كلام أغلبي تقريبي، فمن ألف ملتفتاً إلى القضايا سمى كتابه بالقواعد، ومن ألف كتابه ملتفتاً إلى تلك الفروع الداخلة والخارجة سمى كتابه أشباه ونظائر. فمن اختار تسمية كتاب القواعد الفقهية خلص، هذا يريد أن يتكلم باعتبار القواعد بغض النظر عن الفروع الداخلة أو الخارجة، والذي اهتمامه تسلط على أني لا، أنا همي أن أبين الفروع المتشابهة والفروع التي استثنيت منها، مال إلى تسمية كتابه الأشباه والنظائر.
نكمل ما تبقى علينا من درس اليوم، وصلنا إلى قضية وهي ما هي العلاقة بين هذه العلوم الثلاث: الفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية؟ حتى أختصر عليكم الأمور نقول: أصول الفقه هو المصنع الذي يكون فيه أدوات الإنتاج؛ فعندك مصادر التشريع والقواعد الإجمالية وطرق الاستفادة منها، قواعد العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل ومفهوم الموافقة والمخالفة، هذه الأدوات نسميها المصنع، هذه الأدوات والآلات هي التي ستنتج الأحكام الفقهية، إذاً هي التي ستنتج الفقه. ثم لما تكثر المنتجات نحتاج أن نفرزها ونضع كل مجموعة من المنتجات المتشابهة في كرتونة خاصة بها، هذه كراتين الفرز هي التي تسمى القواعد الفقهية.
فإذاً الواقع يتضمن أن أصول الفقه هي البداية لأنها الأدوات والماكينات، هذه الأدوات والماكينات ستنتج الفقه، إذاً الفقه هي المرحلة الثانية. هذه المنتجات التي هي الفقه عندما تكثر وتصبح بالآلاف، يصبح المصنع يحتاج إلى مدير، فيقوم بفرزها داخل كراتين، كل كرتونة تتضمن السلع المتشابهة أو المنتجات المتشابهة، فهنا ستنتج عندي القواعد الفقهية. إذاً القواعد الفقهية هي المرحلة الأخيرة والختامية، إذاً أصول فقه تنتج الفقه، والفقه عندما يتم فرز مسائله ينتج عندي ما يسمى بالقواعد الفقهية. عرفنا كيف التسلسل الذهني لهذه العلوم الثلاث؟
يقول الشيخ أيمن: سبق أن عرفت معنى الفقه والقواعد الفقهية، وبقي أن نعرف معنى أصول الفقه، وجرت العادة على تعريفه باعتبارين: باعتباره مركباً إضافياً، وباعتباره لقباً، والذي يعنينا هو الاعتبار الثاني لأنه نحن لسنا في كتاب أصولي. فنقول عادة ما هو تعريف أصول الفقه؟ أخذناه مراراً وتكراراً: دلائل الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. وهنا الشيخ ذكر لكم ما الذي يدل عليه كل جملة من هذه الجمل: ما معنى معرفة أدلة الفقه الإجمالية، ما معنى كيفية الاستفادة منها، ما معنى حال المستفيد ومن هو المستفيد؟ هذا كله شرحناه بالتفصيل في بلغة الوصول، فأنا لا أحتاج إلى أن أكرره بعد أن شرح لك التعريف. قال ومن ثم يبين لك أن وظيفة الأصول تأتي أولاً لأنه يبين لنا الأدلة الإجمالية التي يصح الاحتجاج بها في إثبات الأحكام، ثم يبين لنا طرق ووسائل الاستنباط من الأدلة. ثم تأتي وظيفة الفقيه؛ بعد أن قرر له الأصول حجية القرآن مثلاً، ينظر الفقيه في الدليل التفصيلي باستعمال قاعدة أصولية في الاستنباط، فيستخرج لنا حكماً فقهياً. فينظر مثلاً الفقيه في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: 43] وهو دليل تفصيلي من مصدر إجمالي وهو الكتاب، فيطبق عليه قاعدة أصولية وهي كما قلنا الماكينة الموجودة في المصنع، وهي قاعدة: الأمر المطلق يقتضي الوجوب، فيستخرج لنا حكماً وهو وجوب الصلاة. قال ثم تأتي وظيفة من يقرر القواعد الفقهية فيستقرئ هذه المنتجات والمسائل الفقهية الكثيرة، ثم يجمع ما بينها اشتراكاً لينظمها تحت قاعدة فقهية واحدة. هذه إذاً التصور العام.
طب إن قيل ما هو الفرق؟ هل هناك فروق أخرى بين القواعد الأصولية مثل: قاعدة الأمر يقتضي الوجوب، العام يبقى على عمومه حتى يأتي المخصص، مفهوم الموافقة أقل مرتبة من دلالة المنطوق، ومفهوم المخالفة حجة عند كذا وكذا؟ هذه القواعد الأصولية، ممتاز، ما الفرق بينها وبين القواعد الفقهية: التابع تابع، والعادة محكمة، والأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك، وغيره؟ ما الفرق بين هذا النوع من القواعد؟ حقيقة هناك مجموعة من الفروق ذكر أربعة منها، وجيد أن تنتبه لها.
الفرق الأول: أن القاعدة الأصولية موضوعها الذي تبحث فيه هو الأدلة الإجمالية، فالقواعد الأصولية تتكلم عن الأدلة الإجمالية وما يتفرع عنها من دلالات الألفاظ وما شابه ذلك، فالأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد، هذه أيضاً تعتبر تابعة للقواعد الإجمالية. فكل القواعد الأصولية المتعلقة بدلالات الألفاظ تعتبر قواعد تتكلم عن الأدلة الإجمالية وأنواعها وفروعها. بخلاف القاعدة الفقهية، فالقاعدة الفقهية تبحث مباشرة في مسألة متعلقة بأفعال المكلفين: اليقين والشك، العادة محكمة، الضرر يزال، وقس على ذلك، فهي مباشرة تتحدث عن أفعال المكلفين، فتنظم مجموعة من الأفعال المتشابهة تحت حكم واحد. إذاً هذا أول فرق بينهما من حيث الموضوع.
ثانياً: القاعدة الأصولية سابقة من حيث الوجود على الفروع الفقهية، صح على التقسيم السابق، فإن الفروع لا تأتي إلا بعد النظر في الأدلة ومعرفة طرق الاستنباط. بخلاف القاعدة الفقهية فهي متأخرة عن الفروع الفقهية، إذ إنها استقراء للفروع الفقهية. إذاً القاعدة الأصولية تنتج الفروع الفقهية، والقاعدة الفقهية استقراء للفروع الفقهية.
ثالثاً: القاعدة الأصولية يتوصل من خلال النظر فيها إلى معرفة الحكم في الفرع الداخل تحتها لكن بصورة غير مباشرة، دون واسطة تطبيق. بخلاف القاعدة الفقهية فإنه يتوصل فيها إلى معرفة الحكم مباشرة؛ أي تنزيل القاعدة الأصولية على الدليل التفصيلي يحتاج إلى شخص متأهل لذلك. ما معنى ذلك؟ اليقين لا يزول بالشك قاعدة فقهية، أنا مباشرة أستطيع أن أسقطها على فرع فقهي في باب المياه، في باب الصلاة، في باب كذا. أما القاعدة الأصولية فلا تنتج لي مباشرة حكماً فقهياً إلا إذا استعنت بدليل تفصيلي، لأنه نحن اتفقنا قاعدة: العام يبقى على عمومه حتى يأتي المخصص، يلا أعطيني منها الفروع الفقهية التي تندرج تحتها؟ بتقول لي ما بيزبط، أنت أعطيني نصوصاً تفصيلية أطبق عليها القاعدة الأصولية حتى أنتج لك الفرع الفقهي. بخلاف القاعدة الفقهية؛ لا، القاعدة الفقهية مباشرة تستطيع أن تأخذ منها الحكم الفرعي الذي يندرج تحتها. طبعاً سيأتي معنا بعد قليل إن شاء الله مسألة: هل القاعدة الفقهية تصلح أن تكون دليلاً تشريعياً أو هي يستأنس بها؟ هذه مسألة نأتي إليها بعد قليل، لكن أنت الآن خذ العبرة والزبدة أن القاعدة الفقهية تدل على الفروع بصورة مباشرة، وأما القاعدة الأصولية فلا تدل على الفروع إلا بتوسط دليل تفصيلي. قال توضيحه: من شك في ماء هل هو طهور أم لا، فبمجرد نظره لقاعدة اليقين لا يزول بالشك سيقول: والله هذا الأصل أنه طهور حتى تثبت نجاسته. بخلاف من أراد معرفة مثلاً حكم الصلاة؛ فلا يمكنه بمجرد وقوفه على قاعدة: والله الأمر يقتضي الوجوب، خلص إذاً الصلاة واجبة، يا عمي كيف عرفت أن الصلاة واجبة من القاعدة؟ لازم تأتي بنص تفصيلي، بل ذلك مفتقر إلى معرفته بالدليل التفصيلي وقدرته على تطبيق القاعدة عليه حتى يعرف الحكم.
أخيراً فرق بينهما أيضاً: أن القواعد الأصولية طبيعتها تتسم بالعموم والشمولية بالثبات والاستقرار، وأما القواعد الفقهية فيكثر فيها الاستثناءات. القواعد الأصولية أقرب للاطراد من القواعد الفقهية، لأن القواعد الأصولية الأصل في وضعها أن تكون منهجاً معرفياً ثابتاً، هل يصح أن نقول القواعد الأصولية هي الماكينة، هل بصير الماكينة كل يوم تتغير وتكون مش مستقرة؟ لا، الماكينة هي منهج معرفي لازم يكون مستقر، مش كل يوم بتغير أو له فروع استثنائية كثيرة. بخلاف القواعد الفقهية لأنها نتاج أن عندي منتجات كثيرة وأنا بحاول ألملمها، بحاول أشوف يا عمي هذه مجموعة متشابهة، يا أخي حط لي إياها في هذه الكرتونة، هذه مجموعة متشابهة أخرى حط لي إياها في هذه الكرتونة. هسا لو اجت حبة مكان حبة أو شيء مش راح يضر كثير بعد أن تم الإنتاج، فالخطير هو أن تكون القاعدة الأصولية فيها خطأ، لأن هي التي تنتج. أما القواعد الفقهية فهي لملمة للفروع المتشابهة ومحاولة قولبتها داخل قاعدة أو فكرة واحدة تساعد على التصور في المستقبل، أني أصير أعرف: آه والله المسائل المتعلقة باليقين بروح فيها على هذه الكرتونة، المسائل المتعلقة بالعادة محكمة على هذه الكرتونة. هي عملية فرز ومساعدة وتسهيل على تجميع المتفرق، بس هي أساساً مش منتجة.
إذاً هذه أربعة فروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية. الآن سيأتي إلى بعض الأنواع والتفاصيل العامة المتعلقة بالقواعد الفقهية، أي بعض التقاسيم. يقول: تقسم القواعد الفقهية باعتبارات مختلفة.
أول تقسيم: تقسيم القواعد الفقهية من حيث كمية شمولها للفروع، فهنا تنقسم إلى قسمين: أولاً قواعد مشتملة على مسائل كثيرة في أبواب متعددة، في أبواب الطهارة والصلاة والزكاة والبيوع والإجارات والشركات والمناكحات والطلاق وغيرها. هذه القواعد المشتملة على مسائل كثيرة وفي أبواب متعددة هي بحد ذاتها تنقسم إلى نوعين: القواعد المشتملة على فروع فقهية في جميع أبواب الفقه تقريباً، جرى الاصطلاح على تسميتها القواعد الكلية الكبرى، وهي خمس قواعد: قاعدة الأمور بمقاصدها، قاعدة اليقين لا يزول بالشك، قاعدة المشقة تجلب التيسير، قاعدة الضرر يزال، وقاعدة العادة محكمة، هذه تسمى القواعد الكلية الكبرى. النوع الثاني: قواعد هي شاملة ولأبواب كثيرة متعددة لكنها لا تصل في شموليتها لدرجة القواعد الكلية الكبرى، هذه التي جرى الاصطلاح على تسميتها القواعد الكلية الصغرى. مثلاً من أمثلتها: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، قاعدة التابع تابع، قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله، قاعدة من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، وقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور. وكثير من هذه القواعد أصلاً هي تندرج تحت القواعد الكلية الكبرى السابقة، مثل قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور تعتبر قاعدة كلية صغرى مندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير، وقس على ذلك.
القسم الثاني: هي القواعد المشتملة على فروع فقهية لكن في باب واحد من الأبواب أو أبواب محدودة، هذه جرى الاصطلاح على تسميتها بأنها ضوابط فقهية وليست قواعد فقهية، وسماها تاج الدين السبكي مثلاً القواعد الخاصة. مثلاً من أمثلة ذلك لما يقولون في باب الميتات: ما قطع من حي فحكمه حكم ميتته، هذه ليست منتشرة في كل أبواب الفقه، هذه خاصة بباب الميتات، فهل تسميها قاعدة فقهية ولا ضابط فقهي؟ يسمى ضابطاً فقهياً لأنها متعلقة بباب واحد، مثلاً قاعدة: كل ميتة إلا السمك والجراد والآدمي، هل نقول هذه قاعدة ولا ضابط؟ والله هذه أقرب إلى أن تكون ضابطاً.
تنبيه: تبين مما سبق التفريق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي من حيث أن القاعدة أكثر شمولاً للفروع والضابط يختص بباب واحد في الأغلب، لكن ننبه على أن هذه في النهاية مجرد مصطلحات اشتهرت عند المتأخرين، وإلا فالغالب عند المتقدمين عدم التفريق بين القاعدة والضابط، والخطب سهل في ذلك، الأمر سهل. يمكن تجد واحداً يسمي القاعدة الشمولية ضابطاً أو يسمي القاعدة الجزئية قاعدة، ما عنده مشكلة في ذلك والعكس.
التقسيم الثاني: من جهة الاستقلال أو التبعية. هناك قواعد فقهية مستقلة، ليست شرطاً ولا قيداً لقواعد أخرى ولا مندرجة تحت غيرها، وأشهرها القواعد الخمس الكبرى التي مرت معنا، فهي قواعد مستقلة، ويمكن أن يضيف إليها قاعدة مثلاً: الخراج بالضمان، وكذلك قاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله، قاعدة مستقلة ليست هي تبع أو تقييد لقاعدة أخرى. القسم الثاني التي تسمى القواعد التابعة، وهي قواعد تذكر تقييداً لقواعد أكبر منها، تقييداً لها أو لبيان بعض شروطها. الصورة الأولى لها: أن تكون مندرجة تحت قاعدة أكبر منها، كأن تكون مختصة بباب معين من ضمن الأبواب التي تشتملها القاعدة التي هي أكبر منها. مثال ذلك: العبرة في الأيمان بالألفاظ أم بالأغراض؟ الأغراض يعني المقاصد، هل العبرة في باب اليمين لما آتي لأفسر يمينك هل أنظر إلى فقط لفظك أم أنظر إلى مقصدك من اللفظ؟ هذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الأمور بمقاصدها، ليست مستقلة، فقاعدة الأمور بمقاصدها من ضمن الأمور التي ننظر فيها الأيمان، فالأيمان أمر من الأمور، فتجد أن الحنابلة أول شيء يقول لك: عند تفسير اليمين لا بد أن ينظر إلى النية، إذاً عند الحنابلة الأيمان تندرج تحت قاعدة الأمور بمقاصدها. وكذلك قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة، تندرج تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29].
خلق لكم ما في الأرض جميعًا، حتى يثبت لنا خلاف ذلك. الصورة الثانية كما قلنا: أن تكون القاعدة التابعة هي قيد أو شرط لغيرها، أو استثناء من غيرها؛ كقاعدة: إنما تعتبر العادة متى أيها الكرام؟ إذا اطردت أو غلبت. هذه قيد لأي قاعدة؟ لقاعدة العادة محكمة، لأنه هل كل عادة محكمة؟ لا، فعليه لازم أضبطها، العادة المحكمة تضبطها قاعدة أخرى مندرجة تحتها، العادة إنما تعتبر إذا اطردت أو غلبت؛ كانت مضطردة مئة بالمئة أو أغلبية، أما العادة النادرة أو القليلة فهذه لا تحكم. وكذلك قاعدة: لا عبرة بالعرف الطارئ، وإنما العبرة بالعرف المستقر. أما العرف الطارئ وهو النادر الذي ليس مضطرداً ولا غالباً فهذا لا عبرة به، الذي يطرأ أحياناً وهذا سيأتي معنا إن شاء الله مفصلاً في الكتاب، لا تستصعبها إن شاء الله؛ فهذه تسمى قواعد تابعة لأنها مقيدة أو تعتبر شروطاً لقواعد أكبر منها.
هي طريقة أخرى في تقسيم القواعد؛ قواعد أيضاً تقسم من حيث مصدرها، فهناك قواعد فقهية أصلها ومصدرها نص شرعي، مثل قاعدة: الأمور بمقاصدها، ما أصلها؟ حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، هذا مصدر هذه القاعدة. وقاعدة: الخراج بالضمان، هذا أصلاً نص حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان البعض تكلف؛ الخراج بالضمان هي حديث أصلاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام أُعطي جوامع الكلم، فبعض كلماته الجامعة أصبحت هي بذاتها قاعدة وليس العلماء هم الذين شكلوها. في المقابل هناك قواعد مستنبطة، العلماء هم الذين شكلوها، استنبطها الفقهاء نتيجة استقرائهم للفروع الفقهية؛ كقول مثلاً الحنابله: كل ما صح بيعه صح قرضه إلا بني آدم، مش مار معنا أنه لا يصح إقراض العبيد والإماء لأن العرف لم يجرِ بإقراضهم ولا يؤول ذلك إلى إقراض الأمة كي توطأ؟ طبعاً هذه أقرب حقيقة إلى أن تكون ضابطاً لأنها متعلقة في باب القرض، ولكن مش مشكلة نحن بنمشيها؛ كونها وشأنها لا يعترض المثال.
تقسيم القواعد أيضاً من حيث الاتفاق عليها أو عدم الاتفاق عليها، هل كل القواعد الفقهية متفق عليها بين المذاهب؟ كلا، فهناك قواعد متفق عليها مثل القواعد الخمس الكبرى التي ذكرناها، وهناك قواعد هي أصلاً محل خلاف، زي قاعدة: كما قلنا هل العبرة في الإيمان بالألفاظ أم بالأغراض؟ بعض المذاهب تقول لك لا، العبرة بالألفاظ، وبعض المذاهب تقول لك العبرة بالأغراض. ولذلك القواعد التي هي فائدة استطرادية؛ القواعد التي تكون محل خلاف أو نقاش كثيراً ما يعبر عنها بصيغة الاستفهام، لا يؤتى عنها مباشرة كالخراج بالضمان، بل يعبر عنها: هل العبرة في الإيمان بالألفاظ أو بالأغراض؟ لما يعبر الفقيه أو القاعدي بهذه الطريقة وكأنه يشير إلى وجود خلاف في هذه القاعدة، فلذلك عبر عنها بصيغة الاستفهام وليس بصيغة جزمية واضحة.
كذلك قاعدة: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، في خلاف بين الجمهور وبين الشافعية في هذا الموضوع، فبعض الفقهاء يرون أن العبرة في الإيمان بالأغراض لا بالألفاظ، وبعضهم يرى أن العبرة في العقود بالألفاظ والمباني، وهذا كله سيأتي موضعه إن شاء الله. فهذه كلها تقسيمات ينبغي أن تكون حاضرة في ذهنك قبل أن نشرع في تحليل القواعد الفقهية.
الفصل الرابع: نتكلم عن حجية القواعد الفقهية، هل القواعد الفقهية تعتبر مصدراً من مصادر التشريع؟ طبعاً للوهلة الأولى أنت ماذا ستقول؟ نحن مر معنا يا شيخ أن القواعد الفقهية هي آخر شيء، فكيف تكون حجة ومصدراً تشريعياً؟ فتصبح هي نفسها ماكينة، أنت قلت القواعد الأصولية هي الماكينة تنتج فروعاً فقهية، والفروع الفقهية بنلملمها بعمل قواعد، صح؟ فهل يمكن أن تصبح القاعدة التي هي آخر شيء في الإنتاج تصبح هي في نفسها أداة إنتاج لفروع وجزئيات دون الحاجة للرجوع إلى قواعد أصولية؟ تصبح نفس القاعدة هي ماكينة داخل مصنع الإنتاج من خلالها ننتج أحكاماً، ماذا يقولون؟ هل يصح الاحتجاج بالقواعد الفقهية بأن تجعل دليلاً يفزع إليه الفقيه لإثبات ما يقرر من أحكام فقهية؟
والجواب أنه قد سبق تقسيم القواعد باعتبار مصدرها إلى قسمين، فهناك قواعد فقهية هي أصلاً مصدرها النص، زي الخراج بالضمان والأمور بمقاصدها، فهذه القواعد لا ريب أنه يحتج بها؛ لأنك فعلياً أنت لا تحتج بها باعتبارها قاعدة وإنما تحتج بها باعتبارها نصاً نبوياً، والاعتداد في الأصل بالنص لا بالقاعدة. وأما غيرها من القواعد وهي القواعد الاستنباطية، فهذه التي فيها خلاف بين أهل العلم، وكما قال الشيخ أيمن قل من تعرض لهذه المسألة من المتقدمين: هل يجوز الاحتجاج بالقاعدة الفقهية مباشرة أو لا؟ قال على أي حال الذي يظهر والله أعلم أن الجميع متفقون على صحة الاستئناس بها، وإنما اختلفوا هل هي دليل ومصدر تشريعي مستقل أو لا.
طبعاً الكلام بس حتى أكون دقيقاً أكثر، هل الكلام هنا سنتكلم عن القواعد الفقهية، أنا لما قلت هل ستصبح آلة أو ماكينة؛ الذي يظهر لي أن كلام الشيخ أن القواعد الفقهية باعتبار نصوصها لا يقصد هل تعتبر دليلاً تفصيلياً وليس دليلاً إجمالياً، يعني أنا ربما قلت قبل قليل هل ستصبح ماكينة أو أداة، لا هو لا يقصد ذلك؛ لأنه لو قلنا أنها ستصبح ماكينة فستصبح القاعدة الفقهية تحتاج إلى دليل تفصيلي معها. لا، حتى يكون كلامنا أدق، هل القواعد الفقهية تصلح أن تكون هي بذاتها دليلاً تفصيلياً؟ هذا التعبير أدق. فيقول القول الأول: أنها لا تصلح أن تكون دليلاً تفصيلياً بحد ذاتها، وهو ما يفهم من كلام إمام الحرمين الجويني، طبعاً كلام الجويني ذكره في الحاشية رقم واحد، حيث قال: وأنا الآن أضرب من قاعدة الشرع مثلين يقضي الفطن العجب منهما، وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح لدرك المسالك الذي مهدته في الزمان الخالي من قائم لله بالحجة من أهل العلم. قال: ولست أقصد الاستدلال بهما، هذا موطن الشاهد أنه قال: ولست أقصد الاستدلال بهما؛ يعني قال أضرب من قاعدة الشرع مثلين، قال: ولست أقصد الاستدلال بهما، فإن الزمان إذا فرض خالياً من التفاريع والتفاصيل لم يستند أهل الزمان إلا إلى مقطوع به، فالذي أذكره من أساليب الكلام في تفاصيل الظنون؛ فالمثلان أحدهما في الإباحة والآخر في براءة الذمة.
لكن حقيقة يكون واقع، كلام الجويني هنا لا يظهر لي أنه فعلاً يتكلم عن هذه المسألة؛ يعني لا يظهر لي أنه يتكلم هل القاعدة الفقهية تصلح أن تكون دليلاً تفصيلياً أو لا، وقوله ولست أقصد الاستدلال بهما، أي لست أقصد الاستدلال بهذين المثلين، مش بالقواعد الفقهية، لست أقصد الاستدلال بهذين المثلين ليه؟ قال لأن الزمان إذا فرض خالياً من التفاريع أصلاً، فإن الناس لا ليس لها حل إلا أن تعود إلى مصادر التشريع وإلى القواعد الأصولية المقطوع بها؛ هذه هي وجهة نظره وإشكاليته. أما هل هو فعلاً يريد أن يقول أن القواعد الفقهية لا تصلح أن تكون دليلاً تفصيلياً؟ أعتقد أن سياق الكلام الذي أُدندن حوله الجويني لا يشير إلى هذا والله أعلم، لذلك هو قال؛ وحتى الشيخ أيمن دقيق لما قال وهو ما يفهم، يعني ما قال هو نص، قال هو ما يفهم، وهذا يمكن أن يفهمه البعض ولكن ليس لزاماً أن يفهم كلام الجويني في الأسفل أنه يقصد أن القواعد الفقهية لا تصلح أن تكون دليلاً تفصيلياً.
أقول؛ يقول الشيخ أيمن: وأقوى ما يستدل به هؤلاء الذين يقولون أن القاعدة الفقهية لا تصلح أن تكون دليلاً تفصيلياً، وأن القواعد الفقهية في النهاية أغلبية ولها استثناءات، بخلاف النصوص الشرعية فهي ليست أغلبية؛ تمام، قال فليست منطبقة على جميع جزئياتها، ومن ثم فقد يكون الفرع الذي يستدل الفقيه على إثباته من خلال القاعدة من جملة المستثنيات. بس ماذا يمكن أن يقال؟ طبعاً هذه وجهة النظر، لكن يمكن أن يقال وكثير من عمومات الكتاب والسنة هي ليست على عموميتها، بل ما من عام إلا وقد خُص، والتخصيص يصل عند البعض أنه يخصص بماذا؟ بالمصلحة الشرعية المعتبرة، فقوله القواعد الفقهية أغلبية ذات استثناءات فليست منطبقة على جميع جزئياتها، فكذلك نقول وكثير من عموميات الكتاب والسنة أيضاً دخلها التخصيص، عرف ذلك من عرفه وجهل ذلك من جهله، حتى قالوا ما من عام إلا وقد خُص. فاعتبار أن عدم كلية القواعد الفقهية سبب في عدم اعتبارها دليلاً تفصيلياً فقط لأنها أغلبية وليست كلية، نقول كذلك كثير من نصوص الكتاب والسنة خُص بعضها بنص آخر، وخُص بعضها بالقياس، وخُص بعضها بقول صحابي، وخُص بعضها بالعرف المضطرد، وخُص بعضها بالمصلحة، وإلى غير ذلك من الأمور، فليس هذا يعتبر دليلاً قوياً في اعتقادي.
تمام، لكن يمكن أن يقال مثلاً أن القاعدة الفقهية المستنبطة هي بحد ذاتها اجتهادية؛ يعني الكتاب نص، السنة نص، الإجماع نص، قول الصحابي نص مثلاً. لكن القاعدة الفقهية التي من النوع الثاني المستنبطة، هي استنباط واجتهاد؛ لأنه القاعدة الفقهية إذا كان منصوصاً عليها خلص انتهينا يجوز الاستدلال بها، وكذلك إذا كان مجمعاً عليها، لكن نحن نتكلم عن قاعدة فقهية هي محل خلاف، هي استنباطية ليس مجمعاً عليها بهذا القيد؛ فهذا يمكن أن يقول البعض أنها في النهاية جهد بشري، يمكن أن تكون القاعدة من أصلها خاطئة، فأنت أولاً تحتاج إلى تثبيت القاعدة وقد لا يقبل الخصم دليلك في إثبات القاعدة، فلا أستطيع أن أستدل عليه بالقاعدة الفقهية إذا كان هو أصلاً رافض القاعدة من أصلها ولا كان أصلاً قاعدتك كلها أنا غير مقر بها، أنت لم تقم الدليل على صوابيتها حتى. لكن حتى هذا يمكن أن يجاب عليه ببعض مصادر التشريع أنها أيضاً مصادر التشريع مختلف فيها؛ هل كل مصادر التشريع أيضاً متفق عليها؟ أقول لك في مصادر التشريع مختلف فيها؛ إذا أنت لم تقبل مثلاً شرع من قبلنا كدليل، إذا أنت لم تعتبر قول الصحابي دليلاً، أنا لا يهمني رأيك، أنا يهمني رأيي، أنا أعتبر أن قول الصحابي دليل فأدين الله سبحانه وتعالى به، فكذلك المجتهد الذي توصل إلى قواعد فقهية رأى الدليل يقوم عليها فيقول لك أنا لن أناظر بها ولكن سأتعبد الله فيما يتعلق بيني وبين ربي.
ثم قال القول الثاني: أنها تصلح للاستدلال ووجود مسائل مستثناة من القاعدة لا يقدح في الاستدلال بها، وممن بنى بعض أحكامه أو ترجيحاته عليها القواعد الفقهية أبو العباس القرافي، ويفهم من مقدمة السيوطي للأشباه والنظائر أيضاً أنه يرى صحة الاستدلال بها، انظروا حاشية رقم ثلاث. طبعاً الحاشية رقم ثلاث لجمالها قلنا لا بد أن نقراها، يقول السيوطي في الأشباه والنظائر: اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، لاحظ أنه جعله فن؛ يعني كأنه جعله علماً من العلوم، قال: يطلع على حقائق الفقه ومداركه وماخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره؛ بدك تصبح ماهر في الفقه واستحضار المسائل الفقهية؟ اضبط القواعد الفقهية. قال: ويقتدر على الإلحاق والتخريج ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان؛ هذه كلها تدل على أهمية القواعد الفقهية، بس وين موطن الشاهد فيها؟ أنه ماذا قال السيوطي؟ وبها تعرف معرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، وكان هذا يفهم أن السيوطي يرى أن القاعدة الفقهية هي دليل تفصيلي، لمعرفة خلص منها تؤخذ أحكام المسائل التي ليست بمسطورة وأحكام النوازل؛ يعني أنا أحكام النوازل يمكن أفزع في دليلها إلى القواعد الفقهية، أنه قال وبها يعرف أحكام المسائل التي ليست بمسطورة والحوادث والوقائع التي لا تنقضي، فكان فيها إشارة إلى أن القاعدة الفقهية هي بحد ذاتها مصدر تفصيلي لمعرفة النوازل والأحكام الجديدة.
قلت: ومما يؤيد هذا القول والله أعلم أن أقل ما يقال في الاستدلال بالقاعدة الفقهية على مسألة النازلة أنه من قبيل إلحاق المسألة بمثيلاتها، أنه في النهاية القاعدة الفقهية مش قلنا هي تجمع أحكام جزئياتها؟ فإذا جاءت عندي مسألة نازلة يظهر لي أنها تندرج تحت القاعدة الفقهية، فأنت فعلياً ماذا قمت لما استدللت بالقاعدة؟ قمت بإلحاق هذه المسألة النازلة الجديدة بنظائرها، وهذا هو القياس الأصولي؛ لأن كما قلت لكم سابقاً القواعد الفقهية هي تمثل ماذا في كثير من صيغها؟ علل الأحكام، صحيح؟ فلما أقول والله هذا الفعل لا يصح بدليل القاعدة الفقهية: الضرر يزال، كأنني أشير إلى علة عدم صحة التصرف بأنني سألحقه بمثله من الجزئيات المندرجة تحت قاعدة الضرر يزال، والجامع بين النازلة وبين القديم هو القاعدة التي تمثل التعليل الفقهي وجود الضرر. فيقول إذاً أن أقل ما يقال في الاستدلال بالقاعدة على مسألة النازلة أنه من قبيل إلحاق المسألة بمثيلاتها، وقد علم أن الأصل في الشريعة عدم التفريق بين المتماثلات، فنبقى على الأصل حتى يرد ما ينقلنا عنه، ولذا لا نلتفت إلى الاستثناءات من القاعدة؛ لأن الاستثناءات هي على خلاف الأصل فيبقى الأصل قائماً وتبقى العلة قائمة ويبقى أن الضرر يزال.
تجي تقول لي: بس ما هو يا شيخ في بعض الأمور فيها ضرر، ولم نزل نقول هذا استثناء؟ وهذا الاستثناء لأن هذا الفرع المستثنى هو الأليق بقاعدة أخرى، لكن الأصل أن الضرر يزال. فما كان من النوازل فيه ضرر، يمكن أن أقول مباشرة: لا يجوز.
واستدلت بماذا؟ لأن القاعدة تقول: الضرر يزال. أنا استدلت بالقاعدة مباشرة، بس ضمنياً حقيقة في العقل الباطن، أنا ألحقت هذه النازلة بنظيراتها على طريق القياس الأصولي، بجامع واحد وهو ماذا؟ الضرر الذي يجب إزالته. فالشيخ أيمن يرى أنه يمكن حقيقة أن يقبل الاستدلال مباشرة بالقواعد الفقهية على المسائل النوازل بهذا الاعتبار، والأمر في ذلك سهل والله أعلم.
نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر، ونكمل ما تبقى من المقدمات في الدرس القادم إن كان في العمر بقية، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل